pdfلعبة التناص في النصوص ما بعد الكولونيالية

نص "سيمورغ" لمحمد ديب

 

د/وحيد بن بوعزيز

جامعة الجزائر2(الجزائر)

 

Résumé,

Dans le contexte interculturel, Mohamed Dib occupe une place remarquable. Son texte Simorgh ne s'échappe pas à cette règle. Mais, ce texte restera, comme plusieurs d'autres textes, inépuisable et opaque.

Pour pénétrer Simorgh, cet article démontre que le cadre conceptuel développé par une liaison épistémologique, entre la théorie intertextuelle établie par Kristeva et Eco, et les études postcoloniales, est un cadre pertinent.

Si l'intertextualité se manifeste dans plusieurs textes expérimentaux comme une technique ou comme un édifice baroque, le cas du Simorgh est différent, parce que cette forme de productivité textuelle est employée comme une alternative identitaire au logocentrisme occidental.

Le Simorgh, avec ses illuminations ésotériques et sa dimension mystique représente un message humanitaire, adressé à un discours d'absolutismes et d'hégémonie.           

 

لا يعد التناص في الأدب الكولونيالي أو الأدب ما بعد الكولونيالي مجرد آلية فنية أو إستراتيجية شعرية وجمالية، يشتغل عليها الكاتب لإضفاء الطابع الباروكي على نصه. التناص في هذا النوع من الأدب موقف وجودي، يرمي إلى زحزحة المركز وأحادية المرجع، كما يرمي إلى التدليل على قيمة المغيّب والمكبوت والمسكوت عنه.

تكمن قيمة اختيار نص ينتمي إلى آداب ما بعد الكولونيالية مثل نص "سيمورغ" للكاتب الجزائري محمد ديب، في أن الوعي بالتناص قد يوصل إلى الوعي بالميتانص؛ أي يغدو النص في كثير من الأحوال بمثابة تعليق على ذاته، ينحو منحى الشرح والتفسير وما يسمى بالتفكير المقلوب.

  لهذا، ستحاول هذه الدراسة تتبع الإستراتيجية التي تم بواسطتها تحويل مفهوم التناص من عنصر شكلاني وجمالي فقط إلى موقف أنطولوجي من الذات ومن الإمبراطورية أو الميتروبول.

  فيما يخص المجال النظري، ستتطرق الدراسة إلى الخلفية المعرفية التي تتوارى خلف سجاف المفهوم، لهذا تمت العودة إلى المرحلة الأساسية التي تم فيها تأثيث النسق المعرفي لنظرية التناص، إذن سيكون حضور جوليا كريستيفا حافلا، لأنها وضعت المصطلح كما هو معروف، بالاستفادة من المنظر الروسي ميخائيل باختين.

لن تتوقف الدراسة عند حدود جوليا كريستيفا، ولن تستعين بالمقولات الإجرائية ذات الطابع التقني، التي بلورها الناقد الفرنسي جيرار جينيت في كتابه "أطراس"، ويرجع سبب ذلك إلى أن النص الذي بين أيدينا نص من طبيعة مغايرة تمام، فهو ينحو إلى تجاوز كل محاولة للتسييج أو الاحتواء، بعبارة أخرى يعد هذا النص بمثابة اللانص.

ستحاول هذه المقالة التعرف على مفهوم جديد للتناص عند ناقد لم يلق نصيبا وافرا من الدراسة في هذا المجال، هذا الناقد هو أمبرتو إيكو، الذي وضع التناص ضمن آلية معقدة، أطلق عليها آلية التعضيد التأويلي.

حينما يتبلور مفهوم التناص عند إيكو في هذا المقال، سنحاول تطبيقه على نص "سيمورغ" ونص Les bocages du sens 1، غابات المعنى. النص الأول عبارة عن قصة رمزية توظف طائرا أسطوريا، كان معروفا في الثقافة الفارسية القديمة، خاصة في الشاهناماه، وكان معروفا كذلك عند ابن سينا وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار. أما النص الثاني فهو عبارة عن شذرات أدبية وفكرية، كتبها محمد ديب لكي يتناص مع نصوصه السابقة والآتية، مع العلم أن التناص في هذا الموقع اتخذ في كثير من الأحيان شكل الميتانص.

فيما يخص الدعائم التأويلية، فعلى غرار الأدوات التي سنستعين بها من كريستيفا وإيكو لمقاربة النصين، ستحاول الدراسة إرساء دعائم تأويلية مستمدة من الدراسات الثقافية وما بعد الكولونيالية، لهذا سنعرج قليلا على أفكار إدوارد سعيد والمفكر الأمريكي من أصول هندية هومي بابا.

بداية المصطلح ونظرية علم الدلالة التحليلي:

  يعترف الناقد الفرنسي ذو الأصول البلغارية تزيفيطان تودوروف بأن النقد الفرنسي، ابتداء من الستينيات، وقع تحت رزح الغيتو الشكلاني، لهذا حاول مع مواطنة أخرى بلغارية: جوليا كريستيفا أن يبحثا عن براديغم بديل لمفهوم البنية المحايثة.

  لم يكن الأمر صعبا بالنسبة للناقدين، لأنه مع استقرار النقد البنوي ذي الأصول الوضعانية، تواجد نقد آخر مختلف عنه جذريا، ترعرع مع جماعة تيل.كيل ومجلة شعرية وتواصل واللامنتهي قاده ميشيل فوكو وجاك ديريدا وجان لاكان وفيليب سوللر وهيلين سيكسو.

  حينما استفاد الناقدان من التيار ما بعد البنوي، راحا يغترفان من منهل آخر، ومن جمالية متميزة كان يقودها في الإتحاد السوفياتي ميخائيل باختين. ونظرا لمعرفتهما باللغة الروسية، انكبا على ترجمة نصوص هذا الناقد الاستشرافي،  والتعريف بأهم طروحاته النقدية والفلسفية والإيديولوجية، المتسمة برفضها القاطع للمادية الشكلانية والطرح الإيديولوجي لنظرية الانعكاس، التي كانت سائدة في الأدبيات الماركسية.

  لم تتوقف جوليا كريستيفا عند حدود تكرار باختين وترجمته والتعريف بنظريتيه مثل تزيفيطان تودوروف في كتابه "ميخائيل باختين، المبدأ الحواري"، بل راحت تبحث مليا عن إرساء قواعد ومعالم نظرية جديدة ستطلق عليها اسم علم الدلالة التحليلي، تعد هذه النظرية عموما عبارة عن كيمياء معرفية أو تركيب لعدة نزعات كانت سائدة حينئذ؛ مثل التحليل النفسي اللاكاني وتفكيكية جاك ديريدا وإيدونية Idonisme رولان بارت.  

  لكن رغم هذا التعدد النظري الإحالي، يبقى باختين المرجعية الحاضرة بقوة في أعمال جوليا كريستيفا، ويرجع سبب ذلك إلى الترسانة المعرفية البديلة التي وضعها هذا الناقد وعالم الجمال، فابتداء من كتابه الماركسية وفلسفة اللغة اختط لنفسه مشروع تقويض الأنساق البنيوية المغلقة، منتقدا بذلك نظرية دوسوسير التي تفرغ اللغة واللسان من كل دينامية حوارية، رغم ادعائها تفسير المعطى اللساني، انطلاقا من البعد الاجتماعي.

