pdfالشكلية بين الأدب والفن التشكيلي

د. بوخطة أحمد

جامعة ورقلة ( الجزائر)

 

يتطلب فهم النظرية البنيوية، جهدا فكريا تجريديا خاصا. وفهم تصور الشكليين للّغة الشعرية يحتاج المزيد من التركيز والتجريد، ولكن فهمه في الفن التشكيلي، يتم بشكل أسهل وأوضح. ولذلك فالمقارنة بين الفنين قد تيسر علينا فهما أعمق وأشمل للنظرية. بل سنكتشف أن الأصل في هذا التصور هو الفن التشكيلي لا الفن اللغوي.

في تذوقنا للوحة الزيتية إنما نهتم بعلاقات الألوان والأشكال والخطوط مع بعضها، ولذلك فالمتذوق الذي يقف أمام لوحة لأحد الملوك أو الشخصيات في متحف من المتاحف، لا يعنيه مضمون اللوحة الذي يمثل الشخص المرسوم فيها، ولا تعنيه عائلته، إذا كانت اللوحة تمثله مع عائلته , وإنما يقف المشاهد طويلا أمام لوحة كهذه، معجبا ومتذوقا لعلاقة الأصباغ والخطوط مع بعضها. ولا يهمه سواد عيون الشخصيات المرسومة على القماش، وإن بدا له غير ذلك. ولهذا «فالشكلية هي خاصية من خصائص الفن التشكيلي والتي تسللت إلى الثقافة الأوروبية»،[1] وكان ذلك في وقت عُرف فيه النزوع نحو التجريد نجاحاته في كثير من عواصم العالم. في ذلك الوقت اخترع «روجي فراي», «فكرة الشكل المعبرform significant «وهو نفس الوقت الذي اعترف فيه «لبيكاسو »في الحرب العالمية الأولى، بأنه مخترعٌ « للغة بصرية تجريدية خالصة , شكل من الموسيقى المشاهدة».[2] وازدادت حدة هذه الشكلية مع الأشكال التجريدية للفنان التشكيلي «كاندنسكي». والفكرة التي سيطرت على هذا الرسام والناقد في آن واحد، هي أن اللون والخط والنقطة أهم ما في اللوحة. فاللون عنده «هو القوة التي تؤثر في الروح مباشرة »[3] وقد نظر إليه مجردا عن مضمونه الذي يمثله، كتجرد الموسيقى من أي معنى غير إيجاد اللحن ذاته. وهكذا فهناك  «علاقة تآلف بين الفنون وخاصة بين الموسيقى و الفن التشكيلي». [4] وانطلاقا من هذا المفهوم اتجه هذا الرسام في أعماله نحو رسم مساحات لونية متداخلة، تتقاطع ألوانها فيتشكل من خلال هذا التقاطع التقاء لونين أو أكثر. وينتج عن ذلك لون جديد هو حصيلة المزج بين الأصباغ كعناصر لإحداث منتج من  علاقة الألوان مع بعضها. وقد قاد هذا الاتجاه إلى ثورة في الفن التشكيلي، بقي أمامها الجمهور البسيط حائرا. وتترجم حتى عند بعض المثقفين بالقول  «إن دلالة هذا النوع من الفن صعبة» والحقيقة أن البحث عن الدلالة في الفن التجريدي هو خطأ في الاتجاه، لأن الأصل أن الفن التجريدي خاصة التشكيلي، لا دلالة له ولا معنى له. إنه فن يحمل جماله في الألوان , فن يعتمد على  إبراز علاقات الألوان مع بعضها فقط. فن يجب أن نتذوقه من خلال إمتاع بصرنا برؤية بريق وتناسق ألوانه،  دون الوقوف عند الموضوع الذي تمثله تلك الألوان. كيف نشأت الفكرة عند "كاندنسكي», قبل أن تؤثر في الشكلانيين الروس؟. سؤال تحتاج الإجابة عليه، إلى تتبع تجربة هذا الرسام الفريدة، والتعرف على نظريته النقدية في الفن والحياة.

