pdfاغتراب المصطلح: أزمة مفهوم وتغريب هوية

 

أ/ لحسن دحو

جامعة ورقلة ( الجزائر )

إضاءة:

قبل الاسترسال في طرح الإشكال الذي تحاول هذه الورقة الوقوف عليه،تجب الإشارة إلى أن الموضوع ليس سجالا، يتخذ موقفا منحازا للتراث العربي، مسكونا بحب هذا التراث بطريقة ساذجة عاطفية،تحجب الدارس عن تناول الظواهر تناولا موضوعيا، ولا موقفا يلغي التراث ويحنطه؛ إذ ليس كل ذلك من سنن البحث العلمي الذي ينشد الحقيقة مجردة من كل لبس، ولكن موقف دارس تدفعه الحيرة العلمية لكشف سجوف هذه المسألة.

تمهيد:

لقد أثمر الفكر النقدي الغربي في سياق التطور النظري الذي عرفته حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية على تنوعها (اللسانيات والفلسفة،علم الأناسة، وعلم النفس، والاقتصاد...) وبتفاعل معرفي ومنهجي مع المسائل الأدبية وقضايا تحليل الخطاب  زخما من المفاهيم والمصطلحات  التي تسارع نموها وانتشارها في الأوساط البحثية الغربية  حتى أضحى تعددها وتداخلها  خصيصة من خصائص الدراسات النقدية الغربية. وكان لهذا المشهد أثره في توجيه الكتابات النقدية العربية قسريا، وبخاصة، في عرض النظريات النقدية الغربية أو محاولة استيعاب مناهجها بغية تبسيطها للقارىء العربي،الذي ضَعُفت مناعته الثقافية بفعل الإسهال المصطلحي الذي أصاب الدراسات النقدية العربية؛ فكان طبيعيا أن يتوزعه سبيلان: إما أن يركن إلى استقبال المصطلحالوافد استقبال الفاتح المنقذ فيلتقطه بمنقار طائر جوال لا يغادر قبة سمائه، وقد يوشّحه بزي عربي كيفما كان دون أيّ مس لمفهومه، أو أن يقف منه موقف الحيرة الملفعة بالسؤال الممتد إلى الغياب البعيد للتراث، والانتماء، والهوية؛ بحثا عن وجهة تؤسس للدراسات النقدية كيانا ثقافيا و حضاريا، وتناسب السير لإثبات الهوية والانتماء، في خضم الصراع بين الشرق والغرب، بين الأصالة والحداثة .

في ضوء هذا المشهد،سنحاول تقديم قراءة تتجه صوب هذا المستحدث الجديد الذي بدأ يخط على الساحة النقدية العربية صوره الغريبة التي تتوقف عندها العين المعتبرة،تقرأ فيها جديدها،محاولة الوصول إلى لون القيم التي تستند إليها، ومن ثم تجنح إلى المقارنة بين ما تجده في نفسها، وما تراه في غيرها؛ لأن المثاقفة لم تكن حوارا متكافئا ولكنها أصبحت رديفا لعنف ثقافي يفكك آليات الكيانات المحيطة، ويخضعها لنفوذ المركز ومشيئته. و لعل ما آل إليه حال الثقافة العربية المعاصرة من تحول صورتها بذاتها إلى صورة من دون ذاتها ليعد شاهد إثبات لفاجعتها التي انحصرت، ولاتزال "... في معبر ضيق بين "ذاتية تراثية" تحول التراث إلى قيمة مطلقة لا يقدر بها على التفاعل المباشر مع الحضارة القائمة و"حداثية" تعلن بخطابها المعمم بؤسها وإخفاقها في تحقيق المدنية ..."[1].