  اتهم باختين بنيوية بالموضوعية المتعالية؛ وهو بذلك يوجه نقدا يشبه كثيرا النقد الذي وجهه الفيلسوف الألماني ديلتاي للوضعية، فالموضوعية من وجهة نظر فينومينولوجية صرف تعد وهما معرفيا، خاصة إذا تم رفض الآخرية ومبدإ الغيرية، الذي سيتطور ليصير مبدأ الحوارية، في التمفصلات اللغوية.

  اقنع هذا المبدأ الباختيني، رغم بعض التحريف، كريستيفا كي تعتمده كتعكز نظري في كتابها سيميوتيكي، بحوث من أجل علم دلالة تحليلي، ويرجع سبب التحريف في اعتقادنا إلى أن باختين يرى بأن الحوارية تعم ما هو جواني وبراني في النص، في حين أن كريستيفا لم تستطع، بسبب اللوبي البنيوي في فرنسا، أن تفهم ظاهرة التناص خارج البنية، لهذا فهي ترى بأن أهم فتح قام به باختين يكمن في أنه أشار إلى أن البنية دائما تحيل إلى بنية أخرى عكس ما يدعيه البنيويون حينما يؤكدون أن البنية تحيل على ما هو داخلي وفق مبدإ الانعكاس الذاتي L'autoréflexion. في حين أن باختين كثيرا ما امتعض من كلمة بنية.

تقول كريستيفا في كتابها: "وجدت الشكلانية الروسية نفسها، التي يستند اليوم لها كثيرا التحليل البنيوي، أمام بديل مشابه، حينما راحت الأسباب خارج الأدبية وخارج العلمية تضع حدا لبحوثها. لقد تتالت الأبحاث منذئذ، كي ترى النور في تحليلات ميخائيل باختين، الذي يمثل حدثا متميزا ومحاولة في التجاوز قوية لهذه المدرسة. بعيدا عن الصرامة التقنية التي عرف بها اللسانيون، وملتزما بكتابة مكثفة ومرات تنبؤية، راح باختين يعالج المشكلات الأساسية التي تواجهها اليوم الدراسات البنيوية للحكي... يعد باختين أول من استخلف التقطيع السكوني للنصوص بنموذج لا توجد فيه البنية، إلا حينما تُصَيَّرَ مع بنية أخرى. لا يمكن حصول هذه الإضفاء الدينامي للبنيوية إلا إذا انطلقنا من مفهوم لا يرد "الكلمة الأدبية" إلى نقطة (معنى ثابت) ولكن إلى تقاطع من السطوح النصية، ليصبح الأمر حوارا لعدة كتابات: للكاتب والمرسل إليه (أو الشخصية)، والسياق الثقافي الحالي والقبلي." (1)

تحدد كريستيفا مفهوم التناص اعتمادا على مقولة التباين L'ambivalence فباختين كان يعيش في مجتمع مشبع بإيديولوجيا ثورية تحترم العقل المجتمعي وترفض الانغلاق في المقولات الذاتية، لهذا تعتقد نظرية باختين حسب جوليا كريستيفا أن الكتابة فعل ذاتي وفعل تواصلي في الوقت ذاته، إذ لا تعد الكتابة بمثابة استرداد فردي يقوم على مبدإ الأنانة، بل هي فعل حواري يرتكز أساسا على مقولة الآخر، طبعا لا يلبس الآخر هنا المفهوم الذي وضعه التحليل النفسي الفرويدي، لأن باختين كان من أكبر النقاد للتحليل النفسي، ولكن آخر يأخذ شكلا فينومينولوجيا يجرح مبدإ الهوية المبثوث في الميتافيزيقا الديكارتية.  

من جهة أخرى يفضي الاعتماد على مقولة التباين إلى إدراج التاريخ في النص وإدماج النص في الصيرورة التاريخية، والمقصود بالتاريخ هنا البعد الاجتماعي الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال إبعاده عن الظاهرة الأدبية بحجة التميز الجوهراني للشكل الأدبي أو بحجة التطرف الإيديولوجي لبعض الحركات المجتمعية الرافضة لجمالية النص.

إذا توصلنا إلى فكرة أن النص لا يمكن إفراغه من الجدلية الاجتماعية، فإن باختين، حسب كريستيفا، يعتقد بأن أي نص ما هو سوى امتصاص واستحضار لنصوص سابقة، لا يمكن النص أن ينطلق من اللحظة الصفرية في الكتابة، بل النص يجسد مسرحا لعبور نصي ولغوي تعجز المقولات البنيوية على الإحاطة به أو استنفاذه.

تقول كريستيفا: "من هذا المنظور، لا يمكن للنص أن يقارب بواسطة اللسانيات وحدها. لقد ركز باختين على ضرورة علم أطلق عليه عبر اللسانية، يرمي، انطلاقا من حوارية اللغة، إلى فهم العلاقات التناصية، تلك العلاقات التي كان خطاب القرن التاسع عشر يطلق عليها مصطلح "قيمة اجتماعية"، أو "الرسالة" الاجتماعية للأدب" (2).

تعتمد كريستيفا كي تبين تميزها عن باختين على بعض الأدوات المستمدة من المنطق الرياضي، فهي تعتقد بأن مستوى التناص يعد اختراقا قائما بين مستوى الصفر الذي يحيل على القوة المضمونية والمزدوج الذي يحيل على اللغة الشعرية، في حين أن الواحد يحيل دائما على القانون والممنوع.

لهذا تصبح العلاقة الموجودة بين الصفر والواحد علاقة مواضعة Dénotation، في حين تصبح العلاقة الموجودة بين الصفر والمزدوج علاقة إيحاء أو دلالات حافة Conotation.

أفضى هذا الفهم بكريستيفا إلى أن تفهم الرواية في مقابل الملحمة فهما جديدا، فعالم الرواية عالم تنتفي فيه الميتافيزيقا بثنائياتها الأفلاطونية، عالم يجمع المتناقضات وفق منطق حلولي، لا يحيل على تواجد مسافة بين الإنسان والطبيعة. ومثالها في ذلك رواية "أسرار باريس" لجيهان دوسانتري.

لا يعد هذا الفهم شيئا جديدا إذا اسطلعنا نظرية الرواية عند باختين، فالرجل راح يبين منذ كتابه "علم الجمال ونظرية الرواية" بأن هذا الفن المحتقر في عصر النهضة ما هو سوى استرجاع وعودة للمكبوت الذي كان مطموسا في العصر الهيليني واللاتيني والقروسطي، ويرجع سبب الطمس إلى أن أسلاف الرواية: المينيبيا والكرنفال والحوار السقراطي، أنواع أدبية شعبية لا تعترف بالقانون الأرسطي القائم على فكرة المحاكاة بين الأخلاق والأفعال.           

يبقى أن محاولة كريستيفا في التناص لا يمكن أن تخرج عن نطاق الطرح البنيوي، فلكي تتجاوز النظرية النسقية في السيميولوجيا والشعرية راحت تنعش البنية المغلقة بمفهوم الدينامية، الذي جعل النص كيانا ينتقل من الموجود إلى الانوجاد ومن المعطى إلى المتمفصل ومن الثابث إلى المتحول. رغم هذا تبقى كريستيفا وفية للطرح البنيوي، الذي يتعامل مع النص كتعرف كما يقول باختين وليس كتأويل.

