pdfبناء القصيدة الشعرية عند الشاعر سيدي البكري بن عبد الرحمن التينيلاني التواتي

                                                                               عبد القادر بقادر

جامعة ورقلة ( الجزائر)

المقدمة:

ظلت القصيدة العربية محافظة على شكلها وسماتها الأولى قرونا عديدة، ومع العصر الحديث عرفت تطورا كبيرا على شكلها الخليلي بل هو تمرد على ذلك الشكل الموروث عن العصور السابقة، كما عرفت خصائصها الفنية هي الأخرى مسميات ومصطلحات جديدة، وفي إقليم توات وبالتحديد في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين عرف الإقليم عددا كبيرا من الشعراء والعلماء الذين كان الباع الطويل تحريك الساحة الأدبية والفكرية والثقافية عموما ومن أبرز أولئك الشعراء الشاعر سيدي البكري بن عبد الرحمن، فمن يكون هذا الشاعر؟ وما دوره في تفعيل الحركة الأدبية في الإقليم؟ وكيف كان بناء القصيدة العربية عنده؟  

أولا: عصر الشاعر سيدي البكري وحياته

الحياة السياسية:                                

     كان نظام الحكم في الإقليم خلال القرن الثالث عشر وقبله بأيدي القضاة الذين حكموا البلاد والعباد بنصوص  الشرع الثابتة، وكانت سلطة القاضي مطلقة وأحكامه ملزمة ومنفذة من قبل شيوخ القبائل. ومن بين القضاة في هذه الفترة سيدي عبد الحق بن سيدي عبد الكريم البكري تـ (1210 هـ ـ 1795م)، ثم سيدي الحاج بن عبد الرحمان البلبالي تـ (1241 هـ ـ 1825م)، ثم من بعده ابنه سيدي عبد العزيز تـ (1261 هــ 1845م)، وتولى بعده القضاء عدد من القضاة حتى دخول المستعمر الفرنسي المنطقة سنة 1318 هـ ـ 1900م([1]).

الحياة الاقتصادية:

بالرغم من جدب أرض توات ومناخها الحار والصعب وكثرة رمالها الأمر الذي جعل الرزق بها محدودا إلا أن أهلها لم يستسلموا، فطفقوا يفكرون في وسائل للتغلب على هذه الصعاب، عبر مراحل عديدة من الزمان فمارسوا أنشطة متنوعة قامت عليها الحياة الاقتصادية بالإقليم وتمثلت في التجارة والزراعة بشكل، خاص وبعض الصناعات التقليدية القليلة.

ففي التجارة مكنهم الموقع الجغرافي الاستراتجي من القيام بدور كبير في هذا المجال؛ إذ كان الإقليم مركز عبور للقوافل المتجهة من شمال بلاد المغرب إلى بلاد السودان والعكس، مما جعل من الإقليم مركز تبادل تجاري كبير؛ فالقوافل القادمة من الشمال أو الجنوب تقوم باستبدال ما تعب من جمالها وخيلها، وشراء ما يلزمها من الزاد وكذا بيع ما يحتاجه أهل توات من السلع؛ وكانت السلع التواتية في مجملها التمور، والملابس المطرزة، والأسلحة وغيرها، كما نشطت تجارة الذهب التي سيطر عليها اليهود؛ فتمنطيط وحدها كما نقلت الأخبار  تحتوي على أكثر من 360 صائغا [2]        

أما في مجال الزراعة التي اعتبرت أهم مورد اقتصادي لأهل المنطقة وذلك لعدة اعتبارات؛ أهمها الأودية الجارية المتصلة بها، ونظام الفقاقير، وأهم المزروعات كانت على الإطلاق النخيل لما كان لها من فوائد جمة عليهم. كما اشتهرت توات ببعض الصناعات التقليدية كصناعة الجلود من سروج وأحذية وصناعة النسيج.

