pdfتقريب المنقول: المصطلح من النقل إلى التنقل

 

                                                                                             اليامين بن تومي

 

 أما النقل هو مسار حركة المُثَاقفة التي نتجت عن خصوصية توليد المعرفة في جانبها البشري ، فهي ترجمة للحوار الفاعل بين الحضارات .

و نقصد بالنقل حركة الترجمة الرهيبة التي شهدها الساحة النقدية   ،و هي حركة تعتمد التقريب لا التبعيد لإحداث التواصل المزعوم ، فهو تَدَاوُل يشتعل على مساحات اللغة فوحدها اللغة الكلافيكس(المفتاح) الذي يفتح المُغلق بين الأمم ، فالترجمة تحاول من هذا المنطلق أن تُقلِّص مسافات التوتر الناتجة عن نقص الاحتكاك، فهي تنقل النموذج البشري من طور الصَّلابة إلى طور السُّيولة. حيث تصبح الدوال جمع بشري يخلو من حالات الإقصاء ، و هي؛ أي المثاقفة تُذيب الفروق الفردية لصالح دينامية الجماعة وفق مقولات خاصة تنتهج الإنفتاح على الآخر ، بل تحاول أن تخلق إتحادا جديدا يستبعد الأنا و الأنت المُمَركزة على أسس  العصبية المُهْتَرِئَةالتي تعتمد الإقصاء، بل تحاول الترجمة أن تأصل لمبدأ تزول فيه الطبقية الفكرية لصالح " النحن " الجامع للأنا البشري بوجه عام.                                                                    

أن نرتحل من سلطة النص إلى فاعلية التناص* من كون الأول مقولة تَسْتَغْلِقها مجلات الإقليم، في حين إن الثانية تتحرك وفق معطيات التعدد حيث يستقر النموذج داخل الإضافة التي تتركها، فالنصوص في نموذجها البشري تواصل و تفاعل وفق مبدأ الاختلاف .                                    

صياغة المنقول و إواليات التثاقف

إن البحث يقودنا إلى أن الفكر البشري كله إنما يجرى لمستقر واحد هو التواصل و التفاعل ، هذا التواصل الذي يتجلى من خلال اللغة، لا يتم خبط عشواء، بل يشتغل وفق إواليات التثاقف**التي عاين أجهزتها الأستاذ محمد مفتاح من خلال النُّقُولات التثقيفية التي ساهمت في ضخ مسارات جديدة لبناء رؤية في التعامل و هو ما جعله  يقترح عدة مفاهيم لضبط الإواليَّات النفسانية التي تتحكم في جملة من  الميكانيزمات التي تتحرك وفقها عملية التفاعل و التبادل الحاصلة و هذه المفاهيم : "هي القولبة و التمثل و التكيف و التحض و الإبعاد و المحيطة" 1و هذا التصنيف تخلَّق من خلال مسار مُشَبَّع بالرؤية العلمية التي استحكمت الذات العارفة.                                                                             

وهنا نجد الناقد العربي في تعامله مع النظرية أو المصطلح :انقاد وفق هذه الإواليات ليبتعد بنفسه عن التَشَقُّقْ المعرفي الذي قد ينجم عنه أو الشرخ الذي قد يصيب المعالجة، لذلك تعمل هذه الإواليات عن نقل التفاعل على مبدأ مهم هو التدرج المعرفي؛ قد يحصل جملة واحدة عن غير وعي و هنا : يفيد احترام الشروط اللازمة لنقل من غير خلط  و قد يفيد التدرج العلمي الواعي بالنسبة للناقل المعرفي الذي يفصل كيفيات النقل بعضها عن بعض ، و أُولى هذه  الاواليات تهم الجانب الانفعالي للإنسان من حيث اكتسابه لـ :"معارف تنمو فيه خلال سيرورة نموه بدون خضوع للعملية التعليمية أو التجربة عند بعض الباحثين " (2). وهذه الصياغة تخص نموذج  القولبة الذي تتناص فيه المجتمعات البشرية وفق نموذج لا محدود من جرَّاء توافرها على معارف مشتركة .                                                                                

أما التمثل  : فهو  عملية الاستيعاب الجيدة للمحلي أو للمعرفة الأصيلة بكل تشكيلاتها وتنوعاتها سواء كانت؛ برهانية  أو عرفانية أو بيانية  فهذا التكوين الأصيل يركن إليه الناقد في مقايسته للجديد ولعل  أهم ما يمثل هذه الطريقة القياسية هي الترجمة التي أصبحت استراتيجية التفكيك و بهذا:"تصبح الترجمة قضية الفلسفة ،ويغدو الفكر تحويلا للميتافيزيقا و ترجمة لها" (3).                                                        

وتطرح مسألة التمثل فكرة تحفيزية  من جنس التجربة للمقايس وهي فكرة : المجال***

هل الأصح أن أستند إلى مجال  العربي لأقايس به آخر غربي؟.