نظرية التعضيد التأويلي والتناصية:

حاول أمبرتو إيكو أن يفهم التناص كمقولة تتجاوز مستوى النصية، لينضاف إليها مستوى القراءة أو التأويل، لهذا راح يربطها ضمن الاستراتيجيات النصية التفاعلية، الحاصلة بين مقصدية النص ومقصدية الكاتب ومقصدية القارئ، على أن القارئ والكاتب هنا نموذجيان وليسا حقيقيْن. لا نجد عند أمبرتو إيكو، حينما يتطرق لمفهوم التناص إشارة لباختين أو كريستيفا، لأن منطلقه في تحديد المفهوم يختلف تماما عن الناقديْن. فالتناص عنده يتجسد ضمن فاعلية تأويلية يساعد بها القارئ النص على لباس معنى ما.

راح أمبرتو إيكو يتخذ مبدأ الانفتاح الذي اكتشفه في كتابه الأثر المفتوح دليلا على أن النص لا يحتوى على معنى واحد، وتعدد المعاني يرجع بالضرورة إلى ظاهرة مستويات القراءة، التي تختلف من قارئ إلى آخر، فكل قارئ يفسر النص حسب موسوعته وحسب خطاطات متواجدة في النص ترسم له الطريق وفق مستويات مختلفة.

كي يمنطق إيكو صرحه النظري راح يستعين بالفيلسوف الامريكي بيرس، لأن هذا الفيلسوف يعتقد بان العلامة او السيميوزيس، عبارة عن لعبة إحالات، يتحكم فيها مفهوم العادة كي يحد من طابعها اللامنتهي، لهذا نجد إيكو يختلف جوهريا في طرحه لفكرة التناص عن ديريدا، الذي لا يعتقد بأن العلامة منتهية، فالإرجاء يفعّل حسب مبدإ اللامتناهي.

بعد الأزمة التي مرت بها نظرية المعرفة، خاصة في مجال ما يسمى بالعلوم الإنسانية، بقيت، فيما تبقى من النظريات المتفائلة، النزعة السيميائية التي اقترحت نفسها كبديل ابيستيمولوجي ما دام موضوع السيميائية هو دراسة الأنظمة الخطابية رغم تعددها وتباينها كأنظمة دلالية، ومن الذين يرون بأن السيميائية حينما تعدل، وتعتلج بنظرية المعرفة والعلم، يمكن أن تصير بديلا عن الإيبيستيمولوجيا، نجد جوليا كريستيفا في كتابها المذكور أعلاهحيث تقول:" تنتمي السيميائية إلى الحقل العلمي مادام لها موضوع محدد يتجلى في إبراز أنماط وقواعد الدلالة، ومادام تطورها يتقاطع مع العديد من العلوم، ومن زاوية أخرى، فإنها تحتفظ بمسافة نظرية تسمح لها بالتفكير في الخطابات العلمية المنخرطة فيها..." (3).

ولا يبتعد هذا الرأي كثيرا عن أراء أمبرتو إيكو، الذي يعد من ممثلي هذا الاتجاه لأنه لم يخف ذلك في كتاب البنية الغائبة 1972حيث كان يروم إيجاد ما يسمية ببنية البنى.

ينهي إيكو آخر إحدى الفصول المخصصة لبيرس متطرقا إلى إرادة مضمرة ومحتشمة لتجاوز أسس وطروحات السيميوزيس البيرسية، ويتجلى الاحتشام في آخر عبارة في الفصل، والتي تحتوي على المثل السائر في القرون الوسطى: "ما نحن سوى أقزام فوق أكتاف العمالقة".

والمتأمل في هذا المثل، خاصة الذي اطلع على بعض التفسيرات والتعليقات التي خصها به إيكو، يتضح له أن هنالك حيلة من وراء ضربه: فصاحب المثل الحقيقي وهو رجل دين مسيحي من القرون الوسطى، قاله لما سئل عن قيمة أرائه بالنسبة للحواريين، ومقصد المثل بالنسبة إليه هو نوع من التضاد يتبين كالتالي: نحن أقزام بالنسبة لهم ولكن القزم إذا كان فوق كتف العملاق فسيكون أطول منه وبالتالي ستتضح له الرؤية أحسن!.

هذا ما قصده إيكو حينما أنهى كلامه عن بيرس متواضعا، لهذا سنحاول أن نعرف الكيفية التي قرأ وقارب بها إيكو بيرس، كي يتسنى لنا معرفة الإضافات والتعليقات التي ستساعده في بناء صرحه النظري، ولا يعني هذا بأننا سنتطرق لتأويل عام خصه إيكو لبيرس، لأننا سنقوم بذلك في الفصل القادم، ولكن سنحاول التعرف على الطريقة التي استثمر بها إيكو بيرس في تطرقه لنظرية تروم البحث عن الكيفية التي يقرأ بها نص كممارسة تعاضدية من طرف القارئ.

تم الاهتمام بنظرية بيرس، باعتبار مؤسسها من رواد مدرسة الجيل الثاني، إذ يتضح ذلك تماما في مقولة من مقولاته التي يمكن ضبطها كالتالي: "تعد الكلمة بمثابة نص افتراضي، وما النص سوى تمطيط لكلمة ما ". إذ تفضي هذه المقولة إلى الاعتقاد بأن السيميوزيس لامتناهية وأن المؤوَل(بالفتح) Interprétant يعد مركزيا ومحوريا في حركية التأويل.

عندما شرح إيكو تعريف بيرس للسيميوزيس على أنها عبارة عن علامة وأنها نتاج موضوع دينامي أو مباشر يفضي إلى المؤوَل وفق سيرورة جدلية ومحايثة، اعتبر مفهوم العماد le fondementعنصرا مهما، كذلك، في السيميوزيس البيرسية لأنه يخدم كثيرا مفهوم المعنى الحرفي الذي سيقترحه في كتاب حدود التأويل.

والعماد عبارة عن سمات دلالية منتقاة من كلمة أو جملة أو نص تتم بها عملية التأويل لأنها من طبيعة مونادية monadique أي خصوصية جوهرية، وتضمن سيرورة الفهم من الملقي إلى المتلقي:" إن العماد يفهم على أنه الشيء الذي يتم نقله من موضوع معطى وفق صيغة ما: لأنه مضمون تعبير ما، ويتبدى كشيء مماثل للمدلول، أو لمكون أولي لهذا المدلول"(4).

في إحدى السياقات المهمة من الكتاب، والتي تطرق فيها لبيرس، ينطلق إيكو من اعتبار المؤول حصيلة سيرورة منطقية استلزامية، فلا يعد دائما بمثابة مدلول لكلمة من الكلمات، ولكن يمكن اعتباره تنيجة برهانية حجاجية، منتشلة من مقدمات منطقية. تتبدى لنا المدلولات من خلال هذا السياق مضمرة أحيانا بواسطة المقدمات المنطقية، بعبارة أخرى، يعتبر المدلول كل تمفصل تمت عملية استلزامه أو اقتضائه عن طريق الدليل من الناحية الدلالية.

من المعروف أن بيرس يضفي طابعا انفتاحيا لا منتهيا للسيميوزيس، لهذا حاول إيكو أن يؤول سؤاله حول السمات الدلالية: هل هي عالمية ومنتهية ؟ في عدة مواضع من كتابه، بل في عدة مواضع من كتب أخرى. يوافق إيكو كل قراءة انفتاحية لمفهوم السيميوزيس البيرسية، ولكن لا يتوافق مع قراءة دريدا التي تضفي عليها طابعا انفتاحيا لا منتهيا وهلاميا، أي لا تتحكم فيه شروط ولا تقيده حدود.