قبل الولوج في الموضوع،يجمل بنا، بداية،الوقوف على ظاهر ما تنوء به  وحدات العنوان الذي وسمنا به هذه الدراسة،من محمولات تُمدّ باطنه بنسغ من الطروحات ؛ حتى نزيل عن القارئالذي يوجّه إليه الخطاب أيّ التباس قد يحوط بالموضوع ، وليدرك، أيضا، أهمية الاشتغال بالمصطلح خاصة في مرحلة تأسيس لغة نقدية واصفة مقابل لغة سطحية لا تعي ذاتها، وتغرق بشكل لا يجدي في التفريع والتفكيك. 

تلتقي كلمة "الاغتراب" مع كلمة "التغريب" عند جذر لغوي واحد هو (غ رب)[2]، لكن بينهما اختلاف في الدلالة، وبخاصة إذا تم تجاوز الدلالة المعجمية إلى المعاني الفلسفية، والدينية، والاجتماعية، والنفسية لكل منهما. ويبدو أن تعدد دلالات مصطلح"تغريب" متأت من تعدد الزوايا التي ينظر منها الباحث، أو العلم الذي ينطلق منه، أو الفلسفة التي يؤمن بها. على أننا لن نخوض في تفصيلات هذه المعاني على النحو الذي نراه في الدراسات النفسية،والفلسفية بل حسبنا أننا سنحاول أن نرصد ماله علاقة بموضوع ورقتنا.

ينصرف "الاغتراب" في سياق دلالته اللغوية إلى معنى الغربة التي تعني ببساطة النزوح عن الوطن . لكن الاستقراء التاريخي لمسيرة هذه الكلمة عبر المراحل التاريخية المتعددة التي شهدت انتقالها من حقل اللاهوت والفلسفة إلى حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية يومئ بالتطورات الدلالية التي عرفتها،بدءا من دلالة الانتقال من المكان أو الانفصال عنه، وانتهاء بدلالة العزلة والانسلاخ وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع أي بكلمة واحدة الاغتراب بوصفه مقابلا سلبيا للانتماء.

أما "التغريب" فيوحي من خلال دلالة صيغته الصرفية من الفعل (غرّب) بأنه لا يكون إلا بفعل فاعل وباستدراج مستدرج، وبهذا يبدو أن الاغتراب يقود إلى التغريب،إذ كلما كانت الذات غير منسجمة مع واقعها كانت مهيأة للتغريب. لذا يطلق التغريب في الغالب على .حالات التعلق والانبهار، والإعجاب والتقليد ومحاكاة الثقافة الغربية .

وأما الهوية فتعد أوسع مفهوم بين المفاهيم الاجتماعية دلاليا،إذ يأخذنا التأمل في دلالاتها إلى جملة من المعاني الواسعة،التي لا يمكن أن ترسم لها حدودا واضحة؛ ذلك أنها غالبا ما تبرز من خلال الدين أو اللغة أو العرق ،غير أنه يمكن أن توصف بأنها كل ما يتجلى في  أفكار الأفراد، وخطاباتهم،والنصوص التي يتدا ولونها، والقيم التي تحرك سلوكاتهم، بما يولد لديهم الإحساس بالانتماء إلى شعب معين، والارتباط بوطن معين، والتعبير عن مشاعر الاعتزاز والافتخار بهذا الانتماء والارتباط. كل هذه العناصر مجتمعة تشكل قوام الهوية، والروح التي تسري في معظم  إنتاجها الحضاري[3]. على أن الهوية في كل أشكالها لا تخرج عن دائرة ثلاثية متداخلة هي: الفرد داخل الجماعة، والجماعة داخل الأمة، ثم الأمة إزاء الأمم الأخرى.

