pdfاللغة الشعرية ودورها في تشكيل جمالية المكان رواية

 " فوضى الحواس"  لأحلام مستغانمي ــ أنموذجا ــ

                                                                                                                          حسين عمارة

( الجزائر )

 تعد الرواية أكثر الفنونانفتاحا مقارنة ببقية الأجناس الأدبية الأخرى لأنها لا تخضع لأية قيود كما هو الحال بالنسبة الشعر الذي يعتمد بصورة كبيرة على موسيقى الكلمات وجماليتها وقد استطاعت الرواية الحديثة أن تستعير من الشعر شعريته وتصهرها في نسيجها مما أضفى عليهاجمالية مؤثرة ، و لا ننسى أن نشير هنا أن الشعر هو الآخر قد تأثر بالسرد الذي أكسبه عمقالذا فإنفتعرضنا لجمالية المكان في الرواية ،يتطلب منا بداية توضيح مفهوم "الشعرية" في الإبداع الأدبي ، فقد صار لهذا المصطلح حضوره اللافت في الكثير من الدراسات النقدية ، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في اختلاف النقاد في حد ذاتهم في ضبط مصطلح يحصل عليه الإجماع أو شبه الإجماع ، وهذه إمكانية لا تتأتى كثيرا في دراسة الفنون ومنها النقد الأدبي .

إن بعض الدارسين والنقاد يستخدمون أحيانا العديد مصطلحات دون التفريق بينها ولو أخذنا كمثال بسيط على ذلك كتاب غاستون باشلار الذي ترجم عنوانه تحت مسميات مختلفة "جماليات المكان" تارة و "شعرية المكان" تارة ثانية[1].                                          

ولعل الخلط الشائع يكون عادة بين مصطلحي الجمالية والشعرية، و يؤكد الناقد حسن ناظم على هذا الاختلاف بقوله: « إن لمصطلح "Poetics" ﴿الشعرية﴾ مقابلات تنوعتواحتشدت في ساحة الاشتغال النقدي ، للتعبير عـن مفهوم واحد بمصطلحاتمتنوعة في النقد العربي ، أو مفهومات عدة لمصطلح واحد في النقد الغربي, تتقارب وتتباعد تبعا للعصر والمنهج الذي يتبعه هذا الناقد أو ذاك. كما فُرضت عليها إرغامات كثيرة ، أسهمت في تعددها، فصار لدينا:  الشعرية الإنشائية، الشاعرية,الأدبية، علم الأدب، الفن الإبداعي ، فن النظم ، فن الشعر نظرية الشعر , بويطيقا، بويتيك»[2].       

