تأصيل المصطلح النقدي بين الترجمة و التعريب و البحث في الجذر الفلسفيpdf

                                                                                                     عبد الحميد ختالة

المركز الجامعي خنشلة ( الجزائر )

 

على سبيل التقديم:

إن الحقيقة التي لا ينفيها باحث هي أن مفاتيح العلوم و المعارف كلها مصطلحاتُها، فمصطلحات العلوم منتهى مقاصدها و مجمع حقائقها المعرفية، وعنوان ما به يتميز حقل معرفي عن سواه، و بالمصطلح وحده تتم مقايضة المعارف و الأفكار، كما أن أجلى صورة تعكس تبلورالوعي النقدي المنهجي هي تلك المواضعةالاجتماعية والثقافية والفكرية القادرة على تحويل المصطلح إلى شفرة قابلة للفهم والتواصل المشترك، من أجل القضاء على اللامنهج والانتقال من العشوائيةفي الحكم النقدي إلى الوعي المنهجي القائم على أسس ومعايير اصطلاحيةمشتركة ومعترف بها  أكاديميا من قبل المؤسسة الثقافية والنقدية.

إلا أن الذي يربك الدرس النقدي و الحال أن الفكر العربي يعيش حالة من التبعية للفكر الغربي، هو أن الباحث العربي يستمد المفاهيم النقدية دفعة واحدة دون أن يعرف مراحل الحركة النقديةالغربية وحيثياتها، متجاهلاً خلفيات نشأتها الطبيعية ومهتماً فقط بما يلاءم الإبداع الأدبي،بل إن كثيراً من المفاهيم النقدية التي هُجّرت إلى البيئة  النقدية العربية جاءت جاهزة قبل حتى أنتنشأ الأعمال الأدبية التي تنطبق عليها، هذا ما جعل قضية المصطلح تبدو قضية ترجمةوتعريب في المحل الأول للمقابل الأجنبي إزاء ما يقترح من ألفاظ عربية.

واعتبارا لما سبق جاءت هذه الورقة لتبحث في بعض السبل التي أراها ناجعة في تبييئ المصطلح في بيئة النقد العربي، و إحداث توليف غير قصري بين المصطلح و المدونة، فهل يستسيغ النقد العربي المصطلح الغربي معرّبا تعريبا صوتيا؟ أم أنه بحاجة ماسة إلى ترجمة دالّة حبلى بالمحمول المعرفي للمصطلح قبل الصوتي؟ أم أن الأمر يحتاج إلى رحلة معرفية جادة و هادفة في الجذور الفلسفية و الأيديولوجية للمصطلح؟، ثم إن الصعوبة تزيد عندما يتعلق الأمر باختيار المصطلحات الضرورية للترجمة و النقل و البحث في مفهومها النووي.

فهل سَلِم المصطلح النقدي من ضيم المترجم كما يقول الجاحظ(1)؟، أم أن القضية برمتها تحتاج إلى مصطلح جديد ومنهج جديد وخلفية معرفية جديدة نتواضع عليها بدءً ثم نعيد رحلة البحث في التراث العربي عن مصطلح عربي محض؟.

1/التاريخ الحديث للمصطلح:

لم يكن متاحا للباحث أن يجد في الدرس النقدي العربي عناية بالمصطلح النقدي حتى مطلع السبعينيات، و في إشارة خاطفة إلى بعض تأريخ هذا النقد، فقد كانت صورة النقد الأدبي في مصر في النصف الأول من القرن العشرين أو قبله بقليل، لغوية ووصفية لا تتجاوز الانطباع  و الذوق و بخاصة ما نقرأه في نقد طه حسين، كما لم تخضع أوليات النقد الأدبي في اليمن (1939-1948) للمقاييس أو المعايير النقدية المحترفة ولا للمدارس أو المذاهب، و ما وافق منها بعض المناهج و المذاهب النقدية فقد كان من قبيل المصادفة ليس إلّا(2).

و قد حرص النقد الفني في المغرب الأقصى على إثارة قضايا مستويات اللغة بين الفصحى و العامية و مناقشة أزمة الأدب بين قديمه و جديده و استمر الأمر على حاله حتى مطلع الستينيات أو قريبا من ذلك، و لم يظهر وقتذاك اهتمام متمرس بالمصطلح النقدي يخاطب علاقة هذا الأخير بمناهج النقد الحديثة، بل حَدّدت وضعية المصطلح بوصفها "ثمرة مناخ سوسيوثقافي وأدبي محكوم أولاً، بقلة الإنتاج والابتكار النظريين بالقياس إلى الثقافات التي تبلورت فيها في الأصل، وبمحدودية النصوص الإبداعية في المستوى الكمي لا في المستوى النوعي" (3) .

اُستخدم المصطلح لأول مرة في النقد الأدبي في المغرب في كتاب "المصطلح المشترك في نقد الشعر" عام 1977 لصاحبه إدريس الناقوري، حيث ربط مفاهيم المصطلح النقدي وحدوده بالمناهج النقدية الحديثة، وبخاصة البنيوية التكوينية، و بالرغم من معالجته لأنموذج من النقد الأدبي القديم إلا أن المهيمن على جهود النقاد المغاربة في وضع المصطلح -و هي جهود لا ينكرها إلا غافل أو جاحد-، أنها تفتقد لعقد الصلة بين المصطلح والتراث النقدي العربي.

و قد اهتم النقد الأدبي في الجزائر بالمنهجية الحديثة، و بخاصة الحقل السيميائي و كذا السردي في الثمانينيات، و أنيطت مصطلحات السيميائية بالعلامة في التراث النقدي عند العديد من النقاد أمثال عبد الملك مرتاض وعبد الحميد بورايو ورشيد بن مالك،  حيث سعى عبد الملك مرتاض إلى تعزيز المصطلح النقدي في المناهج الحديثة مازجاً  مزجا سليما جدا بين القديم والحديث،"من أجل عَطاء نقدي أصيل ذي خصوصيات، لها جذور في التاريخ، ولها امتداد في أعماق الحداثة، وهو ما أعطى لدراساته سمة مميزة تكشف عن مدى استيعابه للنظريات النقدية الحديثة وإلمامه بالتراث العربي، لذلك نجده في أغلب دراساته الحديثة يميل إلى التركيب المنهجي"(4).

