pdfمدخل إلى نظرية النقد الصوفي

فجوات النص و هندسة الخطاب

 

د/أحمـد حاجـي

جامعـة ورقلـة ( الجزائر) 

تعدّدت تعاريف التّصوّف وتقاربت في مواطن كثيرة،وتشير معظمها إلى الزهد وترك الدنيا،بيد أنها لا تقتصر على ذلك فحسب،بل تجاوزته إلى جعل المحبة أساسا للمعرفة واليقين.

وقد لاقى المتصوّفة كثيرا من النّقد فأجاز العلماء بعضا من أقاويلهم و سلوكاتهم وحرّموا كثيرا منها، ولعلّ هذا التّحريم ينطبق عليه ما ينطبق على الظاهر،فإذا وقفنا على خطاباتهم وجدنا فيها ما يدخل في باب الإجازة والقبول وما يدخل في باب الرفض والإنكار من جهة أخرى.

ومن تأمل شعر الصّوفية و وقف على مجموع أقاويلهم،وناول ما ذهبوا إليه صارفا النظر عن الأحكام السطحية والذاتية، ووقف على المسوّغات التي يصدر بها الخطاب على النحو الذي يؤسّس للغموض ما يدفع القارئ إلى متاهة القراءة كما يدفع بالناقد إلى عتمة التأويل، وزئبقية المعنى،يجدُ في ذلك فُرادة الحسّ و خصوصيّة الذّوق و حصريـة التّأويـل و عجائبية التركيب .

وسنحاول في هذا البحث أن نؤسس لنظرية جديدة مبنية على أسس علمية تُمكّننا من قراءة تراثنا قراءة نقدية وفق نظرية النقد الصوفي والوقوف على بعض الأسس التي تنبني عليها.

اللغة الصوفية ( لغة خارج اللغة وفوق اللغة):

يعتمد الشعر على لغة اللغة (لغة الرمز والإشارات)،فهي لغة خارج اللغة المتداولة و بعيدة عنها، وفوق اللغة الإفهامية الموجهة للعامة،أي أنها ـ عند الصوفية ـ لغة أخرى لا يستطيع أي باحث أو ناقد مهما يبلغ من أمر أن يفك رموزها ويفتح المعنى المغلق فيها، ويغلق المعاني المفتوحة على التأويل خلال عملية القراءة ما لم يقف على المسوّغات التي تبرر تلك الخطابات.

فقد جاء في الرسالة القشيرية:"... للعقل دلالة،وللحكمة إشارة وللمعرفة شهادة... فالعقل يدل والحكمة تشير، والمعرفة تشهد،إن صفاء العبادات لا ينال إلا بصفاء التوحيد"1 .

ويتبين من هذا القول وجود دائرتين هما:

الدائرة الأولى: صفاء العبادة بشرط صفاء التوحيد

الدائرة الثانية:دائرة العقل دلالة التمكين والتمييز،والحكمة إثارة التفكير،والمعرفة وشهادة اليقين والإحسان.

وارتأينا في هذه الدراسة تقديم بعض الظواهر التي ينبني عليها الخطاب الصوفي والوقوف على بعض النماذج التي تمثل التّفرّد والخصوصية، بما تتضمّنه من إشكالات التأويل.

واللغة الصوفية لغة رمزية/مجازية،قابلة لكثير من صور التأويل،حيث يستخدم الشاعر الصوفي في لغته واستعارته دلالات متفردة ومختلفة عن أشكال الاستعارات الموجودة في الشعر العربي (... وتشكل الاستعارات في تركيبها وتكوينها سياقا خاصا فيه مفردات وجمل متميزة، فتصبح لكل مفردة دلالة ولكل جملة حجة) 2.

