Revues.Univ-Ouargla

عمق التصوير البياني في القصيدة الشعبية الجزائرية بين الجمالية والتأثيرية

- استنطاق فني لديوان محمد بلخير شاعر الشيخ بوعمامة-pdf

د/عبد اللطيف حني

 جامعة الطارف

ملخص :

يسعى هذا البحث إلى الوقوف على شبكة الصور البيانية المشتغلة في الخطاب الشعري، ومدى توسل الشاعر بالتصوير البياني لتدبيج خطابه والارتقاء به إلى الجمالية والتأثيرية، متخذة من الشاعر الشعبي الجزائري محمد بلخير أنموذجا، حيث تبحث الدراسة في كفاءة توظيف الشاعر لمختلف الصور الاستعارية والتشبيهية والكنائية، مستفيدا من قدرتهم التصويرية، ومستعينا بهم في نقل معانيه الشعرية، كما تبين أثر الخيال في المتلقي ومدى شحن الخطاب بالدلالات العميقة والمعاني المؤثرة.

Abstract:

Stands of this study the manifestations of begged the poet images Technical his speech and taking them to the aesthetic and influential, using the popular poet Algerian "Mohamede Belekhaire" model, where the study examines the efficiency of recruitment poet of the various images anafor, taking advantage of their soundtracks, and using them in the transfer of the Meaning of Poetry , as shown by the effect of imagination in the recipient and the shipping address of significance affecting the deep meanings.

تمهيد :

يتوسل الأديب بالكثير من الأدوات الفنية التي بواسطتها يصوغ تجربته الشعرية ويعبر عن حاله وواقعه سلبا أو إيجابا، ومن أبرزها استعمالا الصورة الشعرية، التي تعتبر أداة مطواعة في يد الشاعر يشخص بها انفعالاته ويظهر في مكامنها المعاني التي تختلج في فكره ونفسه، فالصورة وسيلة لإظهار البؤر «الشعورية والتعبيرية، وكشف العوامل النفسية التي اشتركت في تكوينه والعوامل الخارجية كذلك» ([1]).

إن الصورة الشعرية تعكس الجانب الملفوظ لأفكارنا وأحاسيسنا فهي «تمثيل وقياس نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا» ([2])، وبذلك تكون وسيلة لنقل أفكار الأديب وتقريبها للمتلقي، والارتقاء به إلى مستوى التجربة الشعرية التي عاشها بشكل أسمى وأرقى، فيتفاعل معها فكريا وعاطفيا، لأن الصورة الشعرية تستوعب أبعاد الخيال المختلفة المدرك واللامدرك في آن واحد([3]).

وترتبط الصورة الشعرية بالفكر لأنه المختبر الذي تصاغ ضمن أطره وتصنّع وتصقل فيه، فهي حادثة ذهنية متعلقة بشكل أساسي بالإحساس، وبالتالي تستمد دينامكيتها من الحدث الذهني، وعلى هذا الأساس تكون الصورة «منهجا لبيان حقائق الأشياء»([4]).

1-حدود التصوير البياني في التنظير النقدي :

يقصد بالصورة لغةً تجسيم ورسم لإنسان أو حيوان أو تجسيم طبيعي، أما اصطلاحا فهي: «أسلوب يجعل الفكرة تبرز بكيفية أكثر حساسية وأكثر شاعرية، تمنح الشيء الموصوف أو المتكلم عنه أشكالا وملامح مستعارة من أشياء أخرى، تكون مع الشيء الموصوف علاقات التشابه والتقارب من أي وجه من الوجوه»([5]).

ويعرف الشاعر الفرنسي "بيار ريفاردي" (1889-1960) لفظة (Image) بأنها «إبداع ذهني صرف، وهي لا يمكن أن تنبثق من المقارنة وإنما من الجمع بين حقيقتين واقعيتين تتفاوتان في البعد قلة وكثرة، ولا يمكن إحداث صورة المقارنة بين حقيقيتين واقعيتين بعيدتين لم يدرك ما بينهما من علاقات سوى العقل»([6]).

وأهم ميزة يعرف بها العمل الإبداعي هو الصورة التي اهتم بها الباحثون منذ القدم إلى عصرنا الحالي فهي«في وضعها الرئيسي ليست تعبيرا منتقى قصد به أن تدل على فكرة مجردة حدد الشاعر معالمها سالفا ثم راح يتأمل تفاصيل الطبيعة من حوله يختار أكثرها مناسبة لتصوير فكرته، ولكنها انبثاق تلقائي حر يفرض نفسه على الشاعر كتعبير وحيد على لحظة نفسية انفعالية، تريد أن تجسد في حالة من الانسجام على الطبيعة من حيث هي مصدرها البعيد، وتنفرد عنها رتبا إلى درجة التناقض والعبث بنظامها وقوانينها وعلانيتها تأكيدا لوجودها الخاص ودلالتها الخاصة... ومن ثم فإن الصورة ليست أداة لتجسيد شعور أو فكر سابق عليها بل هي الشعور والفكر ذاته، لقد وجد بها ولم يوجد من خلالها »([7]).

ولعل المرزوقي تحدث عن عنصر التصوير من خلال ذكره أقسام الشعر السبعة وهي:«شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته والإصابة في الوصف والمقارنة في التشبيه التحام أجزاء النظم والتقائها على تخير لذيذ الوزن ومناسبة المستعار منه للمستعار له»([8]) فهذا القول يمثل نظرة القدامى للصورة الشعرية إذ لم ترد في مؤلفاتهم حديثا مخصوصا حولها، فالإصابة في الوصف والمقارنة في التشبيه ومناسبة المستعار منه للمستعار له يمثل في هذا المقام التصوير والتبيين والإيضاح.

وقد كان النقاد القدامى يهتمون بالصورة من حيث لا يدرون، وذلك بإيلاج إبداعهم عالم الوسائل البلاغية مثل التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، بيدَ أن تطبيقهم لهذه الوسائل كان جزئيا«لا يتعدى الجملة إلى البيت، أو البيت إلى القصيدة »([9]).

ويُعَدُ عبد القاهر الجرجاني من النقاد القدامى الذين اهتموا بالتصوير في العمل الأدبي في كتابه أسرار البلاغة وعلم البيان، حيث بيّن فيه وجهة نظره بقوله:«فالانتقال والصنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم، والتجميلات التي تهز الممدوحين وتحركهم وتفعّل فعلا شبيها بما يقع في نفس الناظر، إن التصاوير التي يشكلها الحذاق بالتخطيط والنقش والبحث والنقر، فكما إن تلك تعجب وتخلب وتروق وترنق وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور»([10]).