كما اهتم السعيد بوطاجين  بعد هؤلاء اهتماما متميزا بالمصطلح وعلاقته بالتراث النقدي و اللغوي عند العرب، مع التركيز على الاستعمالات النقدية للمصطلح في التراث الأسلوبي و البلاغي العربيين، كما حاول من خلال مجموع دراساته و بحوثه أن يعقد علاقة وطيدة بين المصطلح النقدي و أصوله الفلسفية، وستكون لنا عودة إلى جهود السعيد بوطاجين من خلال كتابه "الترجمة و المصطلح" فيما سيأتي من هذه الورقة.

لم تتخلف حركة النقد في السعودية عن المناهج الحديثة بعدما كانت غارقة في  مجموعة من التيارات التقليدية، حيث سارعت بالانخراط في  مناهج النقد الحديثة مثل التأويل (Herméneutique) المعتمد على علوم النفس والتاريخ والإناسة نحو قراءة العمل الأدبي و فك شفراته، ليتموضع الناقد " داخل النص متجهاً إلى الأعلى، كما أن الناقد لا يجب أن يكون مقيداً في تيار أو مذهب نقدي محدد، أو حتى مذهب أدبي واحد، فالناقد يتحرك في نقده مع كلّ التيارات التي تتماشى مع الإبداع نفسه، فالنقد تابع للإبداع، وتقيد الناقد بمذهب واحد قد يجعله في وادٍ والعمل المنقود في واد آخر"(5)

و قد اعترف النقد السوري أخيرا بمكانة المصطلح النقدي، وبدا ذلك واضحا في كتاب سعد الدين كليب "النقد العربي الحديث، مناهجه وقضاياه"،  الذي يركز على أن «النقد الأدبي هو علم النص أو هو علم الظاهرة الأدبية،)(.....)إننا إذ نستخدم مصطلح العلم، في هذا المقام، نستخدمه وفي الذهن مصطلح العلوم الإنسانية التي يشكّل النقد الأدبي حقلاً من حقولها، ومن المعروف أن هذه العلوم لا تستطيع أن تضاهي العلوم التجريبية، في مسألة الدقة العلمية"(6).

2/ جهود المجامع و الهيئات العربية في بحث المصطلح:

اهتمت الكثير من المجامع  و الهيئات العربية بقضية المصطلح من أجل أن تصل إلى صيغة موحدة في نقل المصطلح النقدي من مصادره اللغوية، أو بحثا منها على سبل تكفل لها إيجاد منهج يليق بارتحال المصطلح من بيئته الأم إلى بيئات أخرى مختلفة، إلا أن الخلل الذي أصاب الجهود الفردية عند النقاد العرب هو ذاته الذي آلت إليه نتائج هذه المجامع، و إن كان ذلك ليس غريبا على هيئات هي نفسها لم تجد أرضية مواضعة للغة التي بها يفتح النقاش في واحدة من أهم آليات تطوير الدرس النقدي العربي.

حيث تناول  السعيد بوطاجين في كتابه "الترجمة و المصطلح، دراسة في إشكالية ترجمة المصطلح النقدي الجديد" بالتحليل والنقد خمسة مجامع لغوية هي :المجمع العراقي والمجمع المصري والسوري والأردني والجزائري(7)، إذ عرض لظروف نشأة المجمع العراقي ومنهجيته في العمل معتبرا ما قام به هذا المجمع مقبول جدا إذا ما قورن بغيره من المجامع و كذا بنوعية الإمكانات المتاحة، إلا أنه أعاب على المجمع بعض الثغرات المنهجية و الإجرائية في التعامل مع المصطلح و المراجع و المجلات المتخصصة(8).

انتقد بوطاجين في كتابه -سابق الذكر- مجمع القاهرة بشدة، خاصة ما تعلق بطريقة عمله المتشبعة بالروح القطرية أكثر من تشبعها بالروح القومية، و كذا علاقة المجمع  بالتراث، إذْ "اتخذ المجمع قرارات كثيرة تعنى بالترجمة، و من المدهش أنه لم يلتفت  إلى القرن العاشر الميلادي و ما بعده، لا إلى طروحات جابر بن حيان و لا إلى الكندي والخوارزمي و ابن سينا أو أبي حامد الغزالي، و لا إلى مرحلة استقرار المصطلح الفلسفي الذي سيؤثث علوما لغوية متشعبة لم تستطع البحوث الجديدة تجاوز الحدود التي وصلت إليها"(9) .

أما مجمع دمشق فقد ذكّر فيه بمبادئ إنشائه وحيثيات عمله وأنكر عليه الإفراط في التنظير و شوفينية اللغة وعدم الانضباط في الإجراء(10)، وهي المؤاخذات عينها التي طالت مجمع الأردن مع اشتراك جميع المجامع في نقد بوطاجين المتعلق بتركيز هذه المجامع على المصطلحات التقنية وإهمالها لمصطلحات العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تكتسي أهمية بالغة في التأسيس لمرجعية ترجمية صلبة، إضافة إلى سوء التنسيق و الضبط و الالتفات إلى المباحث التراثية.

أما مجمع اللغة العربية الجزائري فقد عرض له بوطاجين من خلال بيانه التأسيسي الذي شرح فيه أهداف تأسيسه وقانونه الأساسي ، وقد هزّ الناقد عرش هذا المجمع عندما عرض  للأخطاء اللغوية و المفهمية في قانونه الأساسي و لغته الصامتة،فـ"إذا كانت أخطاء من هذا النوع ترد في القانون الأساسي الذي يعدّ مقدمة لعمل احترافي يسهم فيه متضلعون في اللغة العربية يتقنون لغة أجنبية أو أكثر، فلا ندري كيف ستكون نتائج ترجمة مصطلحات حقل معرفي أو أكثر، على تراثها و تعقيدها و تباين سياقاتها و مرجعياتها"(11).