أمـا الناقـد عبد الله الغذامي فيرى أن الأسـلوبية مـع الأدبـيةاتحدتا معا « في تكوين مصطلح واحد يضمهما ويوحدهما ثم يتجاوزهما،وهومصطلح﴿الشعرية  poetics""،ولقـد ترجمه الدكتور المسدي بكلمة " الإنشائية " .. و لكن هذه الترجمة لا تحمل روح المصطلح المذكور؛ فالإنشائية تحمل جفاف التعبير المدرسي العادي »[3].ومما هو ذائع عند الكثير من الناس،أن مفهـوم الشعرية خاص بفن الشعر، ولكـن البحثو التقصي يثبت زيف هـذا القول المتداول، فقـد ذكر ﴿أرسطو﴾ هـذا المصطلح في كتابه "فن الشعر " وهي تعني في مفهومه ؛ « القدرة على التصرف في أساليب الكلام  وهي عـدول عن المألوف  إنها شعرية الـفعل و الحركة »[4]. أما ﴿الفـارابي﴾ فـرأى أن الشعرية تتـولد من خلال« التوسع في العبارة بتكثير الألفاظ بعضها ببعض،و ترتيبها و تحسينها فيبتدئ حين ذلك أن تحدث الخطبية أولا ثم الشعرية قليلا قليلا .»[5] و هـذا يعني أن العمل على انتقاء الألفاظ و حسن ترتيبها و انحرافها عن الكلام العادي ، يخلق في النهاية ما يسمى بجمالية اللغةأو اللغة الشعرية ، التي تختلف من حيث قدرتها الإبداعية و طاقتها التخييلية عن اللغة العادية ،وهذا المفهوم أخذ به النقد الحديث في درسه للغة الشعر، و كذا للغة النثر يقول تودوروف في كتابه "الشعرية ": « و ستتعلق كلمة شعرية في هذا النص بالأدب، سواء كان ذلك منظوما أم لا، بل قـد تكاد تكون متعلقة على الخصوص بأعمال نثرية .»[6] و يوضح هذا الناقد ، أنه استند في فهمه لمصطلح الشعرية ، إلى قول الشاعر الفرنسي بول فاليري :« يبدو أن اسم شعرية ينطبق عليه إذا فهمناه بالعودة إلى معناه الاشتقاقي ، أي اسم لكل ما له صلة بإبداع كتب أو تأليفها ، حيث تكون اللغة في آن واحد الجوهر والوسيلةلا بالعودة إلى المعنى الضيق ، الذي يعني مجموعة من القواعد والمبادئ الجمالية ذات صلة بالشعر .»[7]  وقد رأى هذا الناقد أيضا ، أن هذه الشعرية لا تخص الشعر لوحده كما هي النظرة السائدة  وإنما« تتعلق كلمة شعرية في هذا النص بالأدب كله ، سواء منظوما أم لا، بل قد تكاد تكون متعلقة على الخصوص بأعمال نثرية .»[8]في حين فضل الدكتور الغذامي استعمال مصطلح الشاعرية لأنه حسب رأيه « يرفعه عن احتمالات الملابسة مع سواه ، و بدلا من أن نقول "شعرية " مما قد يتوجه بحركة زئبقية نافرة نحو "الشعر" ...نأخذ بكلمة "الشاعـرية" لتكون مصطلحـا جامـعا يصـف " اللغـة الأدبية " فـي النثـر و في الشعر معا، و يقوم في نفس العربي مقام "poetics " في نفس الغربي و يشمل مصطلحي "الأدبية"و"الأسلوبية" ».[9]وهـكذا يظل الاختلاف قائما في التسمية ، ولعل الظروف المختلفة تكون قد سمحت لمصطلح بالشيوع دون غيره ، حتى وإن كان لهما نفس الهدففنجد مثلا أن  « مصطلح الأدبية لم يجد الرواج الكافي لينتشر و يتبنى  فسرعان ما شاعت الشعرية وطغت عليه »[10] 

   و إذا كانت هذه الشعرية ، لا تقتصر على الشعر بل تشمل النثر أيضا، فهذا يعني أن مادتها التي تتشكل منها هي اللغة ،وهو ما أكد عليهتودوروف الذي تبحث شعريتهتحديدا « في أدبية الخطاب الأدبي المحض ، بعيدا عن سائر الخطابات الأخرى ، التي تحمل طابع الفلسفة والتاريخ ، لأنها تبحث عن أدبية اللغة في إطارها الانزياحي ، الذي لا يعرف حدودا تنفتح لفهم الخفي و الآتي هذا ما يرسخ الفكرة القائلة ،إن الشعرية هي عملية خلق لغة داخل لغة أخرى. »[11].  وقد أصر الناقد حسن ناظم على التمسك بلفظة الشعرية ، قائلا:« إن لفظة الشعرية قد شاعت و أثبتت صلاحيتها في كثير من كتب النقد فضلا عن الكتب المترجمة إلى العربية. » [12] .

وعلى هذا الأساس فضلنا أن يقتصر بحثنا هذا على استعمال لفظة "الشعرية" عند الحديث عن اللغة الإبداعية المعبر بها ، وعلى لفظة "الجمالية " عند ذكر الأثر الناتج عن فعل المكان في الذات المبدعة ، والمعبر عنه بلغة شعرية تعتمد توظيف تقنيات ( الوصف والتصوير و الترميز و الإيحاء والانزياح و التخييل والتكثيف ) في بناء المكان الروائي كل هذا طبعا وفق رؤية ذاتية خالصة ، هـذه الرؤيةمع اللغة تؤثران في المتلقي فيفـتتن بجمالية هذا المكان لغويا و ليس بصريا إلى الحد الذي يجعله يتشارك مع المبدع في إحساسه بالمكان ، وبمعنى آخر يمكن القول :أن الجمالية لعبة لغوية يمارسها المبدع فيستحيل معها المكان الغائب حاضرا متمثلا في ذهن القارئ ،وسواء أصوَرت- هذه التقنية أو اللعبة اللغوية- مكانا ساميا مقدسا أو مكانا دانيامدنسا ، فإن الأهم يبقى دائما  هو أن يستطيع المبدع تصوير ما يريده بوعي فني جمالي متميز، يبـعد هـذا المكان المتخيل عن رتابة الواقع ،« ويمكن تمثل مسألة الجماليات في مفهومين اثنين: مفهـوم الإبداع و مفهوم التلقي الجميل. »[13].                                      

