pdfتصنيف الاتجاهات النقدية في الجزائر

إشكالية نص؟ أم إشكالية قراءة ؟

 

د.بلقاسم مالكية

جامعة ورقلة ( الجزائر )

 تنطلق هذه الورقة البحثية من سؤال أساسي هو: كيف تم تصنيف الاتجاهات النقدية في الجزائرية؟. و هذا السؤال يحيل على فرضيات هي:

1-المقاربة الأكاديمية للنقد لا تحترم الخصوصيات المتعلقة بالنص النقدي, و تعمل على إخضاع النصوص للأحكام الجاهزة المسبقة, و التي تكون في الكثير من الأحيان منقولة من أنساق و سياقات غير الأنساق و السياقات التي ينتمي إليها النص المدروس .

2- كما أن هذه المقاربة تعمل في كثير من الأحيان على الإقصاء المسبق للنصوص المخالفة, و لا تخضعها للدراسة الدقيقة التي تؤكد اختلافها, أي أن الدراسة الأكاديمية تبحث عن التوحيد و التنميط  والاصطفاف تحت عناوين فضفاضة, ينحشر تحتها النقاد انحشارا فيه الكثير من الإكراه.

3- ثم هل نحن بحاجة ماسة إلى التصنيف؟. الذي يشغلنا في الكثير من الأحيان عن إكتشاف مواضع الإبداع و التميز؟. و من هنا هل القراءة هي إكتشاف للمجهول؟. أم بحث عن المعلوم مسبقا في نصوص  جديدة؟.

4- إن التسميات التي أطلقت في تصنيف الاتجاهات النقدية الجزائرية, و في حدود ما طالعناه, لم تحدد تحديدا دقيقا يكشف جوانبها المختلفة, بل نقلت من دراسات سابقة, فما معنى التقليدي؟. و ما معنى التجديدي؟. و ما معنى التأثيرى؟. و الواقعي و اللانسوني واللساني... و غيرها من التصنيفات التي يستعملها الباحثون كمسلمات يعتقدون وضوحها في ذهن الجميع, و اجتماع الدارسين حولها, لكن مجرد السؤال عن معنى هذه المصطلحات يحيلنا على جدل واسع, قد يهدم المنجز النقدي.

إن تتبع هذه القضية في كل ما كتب عن النقد الجزائري الحديث و المعاصر, تضيق به هذه الورقة البحثية, كما أن تتبع المدونات الواسعة بنظرة سريعة, تختطف الأفكار خطفا, و تصدر الأحكام جزافا, لا تخدم الدقة المطلوبة, و التي تدعو لها هذه الورقة البحثية, لذلك سنتخذ من مجموعة من الدراسات عتبة لبحثنا, مركزين في تحليلها على نصوص نأخذها  من هذه الدراسات لتكون مجالا للتحليل, و المناقشة و النقد.سيتمحور عملنا حول نصين مركزيين هما:

1-  النص الأول: للدكتور يوسف و غليسى يحكم فيه على النقد الجزائر و بداياته.

2-  النص الثاني: للشيخ مبارك بن محمد الميلي نموذجا نمارس عليه قراءة تتجاوز التصنيف القائم و تمتحنه في الآن نفسه.

الجزء الأول: تحليل موقف نقدي

النص الأول:

" أ- تجمع جل الدراسات و البحوث التي تناولت المادة النقدية الجزائرية قبل سنة 1961م. على أن لا جدوى للبحث عن خطاب نقدي جزائري يستحق الدراسة و التمحيص ضمن أطر الخطاب النقدي و حدوده المنهجية و الاصطلاحية.

ب-و كل ما هنالك هو مجرد محاولات قليلة و فقيرة. متناثرة في بعض الصحف و المجلات, كان يدبجها بعض الكتاب أمثال, رمضان حمود و محمد السعيد الزاهري و محمد البشير الإبراهيمي و ابن باديس و حمزة بوكوشة و أحمد بن ذياب و عبد الوهاب بن منصور و أحمد رضا حوحو. و غيرهم من الأدباء و المشايخ الذين لم نعرف واحدا منهم جعل النقد شغله الشاغل.

ج- و قد جاءت هذه المحاولات في شكل مقالات مقتضبة, يعوزها التصور النظري و الإطار المنهجي, تقوم على النظر الوظيفي (الرسالي) إلى النص الأدبي, برؤية تجزيئية تقوم على تصحيح الأخطاء (اللغوية و العروضية) التي تعتري النصوص, إضافة إلى بعض التعاليق السطحية العامة (البلاغية خصوصا), التي تفتقر إلى الشواهد الكافية, فضلا عن نزعة توجيهية صارمة...