وانطلاقا مما سبق سَعينا قدر الإمكان تلخيص نظرة النقد العربي القديم إلى الصورة الشعرية التي اعتبارها عاملا تجميليا في القصيدة بعناصرها وطغيان الخيال الحسي المجسد لها المستمد من نظرة الشاعر للحياة وجزئيات الكون، ومن تجربته التلقائية الشعورية في حياته اليومية، لذلك تميزت نظرة العرب القدامى للصورة بسيطرة«النزعة الحسية على النظرة الجمالية في الشعر العربي، تلك النزعة التي تعتمد على الإقناع وإمتاع الحواس غالبا أكثر مما تعتمد على الإيحاء» ([11]).

واعتمد النقد الحديث في دراسته للصورة الشعرية على عنصر الخيال باعتباره عاملا ديناميكيا يقع على مستوى مخيلة الشاعر، يتمازج في خفة وتوافق مع التجارب الشعورية، ويولد الصورة البديعة لذلك فالصورة تبث الخيال في جمالية مطلقة.

وقد اعتبر الشاعر الإنكليزي كولوريدج– COLRIDGE– الخيال جانبا مهما وأعطاه الدور الحقيق في صنع وتشكيل الصورة، والمجسد لأعماق وأحاسيس الشاعر والكاشف لجماليات الحياة لديه، فهو«طاقة روحية هائلة أو عالما مطلقا غير محدود، بينما عالم الحياة المادية خامل محدود وزائل» ([12]).

ويؤسس عبد القادر القط نظرته للصورة على التشكيل المكون من الخيال والطاقات اللغوية والتعبيرية المكتسبة من الأديب فيقول :«الصورة في الشعر هي الشكل الفني الذي تتخذه الألفاظ والعبارات بعد أن ينظمها الشاعر في سياق بياني خاص ليعبر عن جانب التجربة الشعرية الكاملة في القصيدة، مستخدما طاقات اللغة وإمكاناتها في الدلالة والتركيب والإيقاع والحقيقة والمجاز والترادف والتضاد والمقابلة والجناس وغيرهما من وسائل التعبير الفني، والألفاظ والعبارات مادة الشاعر الأولى التي يصوغ منها ذلك الشكل الفني، ويرسم بها الصورة الشعرية» ([13]).

وتُمَثل الصورة عند نعيم اليافي «واسطة الشعر وجوهره، وكل قصيدة من القصائد وحدة كاملة، تنتظم في داخلها وحدات متعددة هي لبنات بنائها العام، وكل لبنة من هذه اللبنات تشكّل مع أخواتها الصورة الكلية التي هي العمل الفني نفسه»([14])، يعزي أحمد كمال زكي للصورة قدرتها على إبراز قدرات الشاعر الخيالية الخفية التي تشعرنا باللذة والتجربة، فيقول:« الصورة–على ما نعرف–هي لب الشعر ومناط قدرة الشاعر الفنية، وما يصحبها من عرض وتقرير قد يكون ضربا من التفكير الواعي أو شيئا يقتضيه الموقف، لاسيما إذا كان موضوعيا ولم يكن عجيبا من أجل ذلك أن يلجأ الشعراء المصورون القدماء من أمثال أبي تمام إلى الحكمة الشعرية من حيث كونها تلخيصا عميقا لمغزى مجموعة من الصور» ([15]).

تأسيسا على ما تقدم عرضه تبرز أهمية الصورة الشعرية في العمل الأدبي ودورها في إشعاعه وشحذه بالحياة عبر أحقاب القراءة الواعية، وتدبيجه بمختلف القيم«وجعله مخلوقا قابلا للنماء والتطور والتحور والتوالد المعنوي ولكونها مهمة في البناء الشعري وتركيبه الجمالي في عالم الإبداع» ([16])

وعليه سنحاول أن نتتبع توظيف الصور البيانية من خلال كشف أدواتها وأثرها في المعني في ديوان  الشاعر الشعبي بلبخير([17])، والتي تمثل عموما مرآة صادقة عاكسة لطبيعة النسج الشعري والإبداع الأدبي، ونكوّن نظرة مجملة عن كيفية تركيب صوره الشعرية المستلهمة من واقعه وتجاربه اليومية، فقد كانت باعثة للأفكار ومولدة للصور وموحية بالمعاني المستهدفة من الشاعر، فدوما تولد الصور« المبتكرة والرؤية المميزة، التجربة الموحدة والقدرة على استحضار الغائب، وتجسيده في علاقات عفوية توحد بين المتعارض والمتباعد في صورة جديدة  تعمق الأثر الشعري والفكري لدى المتلقي» ([18]).

يبدو أن التجارب العديدة وتأملات الكون وعناصره الطبيعية الخلابة والأحداث اليومية التي تحيط بالشاعر صقلت مخيلته الشعرية، وجعلت منه متفرجا عليها تارة، وأحد شخوصها تارة أخرى، فيجعلها مادة خصبة لأفكاره، فتستقر المادة الشعرية وتختزن لتتقد في مخيلته فينتج عن التفاعل توالد الصور المعبرة عن مشاهد الحياة اليومية بكل صدق وعمق وفنية.

ولعل العامل الرئيس في تركيب الصور المناسبة للموقف أو التجربة الشعورية هو الذاكرة الموحية التي تمتزج مع الخيال إذ«الشاعر إنسان يستطيع أن يجدد العهد بتأثرات حسية معينة كما لو كانت تحدث لأول مرة وليس الخيال نفسه إلا عملا من أعمال الذاكرة» ([19]).

2-التلوين التصويري في شعر محمد بلخير :

تتلون الصورة الشعرية عند محمد بلخير بمختلف الآليات البلاغة التي من شأنها خلق المعايشة النفسية لدى المتلقي والارتقاء به إلى التجربة الشعرية التي مرّ بها الشاعر، وبذلك إحداث الانسجام الذي يحقق النص الشعري، وأبرز الآليات البلاغية التي تدثر بها الخطاب الشعري عند بلخير هي الصور التشبيهية والاستعارية والكنائية التي كان لها جميعها الأثر الواضح والجلي في المعني، وسنحاول استعراض هذه الصور وبيان بلاغتها في خطابه :

أ-البعد الجمالي للتصوير الاستعاري في شعر بلخير :   

 استعان محمد بلخير بالاستعارة باعتبارها آلية بلاغية يسعى من خلالها إلى تبليغ معانيه، وإيصال أفكاره للمتلقي، ونلمس ذلك في هذه الأبيات التي يتوسل فيها لشيخه أن يزوره ويغنم برؤيته، موظفا التشكيل البياني للسمو بالصورة إلى التأثير العميق في المتلقي فيقول : ([20])