« فهذا التعبير على الجوانب الخفية يشكل الفجائية و الدهشة و الخرق للمألوف يحقق الجمال الفني.»[14]وهـذا التعبير الجمالي يختص به الفن عمـوما والأدب و الأدب تحديدا  لتصبح صفة الشعرية « تمتد إلى الأمور المجردة طورا أو المحسوسة طورا آخر و تقوم لذة الحياة على تذوق الجمال و الاستمتاع به في الذوق و الشم و السمع   و النظر و اللمس و النظر.. ولما كان الأدب مما ينتمي إلى الأشياء الجميلة بحسن تصويره للأشياء ، فإن مسألة الجمال يجب أن تبحث في النص الأدبي، حتى يميز الجميل من الكلام من غير الجميل   لقد اتضحت إلى حد ما معالم الجمالية التي اجتهد النقد الغربي في تحديد معالمها و ضبط حدودها ، وهو ما يمكن أن يقال عن النقد الأدبي العربي الحديث أيضا الذي تبنى المناهج النقدية الغبية الحديثة واشتغل بترجمتها وعنى بتعريبها على ما أوضحنا سلفا ، و قد اشتغل العديد من النقاد على استنكناه جمالية المكان في النصوص العربية تنظيرا وتطبيقا في الوقت نفسه من ذلك ما ذكره الناقد كمال أبو ديب « إن استخدام الكلمات بأوضاعها القاموسية المتجمدةلا ينتج الشعرية بل ينتجها الخروج عن الكلمات عن طبيعتها الراسخة إلى طبيعة جديدة».[15]                  

إن جمالية المكان لا تتجسد فقط بتسمية الأمكنة في الرواية وتحديد أبعادها الهندسية  ولا حتى بجمالها الطبيعي المادي بل إنها تتجسّد قبل ذلك بمدى تفاعل الروائي الرائي معها و بالكيفية التي يعبر بها عن ذلك الجمال الذي أدهشه بطريقة فنية لغوية تثير الكثير من الإدهاش الناتج عن جمالية اللغة لا عن جمالية المكان المحسوس ، وقد ركزالبنيويون على الأنظمة اللغوية المخالفة للدلالات المعجمية المعهودة فوظفوا « ما يسمى بالانحراف أو العدول أو الانزياح  حسبما يفضله كل ناقد في الصياغة ، يمثل المنطقة التي يفضي تأملها إلى استكشاف خصوصية اللغة الشعرية و ما يصبح به الأدب أدبا،واكتشاف فاعلية هذا الإجراء في توليد الدهشة لدى المتلقين وجذب انتباههم إلى القول في حد ذاته »[16]  لـقد انتفت بهذا تلك النظرة التقليدية التي تمجد المكـان الخارجي   و تعنى برسم تفاصيله المادية عناية كبيرة ، حتى صار المتلقي لا يجد متعة ولا ينبهر بالمكان المذكور في الرواية ، بسبب هذا النقل الحرفي الممل للتفاصيل ، حتى لكأنه صورة فوتوغرافية ميتة ، لا تحرك الخيال ولا توقظ المشاعر فضلا عن أن تبهرها فكان لزاما على المبدع أن يرتقي بالمكان الذي يصفه في ذهن القارئ على الأقل إلى ذروة مستويات الدهشة ؛ ذلك « أن الأماكن ليست شعرية لأنها جميلة  في تفاصيلها و غير شعرية لأنها قبيحة المظاهر، كلا إنها تكتسب شعريتها بدخولها عالم النص اللغوي فوحدها اللغة تفصل جماليته، و عبر تلك اللغة تصل إلينا الأشياء و الأماكن، فنعيش تجربتها من جديد»[17] .