ح- و الآية على كل ذلك, أن بيبليوغرافيا النقد الجزائري لا تدلنا على أي كتاب نقدي قبل سنة 1961م. تاريخ صدور كتاب أبي القاسم سعد الله (محمد العيد آل خليفة رائد الشعر الجزائري في العصر الحديث)"([1])

يصنف الدكتور يوسف وغليسى في نصه هذا النقد الجزائر المعاصر إلى مرحلتين هما: مرحلة ما قبل النقد و مرحلة النقد, هذه الأخيرة التي يؤرخ لها بصدور كتاب الدكتور أبو القاسم سعد الله سنة 1961م. و قد حشد لذلك مجموعة من الحجج, و التي يمكننا تقسيمها إلى مجموعتين, فالمجموعة الأولى تحيل على الإجماع الذي تم بين جل الدراسات التي تناولت النقد الأدبي في الجزائر بحسب الباحث, و المجموعة الثانية هي الحجج الداخلية الموجودة ضمن الإنتاج نفسه, و سنناقش كل مجموعة على حدى.

المجموعة الأولى: يحيل الباحثفي دعم فكرة الإجماع على مجموعة من الدراسات هي:

1-  أبو القاسم سعد الله: دراسات في الأدب الجزائري الحديث.

2-  عبد الله ركيبي: تطور النثر الجزائري الحديث.

3-  عمار بن زايد: النقد الأدبي الجزائري الحديث.

4-  محمد مصايف: النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي.

5-  عبد الله بن قرين: النقد الأدبي الحديث في الجزائر.

6-  شريبط أحمد: النص النقدي الجزائري من الانطباعية إلى التفكيكية.

7-  يوسف وغليسى: إشكاليات المنهج و المصطلح في تجربة عبد الملك مرتاض النقدية.([2])

و نحن هنا سنعود إلى دراستين مركزتين في هذه القائمة, لنبحث عن هذا الإجماع. و هاتان الدراستين هما:

1-  النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي: د.محمد مصايف.

2-  النقد الأدبي الجزائري الحديث: د.عمار بن زايد.

فماذا نحن واجدون في هذين الكتابين:

الكتاب الأول: إن الفترة الزمنية التي يغطيها الكتاب تمتد من بداية القرن العشرين إلى غاية السبعينات منه. تدحض فكرة الإجماع على بداية النقد الأدبي الجزائري سنة 1961م.

و لعل ما أوقع الباحث يوسف وغليسى في خطأ الاعتقاد بنفي وجود النقد الأدبي قبل سنة 1961م. هو الفقرة الواردة في الصفحة 17 من الكتاب و التي نصها: " هده المؤثرات العديدة المتنوعة أثرت في الأدب و النقد معا, بل إن التمييز بين المؤثرات في الأدب و المؤثرات في النقد من الصعوبة بمكان, فالنقد بالمفهوم المتداول اليوم كان منعدما, أو على الأقل نادرا, حتى أن أحد الأدباء المعروفين آنذاك قال:" أعرض على أدبائنا و كتابنا الجزائريين هذه القصيدة القصيرة و أرجو من كل أديب (قدر على نقدها) أن ينتقدها انتقادا أدبيا. و أن يرنا أنموذجا من هذا الفن الجميل, فن النقد الذي هو ميز الخبيث من الطيب, و الخطأ من الصواب, و الصحيح من الفاسد, فإننا قد عرفنا أن بالجزائر شعراء فحول, وكتبة متقدمين و عرفنا مقدرتهم و أغلب وجوه الكتابة إلا في النقد الأدبي,فإننا لم نعرف مبلغه ببلادنا الجزائر, فهل يتقدم أحد من حملة الأقلام منا إلى هذه القصيدة, فينقدها بإنصاف يكشف عن سيئاتها, و لا يظلم حسناتها؟. إذ ليس الانتقاد هو الاقتصار على المدح أو القدح متى وجدا معا" "([3])

إن هذا النص يظهر خطأ في الرؤية من جهة الدكتور محمد مصايف, ووعيا بأهمية النقد الأدبي من طرف الأديب محمد السعيد الزاهري الذي نشر كلامه المذكور في جريدة الشهاب بتاريخ 17 ديسمبر 1925م. وسنحلل هذين العنصرين كما يأتي:  