أَنَاِ قَلِبيِْ وَجْوَاْرْحيْ بْغَاْوَكْ يَاْ ضَوْ عْيَاْنيْ      اَحْنَاْ مُشْتَرْكَيْنْ فَيْ الْمَحـَبَةْ نَيّـةْ وَجْهَـاْدْ

أَنَاْ سَيْدِيْ زَيْنْ لَقْبَاْبْ بَيْهْ  نَاْفَرْ عَدْيَاْنِـيْ      وَيْدُوْ قُدَاْمْ يْدِيْ تْحُوْلْ بَيْنْ الْشَفْرَةْ  وَزْنَـادْ

يَاْ سَيْدِيْ عَاْرْ الله لاْ تْصُدْ عْلّيْ  تَهْدَاْنِيْ       بَرْكَاْكْ مِنْ الْتَأْجَيْلْ لاْ طُوْلْ شَيْ فِيْ الاتْعَاْدْ

يصور بلخير مدى تعلقه بووليه الشيخ بوعمامة الذي غاب عنه فازدادت ألامه وهمومه، وأضحى رهين المعاناة اليومية، فالقلب والجوارح تناديه وتريده حتى تهنأ وتنقشع عنها الظلمة، وقد قامت الاستعارة يتشخيص معاناة الشاعر وأكدت مرضه، وحققت شوقه إليه من خلال جعل الجوارح تشتاق إليه وتحبه وتطلبه في كل وقت وحين، فهما ونفسه يشتركون في المحبة والمحبوب، ويتقاسمون الوضع نفسه، فالشاعر أحسن تصوير وجع نفسه وشوق روح لوليه الصالح، بواسطة هذه الأداة التصويرية التي زادت المعنى وضوحا، وعمقت الدلالة وأدت الفكرة.

يبدو من خلال النصوص الشعرية أن الشاعر بلخير متعلق بوليه الصالح، ويشهد له بالولاية والسلطة على نفسه وأهل منطقته، باعتباره السياسي والشيخ والفقيه والمحارب، فهذه الميزات أهلت الشيخ بوعمامة إلى التربع على ذؤابة قومه، وهذا ما يكشفه خطاب شاعرنا حيث يظهر حبه وتعلقه به، فيقول : ([21])

مُوْلَىْ الْنُّوْبَةْ وَأَنْتَ وَبُوْعْلامْ الْشَيْخْ الْكِيْلاْنيْ      كْتُوْبُكْ قُطْبْ الأَشْيَاْخْ لَيْكْ رَبّيْ وَفَىْ الْمُرَاْدْ

وَأَنَاْ مَعْشُوْقْ مَعَ مْحَبْتُكْ حَاْجَةْ مَاْ تَلْـهَاْنِيْ      مَاْ يَنْسَاْكْ لْسَاْنِيْ مْعَ الْسْنَيْـنْ وَسَـاْيْرْ لاْبَاْدْ

الْبَاْرَحْ رَيْتَكْ فَيْ الْمْنَاْمْ وَإلاْ قَاْيَلْ  جَـاْنيْ      وَإِذَاْ كُنْتْ أَنْتَـاْيَاْ أَرْوَاْحْ لِيْ فَـيْ الْتْـوْرَاْدْ

لعل بلخير اعتمد على الصورة البيانية لإيصال فكرته للمتلقي وممارسة التأثير عليه ليتفاعل معها باعتبارها «طريقة خاصة من طرق التعبير، أو وجه من أوجه الدلالة تنحصر في معنى من المعاني من خصوصية وتأثير، ولكن أيا كانت هذه الخصوصية أو ذلك التأثير، فإن الصورة لا تغير من طبيعة المعنى في ذاته، إنها  لا تغير إلا من طريقة عرضه وكيفية تقديمه»([22]).

وهذا ما يظهر جليا حين أراد شاعرنا تبيين عميق عشقه وحبه لشيخه، استعان بالاستعارة التي وفرت له عمق المعنى وبعد الدلالة متمثلة في (مَاْ يَنْسَاْكْ لْسَاْنِيْ)، حيث شبه لسانه بالإنسان الذي لا ينسى حاجته أو فكرته التي اهتم بها، وما يعزز الصورة توارد المعنى في البيت الموالي الذي يؤكد تعلق بلخير بشيخه حيث لا يكتفي بترديد سيرته في يومه بل ينشغل به في ليله أثناء ترديد الأوراد الصوفية وفي منامه ليزوره في الأحلام ويروي ظمأه وتهنأ روحه وتخمد نيران شوقه إليه.

إن توظيف بلخير المتثاقف للاستعارة يكشف عن وعيه بماهيتها ودورها في الخطاب الشعري، كما يعمق اعتقادنا بجمالية النص الشعري الشعبي الجزائري الذي يمتلك المهارة في التعامل مع المتلقي، فيتوسل بكل الآليات والأدوات التي من شانها إحداث الشعرية في نصه، وجعل المتلقي يتفاعل مع معانيه فيستوعبها ويرتقي لتجربته الشعرية، وهذا ما يبدو جليا في نصوص شاعرنا عند مدحه لشيخه، حيث يقول : ([23]) 

شَاْهَدْ اللهْ عَاْلَمْ بَاَلَليْ خَلَقْ وْصَـاْرْ       وَعَاْرَفْ الْقَلْبْ اَلْلَيْ مَنْ خُوْهْ  مَهْمُوْمْ

بَفْضَاْلْ جَدّكْ وَبْجَاْهْ الْنّبَيْ  الْمُخْتَاْرْ       تَظْهَرْ أَعْلاْمِيْ بَعْدْ أَنْ كَاْنْ مَـرْدُوْمْ

أَبْغَيْتْ غَرْسْ جْنَاْنِيْ بْمَاْكْ يَخْضَاْرْ       وَأْنَدَيْرْ سَاْقَيْتِيْ فَوْقْ الْسّوًايَقْ تْعُـوْمْ

بُوْعْمَاْمَةْ مُوْلَىْ الْسّطْوَةْ وَ صّـبَاْرْ      بَـاْعْ نَفْسُـهْ للهْ بَاْلدَيْـنْ وَالْصَـوْمْ