التوغل في جمع المتناقضات :

تمثل التجربة الصوفية نموذجا للصراع الباطني/الظاهري من جهة،و الباطني/ الباطني من جهة أخرى؛فالأسلوب الأول يقترن بتجربة الشاعر الباطنية،وتعامله مع الواقع والظواهر الظاهرة، أما الأسلوب الثاني فهو متعلق خصوصا بالباطن،صوت الحق الذي يقصده الشاعر للارتقاء الروحي،والصوت الآخر الذي يشدّه إلى مدارك النفس وما يتعلق بها من العجز وعيوبها عموما،وهذا الصراع بنوعيه يفترض خطابا جامعا لصور التناقض،و يتجلى هذا الغموض في جمع المتناقضات الثنائية بين القرب والبعد،وبين الحضور والغيبة، وبين البقاء والفناء وبين الحياة والموت وغيرها.

ومن أمثلة هذا التناقض قول أبي منصور الحلاج:

ذكرهُ ذكـرِي وذكرِي ذكـرهُ   هل يكونُ الذاكـرون إلاّ معاً؟ 3

وهذا التناقض على عدّة أوجه  بناءَ على الظاهر والباطن،فالوجه الأول أن صدر البيت على هذا النّحو:

mak3i1

ويكون الذكر في مقام واحد،على أن الخلاف يكون بين حال الذكر للشّاعر وحال ذكر الخالق، فإذا ما ذكر الإنسانُ الله عز وجل في ملإ، ذكره الله عز وجل في ملإ خير منه.

وعجز البيت (هل يكون الذاكرون معا) والمراد به أنّ الذّاكر لا يذكر الله لسانا فحسب، بل أن يذكرهُ بحال المشاهدة اليقينية.

أما الوجه الثاني فعلى هذا النحو:

mak3i2

وعلى هذا النحو يكون الخطاب في سياق عادي،فذكر الله هو الفعل الذي أقوم به، والفعل الذي أقوم به هو ذكر الله عز وجل.

والوجه الثالث مخالف تماما للتأويل الذي ذكرناه فيكون على هذا النحو:

mak3i3        و نشير إلى أن عجز البيت يؤكد ما ذهبنا إليه فهو يقول:

(هل يكون الذاكرون إلا معا) وتأويل ذلك أن المخلوق يشير إلى وجود الخالق مع العلم أن وجود الله بدون بدء ولا انتهاء.

و مصطلحات التصوف كثيرة، نذكر منها القرب والبعد :ففي ذلك يقول الحلاج:

فما لي بُعدٌ بعدَ بعدك بعدما    تيقّنت أن القرب والبعد واحد ُ4

فالقرب والبعد بمنزلة واحدة ويمكن لنا أن نقف عندها على هذه الصورة:

 
   

 

mak3i4

فالقرب من الله عز وجل هو بعد في حد ذاته: بعد عن كل ما يتعلق بالصفات البشرية وأهواء النفس وكل ماله صلة بالعالم المادي الجسدي ،ومن النماذج العميقة في الخطاب التي ذكرها أبو منصور ي قصيدته (أنا وأنت) والتي منها:

mak3i5

 

وهي أبيات تكتسي طابع الغرابة لما فيها من دلالات، حيث تطرح كثيرا من الأسئلة حول وحدة الوجود والحلول وغيرها،على أننا سنحاول أن نتفادى الأحكام المسبقة ونعيد قراءتها من جديد، مع الإشارة على أن النص الصوفي قائم على نظام الفجوات، فضلا على نظام الاستبدال:

 

 
   

 mak3i6

و يعني ذلك: أنا عبد، أنت رب بلا شك

أما عجز البيت فتستبيحك هو الفعل الذي أقوم به  .