والحال هذه، إلا أن وجود مثل هذه المجامع العربية محمود في تفعيله لانشغال المعرفة العربية بمسألة المصطلح، كما أنها قد أسهمت في البحث عن مناهج بديلة و آليات أكثر جرأة في التعامل مع  المصطلح الوافد أو الأصيل غير المتداول كثيرا من التراث النقدي العربي. 

3/مناهج دراسة المصطلح عند العرب و خيبة النتائج.

أ/ المنهج التاريخي:

يروم هذا المنهج إلى رصد التطورات التي عرفتها دلالة بعض المصطلحات، إذ يقدم للمهتمين بهذا الصنف من المعرفة الجديد عند البلاغيين و تقريب فنون البلاغة مع ربطها بالنصوص، من أجل تحصيل اكتشاف سليم لهذا الفن الأدبي، وعلى الرغم من جهود  بعض الباحثين فإن هذا المنهج الذي يعمد إلى إلى الوقوف على المعنى اللغوي، ثم الانتقال إلى تحديد دلالته الاصطلاحية اعتمادا على التطور التاريخي، لم يلتفت إلى البحث في مصطلحات أخرى بغية المقارنة و فتح مجالات متنوعة و مختلفة، بل اكتفى بعدد محدود من المصطلحات لم تخرج عن دائرة الفصاحة و البلاغة و البيان و البديع.

و الحق أن هذا المنهج و لكي يضمن الحدّ الأدنى من الدقة في نتائجه، عليه أن يستوفي ما يلزم من الدراسة العلمية من جهة الاحتواء الكامل للمادة، و هذا لا يكون إلا باستخدام آلية الإحصاء، إذ لم يشتغل أصحاب هذا المنهج على وضع فهرسة دقيقة لأماكن ذكر المصطلح و أزمنتها، بل وإن كان ذكرٌ من هذا القبيل فقد غابت عنه الدقة و الأمانة، كما لم تخضع النصوص التي وردت فيها تلك المصطلحات للقراءة و التحليل اللازمين.

تتأزم إشكالية المنهج التاريخي في دراسة المصطلح حينما تحجم الدراسات عن تتبع وجود المصطلحات محور الدراسة في المخطوطات، إذ غالبا ما تكتفي برصد تطورها من خلال المادة المطبوعة و المنشورة، متجاوزة في ذلك المؤلفات والمدونات التي فُقدت لسبب من الأسباب، و الحق أن ما هو مهمل في هذا المجال ربما يفوق بكثير ما هو رسمي و مجدول في المكتبات العربية، إلا أنه يبقى من العدل و الإنصاف أن نعترف بأن الإحاطة بالمادة اللغوية و النقدية المصطلحيتين في التراث العربي غير الرسمي و غير المنشور أصلا أو تحقيقا أمرا عسيرا على باحث يتحرّى  المنهجية و الأكاديمية في البحث و التدوين و الدراسة.

لا مناص إذن من العودة بهذا المنهج إلى قليل من الرشد المعرفي الذي يخوّل للباحث النبش في التراث المعرفي، مستدلا على كل استخدام لغوي أو نقدي مارسه الدرس النقدي أو اللغوي في مرحلة الاكتفاء باللغة العربية في العصر العباسي على سبيل المثال، و ما رافق ذلك من إقدام لافت على ترجمة كل المعارف و العلوم الفارسية و التركية و اليونانية، و لسان الحال وقتذاك أن اللغة العربية غنية على أن تصمت حروفها ومفرداتها أمام أي نوع من المعرفة الإنسانية.

ب/ المنهج الوصفي:

يهدف المنهج الوصفي إلى الوقوف على الواقع الدلالي للمصطلح، كما يُشترط فيه القيام بإحصاء النصوص التي وردت فيها المصطلحات وذلك مراعاة لتوقف بعض المصطلحات على بعض، وضرورة تصور المصطلح في حجمه الحقيقي ودراسة المواد الاصطلاحية بالمعاجم اللغوية، و ذلك من أجل تيسير السبيل أمام مفهمة صحيحة للمصطلح و تذوقه، وتصويب الأخطاء التي يكون الإحصاء قد جلبها من قبل، ودراسة مصطلحية تراعي ذكر المصطلح و العلاقات التي تربطه أو تفصله عن سواه.

لم يخل الدرس النقدي المصطلحي من جهود بعض النقاد و الباحثين الذي اعتمدوا المنهج الوصفي من أجل تحديد الواقع الدلالي للمصطلح، و لعل أبرز مرجع في هذا المجال كتاب ميشال عاصي "مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ"، الذي قدّم فيه أبرز تطبيق على هذا المنهج، إلا أنه لم يهتد فيه إلى  نتيجة واضحة تطمئن من كان مهتما، و السبب في كل ذلك تغييب الباحث لعملية الإحصاء و تركيزه فقط على ما تم العثور عليه جليا.

إن ما أوسم نتائج الكتاب بالضحالة و العشوائية هو أنه عدّ  مصطلحا ما لم يكن إطلاقا مصطلحا، كما أنه لم يدرس المفاهيم المنتقاة دراسة مصطلحية ممنهجة تجعلها محددة المعاني و الخصائص و العلاقات، إضافة إلى ما سبق ذكره فقد تناول ميشال عاصي مصطلحات نقدية معينة مثل (اللفظ و المعنى) على أساس أنها قضايا أدبية نقدية، وليس على أساس أنها مصطلحات نقدية(12) مما أهدر إمكانية تتبع تطور دلالة المصطلح أو تغير دلالته من استعمال إلى آخر على اختلاف المؤلفات و المؤلفين.

إن الاعتماد الصارم على معطيات المنهج الوصفي لا تؤدي بالضرورة إلى نتائج محمودة في مبحث المصطلح، لما يحدث من تغييب للجوانب التاريخية و ما يحيط بذلك من تتبع لارتحال المصطلح زمنيا ومكانيا، إذ لا يمكن التفريط في هذين المعطيين عندما يتعلق الأمر بالمصطلح نقديا كان أم لغويا.