والملاحظ على هذه الأبيات تعميق التشخيص وارتقاء شاعرنا بصوره الشعرية إلى حدود استثارة المتلقي، حين يشخص القلب بواسطة المجاز (الْقَلْبْ اَلْلَيْ مَنْ خُوْهْ) فجعله كالإنسان الذي يضيق أمره ولا يستطيع المقاومة ولا الصبر من جراء بعاد أهله وأحبته وأخوته، فقد ضجر من حاله ومن إهمالهم له، لا يطيق نسيان ذكراهم، فغرامهم قد تمكن منه واستبد به، فلا طاقة له على المقاومة، وهذا ما يؤكده البيت الثالث بواسطة تفعيل طاقات الاستعارة مرة أخرى، فالشاعر يتمنى أن تحيا روحه التي شبهها بغرس البستان بمحبة وزيارة شيخه بوعمامة الذي شبهه بالماء (غَرْسْ جْنَاْنِيْ بْمَاْكْ يَخْضَاْرْ)، ولم يكتف بذلك بدعم عجز البيت بصورة استعارية أخرى لتأكيد المعنى وتعميق الدلالة فشبه نفسه بالساقية وأرواح كل المريدين بالسواقي وتمنى ان تعلوهم وتتصدرهم، وكلها تصب في بحر الشيخ (وَأْنَدَيْرْ سَاْقَيْتِيْ فَوْقْ الْسّوًايَقْ)، إن بلخير شخص عشقه بالاستعارة المكنية وبجمالية في التعبير وبصور مأخوذة من واقعه ذات بعد دلالي عميق.

ويواصل بلخير وصف غرامه لوليه الصالح وتجسيده في صور مختلفة توحي بمدى أحاسيسه ومشاعره، مستعينا بصور مأخوذة من الواقع وتجربته الخاصة لرسم الموقف الشعري الموحي على طبيعة شعوره، كما يقول الشاعر الإنجليزي إليوت :«إن الذاكرة تلح على بعض التجارب دون بعضها، لأن الشاعر يراها فياضة بالدلالة، التي يحاول فضها، بأن يقدمها إلى الوعي»([24])، حيث يقول الشاعر : ([25])

مَفْتَاْحْ الْعَاْشْقَيْنْ طَبْ دْوًاْهُــمْ وَدْوَاْيَ        الْنّاْسْ الْلَيْ مْخَاْلْطَيْنَهْ بَالْصَدْقْ  يْنَاْلُـوْاْ

أَنَاْ قَوْلَيْ عْلَيْكْ وَالْمَاْلْ عْلَيْكْ هْدَاْيَــةْ        تَجْعَ    أندلس، بيروت، لبنان،  ط 03 ة  ض المديح النبوي والغزل العفيف.غلب شعره في مدح بطل المقاومة ، فهي مركبة على النتضادات لْ فَضْليْ عْلَىْ يَدْكْ وَأَنَاْ عَنْدِيْ فَاْلُهْ

أَنْتَ رَبْحِيْ وَسَعْيْتِيْ فَوْقْ اَلْلّيْ  سْعَاْيَهْ        تَجْعَلْ رَزْقِيْ قْرَيْبْ يَاْتِيْنِيْ مَاْ  نَغْدَاْلُـوْ

لعل شاعرنا يقترب من واقعه كثيرا وينقل صوره الشعرية منه قصد التأثير في متلقيه ودفعه إلى التفاعل مع معانيه ونقله إلى دواخل نفسه العليلة، وهذا ما حداه إلى إرسال المعنى في صورة مادية معروفة ملموسة لدى الذاكرة الشعبية المعتمدة على الحسية، والمعقولية، مستعينا بالاستعارة الموزعة عبر كل الأبيات السابقة، حيث كثفت المعنى ودققته، ونقلت صورة شوقه للولي(مَفْتَاْحْ الْعَاْشْقَيْنْ، تَجْعَ    أندلس، بيروت، لبنان،  ط 03 ة  ض المديح النبوي والغزل العفيف.غلب شعره في مدح بطل المقاومة ، فهي مركبة على النتضادات لْ فَضْليْ عْلَىْ يَدْكْ، رَبْحِيْ وَسَعْيْتِيْ، تَجْعَلْ رَزْقِيْ قْرَيْبْ يَاْتِيْنِيْ مَاْ  نَغْدَاْلُـوْ).

ويبدو أن بلخير يعتمد كثيرا على الصورة الوصفية المركبة من جزيئات متعددة ومختلفة ترتكز على الصورة البصرية المضاءة دوما من الخيال وتتدثر بالمعنى الكثيف، وقد عرفها فاين(Fayen) بأنها «كلام مشحون شحنا قويا يتألف عادة من عناصر محسوسة خطوط، ألوان، حركة ظلال، تحمل في تضاعيفها فكرة أو عاطفة أي أنها توحي بأكثر من المعنى الظاهر، وأكثر من انعكاس الواقع الخارجي، وتؤلف في مجموعها كلا منسجما» ([26]).

ويرسل شاعرنا رسالة معاتبة لشيخه بوعمامة على مجافاته له، وقطع للوصال وامتناعه عن زيارته وعدم السؤال عنه وعن أحواله، مما زاد في معاناة ومرض وحرقة جوى الشاعر، حيث يقول : ([27]) 

بَكْريْ كَاْنْ الْعْلامْ مَنْصُوْبْ عْلَيْكْ أَنْتَاْيَاْ       كَاْنَتْ قَاْعْ الْنْجُوْعْ تَدْرَقْ تَحْتْ ضْلاْلَـوْ

وَأَنْتَاْيْاَ بَعْتْنَاْ وَجَبْتْ مَعْـاْكْ الْشّـرْاْيَةْ        رَاْهْ الْبَيَاْعْ بَاْعْـنَاْ وَالْشّـرَاْيَةْ قْبَـاْلُـوْ

أَنْتَ خَلَيْتْنَاْ مْعَاْيَرْ لِلْـنّاْسْ شْـفَاْيَـةْ         الأَغْوَاْطْ عْزَاْزْ فِيْ مْنَاْقَبْ كْتُوْبَكْ قَاْلُـوْ

الْنَيْفْ أَدَاْرْ للْمْعارَفْ وَالْلَوْمَةْ تَاْليْـةْ        رَاْهْ الْلّيْ بَاْعْ شِيْ مَسَأَلَةْ تَنْقُصْ مِنْ مَاْلُوْ

نتلمس اجتهاد الشاعر في رسم صورة هوانه على وليه، حيث صاغها في طابع عتاب ولوم على غيابه عنه، مما جعل الناس يحتقرونه مع شيخه ولا يولونها اهتماما ولا قيمة بعد عز وجاه، مشخصا الولي في شجرة عظيمة لها ظلال تحتمي بها القوافل والقبائل (قَاْعْ الْنْجُوْعْ تَدْرَقْ تَحْتْ ضْلاْلَوْ) ونفسه المهملة بالسلعة المباعة (البيت الثاني والثالث)  بواسطة الاستعارة التي ساعدت على تكثيف المعنى، وقد اختار بلخير هذه المجازات لقوته وقربها من المعنى وكثرة دلالاتها، وقربها من تناول وفهم المتلقي.