ومما لاحظناه أثناء قراءتنا لبعض الدراسات النقدية التي تناولت روايات أحلام مستغانمي، أن الجانب الجمالي كان حاضرا بقوة في أغلب أعمالها الروائية و قد تمثل خاصة في جانب اللغة الشعرية ، التي كتبت بها أكثر أعمالها الروائية وضمن هذا السياق « يمكن الإشارة إلى الطابع الشعري للغة في رواية "ذاكرة الجسد" فهي تشبه لغة القصيدة ، كما أن تنظيم العبارة له شكل القصيدة الحرة مثلا...ويغلب عليها الإيقاع الشعري الغارق في سبر الأحوال الباطنية للشخصيات ولا شك أن اللغة الشعرية هذه  فرضتها طبيعة الشخصيات و كذا مسار الأحداث و دلالاتها »[18]، ويدعم هذا الرأي أيضا الشهادة النقدية التي ذكرناها في فصل سابق للشاعر الكبير نزار قباني حين قال عن رواية ذاكرة الجسد:«أنها اغـتسلت بأمطار الشعر» مما يعني أن لغة النثر عند أحلام مستغانمي ، قد امتزجت بلغة الشعر، هذه الأمطار الشعرية امتد رذاذها إلى كل عناصر روايتها فبللتها لتضفي عليها جمالية ما كانت لتتحقق لولا رذاذ الشعر العائد إلى بدياتها الإبداعية« وهذا قد يعلل انفتاح الرواية على الشعر كأداة للتعبير الروائي ، فامتزجت بذلك اللغة السردية باللغة الشعرية لتشكلا إيقاع الخطاب الروائي ، وهو إيقاع غنائي يعكس عمق معاناة الذات الكاتبة و اغترابها عن واقعها المعيش الـذي أحبط الكثير   من طموحاتها »[19]. ونفس الأمر يكاد ينطبق على رواية " فوضى الحواس"، حيث استظلت هي الأخرى جمالية المكان و بشعرية اللغة ، وهي القضية الفنية التي أثارتنا وحذت بنا إلى التركيز عليها كموضوع للدراسة .     

    إن ما يُميّز النصّ الروائي الذي أنتجته أحلام مستغانمي ، هـو القدرة الإبداعية على المزاوجة بين لغة الشعر و لغة السرد ، إضافة إلى مزاوجتها بين وظيفتي اللغة البلاغية والإبلاغية ، إذ تجافي لغتها الأداء السردي التقليدي وتتجاوزه رامية إلى تعابير شعرية ودلالات جماليّة ، فشعرية اللغة سمة تصويرية مشتركة بين جملة النصوص الروائية التي كتبتها أحلام مستغانمي ، والتي يمكن القول عنها أيضا أنها تشاركت أيضا في المنطلقات الفكرية والجمالية وبالأخص المقدرة على تفجير طاقات اللغة « وهو ما يجعل أسلوبها التعبيري يقترب من الشعرية المكتنزة بالرموز ، حيث إن الرؤيا عند الكاتبة تؤطر لفلسفة الجسد و تجسيد آلياته المختبئة وراء اللغة الشعرية المشفرة الغنية بالتأويل .»[20] وهـذا يوضح كيف أن« الرواية تتعامل مع اللغة من موقع الإضافة الحقيقية وهو ما يحول علامات شذوذها عن معايير الفصاحة إلى بلاغة تجلت في اهتمام النصوص بالإبطان أكثر من الإبانة و تفصيح الخطاب .»[21] بما توفره هذه اللغة للروائي من حرية في التعبير ، وقدرة على التحليق في فضاءات تخييلية تعجز اللغة "الواقعية" أو"التواصلية" عن مجاراتها، ولا ننسى أن نذكر أن الذاتية المفرطة التي تحكم أجواء الرواية ، أغنت النص الروائي بجمالية تقترب من خصائص الشعر وطرائقه في التكثيف والتصوير،وهـو ما يجعلالساردة البطلة « تعتقد أن الرواية هي فن التحايل تماما كما أن الشعر هو فن الدهشة »[22] وفي هذا النص نعتقد أنها  مارستهما معا .  