 

الحياة الثقافية والعلمية والأدبية:

كان لوجود العلماء في مختلف الاختصاصات أثره الإيجابي في بعث وإحياء الحركة الثقافية والعلمية في منطقة توات، وعلى الرغم من بعدها عن العمران الحضاري إلا أنها لم تكن معزولة عن العالم. إن توات كانت تذخر هي الأخرى بالشعراء والأدباء، يقول الدكتور أحمد جعفري :"ويعتبر القرن الثاني عشر الهجري الثامن عشر الميلادي العصر الذهبي في تاريخ المنطقة بالنظر للعدد الهائل من العلماء الذين نبغوا فيه"[3].

لقد اهتم التواتيون كثيرا بالأدب في شقيه الشعري، والنثري. واستخدموه في مختلف المناسبات وفي شتى الأغراض إلا أن هذا التراث الكبير ضاع منه الكثير بسبب عوامل منها الاستدمار الفرنسي، وكذا عوامل الدهر، وعدم الاهتمام، وما بقي منه مازال حبيس الخزائن والمكتبات الخاصة.

وما زاد الحركة الأدبية والثقافية توقدا بتمنطيط بصفة خاصة هو تأسيس الزاوية البكرية في القرن الثاني عشر الهجري[4]، وفي هذه الزاوية وفي تلك الظروف ظهر  الشاعر الشيخ سيدي البكري الذي شغل الناس في وقته بإبداعاته التي فاقت حدود المنطقة لأنها كادت تلم بأحداث العصر من الجزائر شمالا إلى المملكة المغربية غربا.

حياة الشاعر: نسبه ومولده:

هو البكري بن عبد الرحمن بن الطيب بن أحمد بن محمد بن عمر بن أحمد، وقيل بن معروف[5] بن أحمد بن يوسف التينيلاني أصلا البكروي منشأ[6]، ويرتفع نسب والده إلى الشيخ سيد أحمد الملياني، ونسب أمه إلى الإمام إدريس بن عبد الله الكامل.[7]

ولد سيدي البكري في سنة 1261هـ ـ 1845م بزاوية سيدي البكري، و سمي البكري تبركا بأحد أجداده الذي سمي على اسم عالم مصري كان قد إلتقاه أحد أجداده أثناء طوافه بحثا عن العلم فسمى عليه.[8]

حفظ القرآن الكريم على يد والده وهو طفل صغير، ثم انتقل إلى مدرسة شيخه سيدي الحسين بن سعيد، وهو خاله فأخذ عنه الفقه واللغة والآداب والتفسير والحديث[9]، وبالتالي فقد تربى الشيخ سيدي البكري في حضرة عالم مشهور في ذلك العصر فنما فرعا من فروع تلك الدوحة البكرية التي أنجت فطاحل في مختلف العلوم.

ثم انتقل إلى بلدة كالي بأولاد سعيد بتيميمون وقام هناك على تدريس الصبيان القرآن الكريم، وصلى بالناس إماما، وذلك بطلب من شيخ المنطقة سيدي مولاي عبد العالي الشهير بـ(مولاي عبد الحاكم) وكان ينوي الذهاب إلى الزيتونة بتونس ولكن تعذر عليه الأمر[10]، وبعد التحاق شيخه وخاله سيدي الحسين بن سعيد بالرفيق الأعلى عاد أدراجه إلى زاوية سيدي البكري ليقوم مقام شيخه، ولازال بها حتى وفته المنية بمسقط رأسه طلوع فجر الأربعاء أوائل جمادى الأولى عام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف  1339هـ 1921م.[11]

مكانته العلمية:

     إن الشيخ سيدي البكري لم يكن في حياته مقتصرا على التدريس والإمامة فحسب بل كان رجل اجتماع، فقد فتح الله عليه من علوم الدنيا والدين؛ فهو كاتب المراسلات الاجتماعية والسياسية، وإلى جانب هذا فهو يمتاز بجمال الخط ورونقته، كما كان هو الشاعر في المناسبات، والمفتي في بعض الحالات، والقاضي في فض بعض النزاعات.