4-البعد التأثيري والجمالي للصور التشبيهية :   

فُتنَ الأدباء والنقاد من قبل بالتشبيه فجلهم أسهبوا في تعريفه وبيان حدوده وراحوا يطبقونه على مختلف الخطابات الأدبية، وأعطوه العناية الكافية بالتنظير والدرس والتحليل «فالفتنة بالتشبيه فتنة قديمة، بل إن البراعة في صياغته اقترنت –لدى بعض الدارسين الأوائل-بالبراعة في نظم الشعر نفسه»([28])، وكلهم يجمعون على أنه «صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته، لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه»([29]) .

وتهتم الصورة التشبيهية الحديثة بكشف عوالم الأديب وتعميق دلالات معانيه، فهي المفاعل الذي يوجز نظرته للوجود، إذ «قد يأتي الشاعر بالبنية اللغوية الشكلية كاملة، وقد يقتصر على الطرفين الأساسين أو ثلاثة أركان، وكل ذلك مرتبط بأجواء الأديب النفسية والانفعالية»([30]) ويبيّن فايز الداية  القوام اللغوي للتشبيه المعتمد «على جزئين يذكران صراحة أو تأويلا، ولئن حذف أسلوبيا أحدهما فهو يعد موجودا من حيث المعنى وقد أصطلح النقاد والبلاغيون على تسمية لكل ذينك الجزئين، فالأول مشبه والآخر مشبه به، لأن الشاعر يقف عند طرف أو زاوية، ومنها ينطلق إلى المشبه به يحمل منه لونا أو شكلا أو حركة أو وظيفة فتتسع النقطة أو الزاوية في تجربته تنويرا وعمقا»([31]).

   ويكشف عبد القادر الرباعي مكانة التشبيه فيقول: «التشبيه مكان الصورة المفضلة عند جميع النقاد تقريبا؛ ذلك لأنهم–من جهة-رأوه اللون الذي جاء كثيرا في أشعار الجاهليين وكلامهم، حتى لو قال قائل هو أكثر كلامهم لم يبعد، لأنهم -من جهة أخرى-لمسو فيه القدرة على توفير الومضة الجمالية السريعة التي أحبوها»([32]).

إن المتأمل في ديوان محمد بلخير يلحظ تسخيره للصور التشبيهية التي استطاعت نقل تجاربه الشعورية للمتلقي، بمهارة ودقة وكثافة معنوية وبعد دلالي وخاصة في غزلياته المعدودة في شعره وهذا ما يتجلى في قوله :([33])

وَالْمْخَبّلْ عْلَىْ الْعَاْتَقْ رَاْبْ بَيْنْ الأَلْوَاْحْ        حْرَيْرْ سَيْلُهْ كِيْ الْفْرَاْشْ مَرْقُوْمْ  لَلْسَوْمْ

وَالْجْبَيْنْ الْصَاْفِيْ يَعَشِيْ عْلَىْ الْلّمَـاْحْ        كِيْ الْفَجْرْ إِذَاْ يَظْهَرْ بِاْلشْـعَاْعْ مَعْلُـوْمْ

مْنَيْنْ تُرْقَدْ تَـحْسَبْ بَـرَقْ شَلَـوْاْحْ         كِيْ الَبَرْقْ إذَاْ رَيّشْ فِيْ سْـمَاْهْ مَعْـلُوْمْ

يظهر الجانب الغزلي في شعر بلخير مشعا بالجمالية الفنية وتبدو على ملامحه المهارة اللفظية وهذا ما تكشفه الصور التشبيهية المودعة فيه، حين يصف جمال حبيبته قصد تقريب صورتها من متلقيه، وتشخيص جمالها بواسطة الاستعانة بالواقع، فهاهو يصف شعرها المترامي على كتفيها فيشبهه بالحرير(حْرَيْرْ سَيْلُهْ) وهو تشبيه بليغ ويشبهه أيضا بالفراش المزين بالرسوم والنقوش المعروض للبيع، حيث تبدو أركان التشبيه مرصودة الشعر(مشبه) الفراش المبسوط(مشبه به) الأداة(كي) ووجه الشبه (الإطلاق والتسريح)، ليواصل توظيف التشبيه عند تصوير الجبين الصافي الجميل المنظر مثل طلوع الفجر بأشعته البيضاء الجميلة، ويواصل تصوير جمال رؤيته مثل البرق الذي لاح في سمائه، مما يخلف مشهدا مضيئا وجميلا وساطعا، إن هذه التشبيهات نقلت صورة جمال الحبيبة وزاد المعنى تعميقا، وكشف عن شاعرية بلخير.

 يبدو أن شاعرنا يكثر من الاستعانة بالتشبيه، لأنه أقرب منالا من باقي أنواع الصور البيانية، وأسهل فهما للمتلقي الشعبي المقصود الأول من الخطاب، ويظهر هذا في قوله ([34]) :

حَاْجَبْ كَاْمْلَةْ الْزّيْنْ جَاْءْ مْقَسَمْ مَقْدُوْدْ مْسَاْوِيْ       وَعْيُوْنْهَاْ كَاْبُوْسْ فَيْ حْكُوْمَةْ بَاْيْ اَسْطَنْبُـوْلْ

خَدّهَاْ صُبْحَيّةْ وَإِلاْ قْنَاْزْ مَجْـلَسْ  بَحْـثَاْوِيْ      آغَاْ مَتْوَنَسْ بَيْهْ بَاْتْ يَقْدِيْ ضَـيّهْ  مَشْغُـوْلْ

عُنْقُكْ رَايَةْ الْطْرَاْدْ إذَ نَصِْبُوْهَاْ بَيْنْ  الْعْدَاِويْ      بَيْنْ الْطَيْفَيلْ الأَحْرَاْرْ وَالرْزَيْقَاْتْ نْهَاْرْ الْهَوْلْ

بَـدْنَكْ رَهْـدَاْنْ فَيْ صْمَاْيَـمْ الْبَلْدَةْ قَـاْوِيْ      وَإلاْ رُمْحْ مَسْلُوْلْ فَوْقْ صْـوَاْمَعْ  مَـصْقُوْلْ