أم على العكس من ذلك أن أقلب الصياغة ضمن النقطة  المرجعية التي داولت عصرالنهضة من حيث مقايسة المجال الجغرافي الغربي  بالمجال الجغرافي العربي ، ليُقحم المجال العربي قسرا ضمن طروحات المركزية الغربية ، على اعتبار أن المجال العربي إنسلخ عن مرجعية  تَخَلُّقِهِ إلى فضاء مغاير ، لذلك فالمساءلة لفهم الأنا  إنما  تنطق من وعينا بالآخر ، وتلك هي الأطروحة التي قدمها علم الاستغراب(4) .                           

هذه المقايسة هي النقطة النووية  التي صاغ  على هديها "طه حسين " رؤيته لفكرة المجال الثقافي ، حيث صاغ دعواه وصمَّم نموذج مقايسته انطلاقا من تجربة الغرب نتيجة التقدم العلمي المهول الذي رسم معالم المجتمع التداولي فهو يشكل من جهة أولى " فرصة لإعادة  التفكير في عدة النظر ووسائل العمل ، خاصة بعد أن أمسى مصطلح " المجتمع المدني " إطارا لا يفسر أو شعارا لا يحرك ، و يشكل من جهة ثانية مساحة أخذت تتسع اليوم مع انفجار وسائل الاتصال و الانخراط في عالم المعلومات، حيث تنفتح أمام البشر إمكانات لا سابق لها للنقل و الانتقال أو للتو اصل و التبادل أو للاختلاط و التفاعل مما يجعل المصائر متشابكة كما تشهد المشكلات الأمنية و الاقتصادية و البيئية " (5).

نظرة طه حسين غلبت عليها آليّّة المقايسة ، و اشتغلت على طول خطابه فيما ذكر عبد الله ابراهيم، عملت هذه الآلية على ضح مسارات  منطق التداول على حساب المرجعية ، لذلك جاءت معظم مقايسته في  شكل تقريرات منهجية ، انطلقت من قناعة مبدئية أساسها أن الذات العربية لا يجب أن تنفصل عن منبهاتها الأساسية لذلك." ينبغي أن نتعلم كما يتعلم الأوربي و نشعر كما يشعر الأوربي لنحكم كما يحكم الأوربي ثم لنعمل كما يعمل الأوربي و نصرف الحياة كما يصرفها"(6).

و هذا المثال لا يقف عند حدود المقايسة فحسب بل يتدافع إلى التماهي فمصر :" دائما جزءا من أوربا عن كل ما يتصل بالحياة العقلية و الثقافية على اختلاف فروعها و ألوانها" (7)و ضمن سياق هذا التدافع المجالي يرى طه حسين :" أننا لم أردتا أن نحلل العقل الإسلامي عن مصر و الشرق القريب أفتراه ينحل إلى شيء آخر غير هذه العناصر التي انتهى إليها تحليل بول فاليري(8).

هذه العناصر هي الاغريقية ،الرومانسية  و المسيحية، غير أن الأمر لم يستقم عند عبد الله إبراهيم فرأى أن :"طه حسين انتزع وقائع هامشية جدا و اصطنع سياقا ثقافيا أدرج فيه الإسكندر فظهر حاملا رسالة أخلاقية فريدة لا مثيل لها (...) فأقصى تماما الحروب الدموية القاسية بين اليونان و فارس و بين الرومان و فارس و تناسي الآثار الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية لتلك الحروب."(9)

نلحظ الخطورة التي تنجرُّ على تَخْرِيج إواليَّة التثاقف المخارج التي لا تقتضيها المقاصد للحوار الحضاري المبني أساسا على نموذجي القصد و الإبلاغ ، و هي خصوصية الهدف الحواري .