     والشيء الذي أهله لهذه المكانة في المجتمع التواتي آنذاك هو براعته في اللغة العربية وذكاؤه المتوقد وحضور بداهته؛ فقد يجيب في كثير من الأحيان على البداهة، قال عنه أحد معاصريه: « من كان معه ورقة فيها شيء من كلام الشيخ سيدي البكري فليحتفظ بها، فقد يأتي زمان لا تجدون كلامه حتى في القاموس» فهذه شهادة له، وقال عنه الشيخ الحاج عبد الرحمان السكوتي القبلاوي  المولود بساهل[12] (1285هـ ـ 1332هـ): « إن سر هذا الرجل في قلمه »؛ فقد كانت تحضره الإجابة بمجرد أن يمسك بقلمه[13]

لقد تنوعت موهبة سيدي البكري بن عبد الرحمن بين الشعر والنثر فقد كتب أشعارا في مختلف الأغراض وعلى مختلف الأوزان والبحور الشعرية، كما له منظومات في النحو والفقه والتوحيد وفي علم الفرائض (الميراث) وغير ذلك، كما له عدة رسائل نثرية منها الإخوانية واللغوية، وأذكر منها:

1.   ـمنظومة المعيار في ذم الاستقصاء للنظار.

2.   مكاتبة منه لبعض الأحبة تشتمل على نصائح وإرشادات، وله مكاتبات أخرى.

3.   أرجوزة تشتمل على ثلاثة فنون؛ التوحيد والفقه والتصوف، وقد شرحها الشيخ محمد باي بلعالم تـ (2009م) رحمه الله.

4.   ما يفوق ثلاثين قصيدة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم.

5.   العديد من المقطوعات الشعرية في الشاي.

6.   قصائد يرد بها على أعدائه وحساده.

7.   جواب على سؤال إمام الحرمين الذي بعث به إلى علماء المشرق والمغرب يختبرهم فيه، سماه: اختبار كل عارف من أنباء المعارف.

8.   منظومة في أوصاف الخيل وشرحها.

9.   كتاب في الكرم.

10.                  قصائد عديدة في الشعر الشعبي باللغة العامية المحلية.

فكيف كان بناء القصيدة الشعرية عنده؟

ثانيا: البناء الفني للقصيدة الشعرية عند الشاعر سيدي البكري

1 ـ الجانب الشكلي:        

إن المتمعن في شكل القصيدة في الشعر التواتي سيجدها لا تخرج عن الشكل العام للقصيدة العربية الخليلية، ومع هذا فسوف نتعرض للجانب الشكلي لقصيدة الشيخ سيدي البكري فهو لم يخالف نظراءه من الشعراء العرب القدامى وبشكل خاص الجاهليين منهم فهو في المدح والرثاء ـ وهما الغرضان الغالبان على ديوانه ـ يقسّم القصيدة في هاذين الغرضين إلى مقدمة وعرض ثم خاتمة؛ فتراه في المقدمة يفتتح قصائده بالغزل، أو البكاء على الطلل، أو بالحب المحمدي في المدائح الدينية.

لقد كان الشاعر سيدي البكري شديد الحب للرسول صلى الله عليه سلم ولآل البيت، كيف لا وهو الذي تربى في كنف العلم وفي حضرة العلماء، وتجلى ذلك بشكل بارز في تلك الأشعار والمدائح النبوية الشريفة ـ وهي سمة غالبة في ديوانه وقد تجلت شاعرية الرجل في هذا الفن من الشعر جلاء بارزا، فمن الافتتاحيات التي في الحب المحمدي، يقول من البحر الكامل قصيدة تتكون من اثنين وعشرين بيتا هذا مطلعها:                                

مهما دها داه فؤادَك فافــزعا

لمديح خير العالمين نـجارا 

روح الأنام على التمام فسيحها

جاها كان صبيحها أنــوارا

بمحمد سمي قبل ظـــهوره

في طوره الجسمي كان منارا  

 

وفي الافتتاحيات الطللية يقول من البحر الوافر في المديح أيضا هذه القصيدة التي تتكون من ست وتسعين بيتا هذا مطلعها:                               

همى دمعي على الخدين لـما 

وقفت على ربوعهمُ البـوال

وذكرتني بها طلل عـــفته

شعاب السيل أيّام الــوصال 

فظلت مع اضطرام القلب أبغي

أنيسا من هنالك بالمـــقال  

فلم أجده بها إلا وحـــوشا

يثير زئيرها استيحاش البال  

وكذلك هذه القصيدة في تسع وعشرين بيتا، هذا مطلعها من البحر الخفيف:                               