أما الوجه الثاني: فصدر البيت معناه ثابت على النحو الذي ذكرناه، أما العجز فقوله:


mak3i7

وبهذه الصورة فقد نظر الشاعر إلى أن الإنسان نفحة من روح الله عز وجل (فسبحاني) إشارة إلى روح الإنسان، وهي من روح الله عزّ وجل:

                             mak3i8

فالعلاقة لا تكون على هذا النحو:                

mak3i9

و قد يكونصدر البيتعلى وجه العبودية،فقوله(أنا) تشير إلى الوجود الإنساني،فهو المخلوق و ذلك أن ضمير المتكلم يتجاوز دلالته الذاتية،إلى ما يحمله من دلالة إيحائية(العبودية) ،فالضمير(أنا) قد يشير إلى لفظة (عبد)،و في هذا يتجاوز الضمير(أنت) الدلالة الذاتية،فيشير إلى (الله)،و تكون صورة الخطاب (عبد الله)  ،كما قد يكون خطاب الشاعر قد يكون(عبدك)،و يحافظ الضمير(أنت) على دلالته الذاتية،و تكون صورة الخطاب(عبدكَ أنتَ) .

و العلاقة في التسبيح مجازية،فإذا كان التّسبيح لروحه كما يُفهمُ ظاهريا،هي ـ في التجربة الباطنية للصوفي ـ تسبيح لروح الله عزّ و جل،أي تسبيح الله،فالمعاني مجازية،تتلاحق الواحدة تلو الأخرى و يحيل بعض منها إلى أخرى لتكتمل صورتها المثالية لأن روح الإنسان من روح الله عز وجل ،أما قوله: 

mak3i10

 
   

 

أما الوجه الثاني فقد يكون على هذا النحو:

 
   


mak3i11

mak3i12 

وبهذا المعنى يكون التقابل بينا بين الأفعال التي ترتبط بالعام الروحي والأفعال  التي صلة بالعالم المادي.

والأمر أيضا ينطبق على البيت الثالث:

أما البيت الرابع:

mak3i13

   ومن النماذج الرائعة التي وقفنا عندها لأبي منصور الحلاج تائيته المعروفة (أقتلوني يا ثقاتي) يقول فيها:

أقتلوني يا ثقاتـي       إنّ في قتلي حياتـي

ومماتي في حياتي      وحياتي في مماتـي 6

ففي القتل حياة أخرى،وهذا القتل خارج عن الظاهر والمقصود:

موتي: موت الجانب المادي في الإنسان فذلك هو الحياة كما أن ممات الإنسان تكمن في حياته، و حياته في مماته.

 

 

 

 

 

ويقول أيضا:

وبقائي في صفاتي       من قبيح السيئات7

فبقاء الإنسان في صفاته البشرية من قبيح السيئات والمفترض أن يخرج من الصفات البشرية المتعلقة بصفات النفس وأهوائها وقوله أيضا:

ولدت أمي أباهـا          إنّ ذا من عجباتي

فبناتي بعد أن كنـ         نَّ بناتي أخواتي8

فالأب يكون على وجه الشرطية والسببية،فإذا ولدت الأم أباها، تحقق شرط الأبوة ظاهرا وباطنا، وقد يكون على وجه القول القائم من ذكر الآباء فهو الولادة،أو يكون على وجه الفعل من الدعاء للميت فهي ولادة أيضا.

أما البيت الثاني فالولادة تكون ظاهرة أو باطنة،في الأفعال أو الصفات التي يتصف بها الإنسان أو يحققها في حياته فهي (بناته) وتصبح ملازمة له فهي (أخواته).

وأورد برهان الدين البقاعي نماذج لشعر أبي منصور في مفهوم الاتحاد نذكر منها:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا          نحن روحـان حللنا بدنا

فــــإذا أبـصــرتـني أبصرتـــــــه         وإذا أبــصــرته أبـصـرتــنا 9

ولا ندري كيف أفرد هذه الأبيات في الاتحاد،وعلى هذا النحو سار كثير من الدارسين، فقالوا بفكرة الحلول وغيرها من الأفكار، مع أن الخطاب الضمني مخالف تماما للخطاب في السياق الظاهر.