فهذه الإوالية " التَّمَثُل" تعمل على نقل الموروث الإسلامي العربي من حالة الانقياد و الامتثال  إلى حالة الخصوصية و التركيز ، لذلك و وفقا لمبدأ المجال عمل الأستاذ طه عبد الرحمان على اصطناع " المجال التداولي العربي الإسلامي" ليكون حارسا منيعا في وجه التيار الذي يختزل الثقافة العربية إلى كونها مجرد حاشية على النص الغربي و محددات اشتغال المجال التداولي عنده تتعلق أساسا بالممارسة يقول:"فالتداول ، عندنا متى تعلق بالممارسة التراثية ، و هو وصف لكل ما كان مظهرا من مظاهر التواصل و التفاعل بين صانعي التراث من عامة الناس و خاصتهم، كما أن المجال في سياق هذه الممارسةهو وصف لكل ما كان نطاقا مكانيا و زمانيا لحصول التواصل و التفاعل، فالمقصود بـ: مجال التداول "في التجربة التراثية هو إذن محل التواصل و التفاعل بين صانعي التراث" (10)

وهنا و ضمن المجال يقترح التثاقف إوا لية مكملة و هي التَّكَيُّف؛ و التكيف حالة تستقيم إثر تمثل المنقول عربيا أو استقامته في اللحظة التي يصبح فيها المصطلح الغربي عربيا ؛ فالتكيف يعمل على خلق أو إنتاج وضع جديد من خلال الانسجام و التجانس.

ومعاناة المنقول على مستوى المصطلح النقدي إنما أساسها تشتت ركيزة التكيف التي تحتضن المصطلح وفق مجال التداول العربي الاسلامي  بمعنى ؛أن المصطلح يَتَأَرْضَنُ وفق شروط جديدة، فالمفاهيم و النظريات و المصطلحات تهاجر عبر الأقاليم:"إذا تنتقل المفاهيم ، كالبشر  (المهاجرين ) من إقليم حضاري إلى آخر و من عصر أو مجال معرفي إلى آخر ،عبر عمليات التفاعل و التبادل بين مختلف الأقاليم الحضارية"(11)

إن تكيف المصطلح في الجماعة الجديدة يسوقنا إلى إوالية مهمة و هي التَّحَصُن هذا الأخير يفترض تحصين المصطلح من الذوبان و الامتثال للآخر بالنسبة للمأصول ، أما المنقول فتحصينه يكون من خلال تَبَنِّيه و تخليصه من شوائب الثقافي التى يستدعيها معه ، و من ثمة تأصيله في التربية العربية  أي جعله مأصولا مع العلم أن :" المنقولات التي تواردت على التراث تنوعت في مواضيعها و مناهجها كما أن أصنافا مختلفة من هذه المنقولات تزامنت و تفاعلت فيما بينها و أن أشكال التقريب التي خضعت لها استمرت على مدى الأطوار التي تقلب فيها هذا التراث"(12)

كما تعمل آلية " المحيطة " علىضح جينات التأصيل للمجال الثقافي فهي – المحيطة- :"لا تعترف إلا بالمحيط الشامل الذي يضع تفكير الانسان و معاييره ،و كما اختلفت المحيطات اختلفت ضروب التفكير و السلوك، كل انسان عالم في نفسه و مقياس لذاته على أن هذا التقابل ليس إلا منهجيا و إجرائيا لصنع مجال مفهومي"(13)            

و هنا نلحظ أن النقل و الترجمة سلوك عبر ثقافي يعمل على إنعاش النصوص لذلك نجد  :" الشاعر الأمريكي ازرباوند قد أعلن تلك الفكرة القائلة أن الترجمة إحياء لنص سابق بما يتضمنه الاحياء من تصرف واسع و بعد عن  المحاولة المجردة لاستعادة ذلك النص استعادة دقيقة "(14)                                                         

ولعل مقولة ازرباوند الآنفة تشخص لنا الموقف الصعب الذي تخوضه الترجمة على مستوى نقل النصوص من لغة إلى لغة من كونها – أي اللغة – هي المحضن الذي تنبعث منه عملية النقل و هنا يقف المصطلح في أولى المراكز التي تعاينها الترجمة .                                          

مسار النقد المنهجي

اجتهد الناقد العربي في ضخ مسارات جديدة للنقد العربي لممارسة أكثر علمية و موضوعية ، محاولا من ذلك تخليص النقد العربي من القوالب الجاهزة التي تصطنعها الأحكام الذوقية المعيارية، و توجيه النقد جهة المصلحة و التفاعل ضمن المنظومة الثقافية،  بل و مساءلة  هذه المنظومة .                                                                               

حيوية المنظومة تحركها فاعلية النقد  و عليه أخذ النقد ينسلك في مسالك الأخذ من الآخر ، بل و يستوعب هذه المقتربات بشيء من التدرج فهذا المحصول من الجهد البشري  يتولد عن الرغبة الملحة للتغيير ، فهو في لغته البسيطة وليد الحاجة ؛ حاجة النص العربي للتشريح و التفكيك   

ومن منظور الإنسان العربي وجب تغيير الأوضاع بدءا بمساءلة القديم، فهي قراءة للماضي ، و من ثمة الحفر في رواسبه التي أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على ثقافته . لنطرح التساؤل التالي:                                 

من أين نبدأ تغيير أوضاعنا؟أمن إزاحة التراب عن التراكم التراثي؟ أم من احتذاء النموذج الغربي التي أثبت فعاليته و نموذجيته في تربيته و إقليمه؟           

خاض النقد العربي معركة على مستويين :                                      

1- مستوى قراءة القديم في إعادة  كشف حواجبه بالاستناد إلى منهاجية شديدة الإحكام.