لقد عاش هذا الفنان التشكيلي والناقد الفني المتميز ثمان وسبعين سنة من 1866 إلى 1944 م. واتجه في بداية حياته إلى الرسم الكلاسيكي في شكلٍ انطباعي. فهو يجيد التحكم في رسم المناظر الطبيعية وغيرها، أي المحاكاة بشكل ممتاز. ولكنه عبر تجربة روحية، وعلى مراحل متكررة في حياته، مر بعدة هزات روحية خلدها في كتبه النقدية. ووجد نفسه يتجه هذا الاتجاه التجريدي في الفن. ويعتقِد أن فن الرسم والموسيقى والأدب تختلف في أشكالها لكن محتواها واحد، وخاصة فن الموسيقى والرسم. «فالموسيقى هي فن الزمن واللحظة، بينما يستعمل الفن التشكيلي الفضاء بشكل تقليدي  ».[5] وتختلف الألوان في شدة حدتها من الأحمر إلى الأصفر إلى الأزرق...وتثير فينا انفعالات وأحاسيس شتى. وقد يهتزُّ أحد أمام اللون الأحمر سلبا لارتباطه بالدم، والعكس أمام الأزرق لارتباطه بذكريات أمام البحر. ولكن "كاندانسكي» ينفي هذه العلاقة في التأثير. ويؤكد من جهة أخرى أن للألوان تأثير ثنائي: فيزيائي وروحي، فيقول في علاقة الألوان بالموسيقى:  «اللون هو اللمسة، والعين هي المطرقة التي تعزف عليه. والروح هو الآلة المتعددة الأوتار، والفنان هو اليد التي عن طريق استعمال هذه اللمسة أو غيرها يؤدي بالروح إلى الاهتزاز  »[6] وانسجام الألوان في اللوحة لا يمكن أن يبنى عن طريق المتعة النفسية الفردية، ولكن يبنى على اتصالٍ للروح الإنسانية مع نظام الكون. فهناك انسجام متى تم أوجد علاقة بين نظامين في اتجاه وحدة مشتركة  «هنا لا يمكن جعل نظام أصغر عنصر في الكون يهتزُّ إلا مع نظام أكبر عنصر فيه»[7] ويرى «كاندنسكي» أن حديث الفن هو حديث وسائله المجردة  «والعمل الفني يجب أن يتكلم عن طريقها وليس عن طريق الواقع الممثل». [8] ويشترط بعض التحديدات التقنية في مجال الشكل والألوان يطول الحديث عنها.. وسأحاول أن أختصر ما يمكن منها. إن الشكل عند هذا الناقد الرسام، يعني الحدود الخارجية، كالخطوط مثلثة أو مربعة أو دائرة  أو غيرها. ويتجسد هذا الشكل الخارجي عن طريق جعل حد لسطح معين عن طريق سطح آخر.  «وهذا التحديد الخارجي يكون فعالا حينما يعمل على إظهار المحتوى الداخلي للشكل بالطريقة الأكثر تعبيرا ».[9] وهدف الخطوط يكمن في وضع حدود للمادة على السطح. بتعبير آخر رسم هذا الكيان على السطح وإذا لم نقم برسم الكيان، ولم نقم بوضع الحدود، فعند ذلك يبقى الشكل تجريديا. وإلى هذا التجريد تنتمي الدائرة والمربع والمثلث و متوازي الأضلاع، وغيرها من الأشكال الهندسية التي تتعقد شيئا فشيئا، حتى لا نجد لها مصطلحات رياضية وهندسية خاصة بها. «كل هذه الأشكال وحدات متساوية في مملكة التجريد».[10]

وإذا كان «الشكل هو التحديد الفردي لجسم ما بمجموعة الأجزاء المحسوسة المحيطة به، كذلك فإن الشكل اللغوي هو التحديد الفردي لجسم ما بالهيئة التي تميزه عما عداه من العبارات الشابهة»[11] 

وفي سؤال له يجيب مرة قائلا : «نستطيع أن نتحرر من الوسيط ( الوسيلة الطبيعية ) إذا تمكنا من أن ندخل في علاقة مع الكل».[12]   وواضح من خلال الفلسفة الفنية التجريدية «لكاندنسكي»أنه يؤمن بوحدة الوجود. وقد تأثر في ذلك برافد ديني، وآخر فلسفي. أما الرافد الديني فجاءه عن طريق إيمانه بالتوراة  وبأن «الإله تجلى لموسى بدون صورة... وبدون صورة يريد الإله أن يحب... ويجب الذهاب إلى أبعد مما يشبع الثقة الخارجية للناس لكي نجد الإله».[13]   أما الجانب الفلسفي فهو يرى أن في محاكاة الصورة للواقع , خداع وكذب، فلا هي أعطت الواقع، ولاهي جعلتنا ننظر إليها بدون العودة في كل لحظة إلى مرجعها، أي إلى الواقع. وقد كان للفلسفة البوذية أثر في هذا التوجه نحو الوحدة مع الكل.