فالبيت الأول:

أنا من أهــــــــــــوى       ومن أهوى أنا

أن الـذي أهـــــوى        واللهَ أهوى أنا

وعجز البيت:

نحن روحان حللنا بدنا

فالروح الأولى هي روح الله عز وجل، منبع الأسرار.

والروح الثانية هي روح الإنسان نفخة من روح الله عز وجل

والحلول ليس بالوجه المعروف بل على وجهين: فالوجه الأول حلول الروح (من روح الله عز وجل) وهي روح الإنسان، أما الثانية، فليس حلولها حلولا متحققا بذاته،بل بالصفات المرتبطة بها، وبهذا فالحلول الأول متحقق (من روح الله عز وجل)،أما الحلول الثاني فهو متخفٍّ (بالأسرار والمعارف)، وبهذا فقد نظر أبو منصور إلى الحديث القدسي الذي جاء فيه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : « إنّ الله تعالى قال:من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب،وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه،فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصِر به،ويده التي يبطش بها،ورجله التي يمشي بها،ولئن سألني لأعطينّه،ولئن استعاذني لأعيذنّه،و ما تردّدتُ عن شيء أنا فاعله،تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت و أنا أكره مساءته»10 .

أما البيت الثاني:

فإذا أبصرتني أبصرته      وإذا أبصرته أبصرتنا 11

فهذا البيت في ظاهره يدخل في مفهوم الاتحاد ولكن إذا وقفنا أمام فكرة التوحيد وجدنا أن أبا منصور لم يخرج عن باب التوحيد،وكي نميز بين مفهوم الاتحاد ومفهوم التوحيد نتتبع حطاب الشاعر فهو يشير إلى التوحيد : العبودية ثم الذات والصفات،فخطابه قائم على نظام الفجوات الذي يقتضيه السياق اللغوي والعروضي  بشكل هندسي دقيق جدا.

 

فإذا أبصرتني ــ   أبصرته ـــ ** وإذا أبصرته ــ   أبصرتنا ــ

 

 

 

فإذا نظرت إلى المخلوق في عبوديته أبصرت ربا، وإذا أبصرت خالقا وجدت حكمة الله في خلقه، وتحقق صفات الخالق (البديع و المصوّر و الخالق...)،فهذا البيت عين التوحيد و لم يخرج فيه الشاعر عن هذه الفكرة ،ولعل الدارسين وقفوا على الخطاب الظاهري ما دفع العلماء والفقهاء إلى تكفيره، ومن هذه الأمثلة أيضا قوله:

(أنا الحق، وصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون)12

وهو أمر بديهي، فالكلمة سحر لا نقف عند معناها الذاتي، ولا نقف عند حدود العبارة، بل نتعداه إلى الدلالات الإيحائية للألفاظ، فقوله (أن الحق) ، فالموت حق من جهة ومن جهة أخرى فالحق من الحقيقة، وهي حقيقة الوجود البشري، (وصاحبي وأستاذي  إبليس وفرعون)، فإذا كانت على النظام التناظري فهي على هذا النحو:

 

 

فالنفس الأمارة بالسوء هي ملحق لإبليس

و(أستاذ/ فرعون) فالكل يعلم يقينا قصة فرعون في عدم الإيمان، والطغيان والفساد واستباحة الأعراض، ومن تمَّ فقد تعلمنا من قصة فرعون عاقبة الظالمين والطغاة، فيكون لزاما علينا من هذه المعرفة وهذا العلم أن نبني حياتنا.

وإذا كانت عبارة أبي منصور (وصاحبي وأستاذي إبليس وفرعون) على نظام آخر

 
 

 

 

 

 

(صاحب/ فرعون)        فأبو منصور على صورة الطغيان والتمرد على كلام العامة في تفكيره فهو لا يؤمن بما ذهبوا إليه من تكفيره،متشبث بآرائه ومواقفه .