 ضمن نظريات  الهرمنيو طبقا ، ونظريات أخرى ساهمت في بلورة الفكر الغربي أهمها : البنيوية و السيمولوجية  والتشريحية ونظريات القراءة والتلقي .                                                           

2-مستوى ترجمة ونقل الجهد الغربي لأن الترجمة في أسمى معاينها تعتبر وسيط ثقافي بين لغتين ؛لذلك ينبغي أن يتقن المترجم ضوابط الترجمة  وحدودها كما عرفها  إمبرطو إيكو من خلال كتابه . (15)        

حدود الترجمة

فالمنقول المعرفي الذي استأثر بساحة التداول في العام الأغلب لم يتمثله الانسان العربي ، و الحداثة في مضمونها  ليست مفهوما مجردا بل هي ممارسة ثقافية ضمن واقع غربي والخلط الذي التبس به المفهوم العربي يرجع بالأساس إلى الممارسة  ، أساس الالتباس يرجع إلى هذا التَّمَايُز بين المصطلح، و ما يحمله المصطلح في بطنه من شحونة ثقافية فبين أن تتمثل  المصطلح  وأن تترجم مضمونه تضيع الدلالة الحقيقة للمصطلح ناهيك أن :" ترجمة النظريات النقدية خاصة الحداثية  وما بعد الحداثية ، تمثل أعلى درجات التحدي لقدرات المترجم لغويا وذهنيا ، فالمترجم هنا يجد نفسه يتعامل مع مصطلحات لغوية مفردة أو مركبة ، لم يحدث الاتفاق على دلالاتها من بين أبناء الثقافة الواحدة وأحيانا بين أبناء الثقافة التي أفرزتها  أو بين أبناء الثقافات المختلفة ، هذا من ناحية .من ناحية ثانية فإن ارتباط المدارس النقدية الحداثية وما بعد الحداثية بالفلسفة الاوربية الحديثة خاصة الظاهرتية و الهرمنيوطيقية ونحت المصطلحات والمفاهيم من داخل البيت الفلسفي يجعل ادراك المعنىحتى على القارىء من داخل الثقافة نفسها تحديا آخر ،إجهادا للقارىء .16 فما بالنا بالمترجم  "و بهذا الشكل حاول الناقد العربي أن يكيّف النقد العربي في المحض الغربي ليعمل على فَضِّ النِّزاع الذي عانى منه النص طويلا مع الدراسات المعيارية التي كانت تَجْتَرُّ نسخة واحدة بل نسقا واحدا من القراءة للتراث أطلق عليها الجابري قراءة التراث لنفسه: التتريث .

وهنا نجد أن الناقد العربي في نقله للمحصول الغربي قد عاين مقاربتين أساسيين هما ، المقترب الداخلي و المقترب الخارجي "(17هذين المقتربين شَكَّلا مجموعة من الإبدالات النقدية هذه " الإبدالات الثلاثة التي تختزل مسار النقد العربي هي(18) :

1.   الدراسة التاريخية للأدب ( المرحلة  اللانسونية )

2.   دراسة المضامين و أبعادها الإيديولوجية ( الواقعية ).

3.   التركيز على الأشكال و نظريات الـتأويل ( البنيوية و ما بعدها )

لمَّا – كانت الحال هذه – كان لزاما علينا وضع عدة اعتبارات مبدئية لفهم و كَُُنه التراث ، حيث استعان النقاد بالمنقول الغربي من خلال توجهين أساسيين:

أولا :"تجديد وعينا بالمسار النظري الغربي " و ثانيا :" تجديد طريقة التفاعل مع هذه النظريات الغربية"(19) .

و فيه هذا التجديد لقراءة النص وجب دراسة التحولات التي ارتحل من خلالها المنظور الغربي لقراءة النص ابتداءا بالمحاولات الهرمنيوطيقة  التي حاولت أن تؤسس شروط موضوعية للفهم فقد عنت الهرمنيوطيقا مع

شلايرماخر أنها فن امتلاك كل الشروط الضرورية للفهم "(20).