     و كي لا نطيل كثيرا في الكلام النظري ، سنحاول أن ندلل على كلامنا السابق بأمثلة تطبيقية ،مأخوذة من متن الرواية محل البحث نرى أنها مناسبة لإثبات صحة النظريات التي أوردناها ، تقول الساردة في إحدى مقطوعاتها النثرية[23] :           

        قطعا.. لم تصل.            

           أنت المسافر في كل قطار صوب الأسئلة من قال انك وصلت ؟ من قال انك تدري أين ذاهبة بك الأجوبة ؟فالأجوبة عمياء ..

وحدها الأسئلة ترى   الوقت سفر.                                                  مراكب محملة بالأوهام عادت، و أخرى بحمولة الحلم ذاهبة.            ضحك البحر لما رآني أبحر على زورق من ورق ، و أرفع الكلمات أشرعة             في وجه المنطق ، عساني أعرف كل هذا قد حصل.                                     الوقت مطر.                                                                         غيمة تغادر الهاتف و تأتي كي تقيم في حقيبتي، وخلف نافذة الخريف مطر خفيف ..

      يطرق قلبي على مهل.                                              الوقت قدر.                      إنه قطار يسافر صوب الأسئلة ، و مراكب محملة بالأوهام ، و أخـرى بالأحـلام  و بحر يضحك عن كاتبة تركب زورقا ورقيا ، وغيمة تقيم في حقيبة ، و مطر يطرق قلبا هائما  إنها أمكنة لا تتشكل إلا في عالم الأحـلام الذي لا وجـود له إلا في خيال أحـلام و حياة الكاتبة .

 إنها لغة يكتنفها الغموض و تكثيف المعاني ، وهو ما ألفناه في قصائد الشعر الحر يضاف إلى كل ذلك تلك الفواصل التي تشبه قوافي الشعر و التي أضفت على النص إيقاع الشعر و موسيقاه الصوتية ، كما نجد السجع و الجناس اللذين منحا النص نغمات النثر، و ندلل على ما قلناه آنفا بالألفاظ ( سفر , مطر, قدر, تصل , حصل, مهل, زورق, ورق, الخريف, خفيف) ويكاد التكرار يلازم جل السطور مع كلمة الوقت ، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا ، ألا تقترب كل هذه الخصائص التي ذكرت من بعض ميزات الشعر المعاصر.؟ولأجل الإجابة عن هذا التساؤل سنحاول أن نقارن بين هذا المقطع النثري والمقطع الشعري التالي من قصيدة رثاء كتبها عبد الحق قبل موته[24]:       

 مذهول به التراب     خرج ذلك الصباح             كي يشتري ورقا و جريدة                                                                       لن يدري أحد ماذا كان سيكتب                                                               لحظة ذهب به الحبر إلى مثواه الأخير                                       كان في حوزته رؤوس أقلام                                                                  وفي رأسه رصاصة                                                                    و لذا ..لم يضعوا وردا على قبره                                                     وضعوا ما اشترى من أقلام           

                                                          و لذا لم يكتبوا شيئا على قبره                                                      تركوا له كثيرا من بياض الرخام                          و لذا ..لن تتعرفوا إليه                                                                       هناك حيث كل القبور                                                                            لا شاهد لها سوى قلم                                                                            و حيث كل مساء                                                                        تستيقظ أيد لتواصل الكتابة .

  ترى كيف أصيب التراب بالذهول، و شغل برجل اسمه عبد الحق ؟. و أي قبر هـذا الذي لا اسم لصاحبه ولا ورود عليه ؟. و لماذا يترك الكثير مـن الفراغ على الرخام الأبيض ؟. لقد جعلت الساردة من هذا القبر مكانا كاشفا بشاعة ما حصل ، مكانا ناطقا بكثير من كلام لم يقل ، فكأن الساردة تكفلت بقول نصف ما

تريد قوله، وتركت إكمال النصف الآخـر للقارئ ، فيكتمل العمـل بالنصفين معا و تتشكل الجمالية، ومن المفارقة المدهشة أن يجتمع تقابل أو تعارض بين شعرية اللغة و قساوة الواقع المتخيل المليء بدماء و دموع الجزائريين .