فحسب إيكو، لا يعني الطابع الانفتاحي الذي ينتاب السيميوزيس بأن عملية التأويل الدلالي في النصوص تكون من طبيعة حرة مطلقة، لأن الأمر مرهون بحدود يتوقف عندها يدرجها إيكو فيما يسميه عالم الخطاب l'univers du discours  :" هنالك حدود منطقية للموسوعة، فلا يمكن الاعتقاد أنها من طبيعة انفتاحية (مطلقة)، إذ يمكننا فهم هذه الحدود ضمن مفهوم عالم الخطاب." (5).

ولكي يدعم إيكو تحليله ورأيه الأصيل فيما يخص الحدود التي تتحكم في المسار اللانهائي للسيميوزيس البيرسية، يستثمر كذلك مفهوما آخرا من بيرس وهو المؤول النهائي، إذ لا حظ بأن هذا المفهوم يساعد على غلق الطريق أمام الانفتاح المطلق كمحطة لا بد من التوقف عندها، فحسب إيكو، لا يمكن لأحد متضلع في قراءة بيرس أن ينفي الطابع التواصلي الذي يعد جوهريا في فكره، فلقد حاول بيرس تكرارا أن يجد أرضية تواصلية مشتركة تساعد على تمرير التمفصلات الدلالية، وما مفهوم العادة، الذي اهتم به إيكو كثيرا، إلا دليلا على ذلك، فالسيميوزيس تساعد على فهم انفتاح التأويل بطريقة دينامية، ولكن مفهوم العادة، أو الجماعة التواصلية يحد من هذا الانفتاح لصالح الأبعاد التواصلية، لأنه يفهم كقانون وكقاعدة وكناموس، أي كنظام يسيج فوضى الانفتاح.(6)

ونفهم، كتلخيص عام للمفهوم الذي أولاه إيكو للقارئ النموذجي ، بأن النص لا يتسنى له الانوجاد بمنأى عن القراءة كفعل تعاضدي، فالنص يراهن ويسلم بأن تعضيد القارئ يعتبر شرطا لعملية التحيين. كما يعد النص عبارة عن نتاج لا يكتمل بمنأى عن البعد التأويلي، الذي يعد جزءا مهما من آلياته التوليدية والتكوينية. فتوليد نص ما يعني أن نضع قيد الإنجاز استراتيجية حبلى بتخمينات وتنبؤات حركية الآخر؛ كما هو الحال في كل استراتيجية.

وليس المقصود من تدخل القارئ كاستراتيجية في عملية التأويل التعاضدي محو كل استراتيجية قابعة في غضون النص في حد ذاته، فإذا كانت مقولة فاليري المشهورة:"لايحتوي النص على معنى حقيقي" تحتمل تفسيرا واحدا، يرمي إلى أننا نستطيع استعمال النصوص كما يطيب لنا، مما جعل الكثير من التفكيكيين يتلاعبون بالتفسيرات والتأويلات تلاعبا حرا ومطلقا، فإن إيكو على العكس من ذلك تماما، يرى بأن النص يؤوّل ولا يستعمل، فما يفرق بين الاستعمال والتأويل يعينه إيكو كالتالي:" إذا كانت سلسلة التأويلات غير منتهية، كما علمنا ذلك بيرس، فإن عالم الخطاب سيتدخل لا محالة كي يحد من التسيب الموسوعي. فلا يعد النص سوى استراتيجية تساهم في تكوين وسبك عوالم التأويل، فكل محاولة ترمي إلى الاستعمال الحر للنصوص لا بد أن تكون رهينة لتوسيع عالم الخطاب" (7)

انطلاقا من هذا الشرط، لا يمكننا إلا أن نستوعب القارئ والمؤلف النموذجيين كنمط من أنماط الاستراتيجية النصية، لهذا سنتفهم إيكو حينما يروم تعريف القارئ النموذجي كالتالي:" لا يخرج القارئ النموذجي من كونه عبارة عن مجموعة من الشروط الناجحة أو السعيدة التي تنشأ عن طريق النص، والتي تكون محل رضا، كي يتسنى للنصوص تحيينات كاملة في مضامينها الكمونية" (8).

يتخذ إذن، مفهوم التعاضد النصي بعدا آخرا من أبعاده؛ لا يمكن أن نفكر عملية التحيين كقصدية تطال ذاتا تجريبية (أمبريقية) متلفظة، ولكن، تتخذ عملية التحيين هذه، شكل قصدية مبثوثة في الملفوظ بطريقة افتراضية.

لا يبتعد مفهوم التناص في التعضيد التاويلي عند إيكو عن كل كل العناصر النعضيدية الأخرى: الكلمة والجملة والبعد الفونولوجي والفقرة والنص بكل أدواته الاتساقية والانسجامية والمناص والمتعاليات النصية.

لهذا كي نتوسع قليلا في مفهوم التناص كما يراه إيكو عدنا كذلك إلى إحدى آخر كتبه الذي يحمل عنوان: "في الأدب"، وسنركز بالتفصيل على مقالالمفارقة التناصية ومستويات القراءة.    

يعد هذا المقال بمثابة رد على بعض التحليلات النقدية التي طالت النص الروائي الذي كتبه إيكو نفسه: "اسم الوردة"، فالكثير من النقاد راحوا يخلطون بين عدة مستويات في قراءة هذا النص، ويرجع السبب في ذلك إلى افتراضات القراءة وعدم الاهتمام بحيثيات النص في حد ذاته، كضامن لعملية التأويل وكموجه لطيف لطرائق القراءة.

يرجع إيكو سبب سوء الفهم دائما إلى خلط بين أربع خصائص: الميتاسردية والحوارية والتشفير المزدوج والمفارقة التناصية. والأدهى الذي تعجب منه إيكو تلك المحاولات الغريبة التي تروم الربط بين نص "اسم الوردة" والفكر ما بعد الحداثي ربطا ميكانيكيا.

كي يبين إيكو أن الميتاسردية لا تتعلق تعلقا عضويا بالفكر ما بعد الحداثي، عاد مستدلا ومنطلقا من تراث الأدب الغربي، إلى بعض النصوص التي تشتغل على ذاتها، وهي نصوص لا علاقة لها من الناحية الزمنية بتجربة ما بعد الحداثة، والغرض من هذه العودة إظهار أن ظاهرة الميتاسردية قديمة قدم النص نفسه: "إن الميتاسردية، أو ذلك التفكير الذي يقوم به النص حول ذاته وحول طبيعته، أو إقحام صوت الكاتب حينما يتأمل فيما هو بصدد سرده ودعوة القارئ للمشاركة في هذا التفكير، إن هذه الميتاسردية قديمة عن فكر مابعد الحداثة" (9)

ويرجع هذا الموقف من فكر ما بعد الحداثة عند إيكو، إلى اعتقاده بأن تقسيم الأزمنة الثقافية إلى صيرورة خطية يعد ضربا من الخطإ الذي وقع فيه الكثير من المفكرين والمؤرخين، فحسب إيكو، لا يوجد زمن سابق على زمن ولا يمكن فهم الأنساق الثقافية وفق مبدإ الماقبل والمابعد.