تتجلى مهارة شاعرنا بلخير في رسم صور حبيبته، والسعي إلى تجسيدها وذلك بتفعيل أدوات الطبيعة لتقريب الصورة للمتلقي بأكثر جمالية وأتم شاعرية، وقد تكفل التشبيه البليغ بالتصوير الأفقي والعمودي لمعشوقته، حيث يشبه عينيها بفوهة المسدس المصنوع في تركيا (وَعْيُوْنْهَاْ كَاْبُوْسْ اَسْطَنْبُـوْلْ) والذي يتسم بالدقة والتفنن والجمال في صنعه، كما يعرف بإصابة هدفه عند التسديد، وهذه صورة دقيقة التركيب كثيفة المعاني قوية التأثير في المتلقي، لينتقل إلى خدّها ليشبهه بالصباح المشرق المضيء وبالجمر الذي سهر حوله مجلس الملك وظل متلألأ مشتعلا إلى الصباح بلونه الأحمر لم يتغير، وهذا تصوير بارع وماهر من شاعرنا، ويظهر هذا عندما ينتقل إلى رسم عنقها الذي يشبهه بسارية العلم المرتفعة والشاهقة والمرتفعة بين القوم عند كل خطب(عُنْقُكْ رَايَةْ الْطْرَاْدْ)، ويصور بدن حبيبته بالثلج المشهود في يوم حار(بَدْنَكْ رَهْدَاْنْ) أو رمح مصقول حاد (رُمْحْ مَسْلُوْلْ) .

ولعل هذه الأوصاف تعكس مهارة شاعرنا الدقيقة في التصوير، وواسع تجربته الشعرية، كما تحيلنا على نفسه المحبة للجمال، وسعيه إلى نقل أحاسيسه ومشاعره للمتلقي عبر سلسلة من الصور الشعرية ملونة بشتى ضروب الخيال.

ولا ينفك بلخير الابتعاد عن وصف معاناته من جراء الغرام الذي حل به فأدخل عليه المرض والتعب، فأضحى ليله نهارا ونهاره ليلا، ولتوصيف حالته المأساوية لجأ شاعرنا للتشبيه، حيث يقول : ([35])

صَـاْرْ لِيْ كِـيْ قُمْــرِيْ  الْسَـدّةْ       مَاْ جْبَـرْ جَنَحُهْ بَـاْشْ يْـطَيْـرْ

كَـالْـمَسْلَسَـلْ بَـيْـنْ الَـحَــدّةْ       مْقَـيْـمْ يَسْـتَـنّىْ فَيْ  الأَمَـيْرْ

عَاْوَدْ هَدّ الْهَدْرَةْ عْلَىْ صْحَاْبْ الْغْرَاْمْ        حَـاْلَـيْ حَـاْلْ الْـبَـرّاْنِــيْ

لعل من جماليات التصوير عند المنداسي الدقة في الوصف والتركيز في التعبير، وهذا يظهر في تشخيص نفسه العليلة جراء البعاد والبين عن الحبيبة، فصورها مثل الحمام المكسور الجناح(كِيْ قُمْرِيْ) الذي يود الطيران لزيارة أحبته فيرتوي من حبهم ومودتهم لكنه عاجز فأضحى حزين القلب مكسور الخاطر(جْبَرْ جَنَحُهْ بَاْشْ يْطَيْرْ)، ولا يكتفي بذلك بل يواصل توصيف حالته فيشبهها بالسجين المكبل بالسلاسل(كَالْمَسْلْسَلْ) ينتظر عفو الحاكم، وحال روحه أضحت كالغريب وحيدا كئيبا مبعدا عن الأهل والأحبة، فرق بينهم المكان والزمان، وبهذه الصور استطاع شاعرنا نقل حالته الداخلية ببلاغة وجمال، مما يؤكد مذهب الشاعر في اللجوء للبيان لتقوية وتنقية صوره، والتأكيد على فكرته والتأثير في متلقيه.

يبدو أن بلخير نجح في توظيف التشبيه بصورته البسيطة، من أجل خدمة المعنى وإيصاله للمتلقي، لأنه اعتمد تشبيهه على الإيجاز والتوضيح والإشارة البيانية الجمالية، بل استطاع أن يشخص حاله النفسية ويصف ألامها، مستنطقا البيئة ومنطلقاته وثقافته الدينية التي أعانته على حبك صورة التشبيه.

إن التجربة الشعرية التي عاشها بلخير، ومارس طقوسها وبينها بنجاح التشبيه، تعتمد على الإيجاز والتوضيح في آن واحد، فالشاعر يوظف الإشارة دون تفصيل في وصف ذاته وحالته وبعض التجارب المختلفة، كما نجح في إيصال المعنى بواسطة الصورة البيانية الممتعة، لأنه انتهج الصدق الفني أساس خلود الأعمال الأدبية، ونجاح الخطاب بمختلف تشكيلاته، ونجاح الصورة في إبلاغ المعنى للمتلقي.

5-جمالية الصور الكنائية في القصيدة الشعبية الجزائرية :

يرتكز حدود الكناية على الإخفاء والاستتار والمواراة عن المعنى الأساسي بلفظ آخر من جنسه، يدرك بالقرائن ولا يقصد بالإخفاء الغموض وعدم الفهم، ولكنه غموض فيه إيحاء ودعوة للمتلقي على إعمال فكره وذكاءه وعقله للوصول إلى المعنى المطلوب والصورة الحقيقية التي يقصدها المبدع، وهنا تكمن  البلاغة في عدم التصريح باللفظ مباشرة وبلغة بسيطة فلا يضفي على النص جمالا وخيالا وشعرية، لكن تكمن في إضمار هذا المعنى وإخفاءه وجعل المتلقي يصل إليه بتفاعله المباشر مع النص.

وتعمل الكناية على تحقيق جوهر البلاغة بتكثيف المعني وتعميقه في لفظ بليغ مبطن بالخيال لأن «الكلام إذا كانت عبارته رثة معرضة خلق لم يسم وإن كان مفهوم المعنى مكشوف المغزى»([36]) يطلب من المتلقي في الصورة الكنائية أن يوظف ثقافته الأدبية وذكاءه في المراد من الألفاظ وما وراء الإخفاء والغموض لأن«الوضوح المشهود في الأدب ليس هو ذلك الوضوح الذي يمكن أن يؤدي بالكلام لأن يوصف بالابتذال بان تميزه من صنوف التعبير ومحاولة الإخفاء –فيما نحن فيه-إنما هي من مظاهر تلك الفنية؛ لأن الأديب استطاع أن يتماشى مالا ينبغي أن يكون من مثله فإن للأدباء طرقا كثيرة يستطيعون النقاد منها إلى غايتهم»([37]).