على هذا النحو، توحي محاولة استجماع دلالات الوحدات المشكلة للعنوان من خلال إيجاد رباط ناظم لها، بمشروعية إثارة إشكالية تكتسي على بداهتها وبساطتها أبعادا نظرية وابستمولوجية غاية في الأهمية، تقرّ، من جهة، بأحقية التوجس من الهجرة غير الشرعية للمصطلحات الوافدة من ثقافة الآخر بانتظام مثير، وأثرها في تكريس محمولاتها الايديولوجية  وأهدافها الاستهلاكية الثاوية فيها، وما ينجر عنها من محاولة زعزعة النسق المعرفي  بوأد حاسة النقد لدى المتلقي العربي؛ مما يفوّت عليه تذوق الأعمال الأدبية العربية، وبخاصة النقدية منها، ويحرمه متعة التلذذ بها؛ ليجد نفسه في نهاية المطاف قابلا لتقبل جميع القيم والمواقف السلوكية وتمريرها دونما اعتراض عقلي أو ممانعة نفسية،في وضعية  شديدة الشبه بوضع السم في الدسم؛ ذلك أن أيّ مفهوم يمثّل،في حقيقته، خلاصة أفكار ونظريات  وفلسفات معرفية في النسق المعرفي الذي أوجده وينتمي إلى بنائه الفكري، إذ غالبا ما يتجاوز المفهوم بناءه اللفظي ويتخطى جذره اللغوي؛ ليعكس كوامن فلسفة الأمة التي أنتجته، ودفائن تراكمات فكرها و معرفتها،وما استبطنته ذاكرتها المعرفية.

كما تنم،من جهة ثانية، عن أمرين اثنين:

أولهما: أن المنظومة التواصلية في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية تعرف خللا في الجهاز المصطلحي العربي واختراقا في نسيجه المفاهيمي؛ فقد باتت ولادة المصطلح العربي رهينة بوجود المصطلح الغربي، وأمسى تداوله وقفا على درجة تمكن المتلقي العربي من المصطلح الغربي ومفهومه، وهذا في واقع الأمر يفضي إلى طرح سؤال جوهري: هل ولادة المصطلح العربي مردها إثارة حاجات أم إشباع حاجات ؟.

وثانيهما: أن اعتقاد أن مهمة الفكر العربي ظلت حبيسة محاولات استيعاب المفاهيم الغربية ونقلها إلى العربية في صورة قوائم مفردات جلها معرب تعريبا صوتيا، هو تصور لا يجانب الصواب، لكنه يحوّل أزمة المسألة الحضارية عند العرب إلى أزمة في المصطلح.   

إن كل نسق لغوي ينمو داخل منظومة الحاجة إلى ممارسة التفكير، ويحتوي في قصده تصوره لعالمه، انطلاقا من التسليم بأن اللغة ليست إلا أداة لتحقيق الحياة، ولأنها كذلك فإن "... حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ،فإذا انحرفت المعاني فكذلك تتزيف الألفاظ...فالألفاظ والمعاني متلاحمة ومتواشجة ومتناسجة"[4].

وإذا كان التفكير داخل ثقافة معينة ليس،في حقيقته، تفكيرا في قضاياها بل تفكير بوساطتها،فإن هذا يعني أن التفكير لا يتم إلا من خلال منظومة مرجعية  يشكل المصطلح إحدى إحداثياتها الأساسية.

ولعل قراءة متأنية لصيغ اشتغال الظاهرة المصطلحية، وأشكال تداول المصطلح في الفضاء الثقافي العام تكشف عن مدى الاهتمام الذي حازه المصطلح بوصفه مسألة معرفية ومفهومية قبل كل شيء،وتفصح،أيضا،عن انصراف عناية الدارسين إلى تدارس قضاياه المستجدة من خلال تواتر عقد الندوات والملتقيات والمؤتمرات التي تنظمها المؤسسات العلمية والجامعية في المصطلح، إدراكا منها بأن أيّ ثقافة في العالم لا يمكن الحكم عليها إلا بمعرفة آليات مفكريها في تحليلها وتشخيص ما لها وما عليها، وأنه ليس لها من وسيلة تحفظ بها ذاتها،أقوى وأجدى من بناء مجنات مصطلحية تدرأ عنها التبعية والاستلاب؛ عملا بمبدإ أن التحكم في المصطلح يعني،ببساطة، التحكم في المعرفة المراد إبلاغها، والقدرة على ضبط أنساقها.