أ‌-  فالخطأ الذي وقع فيه د. محمد مصايف هو جعله مفهوم النقد واحدا, و هذا ما لم يتوفر في أي عصر, أو مكان, أو ثقافة من ثقافات العالم, قديمها و حديثها, فمفهوم النقد كان دائما بصيغة الجمع, فهنالك دائما مفاهيم للنقد, ثم إن إسقاط مفهوم النقد في زمن إنجاز الدكتور محمد مصايف لبحثه في نهاية السبعينات من القرن العشرين على مفهوم النقد في بداية القرن العشرين فيه من التعسف و الظلم الشيء الكثير, إن الدراسة الدقيقة تبحث عن مفهوم النقد في الفترة المدرسة كما تصوره أصحابه و عملوا وفقه, سواء صرحوا بذلك, أم لم يصرحوا بذلك, فمهمة الباحث في تحليل و فهم الخطابات ما ظهر منها, أو ما استتر, ثم بعد ذلك نقدها و الحكم عليها.

ب‌-فإذا انتقلنا إلى النص المقتطع من خطاب الأديب محمد السعيد الزاهري نجده يقدم لنا مفهومه للنقد, و هذا المفهوم يتجلى على مستويات عديدة هي:

-الوعي بضرورة وجود النقد الأدبي, بعد أن وجد الأدب, فالساحة الأدبية لا يكتمل وجودها إلا بوجود النقد الأدبي.

-النظر إلى النقد الأدبي على أنه: فن جميل, مما يزيل النظرة السلبية للنقد, التي كثيرا ما عملت على إنكار أهميته, و تهميش دوره, و الانزعاج, إن لم نقل الخوف المرضى منه.

-تحديد عمل النقد بأنه عملية تمييز للظاهرة الأدبية.

-تم تحديد أخلاقيات هذه العملية النقدية, التي تقوم على أساس الإنصاف.

إن الذي ذكرناه سابقا يثبت أن النقد الأدبي كان متواجدا بصورته الخاصة منذ مطلع القرن العشرين.

الكتاب الثاني: إن الفترة التي يغطيها البحث تمتد من العشرينات إلى الاستقلال تنفي الإجماع على نفي وجود النقد الأدبي في الجزائر قبل سنة 1961م. و على الرغم من الحكم الذي أصدره الدكتور عمار بن زايد و الذي نصه:" حقيقة أن النقد الأدبي الجزائري الحديث قد ظهر متأخرا نسبيا, و أنه لم يكن ناضجا في بداية نشأته, و أنه كان يتسم بالنظرة الجزئية حينا, و النظرة السطحية حينا آخر... إلى غير ذلك من الأمور التي تدل على نقص و عدم اكتمال. غير أن ذلك في الواقع أمر طبيعي جدا, له ما يبرره, فمن المعروف أن النشاط الأدبي في الجزائر إلى غاية العشرينات من هذا القرن, كان نشاطا ضعيفا شكلا و مضمونا, و لكن عندما أخذ الأدب الجزائري في النمو و التجدد شيأ فشأ, من بداية العقد الثالث من هذا القرن أخذ النقد في ظهور و النمو شيأ فشيأ هو الآخر"([4]). فإن هذا الحكم لم يمنع الباحث من دراسة هذا الإنتاج النقدي, فالحكم لا ينفي الدراسة, و الضعف لا يهمش النص, بل إن للضعف بلاغته, و للتخلف خطابه, و ليس على الباحث إلا البحث عن هذه البلاغة و عن هذا الخطاب, هذا و قد تناول الدكتور عمار بن زايد بالتحليل مضمون هذا النقد سواء من حيث البيئة و الأدب, أو رسالة الأديب التي حددت في الرسالة الاجتماعية و الرسالة السياسية و الرسالة الفنية. إلى جانب تحديده للمناهج النقدية: التاريخي و التآثرى و الفني

المجموعة الثانية: تتمثل هذه المجموعة في النقد الداخلي الذي مارسه الدكتور يوسف وغليسى على الكتابات النقدية, و الذي بموجبه نفى هذا النقد و أبعده عن دائرة البحث و الدراسة.

أ - " لا جدوى للبحث عن خطاب نقدي جزائري يستحق الدراسة و التمحيص ضمن أطر الخطاب النقدي و حدوده المنهجية و الاصطلاحية ". سنناقش هنا مفهوم الخطاب النقدي, و ذلك بطرح الأسئلة التالية: هل الخطاب هو النص؟. أم هو عنصر غير النص؟. و هل توجد نصوص لا تحمل خطابا؟. فإذا كان النص و الخطاب شيأ واحدا, فهذا يعني أن وجود نصوص نقدية – مهما كان نوعها و مستواها – يعني بالضرورة وجود خطاب نقدي. و كذلك إذا قلنا بعدم وجود الخطاب. أم إذا قلنا أن هناك نصوص لا تحمل خطابا, فهذا يحتاج إلى برهنة لإقناعنا بذلك.