ج/ المنهج التاريخي الوصفي:

عمد بعض الباحثين إلى المزج بين المنهجين التاريخي و الوصفي من أجل الوصول إلى نتائج أكثر دقة و موضوعية، و لعل أبرز من توخى البحث المصطلحي وفق هذا المنهج المزدوج، هو الباحث إدريس الناقوري في كتابه "المصطلح النقدي في نقد الشعر"، أين حدد معايير منهجه الجديد في تناول المصطلح بمجموعة من النقاط بدءً بقراءة نص الكتاب"نقد الشعر" مرات متكررة و متأنية، من أجل تحديد أهم المصطلحات و تمثّل دلالاتها المختلفة.

ثم القيام بعملية جرد و إحصاء شاملة لكل المصطلحات النقدية و اللغوية دون تمييز بينها في درجة القوة و الحضور داخل النص، و هنا يشير صاحب الكتاب إلى المصطلحات السابقة لعصر قدامة أو مزامنة له، مع تحديد رغبة صاحب "نقد الشعر" نفسه في اعتبار بعض المفردات اللغوية مصطلحات سواء كانت من وضعه هو ، أو من وضع سابقيه من النقاد و الفلاسفة، وقد اعتنى  إدريس الناقوري  كذلك بالسياق الذي يراه مسؤولا على إعطاء اللفظ تميزا اصطلاحيا، عندما ينقله من دلالته اللغوية القاموسية و المجازية إلى دلالة أخرى يفهم منها معنى الاصطلاح.

اهتم إدريس الناقوري في دراسته لكتاب"نقد الشعر" بتحديد خلفية فكرية سليمة يقوم بوساطتها بانتقاء اللفظ الذي يتوفر على بعض الشروط الاصطلاحية  مثل الاختصار و الدقة و الوضوح، على أن لا تحتمل اللفظة تأويلا يخرجها من القصد الاصطلاحي، كما شدّد على الانتماء الصريح للفظة المنتقاة إلى واحدة من معاجم العلوم العربية التي سبق التأكيد على اصطلاحيتها من مثل علوم  النحو و العروض، أو تحديد انتماء اللفظة إلى علوم عُدّت دخيلة كالفلسفة و علم المنطق(13).

يبدو من خلال ما وصل إليه إدريس الناقوري من تحديد علمي سليم لمنهج التعامل مع النقد الاصطلاحي  أن أحادية المنهج في التعامل مع هذا النوع من المعرفة غير مُجدٍ كثيرا، إذ لا يمكن الإبقاء على فكرة غض النظر على تكاملية المناهج، ثمّ إن الاعتماد على منهج واحد لم يصل بالبحث الاصطلاحي إلا إلى كثير من العشوائية و التميع، و لعل البحث وفق هذه الرؤية التوفيقية في النقد المصطلحي سيفتح المجال هو بدوره للنقد العربي من أجل رسم خطة سليمة تلغي نرجسية المنهج، و تتيح للباحث فرصة الاعتماد على أكثر من منهج واحد لفك شفرات النص .

و قد أشار السعيد بوطاجين في مقدمة كتابه"الترجمة و المصطلح"إلى قصور المنهج الواحد أمام الدرس النقدي المتفرع، و بخاصة عندما يتعلق الأمر بدراسة المصطلح عموديا أو أفقيا، "و الحال أنه لا يمكن أبدا الحديث عن استقلالية منهج ما، هناك دائما امتداد للماضي في الحاضر، إما في تناغم أو في انكسارات أو انقطاعات، لكنه قائم، لذا لا يمكمن الحديث عن السيمياء دون استحضار اللسانيات و المنطق، ولا يمكن دراسة التداولية بمعزل عن البلاغة، ولا الأسلوبية بمعزل عن اللسانيات و البلاغة و البنيويات. ثمة دائما حضور صريح أو ضمني لأفكار و مصطلحات سابقة، أما الاجتهادات الأخرى فليست سوى إضافة على إضافة، إذ لا يعقل أن نتصور منهجا مستقلا بذاته و بمدونة مصطلحية لا تتقاطع مع المدونات الأخرى"(14).

4/سلطة المصطلح و عقدة المصدر:

يعد المصطلح بمثابة لغة داخل لغة إلا أنه يتميز عن لغة المتن بأنه لغة خاصة جدا، يعبر هو دون أن يقبل التأويل و تنساق هي فقط في فلك ما يخصصه من معرفة، يحدد المصطلح حيز المفهوم و تعبر هي عن مساحة الفهم، و انطلاقا من هذه الشخصية الصارمة التي فرضها المصطلح على كل المعارف تولدت عقدة المصطلح في الثقافة العربية.

يعيش المصطلح النقدي واللغوي في بيئة النقد العربي بين عقدتين الأولى متعلقة بسلطة الأصل أو المصدر و الثانية منوطة بالذات، إذ يتبنى واضع المصطلح الأصلي مصطلحه بكثير من الانفعال و الحماسة، و لذا تجد أن بعض النقاد العرب المعاصرين يصعب  عليهم التمرد على سننهم الذاتية في التصنيف و الاصطلاح بعدما كانوا قد استأنسوا لواحدة من المصطلحات و استساغوا رشاقته و صلاحه (15).

إن اختلاف بيئات المصطلح سواء كان لغويا أم بلاغيا أم نقديا يعني بالضرورة اختلاف اللغات الأجنبية التي صدر منها هذا المصطلح، كيفما كان ميدانه المعرفي، إضافة إلى ما يصاحب تطور المعرفة الإنسانية و تجددها و كذا اختلاف المدارس و المناهج و المذاهب التي شكلت مرجعية تلك المعارف، كل هذا شكّل دافعا قويا إلى تعقيد المصطلح النقدي و رمى به إلى هوة الاستعصاء و التخالف أقرب منه إلى التسوية و التواضع(16).

و في ضوء هذا التصور و الخلفية الفكرية الضحلة نشأت معضلة المصطلح المتعدد للمفهوم الواحد، سواء كان داخل الثقافة الواحدة أو عندما تختلف الثقافات و هنا بالذات يصبح المسوغ أجدر، و هذا عينه ما يميز الساحة النقدية العربية و بخاصة بعدما تقوّت الثقافة الأيديولوجية و العقدية، و تنوعت المرجعيات الفلسفية و اختلفت المناهج و الرؤى، و صار مشروعا جدا ليُّ ذراع المصطلح القديم ذو البيئة التراثية الخالصة بكل نفحاتها الفلسفية و العقدية من أجل أن يكون جديدا، و قَبِل المصطلح الجديد رغم أنفه أن يكون قديما، و هذه نتيجة طبيعية جدا لذلك الاختلاف و التعدّد في الرؤية و المصطلح.