       إذا وأمام هذين المقطعين ، هل يمكن القولأن المقطع الأول سردي و لكنه كتب بلغة الشعر، أم أن المقطع الثاني شعري غير أنه كتب بلغة النثر؟. و لعل الإجابة الأكثر دقة تقول  :أن بينهما برزخ لا يبغيان ، فقد شحنت الكاتبة كلا المقطعين بطاقة تعبيرية تتميز بالتكثيف والغموض ، وبمقاطع إن لم نقل سطورا شعرية ، « فبمقدار ما كانت الهوة سحيقة بين الشعر و النثر الأدبي في العصور القديمة، بمقدار ما اغتدت ضيَقة في العصور المتأخرة ، حتى أن بعض النظريات النقدية الجديدة تحاول في بعض مـقولاتها إزالة الحواجز بين الصناعتين بمصطلحأبي هلال العسكري »[25].                                                             وكمثال آخر على امتياز الكاتبة بلغة شعرية تناغمت فيها لغة الشعر مع لغة النثر ، نورد هذه المقاطع التي تجاوزت اللغة العادية وارتقت إلى مستوى لغة إبداعية لا تحدها القوالب المعجمية تقول[26] :                                                                                                                             لي موعد مع " نعم" وكل شيء داخلي يعيش على مزاج "نعم"                            صباح "نعم" أيها العالم صباح "نعم" أيها الحب.                                                يا كل الأشياء التي تصادفني و التي أصبح اسمها "نعم"                                  .  يا كل الكون الذي يستيقظ جميلا على غير عادته:  من نقل إليك خبر "نعم".                                أيتها الأغاني التي يرددها المذياع هذا الصباح ..و كأنه يدري ما حل بي .             أيتها الطرقات المشجرة التي تمتد أشجارها حتى قلبي.                                     أيتها الطاولات التي تنتظر على رصيف شتوي عشاقها.                                   أيتها الأسرة غير المرتبة التي تنتظر في مدن "نعم" متعتها .                             أيها الليل الذي مساؤه "ربما" صباحك "نعم"فكم كان مساؤك " لا " يا أيها المساء.               

  نجد تتكرر صيغة النداء في كل سطر تقريبا ، ومن وظائف هذا التكرار إضافة إلى التنبيه، توليدالإيقاع لإبراز قيم شعورية و لتحقيق أبعاد جمالية ، كما يعبر هذا التكرار عن رسوخ العبارة في نفس قائلها وإلحاحه في إيصالها إلى ذهن المتلقي ثم إن الإيقاع في الرواية غير مشروطبالوزن، وإنما يتجسد هذا الإيقاع في ظاهرة التكراروالترديد بمختلف أشكاله ، ترديد حروف، كلمات، مقاطع، حركات تراكيبوبهذا صار الأنا الغنائي لدى الراوية مسيطرا على الذات ، وهـو الصوت المسموع المعبرعما   في نفسها من خلجات ضاق بها الصدر ولا يسعها إلا الشعر أو نظم من الكلام يمنح اللغة «  التميز بسرعة الإيقاع الذي يعكس الانفعالات داخل الأنثى و يكشف عن أحوالها عند التناغم أو التنافر، فالجمل في الأغلب قصيرة متعاطفة أو متلازمةتنسحب أحيانا ليعوضها نوع من كتابة البياض، تعبر عنه العلامات تعجب أو استفهام أو نقاط متتابعة، وهو ما يسم نسقها بالتدفق الذي يجسد حال توتر الـذات الكاتبة، وهي تمارس فعـل الإبداع، ومن علاماتها تقطع العبارة بانعدام الروابط وتسارع الوتيرة والترجيع الغنائي   و تقسيم الكلام إلى وحدات إيقاعية متساوية»[27]،إن ما يعطي السمة الشعرية لهذا المقطع ليس كتابته الهندسية و إنما هو الإيقاع الداخلي والخارجي للجمل ، الذي تتسم بنوع من التوازن فيما بينها حيث يقوم بعضها على التكرار المكثف لكلمتي "أيتها "و "نعم" ويكسب هذا التكرار الكتابة إيقاعا وبعدا غنائيا ، ويحقق المبدع من خلاله الوظيفةالشعرية وبصورة أدق إذا اتكأالروائي على معجم ينتمي لحقل الوجدانوالتأثير في المتلقي يحقق الوظيفة الانفعالية،كما أن قصر الجمل يبعدها عن عمق التفصيلات النثرية و هي جمل تجسد ملامح الشعر« إن أهم ما يميز في النظريات النقدية الجديدة بين الشعر والنثر ليس الجانب الشكلي التقليـدي،و لكن ما يحمل النـص من خصائص جمالية و فنية فكلما اشتمل النص على مقدار أكبر من هذه العناصر، ازدادت شعرية النص ،و كلما اشتمل على مقدار أقل منها ضؤلت هذه الشعرية في النص المطروح للقراءة »[28]  .  