خلاصة القول أن الشكل (الخطوط والألوان ) منفصلة عن الكيانات في اللوحة. وهي وسائل لجعل الروح تهتز كما تهتز عند تحريك وتر لآلة موسيقية. وواضح كذلك تأثير  بعض الطرق الصوفية الإسلامية في هذا , فهي أيضا متأثرة بعقائد الشرق القديمة المتمثلة في وحدة الوجود.

هذه هي الخلفية التي يجب أن نستصحبها ونحن نبحث عن فهم أعمق لما تريد البنيوية أن تطرحه، وخاصة الشكلانيين من أقطابها. مفاهيم تتعلق بالبنية المغلقة التي لا تحيل إلى شيء آخر , وعلاقات العناصر اللغوية مع بعضها في ارتباطها ببعضها وبالكل. وهكذا يتضح لنا أن أصل النص المغلق والشكلية في الأدب والفن عموما هو الفن التشكيلي. وهو فن بصري، يعتمد على اللون وملأ المساحات والخطوط. وجماله في أغلبه يكمن في أصباغه وألوانه. ومن هذا المنطلق يعترف البلاغيون الجدد، بخروج الأدب الأيقوني عن مجال الشعر «ليصب في نطاق الموسيقى أو الفن التشكيلي»[14] وهذا رغم تثمينهم للمحاولات الجادة المبذولة لإنشاء أدب يعتمد على استثمار الجوانب الصوتية الصرفة، أو البصرية المحضة.   وحينما يُقال «ألوان» ثم يردف «بالأصباغ» فٍإن ذلك ناتج عن اختلاف المصطلحين لا عن ترادف للكلمتين. فاللون منتج لانعكاس الضوء على الأصباغ، والأصباغ هي المادة الكيماوية ذات الاهتزاز المتمايز إلكترونيا، والتي تتشكل منها المادة الملونة. ولتفاعل الضوء مع الأصباغ علاقات فيزيائية تحكمهما. وهذه العلاقات هي مصدر هذا الجمال الذي نحس به في مشاهدة اللوحة الزيتية. وتبعا لذلك فهي موضوع الدراسة، وموضوع التركيز والاهتمام في الفن التجريدي. فالفنان التجريدي تخطى مرحلة استعمال الأصباغ كوسيلة لإبراز مضمون اللوحة المرتبط بالواقع المشاهد، كرسم وجه رجل أو امرأة أو طفل أو شيخ، أو منظر طبيعي حي، أو طبيعة صامتة، واتجه إلى بحث علاقات الألوان بالأصباغ، أو بعبارة أخرى علاقات الضوء بالأصباغ. إن تنوع هذا البحث وتشعبه شكل في عمومه المدارس الحديثة التي نفرت من المضامين التقليدية، واتجهت نحو التشكيل والتكوين، والاعتماد على العلاقات الفيزيائية والكيماوية المجردة في إنشاء الجمال وبعثه.

وبدون هذه الخلفية يبقى فهم الشكلية والبنيوية عموما يشوبه الغموض. ولا يمكن للإنسان أن يفهم كيف يلغى المعنى والمضمون في الأدب، كما تطرحه الشكلية الروسـية وغيرها، دون أن يعرف بأن الأمر محـكوم بتيار امتـد أصلا من تلك الاكتشافات الفنية في عالم الرسم والألوان والأصباغ. إن اللغة شيء يستعصي على التجريد، فهي ليست كالألوان في الذهن يمكن تجريدها عن المعاني المرتبطة بها، من هنا كان لزاما إيجاد مخرج للمأزق الذي وجدت البنيوية فيه نفسها فكانت الدراسات السيميائية مخرجا لهذا الإشكال.

الهوامش والإحالات:



Formalisme, Jeu de formes, Cahier sous la direction d’aveline pinto, publication de la sorlonne, 2001, [1]  p15.

[2] ن، م، س، ص 15.

Wassily kindinsky, Cancerning the spirituel in art, Traduit, P,mt salder, Edition illustrated, isbn, [3]

.5 P2

Wassily kindinsky,point and line to plane, t, Par hilla rebay, edition illustrated, Isbn,1979, P27.[4]

[5]  Philippe sers, Kindensky,Skira editor, 2003, p55.

Wassily kindinsky, Cancerning the spirituel in art,[6]

 .56 P

[7] ن، م، س، ص 56.

[8] ن، م، س، ص 57.

[9] ن، م، س، ص 59.

Philippe sers, Kindensky, Skira editor 2003, p60.[10]

[11] د صلاح فضل،  بلاغة الخطاب وعلم النص،  علم المعرفة ، 164،  أغسطس 1992 ، ص 130.

[12] ن، م، س، ص 11.

[13] ن، م، س، ص 12.

[14] د صلاح فضل ، بلاغة الخطاب وعلم النص، ص 125.