و في مقاربة بريئة قدمها السعيد بوطاجين لمصطلح الحداثة أثار قضية المصطلح و العقيدة، حيث أشار إلى  أن لفظة الحداثة مثلا تعبر عن التوجه الجديد في الفكر الكاثوليكي الساعي إلى تأوّل تعاليم الكنيسة، و أن إخراج المصطلح عن سياقه الديني يضعنا أمام مفهوم آخر قلّما يتواتر في الطروحات العربية،"و بهذا المعنى يتم إلغاء الحدود الزمانية بين القديم و الحديث، لأن الجانبين الشاعري والخالد هما الفاصلان الأساسيان بين هذا وذاك، ما يقودنا بالضرورة إلى الاحتكام إلى التحديدات وفق المنظور، أي وفق المنطلق لتفادي التعريفات العامة التي لا تأخذ في الحسبان مختلف الاستعمالات المتباعدة دلاليا ومفهوميا"(17).

إن هذهالتحولات  التي تطرأ على المصطلح الواحد هي التي تمنحه إمكانات التعبير المتعددة وتسمه بالاختلاف الدلالي، وهوينتقل من الزمن أو يرتحل في المكان، وهذا حال المصطلحات السردية تمثيلا وهي تنتقل إلىالحقل الاصطلاحي العربي، كما أن دلالة المصطلح تتحدد إلى جانب الطابع التاريخي أيالموقع الذي يحتله في الحقل الدلالي الذي ينتمي إليها، ومعنى هذا أن لأي مصطلحموقعه الخاص في التراتبية النظرية، فكلما تطورت المصطلحات اتخذت دلالات جديدة بناءعلى المقتضيات التي عرفتها في نطاق عملية التحول.

إن الذي هو حق، هو أن التراث العربي غني جدا بمادة مصطلحية كثيفة، كيف لا؟ و هو نتاج مزج متناسق و متكامل بين ثقافتي العرب و الإسلام –إن صحّ هذا التصنيف-، إلا أن غنى المصطلح و ثبات شخصيته مخبوء  في استقراره الإستعمالي و محموله المعرفي الذي تغذيه حضارته، كما أن للمصطلح الجديد شخصيته و هيئته التي تعكس واقعه و بيئته الثقافية المستقلة هي الأخرى عن باقي ثقافات العالم المحاقبة لها.

و لذلك فلما كانت المدلولات أسبق للوجود من دوالها، كانت الألفاظ وليدة للمعاني في أصل نشأتها فإذا ما ضمنت استقرار استعمالها و تواتر حضورها المعرفي و الدلالي و الحضاري صارت المعاني وليدة للألفاظ و خدما طيّعا لها بحكم التقدير و الاعتبار(18).

يجمع المصطلح بين صفتين اثنتين يضيع إذا ما فقد واحدة منها، تكمن الأولى في خصوصية المصدر و تتجلى الثانية في شمولية الاستعمال و هذا فقط الذي يضمن للمصطلح استقراره و حضوره، و سيُرمى بالخيانة  ويُتهم بالخروج عن المفهوم الفكري متى تجاوز الخصوصية و الشمول فواحدية المعنى ضرورة ملحة من ضرورات صناعة المصطلح أو صياغته وفق آلية من الآليات المعروفة في  اللغة والنقد والفلسفة، إذ ستكون مهمة المصطلح جعل المتنافر متناسقا و المتعدد واحدا و التشرذم توافقا و تناغما.

من هذا  الفهم يكتسب المصطلح أهميته رغم اختلاف البيئات المعرفية، بغض النظر عن صياغته الترجمية التي هي في الحقيقة واحدة من مراحل وضع المصطلح و تشكّله ليضمن الثبات و الاستقرار في مسيرته العلمية، مع الحذر من التفاوض خارج المعنى  الأصلي له لأن المفاهيم تحدد بعضها، و في الوقت نفسه تهدم ذواتها أو تعطلها(19).

إن الذي زاد من حدة الصراع و ووسّع من عقدة المبحث هو ذلك التصادم الذي حدث بين النقاد العرب الميالين إلى استعمال المصطلح النقدي التراثي، أملا منهم في ممارسة الإحياء من هذا الجانب حتى أن منهم من كان يرمي كل نقد جديد و مصطلح جديد بالخفة و عدم الأداء الجيد، مبرزين بالمقابل رصانة المصطلح القديم و استقراره الدلالي، و من جهة أخرى حمل جيل من النقاد خريجي الجامعات الغربية أو حتى الجامعة العربية المنفتحة على الثقافات و المناهج الغربية مشروعا نقديا جديدا و بخاصة ما تعلق بالمصطلح و الأداة، إلا أن الخطر لم يكن من التيارين بل كان من تيار ثالث حاول التموضع بين الاتجاهين ففقد سلطة المصطلح و عكّر نقاوة المعرفة،"و يترتب على ذلك خطورة الاستعمال الاعتباطي في المصطلح لأن التحكم في المصطلح هو في النهاية تحكم في المعرفة المراد إيصالها و القدرة على ضبط أنساق هذه المعرفة، و التمكن من إبراز الانسجام القائم بين المنهج و المصطلح، أو على الأقل إبراز العلاقة الموجودة بينهما، و لا شك أن كل إخلال بهذه القدرات من شأنه أن يخل بالقصد المنهجي و المعرفي الذي يرمي إليه مستعمل المصطلح "(20) .