صاحِ عرج بربع سعدا وخيم

بالديار وعج على الأطلال  

واستجد نضة القريض لتجلى

بحلال الثنا وحلي مـقال  

ومن الافتتاحيات الغزلية هذه القصيدة من مقلوب الطويل تتكون من أكثر من خمسين بيتا هذا مطلعها:                               

أمن ذكرى سليمى تارق في الليالي

ودمعك بالدما في امتزاج كالعزال 

أبرق من نواحي قرى نجد قد ألا؟

فمالك في اصفرار بلونك كالأصال؟  

أتحسب حيث لمّا تبح أن لا ينام

بعشقك عدل دمع وسقم للــعذال؟  

وبعد المقدمة يتطرق في العرض إلى الممدوح أو المرثي وأستشهد هنا بهاذين البيتين في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم:     

ومدح المصطفى مولاي حقا

ومولى العرب مع عجم المحال  

رسول الله أفضل كل الكون

من الأكوان في وصف  الكمال  

أما الخاتمة فهي دائما تكون للتوسل بجاه المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى المولى عز وجل كما في هذه القصيدة:                               

أنت الوسيلة في صلاح أمورنا

في الدين والدنيا بك الأوطارا 

ها مادح وهو المسمى محمد

البكري في رستاقك المعطارا[14]

صلى عليك الله ما هب الصبا

بالروح ينعش ذا ضنا أسحارا  

تهد للآل وللصـحابة كلـهم 

والتابعين جميعهم إزهــارا  

أو للدعاء والتوجه إلى الله عز وجل وحمده، وتجده كذلك يذكر اسمه في الخاتمة، كما جاء في خاتمة هذه القصيدة:                                

فالحمد لله على التــــمام

عدّ الحصا والرمل والآكام  

وصل يا رب على بدر التمام

وآله وصحبه الغر الكرام  

نظمها نجل عبيد الرحـمان

البكري الذي إليه عطشان  

أقال ربُّ العالمين عثــرتَه

يوم اللقا إذ يمتحن خُبرته  

وقد تجد الشاعر في بعض قصائده سواء كانت في غرض المدح أو غيره يدخل في الموضوع مباشرة دون مقدمات كما هو في هذه القصيدة على سبيل المثال لا الحصر يمدح الرسول عليه الصلاة والسلام قائلا من الكامل المجزوء  تتكون من واحد وستين بيتا هذا مطلعها :    

                       

يا ذا الفضائل والعلا

يا ذا الصفات الساميه  

يا مرسلا بالاهـتدا

والرفق والرحمـانيه

إني مدحتك سيدي

أرجو بذاك أمــانيه 

أرجو بذاك جـنة

فيها غصون دانـيه 

ومن البحر السريع:

يا نور قلبي يا سنا بــصري

يا مصطفى من أصفيا مضر  

يا شرح صدري يا مزيل الأسى

يا ضوء سري كضيا قــمر  

يا رحمة الله التي عــــمّنا

زغربها يا زينة النــظر[15] 

يا نور سمعي يا شفاء الفـؤاد

يا زينة الكون بلا نُــــكُر  

وقد يفتتح القصيدة بحمد الله عز وجل :        

الحمد لله الذي لا تحصى

نعمه بالعد أو بالإحـــصا 

ثم صلاة الله تترى أبـدا

على النبي وآله ذوي الهدى  

وبعد فالأتاي من نعـمه

سبحانه العظمى ومن كـرمه

أحله الرحمان للأنــام

فما على الشارب من مـلام  

فهو شراب الأولـــياء

والحكما والعظما والأتــقيا    

أو بالصلاة والسلام على المصطفى e:                               

صل يا ربنا وسلم على من

من سناه أشعة الأنــوار 

ربنا  قد أبحتنا طيــبات

والأتاي الكريم ذا الأسرار  

ثم عادلته بسكر أبــيض

وندريز مزايل الشــرار  

ثم رونقته بفوحة نــعنا

ع وشيبة جونة الأعـطار 

كالعنابر في التفافيح إذما

عبقت بعبيقها المعــطار  

2 ـ الخصائص الفنية:

إن لكل شاعر خصائص فنية يرتكز عليها شعره وسنحاول في هذه الدراسة إبراز بعض الملامح التي رأيناها ميزة في شعر الرجل فارتقينا بها إلى درجة الخصائص الفنية وهي:الموسيقى، والصورة، واللغة والأسلوب. 