(أستاذ/ إبليس)         تكون صورة ذلك على وجه الكبرياء،فندرك يقينا بأن معرفة كبرياء إبليس هو الذي أخرجه من الجنة،ومعرفتنا عاقبة الكبرياء هي العلم بما ينبغي للمسلم أن يتفاداه فيسعى إلى التواضع والأخلاق التي نص عليها القرآن الكريم.

ويقول ابن عربي:

يا من يراني ولا أراه     وكم ذا أراه ولا يراني 13

و يرى أبو العلا عفيفي أن ابن عربي أفنى ذاته في ذات الإله فلم يشاهد غيره 14، ولعل هذا التأويل يأتي بناءا على ظواهر النصوص، فالقراءة التأويلية تأتي لدمج وعينا بمجرى النص 15،وهذه النصوص وغيرها لا تمثل دلالة جاهزة بل هي فضاء دلالي رحب متاح لكثير من إمكانات التأويل، ما يدفع بنا إلى القول:إن المبدأ الأساس في إدراك المفاهيم التأويلية يكمن في إيجاد مسوغات الخطابات التي تنبني على فضاءات دلالية.

وإذا وقفنا على قول بن عربي نجد أنفسنا متفقين فيما ذهب إليه،ذلك أن الخطاب لا يكون على الصورة السابقة التي اقتضتها المناحي الباطنية أو التركيب اللغوي والإيقاعي، بل هو في الأصل قائم على نظام الفجوات،وهذه الفجوات عند الشاعر واضحة المعالم، فلا يورد الألفاظ التي تملأ هذه الفراغات،ف إذْ هي ـ عنده ـ بمثابة التكرار، كما أنه لا يراعي المتلقي، فهو يفكر في المحبوب وبناءً على ذلك فهذا البيت يكون على هذه الصورة :

 
 

 

 

 

 

 

     و القصـد من ذاك أن الله عز وجل يرى مخلوقاتـه فلا يخفـى عنه شيء ،كما أنـه ـ الشّاعر ـ  يُنزّهُ الله عز وجل عن الإدراك البشري، أما العجز، فنحن نرى الله عز وجل غفورا رحيما ولا يرانا مذنبين عندما ننيب إليه،فالفجوات تمثل نظاما غريبا يحتاج إلى التأمل والتدقيق.

   و يقول ابن عربي أيضا:

سـبـحـــان مـن يـعـلــمُ لا يعلــمُ         كـــمــا أنـــا أعـلــمُ لا أعـلــمُ

فــلا تـقــل مـــن بـعـــد ذا إنـــه         بــمــا أنـــا فــيـه بــه أعــلـــمُ

لأنـنـي لا عـلـم لــي بالـــــــذي         يـعـلـمـهُ مــنـي فـــلا أعـلــــمُ

فإن يكن في العلم فضل بنـا         صح الذي قال هو الأعلم

لـذاك أبــدى حــرف حـتـى إذا         نعلم أمـرا لم نكن نعلـم 16

وهي أبيات يبدو فيها التناقض جليا، ذلك أن الألفاظ نفسها تتكرر إثباتا ونفيا، وبعضها على السياق المتعارف عليه وبعضها الآخر خارج عن هذا العرف، بل هو أوثق صلة بالإيحاء وعلى هذا الأساس سنحاول أن نفك شفرات هذا النص ونشير إلى بعض الجوانب الخفية فيه.

فقوله

          سبحان من يعلم   لا يعلم               كما أنا أعلم    لا أعلم

 

 

 

 

فهذا نظام قائم على محور الاستبدال، حيث تكتسي الألفاظ دلالات كثيرة، أم النظام الثاني فهو قائم على الفجوات، وهو على النحو التالي:

 

        سبحان من يعلم  ــ  لا يعلم ــ        كما أنا أعلـم ــ  لا أعلـم ــ

 

 

 

فنلاحظ أن النظامين اختلفا في الشكل الهندسي، بيد أن دلالته واحدة تتمثل في الإقرار بقدرة الخالق في العلم بالغيب وتنزهيه عز وجل عن الشريك والإقرار بوحدانيته،كما أن الإنسان يعلم شريكا،و يكون ذلك في العلاقات الاجتماعية، ولا يعلم الغيب.