تعتمد الكناية على معنيين؛ المعنى الأول القريب المحسوس المفهوم من ظاهر اللفظ وغالبا لا يقصده المبدع، وإنما وضع للدلالة والإشارة إلى المعنى الثاني وهو البعيد ويفهم بالذكاء عن طريق القرائن المختلفة وغالبا ما يكون المقصود وسنحاول كشف الصورة الكنائية عند بلخير، في شكواه من الأسر حيث يقول : ([38])

يَاْ الْسّاْيَــلْ لاْ تْسَـاْلْ  فِيّ        خَلّــيْـنِيْ كَيْـفْ رَاْدْ رَبّيْ

أَنَ يْفََـرّجْ خَاْلْقِــيْ عْـلَيّ       يَوَفِيْ لِيْ كِـيْ طَلَبْـت ْطَلْبِيْ

سُبْحَاْنُـوْ عَــاْلَ الْخْفَـّيةْ        عَاْلَـمْ بْعْـوَاْلَمْ كُـلّ  غَيْـبْ

لعل الشاعر في هذه الأبيات الثلاثة يسعى لإفادة المتلقي بمدى معاناته في السجن عندما أخذ أسيرا ونفي إلى مدينة كالفي بفرنسا بجزيرة كورسيكا، حيث يظهر ألما وحسرة وحرقة على أهله وأولاده، مُفعّلا أركان البيان ومنها الكناية وتظهر في(لاْ تْسَاْلْ) كناية شدة المصاب وكثرة الهموم التي يصعب سردها وعدها، و(خَلَيْنيْ كَيْفْ رَاْدْ رَبّيْ، يَفَْرَجْ خَاْلقيْ، يُوَفَيْ، سُبْحَاْنُوْ عَالَمْ الْخُفَيّةْ) كناية عن الصبر عن البلاء والمحنة واحتسابها عند الله تعالى، فالشاعر يتمسك بحبل الله في محنته ويرجو منه الفرج.

ويواصل شاعرنا سرد قصته على المتلقي حتى يتفاعل معه ويحس لألمه، ويصل لمعاناته فيعذره لما ذهب إليه، موظفا الكناية:([39])

يَاْ سَيْـدِيْ قَصْتِيْ قْصَيّــةْ        وَيْذُوْبْ الْصّمْ مَنْ عْــذَاْبِيْ

بَعْدْ أَنْ كَـاْنْ الْعْــلاْمْ  لَيْ       رَاْنِيْ بَيْنْ الْبْحُـــوْرْ مَخْيّيْ

يَـاْ رَبّيْ لاْ تْـهَــوّنْ بِيْ       وَتْشَفَكْ غُــرْبْتَيْ وَشَيْــبِيْ

لاْ تَـهْدَاْنِيْ مْعَ عَــدُوِيْ        سَرّحْ حَاْلِيْ تْــرُوْحْ عَـرْبِيْ

يوظف بلخر الكناية لسرد أحداث سجنه ومعاناته الأليمة التي وصفها بأنها تذوب الحجارة، وهي كناية عن شديد الألم، ويتحسر شاعرنا عن ماضيه المجيد المزهر المشهود بالبطولات(كَاْنْ الْعْلاْمْ لَيْ) وهي كناية عن القوة والإقدام، وكنى عن صفة الأسر والسجن(بَيْنْ البُحُورْ مْخَبيْ)، وكنى عن صفة الضعف والهوان التضرع لله تعالى (لاْ تْهَوَنْ بيْ)، (غُرْبْتيْ وْشَيْبِيْ)، كنى عن رغبته في التحرر والعودة لوطنه وأهله (تَهْدَانِيْ مَعَ عَدُوِيْ).

ويوجه بلخير جملة من النصائح والحكم خبرها في حياته للمتلقي، فيقول : ([40])

وَلاْ نــْوَرَيْــكْ يَاْ الْعَاْقَــلْ        الْدّنْيَاْ ذَاْكْ حَاْلْهــَاْ فَاْرَحْ وْحْزَيْـنْ

اَجْمَيْــعْ عْزَيْــزَهَاْ تْبَهْدـَلْ        تَرْضَىْ وَتْدُوْرْ بَيْنْ الأَضْدَاْدْ وَلَسْنَيْنْ

حُكُــْمْ الْكُفَــاْرْ هَمْ  طَاْيَـلْْ        فَاْزُوْا فَيْهْ الْيُهُوِدِ وَأْنـَذَلْ الْمَسْكَيـْنْ

الْسّــاْرَقْ وَالْوْكَــيْلْ صَاَيَلْ        وَأَهْلْ الْسْبَيْلْ عْلَىْ الْخَدَيْعَةْ مُتَفْقَيْـنْ

تشع أضواء الكناية عن موصوف من الأبيات التي يشخص فيها شاعرنا حال الإنسان في الدنيا فهو بين سرور وثبور، بين نجاح وخسارة، وعزيزها يذل يوما وذليلها قد يعز وما، فهي مركبة على المتضادات، وعلى المسلم التسليم لقضاء وقدر مولاه، كما يصور شاعرنا موصوفا آخر وهو المستعمر الذي عاث فسادا في بلاده، وكنى عنهم باليهود والكفار والسارق، أهل الخديعة، في المقابل كنى عن الجزائريين بالمسكين الذي نهب حقه وأحتقر في أرضه، فهذه الإشارات المعنوية مكنت النص الشعري من جمالية مطلقة، وابتعدت عن التصريح المكشوف إلى التلميح الخفي الذي يسلب المتلقي ويجعله يتفاعل حسيا ومعنويا.

تلونت الصور الكنائية لشاعرنا بالإيحاء الفعال على معانيه الشعرية، وقامت بتأثيرها المباشر على نفسية القارئ، وصورت أحاسيسه وشعوره لأن الإيحاء «يزيد من روعة التصوير لا التصريح وتزيد الإشارة من سحره لا المكاشفة، لأن الحيوية في الصورة الأدبية لا تتحقق إلا بالإيحاء فيها بمعان تسمح للقارئ بالميول والمغالبة و تدفعه لتنشيط عقله وخياله»([41]) وهذا ما تقوم به الصورة، إذ«لا تكتفي بمجرد التنفيس، بل تحاول عامدة أن تنقل الانفعال إلى الآخرين، وتثير فيهم نظير ما أثارته تجربة الشاعر فيه من عاطفة»([42]) فلابد أن تتصف الصورة بالإيحاء حتى تؤثر في الآخرين، فهي« وسيلة الشاعر في محاولته إخراج ما بقلبه وعقله أولا وإيصاله إلى غيره ثانيا» ([43]).