إن الأزمنة الثقافية عند إيكو محايثة ومتداخلة، يتدخل فيها مبدأ آخر تماما، هو مبدأ القوة وتتحكم فيها ثنائية الظاهر والباطن أو المكشوف والمستور، فإيكو المختص في تاريخ الأفكار، والمهتم كثيرا بالقرون الوسطى والأزمنة الحديثة، بين بأن عصرا ثقافيا ما يحايثه دائما زمن ثقافي آخر، فالقوة المتمثلة في التاريخ والحركات الاجتماعية تحجب زمنا لصالح زمن آخر، فحينما كانت القرون الوسطى ترفع من قيمة اللامعقول والسحر والغنوصية على حساب العقل، راحت قوى عصر النهضة تقوم بعملية مغايرة، تطمس اللامعقول لصالح العقلانية ونزعة تصنيم اللوغوس.

انطلاقا من هذا المنظور، نكتشف أن ما يطلق عليه تيار ما بعد الحداثة ما هو سوى عودة للمكبوت، أي لما كان سائدا في القرون الوسطى بشكل أو بآخر، ولا يتوقف إيكو عند هذا الحد، أي عند مصطلح الميتاسردية، بل يذهب بعيدا في كتابه حدود التأويل وكتابه التأويل والتأويل المضاعف إلى أن بعض المذاهب التي تدعى ما بعد الحداثة ما هي سوى تنويع على نماذج كانت سائدة في القرون الوسطى، فالتفكيكية تعد في نظر هذا المفكر بمثابة استئناف للقبالاه اليهودية، بل ما هي سوى علمنة لهذه النزعة الصوفية اليهودية أو صوفية بدون إله.

ماقيل عن الميتاسردية عند أمبرتو إيكو سيقال عن الحوارية، فهذا الشكل الذي يحاول البعض إقحامه ضمن نموذج ما بعد ينيوي وما بعد حداثي قديم قدم النص نفسه: " حتى الحوارية، خاصة في طبيعتها الاستشهادية المألوفة، لا يمكن أن تعد مثلبة أو منقبة ما بعد حداثية، لو كان الأمر كذلك لما استطاع باختين الكلام عنها بهذا التقدم" (10)

أما عن التشفير المزدوج، يعتقد إيكو أن من وضع المصطلح هو الناقد شارل جنكز في كتابه لغة مابعد الحداثة في فن العمارة، ويقصد به أن من خصائص هذا التيار إدراج مستويين في القراءة، مستوى عامي خاص بالقراء الهواة والبسطاء، ومستوى مشفر تشفيرا خاصا بالقراء المحترفين والمتضلعين في المجال الثقافي والموسوعي.

يعتقد إيكو أن حصافة هذا المصطلح تكمن فقط في أنه يبين بأن من خصائص التيار ما بعد الحداثي استهدافه لجمهور واسع من القراء تحت غطاء ما يطلق عليه في سوسيولوجيا القراءة الكتاب المروج Le best-seller، وظاهرة الكتاب المروج له موجودة من قديم الزمان كذلك، لهذا إيكو يذكر القراء بطرفة دانتي حينما طالب بمعاقبة حداد قرأ بعض أبيات الكوميديا الإلهية قراءة خاطئة، فلو لم يكن نص دانتي مشهورا ومروجا له في ذلك الزمن لما وصل حداد إلى معرفة بعضا من مقاطعه.

كي يفرق إيكو بين التشفير المزدوج الذي وضعه الناقد شارل جنكز وبين مفهومه للمفارقة النصية، يدرج مفهوما جديدا هو التطبيع، فالتشفير المزدوج يدعو القارئ من البداية إلى اختيار مستوى في القراءة، وفق خطاطة إستراتيجية ووفق شيفرات مبثوثة في ثنايا النص، لهذا حسب إيكو تصبح هذه التقنية تراتبية من طبيعة طبقية.

في حين يدعو مفهوم التطبيع إلى قراءة النص وفق صيغة ذاتية الإحالة، فحينما يصبح اللاطبيعي طبيعيا بالنسبة للقارئ تمتنع فكرة التأويل المستعينة بعناصر إحالية خارجية. هنا بالضبط يدرج إيكو الفرق الأساسي بين التناصية والتشفير المزدوج، فالتناصية تقتضي الاشتغال على قارئ نموذجي، يقرأ النص وفق مبدإ التوقعات والعوالم الممكنة، في حين التشفير المزدوج يقتضي قارئا سيميائيا أو جماليا.

إذا كان التناص عند إيكو ممكنا ضمن مفهوم القارئ النموذجي، فإننا لا يمكن إبعاده عن مفهوم السيناريوهات والتشفير العالي والموسوعة. طور إيكو هذه المصطلحات في كتابه القارئ في الحكاية Lector in fabula، فلكي يتحقق تحيين الإستراتيجية التناصية في كنف النص لا بد أن يكون للقارئ تجربة تجسد تلاقحا مع السيناريوهات الجديدة وخلفية تتعدى المرجعية القاموسية إلى المرجعية الموسوعية، وكفاءة غنية لفك التشفير العالي. إن نصا مثل عوليس لجيمس جويس يعد مليئا بالشبكات التناصية، لهذا فهو يرفض تقنية التشفير المزدوج الذي تطرق لها جنكز ويشجع كثيرا وجود قارئ نموذجي تتوفر فيه شروط الكفاءة التناصية.

كخلاصة، يختلف مفهوم التناص عند أمبرتو إيكو عن المفاهيم التي بلورها كل من باختين وكريستيفا وجينيت، لأن أمبرتو إيكو أدرج مقولة القارئ كعنصر جوهري في تجلية هذه الظاهرة الإنتاجية. في حين اكتفى الثلاثة الأوائل بفهم هذه الآلية فهما نسقيا ولغويا ينأى عن كل كفاءة تأويلية وتفعيلية.

التناص كموقف من العالم:

اختار الكاتب الجزائري محمد ديب، كعادته، في نصه سيمورغ، البعد الصوفي ليضفي على نصه نوعا من الرمزية الإيحائية والتكثيف التأويلي، ولا يعد هذا الأمر غريبا، حينما يصدر من كاتب ترجع أصوله الجزائرية إلى مدينة تلمسان، مدينة الأولياء الصالحين، من أمثال الغوث شعيب أبي مدين والعفيف والسنوسي. كما لا يعد غريبا من كاتب اختار لنفسه في سنواته الأخيرة من حياته الالتحاق بتيارات مابعد حداثية موغلة في الإشراقية والغنوصية والباطنية.

اتخذت قصة سيمورغ شكلا يشبه كثيرا الحلم، وهي تروي بسردية مبعثرة وغير خطية توقا إلى سعادة من نوع ما، تبدأ القصة باندهاش الراوي وهو في دكان مغسلة من هرولة المارة نحو منطقة يتواجد فيها سرب كبير من الطير، راح الرواي يتبع كغيره مسار الطير، وفجأة يغير الكاتب إستراتيجية كتابته؛ من كتابة يتحدد فيها موضوع القيمة إلى كتابة ترمينا في قلب قصة أخرى.

من الناحية الإيقونية، كي يفرق الكاتب بين القصة الأولى غير المكتملة والقصة الثانية، راح يكتب الثانية بخط مائل، وهو خط يدل على أن القصة الثانية المدرجة في القصة الأولى (الإطار) مختلفة في الخطاطة السردية وفق تقنية الانعكاس السردي La mise en abyme المعروفة في كتابات رواد الرواية الجديدة من أمثال كلود سيمون وناتالي ساروت وآلان روب غرييه، والتي تعتبر شكلا من أشكال التناص كذلك، بحيث ستدخل القصتان في حوار تفسيري وتفعيلي.