     ويشير في البيت الثاني إلى النهي عن إدعاء العلم ومعرفة الغيب، أما قوله:

لأنني لا علم لي بالذي      يعلمه مني فلا أعلم 17

فالإنسان لا يعلم ما يعلمه الله عن أحوالنا وعاقبة أمورنا، وهذا البيت على قسمين وهو على النحو التالي:

(لأنني لا علم لي بالذي يعلمه) = (فلا أعلم)

مسوغات الخطاب الصوفي:

يتميز الخطاب الصوفي بتوظيف الرمز وهو نوعان:رمز يكون عن اتفاق و مواضعة،و رمز مصدره الحالة الباطنية التي يكون فيها الشاعر الصوفي لا تكتسي طابعا وجدانيا فحسب، بل تتعداه إلى المعارف والأسرار الروحية، والشاعر الصوفي يبني خطابه على الرمز القائم على الباطن ما يجعل المتلقي في فضاءات قرائية كثيرة وتأويلات قد يحاكم بها شعراء الصوفية عامة:

ولا ندحة من الإشارة على أن الخطاب الصوفي له مبرراته،و تستوقفنا أبيات ابن عربي في هذا المقام:

ألا إن الــرمــوز دلـيـل صــدق        على المعنى المغيّب في الفؤاد

وإن الـعـالـمـيـن لـهـم رمـــــــوز        وألــــغـــاز لـــيــدعـــى بــالــعـــــــبــاد

ولولا اللـغـز كان القـول كـفـرا        وأدّى الــعــالـــمــيـن إلــى الـعـنــاد

فهم بالرمز قد حسبوا فقالـــوا        بــإهــراق الـدـمـاء و بــالــفـســاد

فكيف بنا لو أن الأمر يــــبدو        بـلا سـتـر يـكــون لـه استنـادي

لـقـام بـنـا الـشـقـاء هـنـا يـقينا        وعــنـد الـبـعـث فـي يوم التنادي

ولـكـن الـغـفـور أقــام ســتـــــرا         ليسعدنا على رغم الأعـــــــــادي 18

فالرمز لا يستخدم عند الصوفية لذاته وإنما القصد الإشارة إلى معان أخرى مقصودة بذاتها،فهوـ الرمزـ (... ينتمي إلى حقول بحث متعددة جدًّا ومتشبعة جدًّا...) 19 ،وحالته إنسانية فريدة 20، خارج الإدراك المباشر للقارئ، وعلى هذا الأساس فإن(... للرمز معنًى ظاهري ومباشر وآخر باطني وغير مباشر)21.

والرموز عند شعراء التصوف ليست حقيقة ظاهرة، بل هي حجة وبرهان قائم بذاته على المعاني الخفية، وهذا تصور أبن عربي وغيره من الشعراء، فهو يقول موضحا دلالة الرمز:

ألا إن الرموز دليل صدق       على المعنى المغيب في الفؤاد

وإن العالمين لهم رمــــــوز       وألــغــــاز لـيــدعـــى بـــالـــعــبــــــاد 22

فتجاوز الظاهر أمر معروف عند الصوفية،والمعاني التي قصدوها ما هي إلا صورة  عن الباطن.

وعدم توظيف الرمز هو الكفر بعينه، إذ يقول:

ولـولا اللـغـز كـان الـقول كفرا           وأدى العالمين إلى العناد

فهم بالرمز قد حسبوا فقالـوا           بإهراق الدماء بالفســـــــــاد 23

 و يشكل استخدام الرمز لغزا وموقفا غامضا، فخطاب ابن عربي بصورة هندسية يكون على هذا النحو:

       
   
 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ويرى ابن عربي أن الناس اكتفوا بالرمز وفهموا ظاهريا ولذلك قالوا الدماء القائم على الحكم الشرعي في مسألة التكفير.