 إن المقطع النثري الذي أوردناه آنفا بنية الاستشهاد يبدو مطولا بعض الشيء ،وليس مرد ذلك مجرد الإعجاب بهذه اللغة ،بل لاعتقادنا أن الاقتصار على ماهو أقل من ذلك  فيه اغتصاب لفرحة الساردة في لحظة بوحها وهو تشويه للنص قبل اكتمال خلقه  وإنقاص من متعة المتلقي وحتى لفهمه ، إنها لغة إذا تخالف كل معقول  ومعهود من القول ،لتعبر بطلاقة عـن مشاعر الحب و السعادة التي تغمر قلب البطلة ، فحاولت أن تقذف بها خارج الذات لتتدفق أمواجا شعرية تسمعها الكائنات ، و حتى يشاركها كل من في الكون فرحتها، كان عليها أن تستجمع قدراتها اللغوية ؛ لتبدع من ألفاظها جملا يصعب القبض     على أسرار مدلولاتها واحتواء جمال معانيها ، إنه الهروب باللغة إلى قمم الأدب التي لا يرتقيها إلا القليلون ، ولم يكن من سبيل أمام الكاتبة إلى هذا كله إلا اللغة  و باللغة فقط ولم يعد المبدع « يقنع باستخدام اللغة فـيحـدود المتعارف عليه مـن دلالاتها الاصطلاحيةأو الاحتمالية، وإنما أصبح يطمح دائما إلى استخدامها بدلالات جديدة مع كل تجربة جديدة ، و أصبحت مهمته الأولى تكمن فـي تحرير اللغة من دلالاتها الماقبلية وذلك بفك الارتباطات القديمة التي كانت تربط الدوال بالمدلولات ، وتحويلها من علامات لها دلالة ثابتة و مدلولات معينة، إلى مجرد إشارات متحررة، يمكنها أن تشير إلى عدد لا حصر له من المدلولات دون أن تتقيد بمدلول محدد »[29].  وهكذا فإن الكتابة كما الإبداع تتوق دائما إلى استحداث الجديد ، عبر خوض مغامرة التجريب ، ومن ثمة كان التحول و التميَز و التفرد، فالكتابة فعل« يخترق تخوم أكثر من جنس ، و حدود أكثر من فن، وتتوق إلى أكثر من أفق، فهي ذلك القلق الذي لا يهدأ إنه قلق الكتابة و الإبداع »[30] ولقد سعى رواد الرواية التجريبيةإلى الانفتاح «على سائر الفنون و الأجناس الأدبية و اختراق حدودها، بتوظيف مقوَماتها الجمالية في تشكيل متنها ، و صياغة شكله، ونحت لغتها، واشتقاق أسلوبها »[31] 

وفي مقطع شعري نثري آخر تقول الراوية على لسان بطلها[32]      

                          حتى متى سأبقى خطيئتك الأولى                                                                                                                لك متسع لأكثر من بداية                         وقصيرة كل النهايات                                                                                                                      إنني انتهي الآن فيك..                فمن يعطي للعمر عمرا                                                                        يصلح لأكثر من بداية                 

  إنها لغة تتداعى فيها الكلمات من اللاوعي ، وتتدفق اللغة سلسة عبر مجرى اللاشعور أو اللاوعي ، دون أن يحدها المنطق أو يوجهها الفكر وعقلانيته ، وبهذا التوظيفالشعري للغة فالنثر شعر والشعر نثر مادام كلاهما قادرا على أن يفسح المجال واسعا للتعبير الحر عن رؤية جمالية للأشياء والأمكنة ، بلغة شعرية أخَاذة وهو مفهوم يعطي للكتابة الروائية الجدة والجمال، ويبعدها عن الجمود و الابتذال. 