إن الباحث حين يتحدث عن أطر الخطاب النقدي و المنهجية و الاصطلاحية. هل يتحدث عن أطر واحدة؟ أم متعددة؟. و هل هذه الأطر ثابتة؟ أم متغيرة؟. و هل تفرض على الخطاب؟ أم تستنبط منه؟. إن الإجابة عن هذه الأسئلة سيحدد بدقة وجود الخطاب النقدي بصيغة مفردة أو بصيغة الجمع, و بصفة الجمود أو الحركة. و هذا كله سيسقط مقولة عدم جدوى البحث عن الخطاب النقد الجزائري قبل 1961م.

ب- " و كل ما هنالك هو مجرد محاولات قليلة و فقيرة, متناثرة في بعض الصحف و المجلات, كان يدبجها بعض الكتاب ... و غيرهم من الأدباء. و المشايخ الذين لم نعرف واحدا منهم جعل النقد شغله الشاغل ". إن الباحث يحشد هنا مجموعة من الصفات التي يحاول من خلالها الانتقاص من النقد, و نفي وجوده أو جدوى دراسته, و هذه الانتقاصة هي:

         - القلة.

         - الفقر.

         - الانتثار.

         - عدم تخصيص كتابها في النقد.

إن هذه المعايير التي اعتمدها الباحث تعاني من نقائص معرفية و منهجية, أما المعرفية فتكمن في عدم ضبط الباحث للمفاهيم التي تحملها هذه المعايير حتى ندرك مواضيع النقص المستتر فيها, فالقلة مثلا: متى تكون عيبا؟. و الفقر أين يكمن؟ و ما مظاهره؟. و كذا الانتثار في الصحف و المجلات. و ما هو التخصص؟. هذه كلها أسئلة. لا نجد لها جوابا عند الباحث. و من ثمة يمكننا أن نقدم لها قراءة مخالفة ستتضح معالمها في الجزء الثاني من هذه الورقة البحثية.

أما من حيث المنهجية فإن فصل الظاهرة النقدية عن إطارها التاريخي يجعلها تحاكم محاكمة ظالمة, ذلك أن الظروف التي أحاطت بالنقد الجزائري خلال الفترة

الاستعمارية تحكمت في خصائصه, كما أنها تسعفنا حين الربط بينها وبين النصوص النقدية على أن نقدم قراءة أكثر ثراء, و أكثر إيجابية لهذه النصوص مما سيتضح في الجزء الثاني من هذه الورقة البحثية.

ج- " و قد جاءت هذه المحاولات في شكل مقالات مقتضبة يعوزها التصور النظري و الإطار المنهجي. تقوم على النظر الوظيفي... فضلا على نزعة توجيهية صارمة". مرة أخرى نجد أنفسنا أمام معايير لا يفسر الباحث وجهها السلبي, فكون النص مقالا مقتضبا ماذا ينقص من أهميته؟. و غياب الجانب النظري المصرح به, و الإطار المنهجي المقنن؟ لا يضر النقد, لأن هنالك التصور المضمر, لأننا لا نستطيع القول: أن هناك عمل بشري مهما كان بسيطا  و متواضعا, لا يصدر عن تصور يخضع لمنهج. أما الصفات الأخرى فهي في حد ذاتها ليست عيبا, بل العيب يوجد حين نحلل نموذجا نقديا بعينه, فهنا تظهر الفروق الفردية بين النقاد, و تظهر كذلك براعتهم من عدمها.

د-" و الآية على كل ذلك أن بيليوغرافيا النقد الجزائري لا تدلنا على أي كتاب نقدي قبل سنة 1961م...". وهنا نجد أنفسنا نطرح سؤالا هو: هل توجد بيليوغرافيا للنقد الجزائري أنجزت, و توفرت فيها شروط التأليف البيليوغرافي.." ثم هل الكتاب بمفهومه المعياري هو وحده الدليل على وجود النقد, و ماذا يقول الباحث عن أعمال الدكتور محمد بن أبي الشنب المتوفى سنة 1929م. و قد صدرت في شكل كتب و بلغات عديدة. إن تراث الجزائر الثقافي في العهد الاستعماري ما يزال بحاجة إلى عملية الاستكشاف.