ولعل أحمد الشايب يؤكد عمل ومهمة الصورة فيقول : «وهذه الوسائل التي يحاول بها الأديب نقل فكرته وعاطفته إلى قرائه أو سامعيه تدعى بالصورة الأدبية »([44]).

خاتمة:

تمكن بلخير من تفعيل الآليات البلاغية لحبك خطابه الشعري، ولنقل تجربته الشعرية وما تشعر به نفسه تجاه واقعه، واستعان في ذلك بكفاءة التصوير الفني مركزا على الصور الاستعارية والتشبيهية والكنائية التي لونت الخطاب وأكسبته فاعلية وإقناعية لا تتحول أبدا، فتلونت قصائده بمختلف الجماليات، مستعينا بطاقات اللغة الشعبية من معان وأصوات وتجانس بين حروفها، للاعتناء بالمعنى وإيصاله كاملا واضحا للمتلقي، ولم تعجز هذه اللغة على الأداء بل استجابت لأفكار شاعرنا، التي من شأنها أسر القارئ ولفت انتباهه إلى المعاني المكنونة في الخطاب الشعري الشعبي.

الهوامش :


[1]-سيد قطب، النقد الأدبي أصوله ومناهجه، دار الشروق، بيروت، لبنان، ط 03، 1980، ص 5.

[2]- عبد القاهر الجرجاني، دلائلالأعجازفيعلمالمعاني، تعليق :محمدرشيد،مكتبةالقاهرة،مصر، 1961، ص 330.

[3]- أرشبيالد مكليتر، الشعروالتجربة،ترجمة :سلمىالخضراءالجيوشي،بيروت1963 ، ص 67.

[4]- مصطفىناصف، الصورةالأدبية،دارالأندلس، بيروت، لبنان، ط 3، 1983، ص 08.

[5]- GRAND LAROUSSE ENCYCLOPEDIGUE  ، T. G . IMAGE ، PARIS ، 1960.

[6]-مجدي وهبة، معجم مصطلحاتالأدب، مكتبة لبنان، بيروت، 1974، ص 297.

[7]-محمد حسين عبد الله، الصورة الشعرية والبناء الشعري، دار المعارف، القاهرة، مصر، د ط، 1981، ص 33.

[8]-شرح ديوان الحماسة لأبي تمام، لجنة التأليف والنشر، القاهرة، ط01، 1951، ص 09.

[9]-عبد القادر الرباعي، الصورة الفنية في شعر أبي تمام، جامعة اليرموك : الدراسات الأدبية واللغوية، الرياض، السعودية، ط 01، د ط، 1980، ص 15.

[10]-عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة في علم البيان، صححه وعلق على حواشيه : محمد رشيد رضا، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، ط 02، 1981، ص 297.

[11]-السعيد الورقي، لغة الشعر العربي الحديث : مقوماته الفنية و طاقاتها الإبداعية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، د ط، د ت، ص 98.

[12]-عبد القادر الرباعي، الصورة الفنية في النقد الشعري (دراسة في النظرية و التطبيق)، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض، السعودية، ط: 01،  1984 م- 1405هـ، ص 77 – 78.

[13]-عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت،لبنان، دط، 1978، ص435.

[14]-نعيم اليافي، مقدمة لدراسة الصورة الفنية، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1982، ص 39-40 .

[15]-أحمد كمال زكي، دراسات في النقد الأدبي، دار الأندلس ، بيروت، لبنان، ط 02، 1980، ص 276.

[16]-رينية ويلك، أوستين وارين، نظرية الأدب، ترجمة: محي الدين صبحي، المؤسسة العربية للدراسات  والنشر، بيروت، لبنان، ط 02، 1981، ص 195.

[17]- محمد بن بالخير بن قدور المعروف بـ(محمد بلخير) من فحول الشعر الشعبي الجزائري ولد سنة 1835م بـ"تاغست" بالواد المالح دائرة بوعلام ولاية معسكر، توفي سنة 1906م، عرف باالذكاء والفروسية والجهاد ضد المستعمر الفرنسي أسر في مدينة كالفي بكورسيكا ثم أطلق سراحه، أغلب شعره في مدح بطل المقاومة الشعبية الشيخ بوعمامة إضافة إلى غرض المديح النبوي والغزل العفيف. (ينظر: العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، دار الشروق للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2008، ص 8-9-11-12)

[18]-إبراهيم رماني، الغموض في الشعر الحديث، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، د ط، 1991، ص 15.

[19]-مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، دار الأندلس، بيروت، لبنان،  ط 03، 1983، ص 14.

[20]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، دار الشروق للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2008، ص217.

[21]- نفسه، ص221.

[22]- جابرعصفور،الصورةالفنيةفيالتراثالنقديوالبلاغيعندالعرب، دار التنوير للطباعة والنشر، لبنان، ط 2، 1983، ص 392.

[23]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، ص 151.

[24]- مصطفى ناصف، الصورة الأدبية،  ص 33.

[25]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، ص 160.

[26]- مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، ص 03.

[27]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، ص 160-161 .

[28]-جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، ص127.

[29]- ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق : عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية، صيدا، لبنان، ط1، 2001، ج 1، ص 252.

[30]- فايز الداية، جماليات الأسلوب –الصورة الفنية في الأدب العربي-، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط 02، 2003، ص 72.

[31]- نفسه، ص 72.

[32]-عبد القادر الرباعي، الصورة الفنية في النقد الشعري –دراسة في النظرية والتطبيق-، ص 42.

[33]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، ص 284-285.

[34]-نفسه، ص 291 .

[35]-نفسه ص 69.

[36]-أبو هلال العسكري، الصناعتين، تحقيق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، مصر، ط02، 1971، ص 245، ص 16.

[37]-بدوي طبانة، علم البيان، دار الثقافة، بيروت، لبنان، د ط، د ت، ص 220 – 221.

[38]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، ص 176.

[39]- نفسه، ص 177.

[40]- نفسه، ص 178.

[41]-علي صبح، البناء الفني للصورة الأدبية عند ابن الرومي، مطبعة الأمانة، القاهرة، مصر، ط 01، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، مصر، ط 02، 1996، ص 212.

[42]-محمد النويهي، وظيفة الأدب بين الالتزام الفني والانفصام الجمالي، معهد البحوث والدراسات العربية، 1966 – 1967، ص 26.

[43]- عبد القادر الرباعي، الصورة الفنية في النقد الشعري، ص 41.

[44]-أحمد الشايب، أصول النقد الأدبي، النهضة المصرية، القاهرة، مصر، ط 08، 1973، ص 242.

Informations supplémentaires