و ما يمكن قوله في هذا الصدد اختصارا:« أن اللغة تملك وسائل البرهنة على التلاحم الضروري بين الجمالية و الشعرية ، فالحقيقة قائمة في أن مجمل النصوص المحللة فـي الشعريات عموما هي نصوص جميلة، غيـر أن هذه الشعرياتلا تناقش

الجمالية بوصفها قانونا يعضد القوانين الأخرى التي يفرزها النص بفعل التحليل »[33]

الهوامش والإحالات  :                                                                                                                

1- حسن نجمي– شعرية الفضاء .المتخيل و الهوية في الرواية العربية –المركز الثقافي العربي –الدر البيضاء –المغرب – 2000.شعرية الفضاء– ص 6

2- حسن ناظم – حسن ناظم – مفاهيم الشعرية .دراسة مقارنة في الأصول و المنهج –المركز الثقافي العربي –بيروت - لبنان – 1994– ص15-16

3- عبد الله محمد الغذامي– الخطيئة و التكفير من البنيوية إلى التشريحية – الهيئة المصرية العامة للكتاب – مصر –ط4 -1998– ص20

4- نوارة ولد احمد –شعرية القصيدة الثورية في اللهب المقدس –دار الأمل -2008 – ص10

5- حسن ناظم – مفاهيم الشعرية  - ص 12

6- تازفيطان تودوروف-الشعرية –ترجمة شكري المبخوت و رجاء بن سلامة – دار طوبقال للنشر – المغرب - ط2-1990- ص23

7- المصدر نفسه - ص 23  

   8- المصدر نفسه - ص 24

9- عبد الله محمد الغذامي – الخطيئة و التكفير من البنيوية إلى التشريحية – ص22

10- حسن ناظم – مفاهيم الشعرية – ص36

11- نوارة ولد احمد –شعرية القصيدة الثورية في اللهب المقدس – ص 18

12-حسن ناظم – مفاهيم الشعرية – ص17

13- عبد المالك مرتاض – نظرية النص الأدبي - دار هومة –الجزائر-2007-ص71              

14- نوارة ولد احمد – شعرية القصيدة الثورية في اللهب المقدس – ص 32

15- كمال أبو ديب – في الشعرية – مؤسسة الأبحاث العربية ش .م .م – بيروت – لبنان – ط 1 – 1987 – ص 38

16- صلاح فضل - مناهج النقد المعاصر– مناهج النقد المعاصر- دار الآفاق العربية – القاهرة – مصر – ط1 – 1997. ص100

17- فتحية كحلوش – بلاغة المكان – . بلاغة المكان قراءة في مكانية النص الشعري . مؤسسة الانتشار العربي . بيروت . لبنان . 2008. ص66

18- علال سنقوقة – المتخيل و السلطة – رابطة كتاب الاختلاف – ط1- 2000. ص143

19- بوشوشة بن جمعة– التجريب و ارتحالات السرد الروائي المغاربي – المطبعة المغاربية - تونس- ط1- 2003.ص72

20- الأخضر بن السايح – الرواية النسائية المغاربية و الكتابة بشروط الجسد - مجلة الخطاب – جامعة تيزي وزو – ع4- جانفي 2009-ص 94

21- بوشوشة بن جمعة –التجريب و ارتحالات السرد الروائي المغاربي – ص72

22- أحلام مستغانمي – رواية فوضى الحواس – دار الآداب – بيروت- لبنان –ط16-2007-ص328

23- المصدر نفسه – ص329

24- المصدر نفسه– ص362

25- عبد المالك مرتاض – نظرية النص الأدبي – ص93-94

26- أحلام مستغانمي – رواية فوضى الحواس - 255

27- بوشوشة بن جمعة – الروائية النسائية المغاربية – مؤسسة سعيدان للطباعة و النشر– تونس – 1996 - ص297

28- عبد المالك مرتاض – نظرية النص الأدبي - ص 95-96  

29- الربيعي بن سلامة – تطور البناء الفني في القصيدة العربية – دار الهدى -2006 – ص188

30- بوشوشة بن جمعة –التجريب و ارتحالات السرد الروائي المغاربي – ص75

31- المرجع نفسه - ص75

32- أحلام مستغانمي – رواية فوضى الحواس – ص 290

33- حسن ناظم – مفاهيم الشعرية – ص 113