كما أن الباحث حين اعتمد كتاب الدكتور سعد الله كبداية للنقد الأدبي في الجزائر, قد اعتمد كتابا أكاديميا, حيث كان الدكتور سعد الله قد أعده ليكون رسالة ماجستير في الأدب الجزائري. وهذا يحيلنا إلى الفرضيات في مطلع هذه الورقة البحثية حين أكدنا على عملية الإقصاء التي يمارسها النقد الأكاديمي للمخالفين له.

إن الدراسات التي تناولت النقد الجزائري الحديث المعاصر قدمت لنا تصنيفات عديدة منها:

1-    الدكتور محمد مصايف(1979).

أ‌-       الاتجاه التقليدي.

ب-الاتجاه التأثرى.

ج- الاتجاه الواقعي.

         2- الدكتور عمار بن زايد(1990).

                   أ- المنهج التاريخي.

                   ب- المنهج التآثري.

                   ج- المنهج الفني.

         3- الدكتور على خذري(1998)([5])

                   أ- الاتجاه التقليدي.

                   ب- الاتجاه التجديدي.

         4- الدكتور عمار زعموش (2000)([6])

                   أ- الاتجاه الواقعي.

                   ب- الاتجاه النصاني.

         5- الدكتور يوسف وغليسى (2002):

                   أ- المرحلة السياقية و يندرج تحتها:

                            أولا: النقد التاريخي.

                            ثانيا: النقد الاجتماعي.

                            ثالثا: النقد الانطباعي.

                            رابعا: النقد النفساني.

                            خامسا:النقد المقارن.

                            سادسا:النقد التكاملي.

ب‌-              المرحلة النصانية:

أولا: النقد الالسني

أ- البنيوية.

                          ب- السيميائية.

                         ج- الأسلوبية.

                          د- التفككية.

                       ثانيا: النقد ألموضوعاتي.

                       ثالثا: النقد الإحصائي.

أننا هنا أمام اضطراب كبير في التسمية, في التصنيف, حيث هناك: الاتجاه و المنهج و المرحلة في التسمية, و هناك التقليدي و التجديدي و التاريخي و التأثرى و الواقعي. و السياقي و النصانى من حيث التصنيف. أن هذا الاضطراب بحاجة إلى دراسة أعمق لا تتسع لها هذه الورقة البحثية لكنها تثير هنا السؤال و تدفع إلى البحث. و لعل فيما قدمناه سابقا عينة عن إمكانيات البحث في هذا المجال.

الجزء الثاني: تحليل نص نقدي

النص الثاني: الأدب الجزائري يبعث من مرقده أو بارقة أمل في عصر جديد.

الإمام مبارك بن محمد الميلي

1-إن للبشر روابط في الحياة تربط بين الأفراد و الجماعات و توجد بينها حتى تصير أمة جسدها الوطن و أعضائها أولئك الأفراد و الجماعات و روحها تلك الروابط. و من البديهي أن درجة الجسد في القوة و دركته في الضعف على حسب ما لروحه من قوة وضعف, فقوة الأمة و ضعفها على مقدار إحساسها بالروابط التي تربط بين أفرادها و جماعاتها. و الروابط شتى دينية و طبيعية. و لأقوى الروابط الطبيعية رابطة اللغة.

2-و قد عرف العرب في جاهليتهم وإسلامهم قيمة هذه الروابط و أدركوا فضلها في توحيد كلمتهم و تهذيب أخلاقهم و ترقية مداركهم, فشجعوا أدباءهم برواية قصائدهم و تلقينها لصبيتهم, حتى لقد كانوا يولمون الولائم و يقيمون الاحتفالات لظهور شاعر في قبيلة, و يهنئون تلك القبيلة على كثرة شعرائهم ووفر نبغائهم, ثم بالغوا في رفع مستوى الأدب بإماتة ضعفيه و نشر جيده و رفيعه, و اتخذوا لهذا الغرض النبيل موسما – في أيام هدنتهم ووضع سلاحهم – يجتمع فيه أدباء القبائل, و تعرض نتائج أفكارهم و غرائب قرائحهم على أمير بيانها و بلاغتها الذي اعترفت له بالتقدم في مضمار الأدب, ثم تخضع لحكمه و هي الأمة التي لم تخضع لدولتي الرومان و الفرس. ولما جاء الإسلام يحمل للبشر أعدل الأحكام, ويسوي بين الأنام, أقبل الناس عليه سرعا, و نزلوا في ظل عدله اتقاء من الجور, فاختلطت الأمم و عرف العرب أن لغتهم سيصيبها من هذا الاختلاط أضر الجوائح, فاحتاطوا له و وضعوا لها قواعد تحفظ ووجودها, فكانت نتيجة ذلك الاختلاط و هذا الاختلاط أن أصبحت اللغة العربية لغة علمية بعدما كانت طبيعية و لولا الاختلاط لبقيت طبيعية, و لولا الاختلاط لأصابها من الاضمحلال ما أصاب أختها الفينيقية. تلك منزلة الأدب عند العرب قديما, أدركها غيرهم أخيرا فأشادوا بذكر آبائهم. و اتخذوا المجالس العلمية لترقية لغتهم, حتى أن الأتراك – ولغتهم أضيق اللغات – رأوا أن استقلالهم لا يتم ما لم يستقلوا في لغتهم, فأخذوا في ترقيتها و رفع مستواها عسى أن تنهض بالملك و تسع العلم و فنونه.