وعليه يغدو المصطلح، بهذا المعنى، أداة تمسك بالعناصر الموحدة للمفهوم،لتعمل على انتظامها في قالب لفظي يمتلك قوة تجميعية  وتكثيفية لما قد يبدو مشتتا في التصور، وأداة تلخص في بنائها واستخدامها ثلاث وظائف حضارية غاية في الأهمية والخطورة،وهي:

·   وظيفة الفكر: تتجلى في قدرة المصطلح على إنتاج المعرفة في مختلف مجالات العلوم (المادية والإنسانية والاجتماعية) وفق ذاتية حضارية.

·   وظيفة اللغة: تنعكس في قدرتها على جعل المصطلح نظاما،يقف من خلفه نظام الحضارة التي ينطق باسمها ويحمل خصوصيتها.

·   وظيفة القيم:  تتجسد فيما تستبطنه المصطلحات من قيم ضمنية أو صريحة إلى جوار ما تقدمه من معارف.

إن التدقيق في حقيقة إشكالية المصطلح من المنظور العلمي والمعرفي، يعرب عن جوهر أزمة يعانيها العقل،ويمارسها اللسان،وتحدد تقاسيمها خلفيات تاريخية ترسم مسار الثقافة، ومن ثم إعادة تشكيل الرؤية والذات، وتوجيه صيرورة المجتمعات.

فإذا كان من الثابت أن المصطلح لغة واصفة ذات جوهر يعكس حمولة مفهومية، ومعرفية، وثقافية وانتماء إلى ثقافة ما،فإن تغريبه يجعل منه،بلا شك، لغما عنقوديا موقوتا، يهدد قواعد البناء الاجتماعي بالتقويض في أية لحظة، بل بنسفها نسفا ليتركها قاعا صفصفا،لا تمحي ندوبه بسهولة.

وإذا كان من الثابت،أيضا،أن ثمة من المصطلحات ما هو من قبيل المشترك الإنساني،كما هو الشأن في العلوم المادية بشقيها النظري والتطبيقي وأنه بالإمكان تخليصها من كل خصوصية ثقافية،فإن قسما آخر منها لا ينفك يرفل في خصوصيته الثقافية، و لعل هذا ألصق بطبيعة العلوم الإنسانية.

إن المتلقي العربي في حاجة  مسيسة إلى أن يستقي المفاهيم من مظانها الفكرية، تعادلها حاجته إلى وعي بمقومات الخصوصية، التي ينتج عن غيابها تناقص تدريجي بالاعتزاز بالذات، كما عليه أن يصحح اعتقاد أن ما يجده في المصطلح الوافد يكفيه مؤونته  وما يطلبه من تطوير لمواقفه؛ لأنه بذلك يقطع الصلة بينه وبين تراثه وفكره الحالي،ثم إنه من الخطإ الجسيم أن يعتقد بأن حاجات عصره الحاضر تحتم عليه ألاّ يفتش عما أنجزه الأسلاف في صميم الفكر لغة ومعنى، وبخاصة إذا كانوا قد أدركوا بحسهم العلمي أن قياس تقدم العلوم مرهون بمدى نجاحها في بناء أنساقها الاصطلاحية المتعالقة مع أنساقها المفهومية، واطمأنوا إلى أنها تمثل نتاجا جماعيا  أشبه ما يكون بالصبغيات الجينية  في حملها كل مقومات كل مرحلة من مراحل التراث.