دوافع الرمز الصوفي:

يتميز الخطاب الصوفي بطابع الرمز فقد لجأ الشعراء إلى التعبير على الأحوال الباطنية فتجلى الغموض في آثارهم ،ويرى علي الخطيب أن هناك دوافع ألجأت هؤلاء المتصوفة إلى استخدام هذه الأساليب وجعلها سمة تميزهم عمن سواهم، فانطلقوا من سجاياهم وأرجع ذلك إلى عاطفة الحب المتأججة وشدة الغرام والرغبة في الوصل والمشاهدة وترك فهم الألفاظ 24 .

كما أنهم وقفوا على بعض الأسرار،والمعاني الربانية،والتكتم عليها،وكل هذه الدوافع شكلت الغموض فهي تنطلق من العالم الباطني،ولذلك فهي معان خفية لا يكون إدراكها إلا بالقراءة الباطنية،حيث يكون الوقوف على الحقائق وتجاوز الأحكام أو المعاني الظاهرة المباشرة (...ومعرفة الخصائص اللغوية والقيم التعبيرية للغة لا تنفصل عن معرفة الدوافع النفسية...لأنها كشفٌ عن نوازع الإنسان الذي ينطق بها،وكشف نوازع المخاطَب من قبل المخاطِب (بكسر الطاء) هو أولى درجات الفهم والاستيعاب،وعليها يعتمد فهم النص وصياغة الاستجابة... ) 25 ،وإدراك الدوافع النفسية يمكننا من فك شفرات النصوص والوصول إلى إيجاد مسوغات الخطاب الصوفي،وتجاهل الدوافع يؤدي بنا حتما إلى التأويل الخاطئ وعتمة القراءة، ذلك أن اللغة في التجربة الصوفية تمثل عالما داخل العالم،مليئة ـ في الظاهرـ بالغرابة والتناقض والغموض.

فجوات النص:

تمثل الفجوات في النص الصوفي عناصر غير محددة وهي ما تكشف عنصر المفاجأة، مفاجأة وعي المتلقي، فيعيد بناء المعاني من جديد،فالعناصر غير المحددة (المحذوفة) هي الواقع الأصلي للنص الذي يعبر عن واقع الشاعر الصوفي،أما النص على صورته الخطية ما هو إلا الظاهر،أما الباطن فهو النص الغائب الذي اقتضته السياقات اللغوية والإيقاعية،والتجربة الصوفية قائمة على نظام الفجوات،وعلى القارئ أن يملأ هذه الفراغات بالمعاني التي يقتضيها النص ليتشكل (النص الأم)،ومن جهة أخرى فإن اللفظة الواحدة إذا استخدمت أكثر من مرة في البيت الشعري الواحد فهي تكتسي دلالة ذاتية،ثم دلالة إيحائية ولا تكون على صورة واحدة.

لعل هذه المحاولة القرائية تكون بابا مفتوحا لإعادة قراءة تراثنا وفق نظرية النقد الصوفي القائمة على نظام الفجوات وأساليب الاستبدال وكثير من الخصائص التي تحقق للنص أفقه،ذلك أن فجوات النصوص هي الواقع الذي ينضاف إلى الواقع الظاهري (في النص) ومن تم تكون ملامسة الواقع الصوفي.

 

هوامش البحث

1.الرسالة القشيرية، أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، (ت465 هـ)، دارالكتب العلمية بيروت،ط 1، 1418هـ،1998م،ص12.

2 ـ القارئ في الحكاية، أمبرتو إيكو، ترجمة أنطوان أبو زيد، المركز الثقافي العربي، 1996، ص21.