3-و قد عاشت الأمة الجزائرية قديما دهورا طوالا وهي متشبثة بوحدة لغتها البربرية متمتعة باستقلالها, و لولا أن يوبا الثاني الذي كانت عاصمته ملكه شرشال نشأ بروما و أولع بالأدب الإغريقي لبقي للبربر الجزائريين استقلالهم, و لما استولى عليهم الرومان و فرضوا عليهم سيادتهم و ضخموا ملكهم على حسابهم. و قد أعاد العرب إلى الأمة الجزائرية الوحدة اللغوية بإحلال العربية محل البربرية, و أعانهم على ذلك حاجة البربر إلى العربية من الوجهة الدينية, فأصبح شعبنا سامي اللغة عربي الآداب, يترقى فيها حينا و ينحط آونة, و أخيرا بلغ الانحطاط أن صار أدباءه يشتقون استعارتهم وكنا يتهم من الفنون التي لا صلة لها بالأدب, مثل الفقه و التوحيد, و يزكون قصائدهم ببعض المنظومات التي يقرؤوها في المواسم و مجتمع الأذكار, فيقولون هذه القصيدة من بحر البردة أو من بحر الهمزية, و قد كان الانحطاط الأدبي مصحوبا طبعا في سائر وجوه الحياة و مميزات الشعوب, نزل الشعب الجزائري في دركات الخمول و الجمود و ليس ذلك من طبيعته هاوية بعيدة القعر, حتى أن نفخت الحرب العالمية الكبرى التي بعثت الأمم النائمة من مرقدها لم تكن كافية لإيقاظه, و لم يشعر بها إلا بعض الفتية من شعرائها الأحرار, بقيت لهم نافذة تمدهم بالهواء الطلق و تعينهم على التنفس في جو لم يغمره بخار الفحم الثقيل . شعر شعراؤنا بحياة جدية, فنفضوا أيديهم من ذلك الأدب البالي المشوه بلغة التأليف, و نفذوا إلى الأدب الغض, و استمدوا من شعورهم الرقيق الطاهر, و على أشال هؤلاء الشباب نعلق آمالنا في تحديد الأدب الجزائري و رفع مستواه.

4-أقول هذا و بين يدي كتاب يحمل من المواضيع الاجتماعية ما هو جدير بأن يكون أساسا لحياة جديدة. أعجبني من هذا السفر تحليل أو إنجيل هذا الجيل ما حواه من أدب رائع و بلاغة ساحرة وبيان فتان في مواضيع هي مبعث الحياة و قوام الوجود, و أكبر سروري به أنه جمع لأول مرة بين أدبائنا الذين تقلهم أرض واحدة و تظلهم سماء واحدة و يتمتعون بخيرات وطن واحد، لقد كان قبل اليوم المزابي لا يمد يده إلى الجزائري غير المزابي, و الجزائري غير المزابي لا يصافح أخاه المزابي, و كل يسبح في فلك خاص به, أما اليوم فقد تعارف أدباؤنا جميعا, و اتحدوا – و لله الحمد – تحت اسم الجزائر و جمعت رسومهم دفتا سفر واحد. و بصفتي محبا للاتحاد, محبا للأدب العربي الراقي, محبا لحياة جديدة تنشأ عليها ناشئتنا, لا يسعني إلا إسداء الشكر الخالص لأديبنا الفتي " محمد الهادي السنوسي ", فبهمته ذلل صعاب هذا المشروع, و بثباته تحمل مصاعب جمة, و قضى على ما لاقى في سبيله من العقبات.