لقد أدرك أسلافنا أنه بالنظر إلى المجتمع تُدرك هوية القيم التي ينتمي إليها، وبالنظر إلى القيم تُدرك هوية المجتمع الذي يتمثلها، فانتسبوا إلى ثقافتهم لأنهم كانوا يفكرون داخلها، فتشكلت هويتهم من لغتهم القومية، وتراثها الأدبي، والتاريخي، والثقافي  وما منعهم ذلك من ملابسة ثقافات الأمم الأخرى، فكان أخذهم وتركهم كلاهما عن بيّنة بينما غابت هذه الحقيقة عن أذهان الكثيرين من الخلف ؛ بسبب غياب المنهجية في مسالك الرفض والقبول  مما طرح تاليا تغليب المزاج والاعتباطية على كل ضابط أو نظام.

 ولعله يكفي تدليلا على هذا ما يشهده الواقع الأدبي والنقدي، وبخاصة النص الروائي العربي، من حيف؛ جراء تطبيق مناهج النقد الحديثة التي تترى من الغرب دون تمثل لها، و دونما تمييز كاف بين المناهج التي تتعامل مع الرواية من الخارج، والمناهج التي تتعامل معها من الداخل أو بين الاتجاهات داخل المنهج الواحد، كما هي حال البنيوية بين" تودوروف" و "غولدمان"،الأمر الذي أربك ناقد الرواية العربية فوجد نفسه أمام مناهج أجنبية عدة، وفدت إليه في وقت واحد أو متقارب، وشرعت تطرح عليه معارف نظرية جديدة تختلف قليلا أو كثيرا بين الاتجاهات التكوينية، والوظيفية، والدلالية والأسلوبية.

ولا بأس في هذا السياق، و حتى لا نطلق أحكاما على عواهنها، من الإشارة إلى ما يخلّفه عدم توطين المصطلحات الوافدة مع النظريات الغربية  وتوحيدها من بلبلة فكرية، وعدم القدرة على الانتظام السوي في مستوى العلاقة الفكرية الحضارية بين العلوم،لاسيما إذا كان ذلك بفعل عملية الترجمة غير الواعية.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، تعدد المصطلحات المقابلة لمصطلح " poétique  " ( الشعرية، القول الشعري، الإنشائية،علم الشعر،علم الظاهرة الأدبية،البويطيقا.....)،جعل المصطلح يتحول من مصطلح واصف (علم موضوعه النصوص الشعرية  والإبداعية)  يقترب من النقد الأدبي إلى مصطلح موصوف (علم موضوعه ماهية الشعر والإبداع) يقترب من نقد النقد..وكما اختُلف .في ترجمته اصطلاحا، وفي تحديد مفهومه، وضبط موضوعه، وتعيين موقعه من المفاهيم المتاخمة له،اختلف في تحديد الإطار الذي ينتظمه   (نظرية،علم،منهج)،فهو عند "الغذامي" "نظرية البيان"، وعند "محمد القاضي"  "المنهج الإنشائي"  وهو علم أو يطمح أن يكون كذاك عند "لطيف زيتوني".

إن الدعوة إلى تأمل الماضي ليست بدافع تأسيس شرعيته التراثية، وإلغاء الحاضر الحداثي، ولكن لأنه يجب الإقرار بأن العربية الآن -شئنا أم أبينا-ضعيفة مصطلحيا، وتعيش إمعة على المصطلحات الغربية الوافدة ؛ بسبب الإنتاج الغائب فيها. فكان طبيعيا أن تتحول الثقافة العربية إلى أشتات منهجية يستعصي ردها إلى منهج بعينه أو إلى مناهج متقاربة.  و لأننا "صغرنا من حجم هذا الماضي، وقللنا من شأن إنجازات العقل العربي"[5]  انشطرت  ذواتنا  زمانيا  نحو الماضي، ومكانيا  نحو الغرب، وقد زادت هذه المسألة في تعميق إحساس الفرد العربي بالاغتراب الذي يلف  وجوه حياته جميعا، ومن ثمة في دفعه إلى شطط الاستعارة من الآخر، والاكتفاء بما يجود به عليه عقله.