إن سلطة المصطلح هي سلطة المعرفة الإنسانية بكل ما هو متجذر فيها من دلالات فكرية، هكذا يولد المصطلح معبرا عن تجربة إنسانية عميقة لا تسمح بأي استبداد معرفي خارج نطاق التجلي و الاستقرار و التوفيقية في التعبير عن أبعاد تلك التجربة لغة و صورة و جمالا و أسلوبا. و لعل أبرز ما يدل على سلامة المصطلح في صناعته و بنائه هو واحدية المفهوم، بل هذا بالذات لازم من لوازم استقراره في الفكر النقدي و الأدبي و أي خروج نحو تعددية المفهوم يجعل المصطلح يولد مشوها بلا هوية معرفية و لا صرامة فكرية، و هنا تبرز أزمة المصطلح من جهة التقبل و التطبيق و توليد الدلالة.

يجدر هنا التذكير بالسلطان المشترك بين المصطلح والمعرفة، إذ نجد الكثير من الكتاب و النقاد يستعملون مصطلحا واحدا بمفاهيم متعددة أو مفهوما واحدا بمصطلحات مختلفة و متباينة نتيجة كثرة المصطلحات و تعددها و عدم استقرارها على مفهوم معرفي واحد، و هذا هو مركز الأزمة التي يواجهها المصطلح النقدي في الصراع بين سلطة المعرفة و سلطة المصطلح.

هذا الذي حدث مع مصطلح poeticsلأرسطو حين تقبله النقد العربي ثم فجّرته الترجمة ووقع فيما بعد تحت سلطان المعرفة، حيث امتاز مصطلح "الشعرية" بين عدد كبير من المصطلحاتالقريبة منه، راوح عددها الثلاثون، نذكر منها تمثيلا "الشعرانية"، "القولالشعري"، "علم الشعر"، "الإنشائية"، "علم الظاهرة الأدبية"، "البويطيقا"،"علم الأدب"، امتازبقدر وافر من الكفاءة الدلالية والشيوع التداولي، الأمر الذي جعل هذا المصطلح يهيمنعلى ما سواه، ثم تأتي بعده مصطلحات أخرى من طراز:الشاعرية،و والشعريات و الإنشائية.

وهكذا تختلط الشعرية بفعل الترجمة بموضوعها، وتتحول من مصطلحواصف يقترب من النقد الأدبي بمركزية المفهوم، إلى مصطلحموصوف يصبح هو نفسه موضوعاً لذاته يقترب أكثر من نقد النقد،ويعشو الأمران على القارئ، ونصبح إزاء شكلين للشعرية، قد يصحّ أن نسمي الأول الشعريات التطبيقية، و نطلق على الثاني الشعريات النظرية، وكما اختلف النقد العربي في ترجمة"الشعرية" اصطلاحاً، اختلف في تحديد مفهومها، وضبط مساحة اشتغالها، وتعيين موقعها من المفاهيمالمتاخمة لها، فقد اختلفوا كذلك في تحديد الإطار المعرفي الذي ينتظمها إن كانت نظرية، علم، أم منهج ، فهي "نظرية البيان" عند عبدالله الغذامي، وهي "المنهج الإنشائي" عند محمد القاضي،وهي علم أو هي تطمح إلى أن تكون كذلك عند لطيف زيتوني.

يعني هذا أن سلطة المصطلح في العربية تستند بالدرجة الأولى إلى مصدره في حين تستند سلطة المصطلح في اللغات الأخرى و بخاصة الأوروبية إلى المصطلح في حدّ ذاته، فالمصطلح في الثقافة العربية هو عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول(21)، في حين هو كلمة لها في اللغة المتخصصة معنى محدد و صيغة محددة(22).

جدير إذن أن نأخذ بعين الاهتمام الموازنة بين مصدر المصطلح و المصطلح نفسه ، وصولا إلى تحديد مركزية المفهوم و المصدر في آن، توخيا لتحقيق الدقة و الوضوح و الاستقرار عند توسلنا المصطلح أثناء عملية النقد، فالمصطلح يبقى مفتاح المعرفة حين يتحدّ العلم أو الفن بالتصور أو الفكرة التي هي بمنزلة الجوهر، لأن المصطلح عبارة تشير إلى جوهر الشيء أو بمعنى تدل على ماهية الشيء(23) 

5/قنوات تأسيس المصطلح النقدي:

يصاغ المصطلح النقدي وفق مجموعة من السبل و الطرائق، و هو في ذلك مثل غيره من المصطلحات اللغوية و الأدبية و البلاغية و العلمية، و لعل أهم تلك الطرائق هي:

أ/ الترجمة:

تعد الترجمة من أهم السبل التي تسهم في تلاقح الثقافات و تقارب الرؤى الفكرية بين مختلف الشعوب و الأمم في العالم، بعيدا عن كل الفروقات العرقية و الدينية و اللغوية، و يبدو أن حتى موضوع الترجمة لم يسلم من الاختلاف و الحذر الذين وسما الدرس النقدي العربي،  فالترجمة إما أن تكون حرفية أي ترجمة لفظة بلفظة أو ترجمة المعنى أو الجمع بين النمطين معا، خاصة إذا ما تعلق الأمر بترجمة المصطلحات الأجنبية التي هي تكثيف شديد و مقصود للمعرفة، لذلك فأن المترجم يواجه صعوبات جمّة إن على مستوى الاشتقاق اللغوي أو على مستوى الضبط الدلالي تفاديا للبس و الارتباك  الذي قد يصيب المقابل العربي المنتقى.

و قد وضع العرف النقدي العربي مجموعة شروط أو صفات على مشتغل الترجمة المصطلحية ضبط مداركه الترجمية وفقها، يقول أبو عثمان الجاحظ الذي حدد معالم ثلاث لفعل الترجمة في قوله: "لابد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها حتى يكون فيها سواء وغاية"(24).

تعدّ الترجمة إلى العربية نشاط فكري و منهجي قديم، إذ عرفها عرب ما قبل الإسلام بفعل احتكاكهم بالأمم الأخرى، و كذلك برزت الترجمة في صدر الإسلام اعتبارها حاجة دينية وسياسية، كما شهد عصر بني العباس حركة نشطة على مستوى النقل والترجمة، و قد بلغت أوْجها على عهد المأمون- الذي كان معتزلي الاتجاه – منشئِ "بيت الحكمة" ببغداد، وقد اهتم العرباهتماما واضحا بالترجمة في عصر النهضة  الذي سماه بعض الدارسين "عصر الترجمة"، إلا أنه في الحقيقة هو عصر الترجمة الخدماتية التي تستجيب لحاجيات أجهزة الدولةالعصرية و عمودها الفقْري، و في الوقت الحاضر، تزايد الوعي بأهميةالترجمة و خطورتها في الوقت نفسه، و ظهرت أعداد محترمة من المشتغلين بالترجمة في المشرق و المغرب معا.