5-أيها الهادي, أن كنت تعلن لنا عزمك و حزمك بإعلان مشروعك في الجزء الثاني و استئنافك للعمل من جديد, فليس ذلك بمانعنا من دهن عجلة عزيمتك بكلمات قليلة نعرب بها ابتهاجنا بعملك و اغتباطنا بهمتك. إلى الأمام! فإنك في عنفوان شبابك و إن أضعت الفرص اليوم فمن ذا الذي يضمنها لك غدا؟. جد في عملك و ابدأ لنا الجزء الثاني من مشروعك, فإن في الوطن أدباء من الحيف – بهم و بوطننا – أن تقبر أفكارهم و تعفى آثارهم في خدمة الأدب الجزائري.

6-إني أعتبر بروز هذا السفر الجليل مبدأ لتاريخ حياة أدبنا الجديد, و إن تأخره إلى هذا الأوان مما يبعث العاملين في حياته على الإسراع في السير به, و ليكن اعتمادهم على الطفرة أكثر من اعتمادهم على ناموس الطبيعة, و ليعتبروا أنفسهم قائمين بواجبهم و واجب آبائهم المفرطين. إن المسؤولية عظيمة و العمل شاق, و لكن الشباب يأتي بالعجاب, فإلى الأمم أيها الأدباء الكرام . - الأغواط "([7]).

سنحاول هنا تقديم قراءة إيجابية تنطلق من أن كل قراءة هي إثراء للنص و للمعرفة الإنسانية. و سنركز هذه القراءة و بإيجاز على الناقد و النص النقدي.

الناقد: هو مبارك بن محمد الميلي, أحد علماء الجزائر, و عضو أساسي في جمعية علماء المسلمين, و رجل إصلاح و تربية, ألف كتابين هما: " تاريخ الجزائر في القديم و الحديث " و " الشرك و مظاهره " إلى جانب مجموعة من المقالات الصحفية التي جمعها الدكتور أحمد الرفاعى شرفي في مجلد ضمن سلسلة من مقالات و آراء علماء " جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ".

إن النظرة الأولى – و بحسب منظور الدكتور يوسف وغليسى – إلى صاحب النص تجعلنا نرى فيه شيخا من المشايخ الذين لم يتفرغوا للنقد الأدبي, و لم يضعوا فيه كتابا, و لا كان لهم تصور لنظرية, و لا أسس لمنهج نقدي, لكن إذا نظرنا إلى صاحب النص من زاوية غير أكاديمية متزمتة, وجدناه رجل إصلاح, سخر حياته كلها و علمه و قلمه لتحقيق رسالته الإصلاحية, التي كانت تواجه استعمارا فضيعا, و واقعا جزائريا متخلفا, يجمع الفقر و الجهل و الخرافة و التفكك الأخلاقي, لذا فإن الكتابة عند مبارك الميلى, بل العمل و الحياة كلها ليست شيأ كماليا يتزين به الإنسان, أو يزجى به الوقت, و يشغل به الفراغ, فعلى العكس من ذلك كله, فالكلمة كانت سلاحا, و العمل كان جهادا, و الحياة كلها رسالة عظيمة, تنقضي في خدمة المبدأ, لذا فإن كل عمل يخدم هذه الفلسفة, و يحقق هذه الغاية, يصبح عملا يستحق التنويه و التشجيع, فكتاب " شعراء الجزائر في العصر الحاضر " لمحمد الهادي الزاهرى السنوسى, لم يعد كتابا في الأدب يخدم الفن لذاته, و يحقق المتعة وحدها, بل هو أداة من أدوات مقاومة الاستعمار, ووسيلة من وسائل النهضة الشاملة, فالكتابة سلاح, و الأدب ثورة, و هذا ما ينسجم و فلسفة علماء الإصلاح, الذين كانت الجبهات المفتوحة أمامهم كثيرة, تضيق دونها المهلة الزمنية المتاحة من العمر, و يكل دونها القلم, فليس هناك وقت للكتابة الخالصة, و التخصص الدقيق, و التأمل الطويل, فكل دقيقة هي فاصل بين حياة الأمة و موتها.

النص: في ظاهر هو تقريض لكتاب " شعراء الجزائر في العصر الحاضر" لكن التعمق يكشف أسرارا تظهر صاحبه لا يكتفي بإظهار إعجابه بالكتاب, و تقديم انطباعاته حوله, إنه أراد أن يمرر رسائل عديدة تخدم الغاية الكبرى, التي هي مواجهة الاستعمار, فالكتابة هنا هي الحياة, و هي النهضة, و هي المحافظة على الوجود, و الهوية, إنها المضاد الحيوي لكل الأمراض التي حاول الاستعمار الفرنسي زرعها في الجزائر, والتي يمكن ضبطها في بعض النقاط:

1-   نشر التخلف الشامل بين أفراد المجتمع الجزائري .