الموسيقى:

إن الموسيقى تعد في الشعر ركيزة أساسية حيث لا يمكننا أن نسمي الكلام شعرا إلا إذا توفرت فيه بعض الشروط من بينها الموسيقى وكذا الصورة الشعرية وهناك من يجعل هاتين الوسيلتين صفتين لازمتين للشعر « فالشعر في حقيقته يكتسب صفته تلك بوسائل فنية متعددة أهمها اثنتان لا يعتبر أي كلام شعرا بدون توافرهما معا فيه، هما الموسيقى والصورة »[16] .

والموسيقى قسمان؛ خارجية وداخلية، فالخارجية هي التي تحددها الأوزان أو البحور وهي ناجمة عن تتابع تفعيلات معينة تتكرر في كل بيت دون أن تتغير، أما الداخلية فهي متمثلة في الإيقاع والجرس الموسيقي، والإيقاع يكون ناجما عن عدة أشياء؛ منها التَّكرار كتكرار كلمات معينة أو متشابهة، أو حرف أو حروف معينة متحدة المخرج أو متقاربته. وقد يكون الإيقاع تقابل أفكار بواسطة التضاد أو التشابه... أما الجرس فهو وقع الحروف والكلمات على الأذن كسيطرة صفة صوتية كحروف الهمس مثلا أو غيرها من الصفات الصوتية.[17]

     إن شعر سيدي البكري شعر خليلي فهو لم يخرج عن الشعر الخليلي وبحوره التي توصل إليها وسنحاول في هذا المقام أن نقوم بدراسة بعض النماذج من شعره مع علمنا المسبق بما يحيط بهذه الدراسة من مخاطر ومزالق وذلك يرجع إلى الخيوط الرفيعة والدقيقة التي تنتظم من خلالها الصورة الموسيقية عند شاعر.       

     فمن حيث الموسيقى الخارجية فالشاعر قد نظم في مختلف البحور الشعرية الخليلية من الطويل إلى الخفيف إلى البسيط... وقد غلب على شعره البحر الكامل في المدائح النبوية ويرجع ذلك لأن هذا البحر يصلح لهذا الغرض الشعري.ومن القصائد التي كتبها في هذا الغرض على هذا البحر:                               

مهما دها داه فؤادَك فافــزعا

لمديح خير العالمين نجارا  

روح الأنام على التمام فسيحها

جاها وكان صبيحها أنوارا 

بمحمد سمي قبل ظـــهوره

في طوره الجسمي كان منار  

     كما أن الشاعر قد ينوع في روي القصيدة الواحدة دون أن يختل الوزن أو تشعر من خلاله بكسر عروضي أو غيره مما يؤثر على موسيقى القصيدة، كما أنه يلزم نفسه ما لا يلزم كالتقييد بالروي في الشطرين من كل بيت (ازدواجية القافية) كما هو الحال في قصيدة الأتاي :                               

الحمد لله الذي لا تحصى

نعمه بالعد أو بالإحـــصا 

ثم صلاة الله تترى أبـدا

على النبي وآله ذوي الهدى

وبعد فالأتاي من نعـمه

سبحانه العظمى ومن كـرمه  

أحله الرحمان للأنــام

فما على الشارب من مــلام  

فهو شراب الأولـــياء

والحكما والعظما والأتــقيا 

     فنلاحظ على القصيدة عدم التقييد بالروي الواحد في حين تجده يلتزم بروي واحد في شطري كل بيت وهو ما يعرف بالقافية المزدوجة.