إن ذات الفرد العربي المغتربة ثقافيا هي ذات محرومة من القدرة على التعاطي مع تطور الحياة الذي هو سنة كونية،لأنها ببساطة تخلت (طواعية أو قسرا) عن حقها الأصيل في تعهد ثقافتها بالنقد والتطوير،كما تخلت عن البحث العلمي الجاد والرصين الذي به توجد المفاهيم والنظريات، وتُولّد المصطلحات،فصرفت بذلك المسألة الحضارية من سياقها الحقيقي المتمثل في متابعة الاكتشافات العلمية والمساهمة فيها إلى الغرق في مواجهة المدالمصطلحي، وبقيت أسيرة محاولات أعجمية أربكت الفكر العربي، وأبقت الفكر النقدي فيه غائبا إلى أمد غير معروف.[6]

وما من شك في أن هذه المسألة تسوّغ ضرورة بناء فكر عربي جديد ينطلق من رؤية تثاقفية تشركه ولا تلغيه، تنبني على تصور ينزّه الذات العربية عن أي شك في قدرتها على الوصول إلى المعرفة، وإدراك حقيقتها وجوهرها،  والتمكن من التحكم فيها. ذات تؤمن بقدرتها على صناعة الزمن بنفسها ولنفسها، بدلا من الخضوع لكرونولوجيته الساحقة التي يستحيل فيزيائيا تخطيها وتجاوزها.

الخاتمة:

 أخيرا، يمكن أن نسجل بأن إشكالية الهجرة غير الشرعية للمصطلح الوافد هي في حقيقتها إشكاليات،يرتبط بعضها بإشكالية المنهج والبناء القيمي والمعرفي، وبعضها الآخر بإشكالية الخصوصية المرتبطة بالسياق التاريخي الذي أفرزه، وباللغة التي صاغته، فضلا عن النموذج الثقافي الذي يختزله.

ومهما يكن من أمر،يبقى التوقف عندالمصطلح في دقائق مكوناته وأصوله المرجعية، واستجلاء القصد منه أمرا لازبا،حتى يعبّر من جهة عن وعي صاحب الخطاب مقدم المصطلح بالمادة التي يقدمها، ويحقق من جهة ثانية ذلك التعاقد الضمني الموجود بينه وبين القارئ العربي حتى يتمكن في النهاية من مواصلة عملية القراءة ( فهما،وتفسيرا، وتأويلا) والمشاركة أخيرا في إعادة صياغة هذا الخطاب

الهوامش والإحالات:


[1]مصطفى كيلاني، وجود النص « نص الوجود»، الدار التونسية للنشر، )د،ط(، 1992م، ص 113.

[2] ينظر: ابن منظور، لسان العرب، تح: عبد الله علي الكبير، ومحمد أحمد حسب الل، وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، ط 01، 1401هـ/ 1981م، ج05، مادة)غ ر ب( ، ص 3225.

[3] ينظر: ذوقان عبيدات، أين نحن من العولمة، المكتبة الوطنية، عمان، )د،ط(،)د،ت(، ص 31.

[4] أبو حيان التوحيدي، البصائر والذخائر، مطبعة الإرشاد، دمشق، ج03، )د،ط(، 1964م، ص 49.

[5] ينظر: عبد العزيز حمودة، المرايا المقعرة «نحو نظرية نقدية عربية»، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ع 272، أغسطس 2001، ص 13.

[6] ينظر: ساسين عساف، دراسات تطبيقية في الفكر النقدي الأدبي، دار الفكر اللبناني، بيروت، ط 01، 1991م، ص ...(7) دلائل الإعجاز..، ص9.

 

(8) انظر: - د.محمد مندور : النقد المنهجي عند العرب ومنهج البحث في الأدب واللّغة، مترجم عن الأستاذين لانسون وماييه، دار نهضة مصر للطبع والنشر الفجالة ص ص 32-34، وص ص 37، 38.

         - د.محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، دار العودة، بيروت، ط1، 1982، ص293.

(9) انظر : حازم القرطاجني : منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق : محمد الحبيب بن خوجة، دار الكتب الشرقية : تونس، 1966، ص 119.