لذلك فإن مصطلح الفهم كان من الضرورات المبدئية التي عملت على تقصِّي النص في صيغته التراثية، من كون الفهم " مكونا لكينونة الكائن و باعتباره كيفية أساسية لوجوده و مقاربته للعالم و لذاته"(21). و بهذا التتالي من ترجمة المنقول الغربي انتقلت إلى الساحة النقدية العربية إشكاليتين أساسيين:

- الإشكالية الأولى وليدة المحمول الغربي.

- الإشكالية الثانية وليدة المأصول العربي .

أما الإشكالية الأولى فهي تجسد صراع الرؤية الغربية التي عملت دوما على مساءلة سؤال الحقيقة، لذلك شكلت تلك المناهج محاولة لتقص الحقيقة.

أما الإشكالية الثانية ،فكان قوامها كيف يمكننا أن ننطلق بهذا التراث إلى فضاء أكثر حداثة و نورانية؟ .

فتراكم الأول على الثاني مما أوقع البحث النقدي في حالة أقرب منها إلى حالات التناقض التي عملت على كشفها الإستراتيجية التقويضية، و بهذا التصور كانت الرؤية و المنهج من أكثر الإشكالات دافعية إلى توالد المحنة العربية على مستوى فهم النص.

عقلانية المقصد

منذ موت الفيلسوف في صورته التقليدية – إبن رشد – ضاعت الرؤية الفلسفية التي تخرج من جبتها على سبيل الاستيعاب المناهج النقدية مع تحصيل المفارقة بين المذهب و المنهج، غير أن الأول يُعَدُّ خزّان الثاني فهو الذي يزوده بلمسات الخصوصية ،و يخرج به من نفق الصدام إلى جدالة الحوار.

فالتساؤل الفلسفي بحث على جبهات مختلفة، فتأمل بسيط في الساحة النقدية الغربية يجعلنا نضع أيدينا على حالة الاستمرارية المتدافعة في الرؤية الفلسفية التي تتسترب كل مرة وفق المقتضى الفلسفي ، لأن الارتكاز على التغيير ،أو الثورة على الأنساق يقتضي الانتقال إلى تجديد على مستوى الأجهزة و المفاهيم بمعنى قلب الجهاز المقولاتي للنسق القديم.

وعليه عمل النموذج العربي على دفع المقاصد في تجديد القراءات النصوصية وفق التقصيدات العامة  و الخاصة ، إما لأنها تكون بدافعية النص من حيث أن المنهج القديم لم يستوعب النص،أو أن الناقد لم يقل بالمنهج التقليدي ما يقصد إليه النص .

وهنا كانت الحاجة إلى تجديد نظريات القراءة على :"أن نظرية القراءة المعاصرة التي نشأت و تطورت في ألمانيا و غيرها من المراكز العلمية حاولت أن تتجاوز هذا المفهوم السابق للمقصدية فبعضها تحدث عن مقصدية النص و ليس عن مقصدية المتكلم باعتبار أن النص أصبح مستقلا عن صاحبه. و البعض الآخر تحدث عن دور القارئ الحاسم من تحديد دلالات النصوص "(22)

إذا فالمناهج التقليدية لم تستنفر القراءة إنما قدمت طبقاتا للقراءة: أي أنها قرأت ما قرأ، بمعنى أنها كانت قراءات فوق بعضها البعض.

لذلك عمل الغرب على تفهم هذه الاشكالية، و بلغت حلولها مع الكوجيتو الديكارتي الذي نقل العقل الغربي من الالتباسات اللاهوتية إلى العقلانية فهو يقول عن أهمية المنهج :" إذا أردنا أن نفرع الدراسة الفلسفة دراسة جدية و البحث عن جميع الحقائق التي في مقدورنا معرفتنا وجب علينا أن نتخلص من أحكامنا السابقة و أن نحرص على إطراح جميع الآراء التي سلمنا بها من قبل. و ذلك ريثما تنكشف لنا صحتها بعد إعادة النظر فيها و ينبغي أيضا أن نراجع ما بأذهاننا من تطورات – و  ألا نصدق إلا التصورات التي ندركها في وضوح و تميز. و بهذه الطريقة نعرف أولا أننا موجودون باعتبار أن طبيعتنا هي التفكير و نعرف في الوقت نفسه وجود إله نعتمد عليه. و بعد أن ننظر في صفاته نستطيع أن نبحث عن حقيقة الأشياء الأخرى جميعا نظرا إلى أنه هو علتها" (23) .