     أما من حيث القافية فنجد الشاعر كغيره من الشعراء العرب تدور قوافيه بين الدال والراء واللام والميم وهذا ليس بالغريب على الشعر العربي.

     أما عن الموسيقى الداخلية فنلاحظ سيطرت حروف الهمس في قصيدة يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم وفي رأينا أن ذلك ليناسب المقام فهو في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان حرف الروي هاء ولا يخلو بيت من أبياتها من حروف الهمس الفاء، السين، التاء، الحاء، الصاد، ...وهذه هي القصيدة:                               

يا ذا الفضائل والعلا

يا ذا الصفات الساميه 

يا مرسَلا بالاهـتدا

والرفق والرحمـانيه 

إني مدحتك سيـدي

أرجو بذاك أمــانيه

أرجو بذاك جــنة

فيها غصون دانــيه  

الصورة الشعرية:

     كما سبق لنا وأن قلنا بأن الصورة في الشعر ضرورية، فمصطلح الصورة لم يكن واردا في الشعر العربي القديم وكان النقد العربي يتناول الصورة ضمن الدرس البلاغي كالمجاز والاستعارة والتشبيه...

إن للصورة الفنية دلالات مختلفة ويرجع ذلك إلى أن هذه الصورة خاضعة للفردية والذاتية وحدود الطاقة الإبداعية وهي مرتبطة بالإبداع الشعري خاصة وحتى النثري، وتُعَدُّ الصورة الفنيه بالنسبة إلى العملالفني نطاقه الحيوي الذي تنمو فيه؛ فهي:

1 ـــ تجمع الكلمات التي تبدو خارج النصمتناقضة، أو متباعدة في بوتقة واحدة، ومن ثم تجعلها وحدة بنائية متكاملة ذات مناخ منسجم، وأبعاد متناغمة، وبما أن الصورة ترتكز على الخيال، فهي تحاول أن تجمع بين أشياء لا تُجمع فـي الواقع الحياتي، كما توحّدبين أشياء متناقصة، وتقرّب بين أشياء أخرى متباعدة.

2 ـــ تقوم على إخصاب اللغة عنطريق تلقيح الكلمات، وصهرها ضمن السياق.

ومن هنا يتأكد لنا بأن الصورة تتظافر في تشكيلها عوامل ترجع إلى ذات الشاعر وأخرى خارجة عن نطاقه؛ فخيال الشاعر هو الذي يمازج بين الأشياء المتناقضة في الواقع، وهو الذي يعطى الصورة عمقا ويُخرجها من مجال التصوير إلى الواقع (الفني الإبداعي) الشعري.

أضف إلى ذلك كله فإن الصورة الشعرية هي التي تحمل عبء التعبير عن نفسية الشاعر وشعوره الخاص الذي يعيشه أثناء تشكيله الصورة والمعنى الذي يريده كما يعبر عن ذلك عبد القاهر الجرحاني بضرورة الاهتمام بالجانب النفسي للصورة [18].

لقد عبر سيدي البكر ي عما يجيش في نفسه بصور مختلفة:                               

رَمَتْ فؤادي بشهب المجر صائبة

كأنها النجم ترمي الجن شهبانا  

وهو في تصوير عشبة الشاي أكثر براعة:                               

صهباء لا صهباء بل بهنانة

بل عشبة من جوده سبحـــانه

رقت فدقت فارتقت أصنافها

يقضانة أخواتها وسنـــــانة

دبت كما دبت سلافة صدخد

في أم رأس لم تزل طنــــانة

فكأنني وكأنها في وصـلنا

روحان من خلق المولى سبحانه

إذ استطاع الشاعر أن يمزج بين روحه وعشبة الشاي حتى كأنهما روحان في جسد واحد وذلك بعد شربه لها وهو ما يعبر عن شدة حبه لهذه العشبة .

اللغة والأسلوب:

إن اللغة هي أداة الشعر وحاملة معانيه فبواسطتها تُشكّل الصورة الفنية والموسيقي الشعرية وكذا الأسلوب، ويختلف مصدرها المستقاة منه من شاعر لآخر؛ فلكل شاعر قاموسه اللغوي الذي يستقي منه لغته، وتبقى درجة قوة معانيها في تجاورها (أسلوبها) وبراعة الشاعر في ذلك.