(10) انظر : ابن سينا : الشعر، تحقيق عبد الرحمن بدوي، الدار المصرية للتأليف،

1966، ص ص 37، 38.

         - ابن رشد : تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، تحقيق محمد سليم سالم، 1971، ص75.

         - الفارابي : كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق للنشر : بيروت، 1969، ص 141.

(11) قدامة بن جعفر : نقد الشعر، تحقيق كمال مصطفى، مطبعة الخانجي القاهرة، ط3، 1978، ص 130.

(12) ابن وهب : البرهان في وجوه البيان، تحقيق حفني محمد شرف، مكتبة الشباب : القاهرة، 1969، ص 147.

(13) قضايا الحداثة..، ص 90.

(14) الجاحظ (أبو عثمان عمر وبن بحر) : الحيوان، ج2، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، دار الكتاب العربي : بيروت، ط3، 1969، ص 131.

(15) انظر : دلائل الإعجاز..، ص 407، و ص 483.

(16) نفسه، ص 417 –

(17) نفسه، ص 488.

(18) انظر : أسرار البلاغة..، ص 8، ودلائل الإعجاز..، ص 417.

(19) نفسه، ص 267.

(20) على أن معظم من يعرض "لنظرية النظم" من الدارسين، يعرض لها على النحو الموسّع الذي غطّى مساحة كتابي عبد القاهر "دلائل الإعجاز" و "أسرار البلاغة"، مع أن التأمل في  العرض السابق يدل على أن إرادة الرجل التأليفية كانت منوطة بقضية الإعجاز، ولولاها لربّما وجّهه طاقته الفاعلة إلى  منطقة النّظم الشّعري، التي جعل من مجالها منطقة حركته الرئيسة، ثم تحرّك منها إلى منطقة النشر، ثم من النشر إلى الصياغة القرآنية. (انظر : قضايا الحداثة..، ص 91).

الهوامش من (21 إلى 33) من "دلائل الإعجاز" والصفحات على التوالي هي : 370، 47 و48، 95، 349، 385، 108، 85، 118، 8، 676، 442، 418، 418.

(34) للمزيد من التفاصيل حول هذه المسألة، ينظر على سبيل المثال المراجع التالية:

         - د.محمد طاهر درويش : في النقد الأدبي عند العرب إلى نهاية القرن الثالث الهجري، دار المعارف المصرية، 1979، ص ص 199، 200.

         - د.طه حسين : حديث الأربعاء، ج2، دار المعارف : مصر، ط12، ص 65.

         - د.يوسف نور عوض : الرؤية الحضارية والنقدية في أدب طه حسين، دار القلم : بيروت، د.ت.، د.ط.، ص ص 10-14.

الهوامش من (35 إلى 43) من دلائل الإعجاز والصفحات على التوالي هي: 437، 67 و368، 367، 431، 431، 456، 457، 557، 557.

(44) في ذلك يقول <<..إما لأن متأخرا قصر عن متقدم، وإما لأن هديَ متأخر لشيء لم يهتد إليه المتقدم>>. (دلائل الإعجاز..، ص 504).

 (45) في عدّة مواضع من "دلائل الإعجاز" ينبّه الشيخ إلى آفة التقليد وترك النظر، فالمقلدون آثروا ما عندهم <<ظنا منهم أن الرأي لم يشع ولم يتّسع ولم يروه خلف عن سلف وآخر عن أول إلا لأن له أصلا صحيحا وأنه أخذ من معدن صدق>> (نفسه، ص 338).

(46 و 47) نبّه الشيخ إلى سهو الآمدي صاحب "الموازنة بين الطائيين" في فهم بيت لأبي تمّام، (انظر : دلائل الإعجاز..، ص 553).

         كما ردّ آراء القاضي عبد العزيز الجرجاني وغيره، خاصة في تعريف الإستعـارة (نفســه، ص434).