 و هكذا و بهذا العزم أعاد ديكارت صياغة العقل الغربي وفق أطروحته و نظريته وفقا لمفاهيمه و مقولاتها الممركزة  على الذات و عمل الغرب على صياغة المقولات الخاصة بالمركزية الغربية وفق ارتحالاتها وتَبَصُّرَاتِها المَبْنِيَة أصلا على ملاحظات اللاحقين من الفلاسفة .اشتغلت الرؤية الفلسفية الغربية على خط استمراري من ديكارت إلى كانط إلى هيغل إلى هوسرل فقُلِبت المقولات وفق أبعاد الرؤية.

لم يهمل الغرب العقلانية، بل اعتبروها مكسب أساسي لتدافع الحضارة الغربية، أما العرب فقد أهملوا هذه الزاوية من تاريخهم و اعتبروا الرشدية مهددة لنظم القيم الدينية و الأخلاقية ،فأعلنوا القطعية مع هذا الاتجاه منذ محرقه قرطبة الشهيرة التي تم فيها قطع الصلة مع المشروع العقلاني التنويري و ما بقي منها إلا بقايا على هامش المركز الفعلي للنص العربي.

لذلك مارس المفكرون و النقاد العرب تثويرا استهلك أثر الانهمام بالذات (قصر الإهتمام على مستوى النخبة) من نقطة إعادة هيكلتها أو صوغها في السياق التثويري الذي أعلنته النهضة.

يُرهص للعقلانية في الثقافة الغربية بمحاولات ديكارت الذي قام بتدقيق المصطلح، و قدم تحديدات دقيقة و مهمة لمفهوم المنهج في كتابه" مقال في المنهج" و لقد كان دافعه الأساسي:"إقامة منهج عام للبحث عن الحقيقة مهما يكن المستوى أو الميدان الذي تبحث فيه الحقيقة " (24)

لذا فالكوجيتو الديكارتي أُوجِدَ بالأساس لقلب التفكير اللاهوتي  القديم و تجديد مقولاته المفاهيمية، و عليه :"فالفلسفة السلبية هي التي جزؤها هو الميتافيزيقا التي تحتوي على مبادئ المعرفة و من بينها تفسير أهم صفات إله و لامادية نفوسنا و جميع المعاني الواضحة البسيطة المودعة فينا، و الثاني الفيزيقيا و يبحث فيها على العموم بعد أن يكون المرء قد وجد المبادئ الحقة للأشياء المادية عن ماهية الكون كله و على الخصوص عن طبيعة هذه الأرض و طبيعة جميع الأجسام التي توجد حولها(...)فالفلسفة بأسرها اشبه بشجرة جذرها الميتافيزيقي، و جذعها الفيزيقا ، و الفروع التي تخرج من هذا الجذع هي كل العلوم الأخرى التي تنتهي إلى ثلاثة علوم رئيسية هي الطب و الميكانيك و الأخلاق، و أعز الأخلاق الأرفع الأكمل التي لما كانت تفترض معرفة تامة بالعلوم الأخرى، فقد بلغت المرئية الأخيرة من مراتب الحكمة" (25).                             

نلاحظ مسألة شديدة الدقة و هي التربة الاقليمية التي نبت فيها المفهوم فهي تربة داخل إقليم الثقافة الغربية،عمل فيها ديكارت قبل إصلاح المفاهيم و المقولات إلى إجتزاء عينة تجربة من هذه التربة و هي

" الانسان" و كيف يمكن إصلاح هذا الكائن، حيث يجب على الانسان أن يتخلص من المعارف الجاهزة ،و أن ينتقل من كونه جزءا طبيعيا لا يتجاوز العموم الطبيعي إلى كونه موضوعا للدراسة و ذاتا  دارسة، يبحث ديكارت عن فكرة أساسية: "إذ ينبغي أولا البرهنة على الذات الانسانية جوهر مفكر و بما أنها كذلك فالأمر يقتضي خالقا لها و بالوصول إلى معرفة الخالق يدشن الطريق أمام الانسان للبحث في كل شيء لأن علة كل شيء هو الله. و لتنفيذ هذا التصور يضع ديكارت قواعد يهتدي بها العقل " بوصفه أحسن الأشياء توزعا بين الناس بالتساوي  و تلك القواعد هي الوضوح والتحليل و التلاركيب و التحقيق "(26).                         

نلاحظ من كل ما سبق كيف سيطر الهدف الديني على رغبة ديكارت في تحرير العقل من سيطرت  القوى القديمة إذ عمله كان ثلاثي الأبعاد(27):

1- إثبات الذات .2- إثبات الله . 3- إثبات العالم و إدراكه .