أشار  السعيد بوطاجين في كتابه "الترجمة و المصطلح" إلى الجهود العربية المبذولة في مجال الترجمة، و قد عرض إلى الجهود الترجمية في مصر و الشام والعراق، و هي جهود مكفول لها الاحترام إلا أن الذي وصل إليه الباحث في قراءته لهذه المبادرات أنها لم تصل إلى المنشود منها، إذ"أن أهم ما يمكن استنباطه من الاجتهادات الكثيرة التي اهتمت بالمصطلح و طرائق التعامل معه هو غلبة الغموض و التردد الناتجين عن عدم وضع خطة صارمة  يمكن مراجعة جزئياتها عند الضرورة. مع ذلك فقد قدم الأفراد في بحوثهم المعزولة وفي بعض المجلات آراء و بدائل غاية في الأهمية من حيث التنقيب و التأصيل و المراجعة واقتراح مصطلحات بديلة ووافية"(25).

تتحكم في نشاط الترجمة مجموعة من الشروط كان قد جمعها الجاحظ في قوله السابق، إلا أن أبرزها هو الأمانة في الترجمة، لأنها تضفي على النص المترجَم مصداقية ومشروعية هو بأمسّ الحاجة إليها. و إن كان بعض الباحثين قد ذهبوا إلى غير هذا الفهم، و من هؤلاءسعيد علوش الذي يرى أن "الأمانة في الترجمة ادعاء لا يسلم من القوادح، ما دامت تقوم على مقاييس خيانتها وانزياحها عن مستوى المماثلة إلى المغايرة"(26)، والحق أن سعيد علوش يريد بالترجمة هنا الترجمة الأدبية التي هي عسيرة ومستعصية،إلا أن التزام الأمانة في ترجمة المصطلح العلمي و الأدبي أمر متيسر و متاح لعدم الحاجة إلى الذوق الفني و النفسي في العملية ذلك أن الترجمة هنا نشاط ابستمولوجي محض 

ب/ الاشتقاق:

هو نزع لفظ من لفظ جذري آخر شرط ملاءمتهما من جهة المعنى و التركيب وتغايرهما في الصيغة، و يكون ذلك بتحول الأصل الواحد إلى صيغ مختلفة لتفيد ما لم يفيد بذلك الأصل، مثال ذلك المصدر قراءة يتحول إلى قرأ و يقرأ و قارئ و مقروء و أقرأ، هذا التحول أو الاشتقاق تلحقه الأصول الدالة على الأفعال والأحداث، و هو أنواعه الأصغر السابق تعريفه وهو الأشهر، ثم الاشتقاق الأكبر وهو وجود تناسب بين اللفظين في اللفظ والمعنى مع اختلاف ترتيب الحروف مثل جبذ و جذب،و"و ينضاف إلى ذلك توسع الاشتقاق ليشمل مصطلحات دخيلة على العربية، بيد أهنا أخضعت للقياس و أصبحت جزء منها : فهرست:فهرس، هندسة: هندس،دراهم:درهم...إلخ"(27).

و الاشتقاق عند علماء الغرب أحد فروع علم اللغة التي تدرس المفردات، و تضع لها أشبه ما يكون ببطاقة ذاتية تحمل كل معلومات المفردة الخاصة بمصدرها و طريق وصولها إلى هذه اللغة و التغيرات التي طرأت عليها، فالاشتقاق هو علم تاريخ المفردات، فالاشتقاق بهذه الصورة هو إحدى أنجع السبل لنمو اللغات و ضمان اتساعها و ثرائها ، ما يمكنها من العبير عن كل جديد فكري أو حياتي عام.

ج/ النحت:

ويقصد به استخراج أو انتزاع كلمة واحدة من كلمتين أو أكثر من أجل الاختصار، على أن يكون هناك تآلف و توافق بين اللفظ و المعنى المنحوت و المنحوت منه، و هو في الحقيقة اختصار لفظي عرفته اللغة العربية قديما، و قد احتاج إليه العرب لتعويض جمل كثر تداولها على ألسنة الناس فأشاروا إليها بهذا الاختصار من مثل: البسملة والحمدلة و الحوقلة.

لا يلتجأ إلى النحت في توليد المصطلح إلا عند الضرورة لصعوبة وضع قواعد عربية له، تضبط ما يسقط من حروف الكلمات  عند الالتحام، ومن المشهور عند النحات و الصرفيين أن عملية النحت ظاهرة سماعية يقتصر على ما ورد من الكلمات في اللغة، إلا أن جهود بعض المجامع اللغوية جعلته قياسا و بخاصة فيما تعلق بأسماء الهيئات و المؤسسات و بعض الأجهزة.

يتوقف نجاح الكلمة المنحوتة على حسن جانبها الصوتي و قدرتها على الإيحاء بالمعنى الأصلي مع الحفاظ على استخدام هذا المعنى الأصلي معها بألفاظه قبل النحت، و قد اعتمد عبد الملك مرتاض كثيرا على تقنية النحت في تحديد بعض المصطلحات السردية و السيميائية، مثل مفردة "ركبرة" المنحوت من فعلي: ركب بمعنى ألف الكلام، و عبر بمعنى بلغ الرسالة، و كذلك مفردة "بدعدة" المنحوتة من:بدأ و عاد.

"و الحال أن النحت غالبا ما كان يجتهد  لتغيير أشكال تعامله فلا يقرّ له قرار. ثمّة استبدالات كثيرة حصلت على مستوى المجامع  و اتحاد المجامع و مكتب تنسيق التعريب بسبب استثقال بعض أشكال النحت. و من ذلك على سبيل التمثيل متغيرات مرادف Intertextualité. لقد انتقل من مابين النصوص إلى البينصية إلى التناص، و ربما استبدل لاحقا لو حدث تأصيل حقيقي و عوّض بالمقابسة، رجوعا إلى مصطلح أبي حيان التوحيدي"(28).