ومن خصائص اللغة عند سيدي البكري الاقتباس من المعجم الصوفي والقرآن الكريم أو نقول غلبة اللفظ القرآني فمعظم الألفاظ التي يأتي بها الشاعر ألفاظ قرآنية؛ فهو يستوحي القرآن الكريم لرسم صورة أو التعبير عن فكرة فيعمد إلى الآية أو الآيات فيستعير منها لفظها ويضمنه شعره كما قال في هذا البيت:        

         رب إنك قلت هم خير أمة

أخرجت فانصرن بنصر يعاد

وهذا من قوله تعالى:)كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر( سورة آل عمران الآية 110، وهو اقتباس لفظي .

وكذلك قوله في قصيدة أخرى:                               

سابق مقتصد وظالم نفس

نالوا الأمن به من الغفار  

وهذا من قوله تعالى:) منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ( سورة فاطر الآية 32، وهو اقتباس لفظي كما لاحظنا.

كما قد يوظف المعنى دون اللفظ من القرآن الكريم وذلك في قوله :                               

قل لمن يستخف اخسأ يا كَلْ

بُ في نار لظى مع الأشرار

وهذا مأخوذ من معنى قوله تعالى:)قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون(سورة المؤمنون الآية 108.

كما يأخذ المعنى من القرآن الكريم كما في هذا البيت:                               

أعْجَزَ الإنسَ آيةٌ منه والج

نَ فهلا تأتي بها للقار 

وهو مقتبس من قوله تعالى:)أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين( سورة يونس الآية 38.

هكذا كانت اللغة عند سيدي البكري يقتبس من القرآن الكريم، كما يقتبس من بعض الشعراء  أو بعض المعاني كما فعل في هذا البيت:                              

بيوم مولده العجماء قد نطقت

كذا الجمادات والأشجار والصنم

والمعنى مأخوذ من الشيخ البوصير في همزيته:                               

والجمادات أفصحت بالذي أُخْ

رِسَ عنه لأحمد الفصحاء

وكذا في البيت الآتي:                                

وقبله أخبر الكهانَ جنهم

بشأنه وكذا الأحبار غيرهم

حيث أخذ معناه من الشيخ البوصيري في قصيدة البردة:                               

من بعد ما أخبر الأقوامَ كاهنُهم

بأن دينهم المعوج لم يقُمِ

وتتميز لغة الشاعر سيدي البكري بقصر الجمل وإحكام وتماسك البناء فيها، وذلك كله من أجل توضيح المعنى المقصود دون التواء، كما تتميز بالقوة والجزالة في الأسلوب، وقد جاء كل هذا بجهد الشاعر في اللغة والنحو، كما يلاحظ على الشاعر في اللغة هو استعماله لبعض الألفاظ الغريبة التي قد تستعصي على الفهم بعض الأحيان، مما يضطره إلى توضيحها في نصوص أخرى كما هو الحال في قصيدة الخيل« أما بعد فلما نظمت قصيدة في أوصاف الخيل الجياد فطلب مني بعض السادات المجاد أن أجعل عليها شرحا يحل مقفلها، ويبين مُشكلها، ويفصل مجملها، ويسهل معقلها، ويفتض بكرها، ويفتق زمرها، وينشر نشرها؛ لأنها كانت أمنع من لوج عقاب الجو... لِمَا احتوت عليه من لغات العرب ذو اللسان... »[19].

إن الشاعر سيدي البكري ألزم نفسه في بعض القصائد ما لا يلزم كما فعل في هذه القصيدة؛ حيث التزم الحروف الخالية من النقط وهي قصيدة من اثنين وأربعين بيتا:                                

مدحى علو محمد المعصـوما

هصر الملوم وحاسدا مسموما [20]

وصحى له حلكى وحال سواده

سعدا وسر سروره المهمـوما

لِمْ لا وأحمد سر كل محــامد

وسموه سام علاه عمـــوما

الخاتمة:

في الختام نخلص إلى أن الشاعر الشيخ سيدي البكري بن عبد الرحمن التينيلاني التواتي:

1.   شاعر صوفي غارق في التصوف معجمه اللغوي يدل على ذلك.