و هنا انحرفت مقاصد النموذج الفلسفي عند ديكارت إلى مقصدين أساسها :الاستعاب و التجديد .

1)- أما الاستعاب  فيكون على مستوي حل معضلة  الحقيقة، و هي إجابة تأويلية وفق المبدأ العقلي.

2)- التجديد في آليات الإثبات عن طريق تجديد آليات و إواليات التفكير بالنسبة  للذات الدراسة.

و عموما فالبيئة التحتية لمشروع ديكارت انبنت على أساس مقصد خاص و مقصد عام .

- مقصد عام : ضمان تدافع اللاهوت  الغربي، و هو انتصار لامتلاء الذات 

بالارتكاز على شحذ المضمون من حيث أن :" جوهر النفس هو الفكر ، و أن جوهر الله هو الكمال"(28)، فتأملات ديكارت العقدية قادته إلى إثبات جوهرالذات المفكرة و هنا يقول حسن حنفي :" إن استنباط الوجود في الفكر في الكوجيتو، أنا أفكر فأنا إذن موجود " هو موقف ديني تقليدي معروف في الفلسفة المدرسية نظرا للإيمان المسبق بوجود الله و هو الفكر ثم صدور العالم عنه فيضا أو خلقا. بل إن الوجود قد تم استنباطه من الفكر مرتين في إثبات وجود الأنا "انا أفكر فأنا اذن موجود " و مرة أخرى في إثبات وجود الله " عندي فكرة موجود كامل،و الوجود أحد الكمالات إذن الله موجود و هو الدليل الأنطولوجي الشهير الذي صاغه القديس أنسلم في القرن الحادي عشر"(29).

و مقصد خاص :هدفه تركيز الذات الديكارتية بوصفها نواة التفلسف الغربي و منه بناء فاعلية تواصلية بين الذات الشخصانية و الأنا الغربي .فهي لحظة (الذات الديكارتية )تَدَافع فيها الخطاب العقلاني الغربي نحو تجديد مقولات الرؤية  و صوغ الخطاب النسقي الذي يضمن هذا التدافع في الرؤية .                                                                                 

وهنا ووفق هذا التَّحَسُس النظري ينقلنا طه عبد الرحمان إلى الممارسة التطبيقية شديدة الاِيغَال في تأصيل الظاهرة المصطلحية ،وفي مجال الفلسفة تأخذ المصطلحات حضَّها من الامتياز ليفتح المصطلح على التخصصات المختلفة . وفيه يسوق طه عبد الرحمان مختلف الدعاوى التي تعترض عملية نقل المصطلح و العراقيل التي يتعرض لها المفهوم أثناء ارتحاله من سياق ثقافي إلى سياق مختلف عنه في التقدير و الاستيعاب جَرَّاء الشُّحُنَات المفهومية التي يحملها المصطلح ،لذلك يُمَايز بين مستويات ثلاثة للترجمة :                                                      

أ- الترجمة التحصيلية .

ب-الترجمة التوصيلية .

جـ- الترجمة التأصيلية .

و في هذه الممارسة أراد طه عبد الرحمان أن يعاين عن كثب التمثيلات المختلفة للباحثين العرب و في هذا يقول:" وحتى نبين صحة نموذجنا النظرى في الترجمة ذي المراتب النقلية الثلاث "التحصيل" و "التوصيل"و"التأصيل " نترك الخوض في عموم الترجمات التي وضعت لجملة من نصوص " ديكارت " و التي قام بها ثلة من المتفلسفة البارزين منهم محمد الخضيري  وعثمان أمين و نجيب بلدي وكمال الحاج وجميل صليبا"30.                                                                                 

و المفاهيم التي ساقها طه عبد الرجمان وفق مقاصدها على حدود المجالات التي يعاينها كل ضرب من الترجمات الثلاثة وفيها يقول :"فنسمي الضرب الأول الذي لا يحفظ أية خاصية من الخصائص التجديدية للفلسفة باسم الترجمة التحصيلية و الضرب الثاني الذي يحفظ بعضها باسم الترجمة التوصيلية و الضرب الثالث الذي يحفظ جميع هذه الخصائص باسم الترجمة التأصيلية "31.                                                         

وعليه و عودا على بدء، نستنتج من المقدمات الآنفة أن عملية نقل وتنقل المصطلح عليها أن تخضع للتفاعل الحاصل من تدافع شرائط المرجعيات الثقافية التي يصطدم بها المصطلح في البيئة المنقول إليها وهنا ؛ يتكيف المصطلح وفق الوضعيات الجديدة ليمارس استمراريته المقصودة و ليحقق التداول المرجو منه ،ومنه يتوسع المصطلح ليكون عملة إجتماعية تتغلغل إلى بنية الثقافي و الإجتماعي .                                                         