وظف محمد ديب في قصته أسطورة معروفة في الأدب الفارسي، ونقصد بذلك قصة السيمورغ المبثوثة مثلا في الملحمة المشهورة: الشاهناماه. على الرغم من أن السيمورغ جسد في هذه الملحمة الفارسية شخصية تشبه كثيرا طائر الفينيق المعروف في الأساطير الأوروبية القديمة، بحيث يلجأ إليه كلما ألم بالبطل مرض له أو لمحبوبته، إلا أن ديب راح يتناص مع سيمورغ جلال فريد الدين العطار في قصيدته منطق الطير، التي تشبه كذلك نص ابن سينا ونص جلال الدين الرومي.

إن طير هؤلاء الفلاسفة المتصوفة الإشراقيين يختلف تماما عما جاء في الملحمة، لأن العطار أضفى، مثلا على قصته الشعرية بعدا رمزيا يتعلق بالمسار والسفر المضني الذي يكتنف السالك في الوصول إلى مرحلة الفناء وتطليق مرحلة البقاء؛ تلك المرحلة التي يطلق عليها الكبريت الأحمر محي الدين بن عربي لفظة التجليات.

تدور القصة الشعرية التي نظمها العطار حول الغاية التي راح يرتجيها ثلاثة عشر طائرا، مختلفا في النوع، للوصول إلى ملك الطيور السيمورغ/ العنقاء، فبعد كد وجد، وبعد الوصول إلى المرحلة الأخيرة من القصد وهي أصعب الدرجات، بدأ كل طير يختلق المسوغات كيلا يصاب بالأذى، ومن الطيور التي سوغت لجامها الصقر والبلبل والحمام، فيحين انبرى للمهمة طائر الهدهد، الذي له حضور قوي في القرآن الكريم في سياق قصة سيدنا سليمان.

لم يحدد محمد ديب أن السالكين في طريق السيمورغ يعدون من الطيور، بل إن السياق في القصة يبين بأن السائرين هم من البشر، ويختلف ديب عن العطار في تحديد عدد هؤلاء، فإذا كان عدد الطيور في قصيدة العطار ثلاثة عشر، فهم في قصة ديب يصلون فقط إلى اثني عشر.

ويرجع سبب ذلك، في رأيي، إلى احترام الحساسية المسيحية التي تمتعض كثيرا من العدد ثلاثة عشر، لأنه كما هو معروف يمثل هودا الخائن من الحواريين. نفهم من هذا أن القارئ النموذجي في هذه القصة كمقولة نصية استهدف كثيرا القارئ الغربي المسيحي، الذي يعتبر في المنفى القارئ النمطي بامتياز.

تشكّل التناص في هذا النص وفق عدة توزيعات، فمرة يتخذ شكل الإحالة الأدبية المضمرة، التي تتطلب قارئا حصيفا، كما نجده مرة يتخذ شكلا قاموسيا، باستخدام مفردة أو اسم علم، كما نجده مرات يتخذ نمطا فلسفيا وصوفيا.

حينما نقرأ المقطع التالي من الشذرة الثانية، من القصة المدرجة: "إننا ننتظر. إنه الغد. إننا في البدايات الأولى من هذا اليوم. حيث يكون هذا الزمن باكرا لجلالته كي يبدي حضوره. إنني على يقين أنه ليس بصدد اجتماع مع حاشيته ووزرائه. لن يتأخر كثيرا كي يدق أبواب المملكة. إننا حينما ننتظر الأبدية لا يهمنا كثيرا القليل من لحظات الانتظار، كيف نفهم ما فات من زمن حينما نقارنه مع السيمورغ؟" (11)

دأب الكثير من الأدباء على التناص مع الروائع العدمية والنيهيلية التي كتبت في القرن العشرين، وديب من الذين تأثروا بصموئيل بيكيت، خاصة في مسرحية في انتظار غودو الشهيرة، فنجد هذا التأثر في رواية صحراء دون منعطف Le désert sans détour 1992، ونص سيمورغ.

لا يمكن أن نربط هذا المقطع من نص ديب، الذي يعد موتيفا خاصا بالنصوص العدمية، مع نص بيكيت ربطا ميكانيكيا، بحيث يتمظهر التأثر وفق صيغة سيميترية (مئوية)، لأن ديب يبدو أكثر تفاؤلية من بيكيت. فإذا كان غودو بيكيت مستحيلا ومتعاليا وغير موجود، فإن ديب جعل السيمورغ حقيقة معطاة. فالاختلاف الفلسفي في رؤية العالم هنا يبدو جليا، لهذا يمكن أن نقول بأن بيكيت هو سليل المدرسة التشاؤمية التي كان يمثلها في الفكر الفلسفي الغربي شوبنهاور وهيدغر وألبير كامو، في حين يعد ديب سليل مدرسة ابن عربي والعطار ونيتشه وسارتر. وما يدل على أن هذا الأخير تفاؤلي بامتياز المقطع الأخير الذي يلي القصة المدرجة، بحيث يمكن أن نعده مقطعا ميتاسرديا بامتياز. يبين هذا المقطع بأن الراوي اكتشف سر الوجود الذي يكمن في الإنسان، أي مادام يوجد الإنسان في الكون، فإن العالم لا محالة مسكون بالمعنى.

فيما يخص أشكال التناص القاموسي، حاول الكاتب أن يساعد قارئه عن طريق قرائن لغوية بارزة، جاءت في سياقات جديدة، مثل لفظة المحايثة، ولفظة بيجماليون.

إن لفظة المحايثة L'immanence لها دلالة كبيرة في الفكر الغربي، استعملت لأول مرة في مجال فلسفي أراد أن يجمع بين العقلانية الديكارتية والرؤية الباطنية، ولعل سبينوزا هو صاحب هذه الفلسفة بامتياز. يعتقد هذا الفيلسوف أن العالم يحتوي على وجهين لعملة واحدة، وجه يطلق عليه مصطلح الطبيعة الطابعة ووجه التمظهرات والتجليات الخلْقية، يطلق عليه مصطلح الطبيعة المطبوعة: "فالله هو الجوهر الواحد، الواجب بذاته والأزلي السرمدي، وليس ثمة موجود سواه، وما الموجودات الأخرى سوى صفات وأحوال له. فهو الطبيعة الطابعة من حيث مصدر الصفات والأحوال وهو الطبيعة المطبوعة من حيث هو هذه الصفات والأحوال أنفسها. وما دام علة ذاته فليس بحاجة إلى شيء آخر لإثبات وجوده" (12)

لم يستعمل محمد ديب لفظة الحلول Le panthéisme، كما لم يستعمل لفظة الباطنية L'ésotérisme، ويرجع ذلك إلى القارئ النموذجي المبثوث كإستراتيجية في ثنايا النص، لأنه استعمل لفظة المحايثة التي تعوّد عليها كثيرا القارئ الغربي. نفهم من هذا بأن ديب يحاول أن يستعير ويستثمر موتيفات شرقية، خاصة تلك التيمات ذات الطابع الحلولي والغنوصي الصوفي، ثم يحاول دائما أن يضفي عليها طابعا غربيا، من هذا المنظور يعتمد محمد ديب إستراتجية تغريب الشرق، وهي مآل من مآلات كتاب ما بعد الكولونيالية، بحيث تصبح عملية التهجين بسبب تمزق الهوية رؤية للعالم وفلسفة في الحياة.