2.   عاش عصره بآلامه وآماله حتى شغل الناس بشعره ونثره فكان القاضي والإمام والشاعر.

3.   براعته في اللغة وسرعة بداهته وعلمُه هو الذي أهله لأن يتبوأ تلك المكانة.

4.   كان ملتزما ومحافظا على شكل القصيدة العربية الخليلية، وكذا على المطالع فهو مقلد للشاعر العربي (الصوفي) ومن اقتفى أثره.

5.   كان صوفيا متأثرا بالصوفية حيث رأيناه يتغزل ويبكي على الأطلال دون معرفتها وكعادة المتصوفة ميالا للرمز.

6.   كان متأثرا بقصائد الشيخ البوصيري في مطالعه وذلك بالحوار الداخلي (المونولوج) الذي يجريه مع نفسه.

7.   كان مجددا في النظم على البحور المهملة كالبحر المستطيل الذي لم تنظم العرب عليه إلا في العصور المتأخرة.

  الهوامش والإحالات:

[1] ــ ينظر عبد الحميد البكري، النبذة في تاريخ توات وأعلامها من القرن 9 إلى القرن 14 الهجري، شركة دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عين مليلة، الجزائر.، ط: 2005 م، ص: 35.

[2] ــ نفسه، ص: 38.

[3] ــ أحمد أبا الصافي جعفري،  محمد بن أبا المزمري، 2004 م، دار الكتاب العربي، ط: 01، ص: 32.

[4] ــ نفسه، ص: 94.

[5] ــ حسب رواية الأستاذ ابن الوليد عبد القادر، صاحب خزانة با عبد الله، وينظر: الشيخ محمد باي بلعالم، المباحث الفكرية على شرح الأرجوزة البكرية، مطابع عمار قرفي باتنة الجزائر، د ط، ص: 07.

[6] ــ نسبة إلى المكان الذي نشأ فيه وهو قصر زاوية سيدي البكري التي تبعد عن مقر الولاية ادرار بحوالي 10 كلم.

[7]  ــ مخطوط  بخزانة الشيخ سيدي عبد الله البلبالي.كوسام.

[8] ــ ينظر الشيخ باي بلعالم، المباحث الفكرية شرح  على الأرجوزة البكرية، ص: 08.

[9] ــ ينظر عبد الحميد بكري، النبذة في تاريخ توات ....ص: 86. والأستاذ الحاج أحمد الصديق، التاريخ الثقافي لإقليم توات... ص: 108.

[10] ــ بحسب رواية الأستاذ عبد القادر بن الوليد.

[11] ــ بحسب رواية السيد الحاج عبد الله بن سيدي عبد السلام بكراوي، وهو أحد أحفاد سيدي البكري بن عبد الرحمن.

[12] ــ إحدى قرى بلدية أقبلى بأولف.

[13]  ــ رواية عن الحاج محمد بكراوي صاحب الخزانة البكرية بزاوية سيدي البكري.

[14]  ـ الرستاق: السواد.

[15]  ــ الزغرب: الماء الكثير.

[16] ـ يحي الشيخ صالح، شعر الثورة عند مفدي زكريا(دراسة فنية تحليلية)، دار البعث للطباعة والنشر، قسنطينة، الجزائر، 1407هـ ــ 1987م، ط: 1، ص: 293.

[17] ـ ينظر: المرجع السابق، ص:294و 295.

[18] ـ ينظر: عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، تح: محمد الفاضلي،  المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 1424هـ ــ 2003م، د ط، ص: 88 وما بعدها.

[19] ـ مخطوط  في خزانة با عبد الله ( الأستاذ عبد القادر بن الوليد)، ص: 92 ـ 100.

[20] ـ الهصر: عطف الشيء الرطب كالغصن ونحوه، وفي الحديث: كان إذا ركع هصر ظهره أي ثناه الى الأرض، (ابن منظور، لسان العرب، 15 /67.).