والحاصل أن التأمل النقدي ليكون عربيا عليه أن ينفتح على الفكر المقاصدي ليٌصيغ لنا دلالات تحفيزية تنبعث من بيئات الفلاسفة والمتكلمين و الأصوليين الذين اشتغلوا على النص في تفريخ إحالاته وصوغ أحكامه من خلال وضعه في إطار المصلحة نتيجة التفاعل والمكاشفة السليمة للجهاز أو الرصيد المقولاتي و المفاهيمي هو الذي يَضُخُّ عوامل التميز للمنظومة المعرفية ، و كل هذا يكون وفق نموذج سائل لضمان استمرار الحركة النقدية .                                                                               

 

الهوامش



محمد مفتاح ، مشكاة المفاهيم (النقد المعرفي و المثاقفة) المركز الثقافي العربي -1الدار البيضاء ،بيروت .الطبعة الاولى 2000.ص :84 .                        

-رشيد برهون ، الترجمة و رهانات العولمة و المثاقفة .عالم الفكر ،العدد 1 (3)المجلد 33سبتمبر 2001.المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب . الكويت. ص : 166.

- ناقش هذه القضية عبد الله إبراهيم في كتابه (الثقافة العربية و المرجعيات*** المستعارة، تداخل الأنساق و المفاهيم و رهانات العولمة) حيث تطرق في أحد الفصول إلى مقاربة طه حسين في بنية المجال الشرقي حيث يتصور طه حسين أن مصطلح الشرق القريب مصطلح مهجن :"يأخذ اسمه من المجال الاول ،و مضمونه من المجال الثاني و الشرق المهجن هو ما يصطلح عليه الأن جغرافيا بالشرق الاوسط ،الذي يعتبره طه حسين امتدادا طبيعيا لمجال الغرب من ناحية ثقافة الرومان ".                                                                   

- ناقشه الأستاذ حسن حنفي في كتابيه:" مقدمة في علم الإستغراب" (4) 

حيث بين الإنتقال الذي أصاب الدراسة العربية ،ففي وقت سابق كان المجال الشرقي عينة للدراسة ،ولكن على إثر الوعي بخطورة الموقع .وجب فهم الذات العربية وفق تشكلها في الدراسات الغربية من حيث أنها تكونت وفق هذا التوجه وهنا يتحول الباحث العربي إلى دارس و الذات الغربية إلى عينة مدروسة و هي ضرورة أملتها تفاصيل الأنا ، و الإستغراب علم بديل فهو فعل تشكيك و إدباري ضد  الإستشراق.                                                               

 - علي حرب ، العالم و مأزقه (منطق الصدام ولغة التداول )المركز الثقافي (5)العربي الدار البيضاء بيروت. الطبعة الأولى 2002. .ص : 15

 - عبد الله إبراهيم ، الثقافة العربية و مرجعياتها المستعارة ، المركز الثقافي (6)العربي ، الدار البيضاء بيروت .الطبعة الأولى 1999.ص : 17.

 -عمر كوش ، أقلمة المفاهيم ، تحولات المفهوم في ارتحاله ،المركز الثقافي (11)العربي الدار البيضاء بيروت ، الطبعة الأولى 2002.ص : 39.

-ميجان الروبي ، سعد البازعي .دليل الناقد الادبي .المركز الثقافي العربي (14)الدار البيضاء بيروت .الطبعة الثانية 2000. ص : 96

عبد الله ابراهيم،  التلقي و السياقات الثقافية .دار أويا للنشر و التوزيع - (17)

: 8.ص

- عبد الكريم شرفي، مقدمة حول إشكالات القراءة و التأويل في النظريات (20) الأدبية الغربية الحديثة .بحث لنيل شهادة الماجستير (مخطوط )جامعة الجزائر .2001-2002. ص : 10

- حميد لحمداني ، القراءة و توليد الدلالة(تغيير عاداتنا في قراءة النص (22) الأدبي )المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء بيروت . الطبعة الأولى 2003. ص :105.106.

- عبد الله إبراهيم ، المركزية الغربية .المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء (23) بيروت . الطبعة الأولى 1997. ص : 75.

- فضل ثامر ،اللغة الثانية (في إشكالية المنهج و النظرية و التطبيق في (24) الخطاب النقدي العربي الحديث )المركز الثاقفي العربي ، الدار البيضاء بيروت الطبعة الأولى 1994.ص : 218.