د/ التعريب:

هو نشاط إنساني طبيعي يخص حركة التبادل بين اللغات، و المقصود به انتقال مجموعة من المصطلحات إلى اللغة العربية انتقال مقصودا و واعيا، على أن لا تبقى هذه الكلمات المُهجّرة إلى اللغة العربية على حالها بل حدث تطويعها لمنهج العرب في لغتهم من جهة الصوت و البنية و الإعراب و التصريف، و قد نهلت اللغة العربية من  اللغات الهندية و التركية و العبرية و اليونانية.

و"نؤكد أن كثيرا من التعريب ليس ضروريا من حيث أن هناك ما يفي بمعناه، في اللغة العربية، لقد وجدنا في بعض الكتب مصطلح ستاتيك(statique). و لا نعتقد أن ذلك يتطلب اجتهادا لمعرفة ما يدل عليه: ثابت، جامد.أو ميكانيكي: آلي، و ما إلى ذلك من المصطلحات الأخرى التي لها تواجد منذ القدم: فونيم، مونيم، موتيف، سيميم...إلخ "(29).  

تعليق:

"من المتعذر على من يلج حقل المصطلح ألاّ يخرج منه بشعور متناقض، هناك سعادة اكتشاف الجذور والامتدادات، و هناك بؤس الترجمة و تعقيداتها التي لا تحدّ."(30)، فالمصطلح إذن ، ينبني على تصور  عميق للمعرفة ثمّ ينأى بها عن أن تكون مضطربة أو مراوغة،كما أنه ينبني على تصور للعقل ثمّ يتنزّه به عن أي شكّ في قدرته على الوصول إلى المعرفةوإدراك حقيقتها وجوهرها.

تنطلق سلطة المصطلح في جوهر هذا الفهم من جذوره اللغوية و الفلسفية ، إذ هولغة داخل لغة ولكنه يمتاز عنها و يميزّها في الوقت ذاته، هو لغة خاصة جدا داخل اللغة العامة التي تنشأ نتيجة لوعيخاص بدلالة الكلمات، فإذا كانت اللغةالعامة تمثل حرية الإنسان في التفكير والكلام، فإن المصطلح يمثل مرحلة النضج و الاكتمال لتلك الحرية في التفكير، وبذلك يعد الخلط بينالدلالة اللغوية الخاصة والدلالة اللغوية العامة في فهم المصطلح النقدي سمة من سماتأزمته.

و إني أرى أن فتيل أزمة المصطلح في النقد العربي لا يتعلق بتضارب في الترجمة أو زيف مسّ الاشتقاق أو رداءة شابت النحت، بل هو نتيجة شوفينيةٍ كبيرة تسكن الفكر العربي، فالميزة الغالبة عند النقاد و المترجمين العرب على كثرتهم هي إلغاء الآخر و الاعتداد المرضي بالأنا، حتى أنه يشذّ في نقدنا العربي الحديث بخاصة من يحمد ناقدا غيره على اجتهاد أصاب فيه أو قارب الإصابة، إن الذي يحتاجه المصطلح النقدي العربي من المجامع اللغوية و الهيئات الترجمية و النقاد الفرادى هو التنازل من عليائهم من أجل أن يحدث الاتفاق بينهم في كل الأمر و ليس فقط في المصطلح. 

الإحالات:

1-  ينظر: أبو عثمان الجاحظ، البيان و التبيين، تر: عبد السلام هارون، ج 1،ص368

2- ينظر: عبد العزيز المقالح، أوليّات النقد الأدبي في اليمن 1939-1948، ص6 .

3- عبد الحميد عقار، أفق الخطاب النقدي بالمغرب، في كتاب النقد الأدبي بالمغرب، ص111.

4- عمار زعموش: النقد الأدبي المعاصر في الجزائر، قضاياه واتجاهاته، ص185.

5- سلطان سعد القحطاني: النقد الأدبي في المملكة العربية السعودية، نشأته واتجاهاته، ص206.

6- سعد الدين كليب: النقد العربي الحديث، مناهجه وقضاياه، ص3.

7- ينظر: السعيد بوطاجين، الترجمة و المصطلح، دراسة في إشكالية ترجمة المصطلح النقدي الجديد،ص15 و ما بعدها .

8- ينظر: نفسه، ص18/19/20.

9- نفسه، ص 26.

10- ينظر: نفسه، ص 38.

11- نفسه، ص 48.

12- إبراهيم أحمد ملحم، الخطاب النقدي و قراءة التراث، نحو قراءة تكاملية، ص153/154

13- ينظر: نفسه، ص 155 وما بعدها.

14-   السعيد بوطاجين، الترجمة و المصطلح، ص12/13

15-  ينظر عبد السلام المسدي، قاموس اللسانيات،ص 56

16- ينظر: نفسه، ص55

17- السعيد بوطاجين، الترجمة و المصطلح، ص117

18- ينظر:عبد السلام المسدي، قاموس اللسانيات، ص55

19- للاطلاع أكثر ينظر: مجلة علامات، مج 8، الجزء30، 124.

20- أحمد بوحسن، مدخل إلى علم المصطلح، ضمن مجلة الفكر العربي المعاصر،ع60/61، ص84.

21- أبو الحسن الجرجاني، التعريفات، ص16.

22- محمد جلوب البرهاني، تحليل أرسطو للعلم البرهاني، ص 140.

23- نقلا عن المرجع نفسه، ص140.

24- الجاحظ: الحيوان، تر: عبد السلام هارون، ج 5، ص289.

25- السعيد بوطاجين، الترجمة و المصطلح، ص103.

26- سعيد علوش، جمالية الترجمة الأدبية، مجلة علامات في النقد، مج12،ع45،ص188.

27- السعيد بوطاجين، الترجمة و المصطلح، ص105.

28- السعيد بوطاجين، الترجمة و المصطلح، ص107.

29- نفسه، ص110.

30- نفسه، ص 208.