يفسر هذا التمزق في الهوية الصفة الاجتماعية التي رسم بها الكاتب بطله في قصته المدرجة من السيمورغ، إنه شخصية لقيطة لا تعرف مرارة أكبر من هذا الوجع. وكعادة كتاب المنفى ترمز الشخصية اللقيطة إلى الرفض العنصري والإثني بالتحديد.

:"إذا توجب قول الحقيقة، من قبل لم أكن شخصية متزنة. لقد تغيرت، إنني لا أقول لا بتاتا. ولكن سأبقى دائما د اس أب الذي كنت عليه. إنني د اس أب رغم أن الآخرين، الإحدى عشر، لا يعلمون بذلك. بدون اسم أبوي. لقيط رخيص. لم أعرف اسما آخر غير هذا، لأن الحال هكذا. آمين." (13)

تبقى تناصات أخرى فلسفية وصوفية تخدم الإطار العام للقصة، فالصفحات الأخير تشتغل كثيرا على سناريوهات غنوصية، مثل استحالة الوصول إلى المطلق وضعف اللغة التواصلية على احتواء الموقف، وفكرة أن العبرة دائما لا تكون في الوصول بقدر ما تكون طريق السير أو السفر الروحي نفسه.

نجد تيمة تتكرر كثيرا في القصص الغنوصية، وهي اكتشاف الذات، فحينما يضني الطائر أو السالك الطريق الطويل يكتشف في الأخير أن اللامتنهي لا يكمن في المطلق بقدر ما يكمن في الذات نفسها، لهذا نجد المرآة موتيفا يعود كثيرا في هذه النصوص، نجده مثلا عند ديب وعند اوسكار وايلد وعند باولو كويلو.

في نهاية القصة، بالضبط في القصة التي تعد تعليقا أو ميتاسردا، راح ديب يبشر بالإنسان ويلوم المجتمعات الغربية على اللحظة العدمية التي تعيشها بوجع وجودي كبير. ويتعجب من مجتمع عرف بالقوة الإدراكية والذكاء الوجودي الحاد كيف يتهافت ويتهاوى في براتن العدم. ربما، كما يقول ديب:"إن الإنسان كي يصبح إنسانا، راح يمرض بإنسانيته... هل يمكن أن تتحقق سذاجة عظيمة مع ذكاء خارق" (14)

الكتابة النيتشوية وتخريب الامبراطورية:

جاء في كتاب الرد بالكتابة :"فإننا نستخدم مصطلح "مابعد الكولونيالية" ليشمل كل ثقافة تأثرت بالعملية الإمبريالية منذ اللحظة الكولونيالية حتى يومنا هذا، ويرجع هذا الاستعمال إلى استمرار هذا الانشغال طوال العملية التاريخية التي بدأت بالعدوان الإمبريالي الأوروبي، كما أنن نطرح أيضا أن هذا المصطلح هو الأكثر ملاءمة بوصفة مصطلحا للنقد عبر الثقافي الجديد الذي ظهر في السنوات الأخيرة، وللخطاب الذي يتأسس من خلاله ذلك النقد" (15)

دأب الكثير من الكتاب الذين عايشوا الشرط الكولونيالي على اتخاذ موقف من الميتروبول أو من الإمبراطوروية، ولم يتوقف هذا الموقف عند حدود الكراهية والحقد التاريخي بل راح يستثمر الكثير من الوسائل الاحتجاجية، انطلاقا من لاوعي انتقامي حاد، التي راحت تتشكل وفق أشكال متعددة.

إن الوقع التاريخي المؤلم والجرح النرجسي العميق الذي خلفته الإمبريالية في المجتمعات المستعمرة عميق لم يلتئم قط، لهذا راح الكثير من الكتاب والمفكرين يفكرون في تجاوز الوضعية بخلق لغة متعالية نوعا ما واختراقية، كي تخرج المجتمعات المستلبة من الكولونيالية إلى ما بعد الكولونيالية.

محمد ديب، كغيره من الكتاب الواعين بهذا الشرط، كإيمي سيزار وسنغور والطيب صالح وإدوارد سعيد ومحمود درويش وغيرهم كثير، اختار نظرية السرد المضاد، أي ذلك السرد الذي يعيد ترتيب وتوزيع المخيال الكولونيالي عن المستعمرات وعن ذاته. راح محمد ديب كالكثيرين من أدباء جيله يستعملون تقنية الرد وفق المرجعيات الصامتة في الفكر الغربي.

يصبح بطبيعة الحال وجود نيتشه وفرويد وماركس في هذا المقام، بمثابة تذكير للإمبراطورية بأن مركزيتها لا تمثل المطلق وأن الإنسانية لا تختزل في أطر وإكليشيهات إمبريالية ساهمت من بعيد في ولادة نزعة التفوق، وادعاء الإطلاقية الثقافية واحتقار الإثنيات الأخرى والثقافات المغايرة.

لقد بين ماركس بأن أساس التفوق الإمبريالي لا يعود إلى العقلانية التجريبية والتقنية بقدر ما يعود إلى النزعة الداروينية التي تعتقدها الإيديولوجية الإمبرالية، كما بين نيتشه بأن الميتافيززيقا الغربية، التي اتخذت فيما بعد شكل العقلانية الديكارتية عبارة عن تشويه ومسخ للوجود الإنساني. تبعه في ذلك فرويد حينما بين بأن أهم شكل من أشكال الاستلاب يكمن في العقل لهذا راح يبشر باللاشعور ويرفع من قيمة الغريزة.

في النص الثاني، كتب محمد ديب بطريقة نيتشوية صرف*، فنص Les bocages du sens يتناص مرات بصورة مباشرة ومرات بصورة غير مباشرة مع ماوراء الخير والشر والفجر لفريديرك نيتشه. ويرجع هذا التلاقح النصي إلى سببين:

1)أن نيتشه يمثل بالنسبة للأديب غير الغربي ناقدا واديبا وفيلسوفا ساهم في تعرية الخطاب الغربي المنافق، لهذا تصبح عملية الاستعانة به من باب: شهد شاهد من أهلها.

2)يعكس أسلوب نيتشه في الكتابة موقفا من العقلانية الغربية والميتافيزيقا، فالتشذير والتشظي الكتابي يتماشى في طريق معكوس ضد الكتابة المتسقة والمنسجمة التي تعكس وتجسد العقل في تحققه.

من هذا الباب راح الكثير من كتاب ما بعد الكولونيالية يتبنون الفكر التفكيكي والمتشظي، ولنا مثال في ذلك كتابات كاتب ياسين والطاهر بن جلون وإدوارد الخراط وجمال الغيطاني ومحمد برادة. بل نجد كذلك بعضا من الكتاب الغربيين راحوا يستعيدون كتابة نيتشه بغية تقويض أسس العقلية الغربية، من أمثال هؤلاء نجد جيمس جويس ومارسيل بروست فرانز كافكا ووليام فولكنر ودوسباسوس وجون بول سارتر وأنتونين آرطو.

شملت شذرات محمد ديب مسائل مهمة بالنسبة للكاتب ما بعد الكولونيالي، مثل الكتابة والمنفى والغيرية والترجمة والهجنة والهوية. كما أن التناص، زيادة على التداخل النص الأسلوبي مع نصوص نيتشه، راح يتخذ شكل التناص الذاتي الذي يقترب كثيرا من آلية الميتانص.