3. ديوان الحلاج ،و معه أخباره و كتاب الطواسين،وضع الحواشي و تعليق:محمد باسل عيون السود،دار الكتب العلمية،بيروت،ط 02 ،1423هـ،2002 م،ص 145

4ـ ديوان الحلاج، ص128 4

5 ـ المصدر نفسه ، ص163

6 ـ المصدر نفسه ، ص125.

7ـ المصدر نفسه، ص نفسها.7

8 ـ المصدر نفسه ، ص 125.

9 ـ مصرع التصوف، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1980، ص51.

10 ـ الصحيح المسند من الأحاديث القدسية،مصطفى بن العدوى،دار الصحابة للتراث،مصر،د ط،1989 ،ص 79 ـ 81  .

11 ـ مصرع التصوف، ص51.

12 ـالمصدر نفسه ، ص51.

13 ـ فصوص الحكم، ابن عربي، تعليق أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان،ج2 ص 16.

14 ـ المصدر نفسه، ص 16.

15 ـ المعنى الأدبي، ويليام راي، ترجمة د/يونيل يوسف عزيز، دار المأمون بغداد، 1987، ص 17.

16 ـ ديوان ابن عربي،شرح و تقديم نواف الجراح،دار صادر،بيروت،ط01، 1999، ص 412.

17 ـ المصدر نفسه ، ص412.

18ـ الفتوحات المكية، ابن عربي، تحقيق وتقديم د/عثمان يحي، الهيئة المصرية للكتاب، مصر،دت، ج4/188.

19ـ نظرية التأويل، بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، المغرب،ط1،2003، ص94

20.لغة الترميز، عبد الهادي عبد الرحمن، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2008، ص51

21ـ الفتوحات المكية، ص188.

22 ـ المصدر نفسه ، ص 188

23 ـ المصدر نفسه ، ج 04،ص 188

24 ـ اتجاهات الأدب الصوفي بين الحلاج وابن عربي،دار المعارف، مصر،(د ط)، 1404هـ، ص 155

25 ـ استقبال النص عند العرب، د/ محمد المبارك، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط4 ، 1999، ص63.

مراجع البحث

01 ـ اتّجاهات الأدب الصوفي بين الحلاج  وابن عربي،دار المعارف، مصر،(د ط)، 1404هـ.

02 ـ استقبال النص عند العرب، د/ محمد المبارك،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط4 ، 1999.

03 ـ ديوان ابن عربي،شرح و تقديم نواف الجراح،دار صادر،بيروت،ط01، 1999.

04 ـ  ديوان الحلاج ،و معه أخباره و كتاب الطواسين،وضع الحواشي و تعليق:محمد باسل عيون السود،دار الكتب العلمية ،بيروت،ط 02 ،1423هـ،2002 م .

05 ـ الرسالة القشيرية،أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري،(ت465 هـ)،دار الكتب العلمية بيروت، ط1،1418هـ،1998م.

06 ـ الصحيح المسند من الأحاديث القدسية،مصطفى بن العدوى،دار الصحابة للتراث،مصر،دط،1989 .

07 ـ الفتوحات المكية، ابن عربي، تحقيق وتقديم د/عثمان يحي، الهيئة المصرية للكتاب، مصر،دت .

08 ـ فصوص الحكم، ابن عربي، تعليق أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان.دت .

09 ـ القارئ في الحكاية، أمبرتو إيكو، ترجمة أنطوان أبو زيد، المركز الثقافي العربي، 1996.

10 ـ لغة الترميز، عبد الهادي عبد الرحمن،مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط1، 2008.

11 ـ مصرع التصوف،تحقيق عبد الرحمن الوكيل،دار الكتب العلمية،بيروت لبنان،1980 .

12 ـ المعنى الأدبي، ويليام راي ترجمة د/يونيل يوسف عزيز، دار المأمون بغداد، 1987.

13ـ نظرية التأويل،بول ريكور،ترجمة سعيد الغانمي،المركز الثقافي العربي،المغرب،ط1،2003.