2-   القضاء على الانتماء الحضاري للمجتمع الجزائري.

3-   زرع التفرقة العرقية و المذهبية و الجهوية بين الجزائريين.

فجاء الكتاب ليقضي على هذه العناصر الهدامة:

1-  حيث أعلن صدوره بداية النهضة و الوعي بضرورة التقدم.

2-   تجديد الصلة بين الجزائريين و انتماءهم الحضاري.

3-   القضاء على الفرقة و زرع وحدة الجزائريين.

لذا اقتضى هذا الكتاب إعجاب الناقد, و أقتضى أن يكتب عنه هذه النص ليزيد في شهرته, و ليوجه القارئ ليدرك الرسالة الحقيقية للكتاب.

إن العبارة المفتاح لنص مبارك الميلي, و شخصيته, و فلسفته العامة, و رؤيته النقدية هي: " و بصفتي محبـا للاتحـاد, محبـا للأدب العربي الراقي, محبا لحياة جديدة تنشأ عليها ناشئتنا ". إن هذه النـواة المفتاحيـة تتكـون من ثلاثة عناصر هي:

-        الاتحاد.

-        الأدب الراقي.

-         الحياة الجديدة. 

وهي عناصر تتفاعل فيما بينها, لتكون الرؤية النظرية و العملية التي يتواجد فكر و سلوك مبارك الميلي ضمنها. و نحن يمكننا تمثلها في علاقة متسلسلة بدايتها المبدأ و نهايتها نتيجة التفاعل:


        

و قد كانت حياة مبارك الميلي و من معه من العلماء, و رجال الحركة الوطنية و نساؤها خالصة لهذه الحركية التي أنتجت جيلا جديدا حمل لواء تحرير الجزائر.

إن هذه النواة الأساسية تحقق من خلال بنية النص, التي يمكن إيجازها في النقاط الآتية و التي تحيل أرقامها على أرقام النص:

1-  الأساس النظري لمبدأ الإتحاد و علاقته باللغة, و ما نتج عنه من تقدم حضاري.

2-  تتبع الظاهرة في التاريخ العربي.

3-  تتبع الظاهرة في التاريخ الجزائري.

4-  تحقيق كتاب محمد الهادي الزاهرى للمبدأ.

5-  استشراف المستقبل المبني على الشباب .  

إن هذا التحليل الموجز, و القراءة المختزلة للنص, يكشفان الأبعاد التي لم يستطع النقد الأكاديمي اكتشافها, و هنا يمكننا طرح السؤال الآتي: في أي اتجاه نقدي يمكننا تصنيف هذا النص؟. و هل التصنيف سيضيف قيمة جديدة للنص؟. و ما جدوى التصنيف؟.

إن الناقد حين يتحول إلى قاض مستبد, يخضع للهوى, و يتقيد بالضوابط الجاهزة, ينتهي النقد إلى أن يصير جفافا يقتلع مظاهر الحياة كلها:    

الهوامش  :                                

[1]- النقد الجزائري المعاصر من الانسونية إلى الألسنة: الدكتور يوسف وغليسى : إصدارات رابطة إبداع الثقافية- الجزائر.2002م  ص.9 . ترقيم النص من عندنا.

[2]- ينظر: المرجع السابق : ص 13.

[3]- النقد الأدبي الحديث في المغرب العربي: د. محمد مصايف. الشركة الوطنية للنشر و التوزيع – الجزائر 1979 ص 17.

[4]- النقد الأدبي الجزائري الحديث: عمار بن زايد: المؤسسة الوطنية للكتاب – الجزائر 1990. ص 7.

[5]- نقد الشعر مقارنة لأوليات النقد الجزائري الحديث: الدكتور علي خذري. الناشر المؤلف نفسه – طبعة 1998. 

[6]- النقد الأدبي المعاصر في الجزائر قضايا و اتجاهاته: الدكتور عمار زعموش – مطبوعات جامعية منتورى قسنطينة .2000- 2001.م

[7]- مقالات و آراء جمعية العلماء المسلمين: الإمام مبارك بن محمد الميلى: جمع و إعداد الدكتور أحمد الرفاعى شرفي. دار الهدى للطباعة و النشر و التوزيع – عين مليلة – الجزائر 2011ج 1- ص .ص 68- 71- مع العلم أن هذه المقالة نشرت بالشهاب عدد 38 السنة الثانية الخميس 07 شعبان 1345ه قسنطينة 10 فيفري 1927م. ترقيم النص من وضعنا.