 إن النص الذي أخذ حصة الأسد في التناص عند محمد ديب هو كطنين نحلة، Comme un bruit d'abeille. يبدو أنه ترجع عملية الاهتمام بهذا النص إلى حداثة كتابته: 2001، أي كتب قبل سيمورغ بسنتين فقط.

 في الشذرة الثامنة، نجد تناصا من طبيعة ميتانصية مع قصة سيمورغ، يقول محمد ديب:"قبل العلماء والفلاسفة والشعراء والعلماء اللامعين ولمَ لا  قبل السياسيين الكبار؟، رغم كل هؤلاء فإن النوع الإنساني ما زال يحيا. رغم الخسائر المتكبدة.. وتحت طائلة هذا كله فإن الإنسانية مازالت تفرغ من إنسانيتها. نشعر بأنها متعبة، ولأنها يائسة فإنها تلتهم الأسد وتقوم بما هو أكبر منها، متناسية وغافلة عن غاياتها الأخيرة" (16)

في المسألة اللغوية، لا يريد محمد ديب أن يقع في فخ المتطلبات الإيديولوجية الشوفينية، فاللغة عنده مسألة وجودية، مسألة رد الاعتبار للذات وللهوية الثقافية المقموعة. إن الكتابة باللغة الفرنسية تصبح مشكلة مرتبطة بالاختراق والانتقام الأنطولوجي.

  في سياق آخر، يبين محمد ديب بأن الكتاب الأصلانيين أو الأهالي (الإنديجان) استطاعوا أن يكتبوا عن جزائر لم يعرفها الفرنسيون قط، جزائر بعيدة عن: " النخيل وسحر الرمال واللعب الممنوع مع الغلمان وروعة البحار المخصصة" (17).

إن المطلع على الأدب الفرنسي الذي طال الجزائر سيفهم لا محالة أن ديب يروم أن يفضح الطريقة الغرائبية والإيروسية التي اتبعها كتاب كثيرون في الكتابة عن الشرق. فكتابة ديب وكاتب ياسين والطاهر وطار وبن هدوقة فضحت المخيال الذي كتب من أجله الفرنسيون والأجانب في ظل السياق الكولونيالي. فضحت الصحراء الغرائبية Exotique التي كتب عنها أوجين فرومونتين وإتيين ديني وإيزابيلا إبنهارت، كما فضحت اللذة الإيروسية Erotique التي كان يبحث عنها أندري جيد وغي دوموباسان، كما فضحت كذلك الكتابة البيتوريسكية، التي اشتغل عليها كثيرا ألبير كامو.

ينطلق محمد ديب من بديهية، وهي أنك إذا كتبت داخل معسكرة لغة المستعمر (بالجر) فإنه لا بد من أن تمتلك أرضية اللغة، فالفرنسي يختلف دائما عن الأصلاني بلغة تميز أرضيته، ببصمة تصنع الاختلاف والتباين عن لغة المستعمر (بالفتح). إن فهم ديب لهذه المسألة يقترب كثيرا من قول كاتب ياسين المشهور: سأكتب باللغة الفرنسية، كي أقول للفرنسيين أنني لست فرنسيا.

يمتعض ديب كثيرا في شذراته من الرفض والأنانية الإمبراطورية التي تعيش على الذاكرة، فالميتروبول القديمة تحاول دائما أن تذكره بأصله كما تحاول دائما الانتقاص من قيمته، لأنه يمشي ضد التيار والمبتغى، ولانه خارج عن بيت الطاعة الغربي. نفهم هنا أن من يكتب بلغة الغرب سيعاني الأمرين، سيعاني الاستلاب والرفض والإلغاء، لهذا يقول ديب متحسرا: "كيف يمكنهم ذلك (القراء الفرنسيون) لا يوجد واحد منهم يرى الأمر مهما أن يحشر أنفه في كتبنا، هذا لا يهمهم بتاتا، لقد تأكدت من هذا مرارا." (18)

لا يجد كاتبا مثل محمد ديب الرفض من المقروئية الفرنسية فقط، بل يجد الرفض كذلك من المقروئية العربية، بل يتحسر كذلك في مواقع كثيرة في نصه من المصير السيئ الذي يجتاحه ككاتب في موطنه الأصلي، يقول بهذا الصدد:"أين تكمن المأساة حينما تكتب في لغة أخرى غير لغتك. أحفظنا يا رب في لغتك. إن هذه المأساة هي من يجعلنا كتابا. أحاول أن أخمن بؤس البلد الذي انبثق منه كتاب مثلنا. لا أستطيع ذلك. إما أن بلدي ليس بئيسا لأنه يحتوي عل كاتب مثلي، وإما إنه ليس على وعي تام ببؤسه. لا أعرف ما هو الأدهى في كل ذلك." (19)

في الأخير نخلص إلى أن الكتابة المضادة تولد تناصا من نوع خاص في كنف الأدب ما بعد الكولونيالي، ويرجع سبب ذلك إلى أن هذا النوع من الكتابة يندرج ضمن ما يسميه هومي بابا في كتابه موقع الثقافة بالفضاء الثالث، لأن الكاتب لا ينطلق من هوية واحدة في الكتابة، بل ينطلق من انزلاقات المعنى ومن إزاحات المبنى. فهو يعيش بين الضفتين، يعيش المنافي والغربة والهجنة. لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحتوي نصه إلا على مرجعيات ثرة وغنية ومن طبيعة متناقضة في كثير من الحالات.

إن الكاتب ما بعد الكولونيالي كاتب تناصي بامتياز، لأن النص كذلك لا وطن له ولا هوية له ولا مركز. النص، كما يقول بارت، هو الحياة.

 

الهوامش:

(1) Julia Kréstiva: Recherches pour une Sémanalyse, édition: Seuil,  Paris,1969, pp: 82/83.

(2) ibid,. pp, 88/89.

(3)ibid,. p, 22

(4) U. Eco: Lector in Fabula, tr Myriem Bouzaher, Ed Grasset 1979, pp34/35.

(5) Ibid: p 45.

(6) Ibid: pp 49/50.

(7) Ibid: p 74.

(8) Ibid: pp 76/77.

(9) Umberto Eco; De la littérature, tr Myriem Bouzaher Ed: Grasset, 2002, p 282.

(10) ibid, pp: 282/283

(11) Mohammed Dib, Simorgh, Ed, Dahleb, Alger; 2009; pp 16/17.

(12) إبراهيم بيومي مذكور: وحدة الوجود بين  ابن عربي واسبينوزا، ضمن الكتاب التذكاري حول ابن عربي، الهيئة العربية العامة للكتاب، مصر ص 375.

(13) Simorgh, p15

(14) ibid, p: 24   

(15) بيل أشكروفت آخرون، الرد بالكتابة، تر: شهرت عالم، مركز دراسات الوحدة العربية، ص 16.

* يمكن تفسير ظاهرة الكتابة المتشظية عند محمد ديب بمفهوم الأسلوب المتأخر الذي بلوره المفكر إدوارد سعيد في اشتغاله على أعمال الفيلسوف الألماني تيودور أدو رنو. لمزيد من التمرجع يمكن العودة إلى الأسلوب المتأخر، إدوارد سعيد، تر/ وحيد بن بوعزيز، ضمن كتاب جماعي حول تيودور أدو رنو، دار الآمان/ دار الاختلاف، المغرب/ الجزائر 2011.       

(16) Simorgh, p: 67.

(17) ibid, p: 72.

(18) ibid, p: 92.

(19) ibid, p: 77.