pdfالخطاب النقدي في روايات غالب هلسا

 

د/ محمد عبد الله القواسمة

جامعة البلقاء التطبيقية/ الأردن

 

Abstract

This research presents novel as a common discourse containing various discourses and the most important discourse amongst them is the critical discourse, It deals with a group of signals, meditations and critical ideas, showing the methods and where they are used in the novel, and their importance in the seven novels of GhalibHalasa, namely: Laughter, Khamasin, Crying on the ruins, Three faces of Baghdad, The question, Sultana and Novelists.

 The research shows that critical discourse in Halasa's novels focus mainly on the literary genre more than any other artistic and fictional genre, he also represents some theoretical common issues.

We conclude that the critical discourse in the Ghalib's fictional work is not isolated from the elements of fiction but was fully involved, especially in the narrator and characters. GhalibHalasa the author of these novels was modernist .He expressed the world which he built, and revealed a lot of its secrets.

 

المقدمة

ينظر النقاد المعاصرون إلى الرواية بأنها خطاب، متأثرين بالاتجاهات اللسانية والبنيوية؛ ففي المفهوم اللساني، يشير المصطلح إلى "كل كلام تجاوز الجملة الواحدة سواء كان مكتوباً أو ملفوظاً" (1) أو كما يقول بنفنست: Benveniste  إنّه "قول يفترض متكلماً ومستمعاً ويكون لدى المتكلم مقصد التأثير في الآخرين على نحو ما"(2).

ويفهم رولان بارتRoland Barthes الخطاب بأنه جملة كبيرة، ويخلص إلى أن السرد يعدّ" طرفاً في الجملة دون أن يكون من المستطاع أبداً اختزاله إلى "مجرد" مجموعة من الجمل، فالسرد جملة كبيرة"(3).

ويخرج ميشال فوكوMichel Foucault  مفهوم الخطاب من الحقل اللساني ليحدده بأنه مجموعة من العبارات التي تنسب إلى نظام التكوين نفسه، ويهذا نستطيع الكلام على خطاب إخباري أو سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو أدبي.(4)

وفي الدراسات البنائية نجد هذا الفهم للرواية؛ فهي عند كثير من النقاد خطاب كغيرها من الخطابات حتّى إنّه تجلّى واضحاً في عناوين مؤلفاتهم، مثل: الخطاب الروائي لميخائيل باختين M. Bakhtine،(5) وتحليل الخطاب الروائي لسعيد يقطين،(6) والخطاب الروائي في الأردن لمحمد القواسمة.(7)

 

وهو خطاب يستحضر عالماً تخييلياً، بجمع خطابات مختلفة ومتداخلة. ويطلعنا الناقد باختين  على أن الرواية أو الخطاب الروائي خليط من أشكال خطابية متعددة كالكتابات الأخلاقية والفلسفية والخطب والمواعظ البلاغية والأشعار والرسائل والمذكرات والسرد التقليدي ولهجات الناس، وكلها خطابات تتفاعل أو تتصارع بطريقة منتظمة لتكون نسقاً ندعوه الخطاب الروائي.(8)

استناداً إلى هذا الفهم للرواية فإننا نرى أنّ الخطاب النقدي واحداً من الأساليب التي تستخدم في بناء الرواية بشكل عام، والرواية المعاصرة بشكل خاص، وسنحاول أن نتعرفه في روايات غالب هلسا السبع(9) بما تتضمنه من إشارات وتأملات وأفكار وردت في كلام الراوي أوالشخصيات الروائية، وبما احتوى من أحاديث عن قضايا نقدية، أو أحاديث حملت انطباعات وشروحات وتحليلات وأحكاماً تخصّ بعض الأجناس الأدبيّة والفنية.

وإذا كان الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا من الأساليب التي استخدمت في بناء عالمها، فقد تناول الرواية، والشعر والفن التشكيلي والسينمائي، ونحن سنرصد هذا الخطاب، ونبين مواضعه، ونكشف طبيعته، وأهميته في الخطاب الروائي، وعلاقاته بالشخصية الروائية.

حديث الرواية عن الرواية

يهتم الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا بالرواية اهتماماً كبيراً، يبدو من خلال تقديم كثير من الشخوص الرئيسيين بأنهم روائيون، أو مثقفون يهتمون بقراءة الرواية ودراستها، أو محاولة كتابتها. ففي رواية الخماسين تقدّم ليزا إحدى شخصياتها غالباً الشخصية الرئيسية بأنه عربي من الأردن "يكتب روايات"(10)

وفي رواية سلطانة نتعرف إلى بطلها جريس بأنه روائي منهمك في كتابة رواية بعنوان الخادمة؛ لتكون إجابة عن سؤال عشيقته عزة عن سبب عدم عودته إلى الأردن، وهكذا عندما يعيد كتابة الرواية تتبلور شخصية سلطانة، كما ظهرت في الرواية التي حملت هذا الاسم عنواناً لها.(11)

ويظهر جريس نفسه في مواقف كثيرة وهو يقرأ رواية مدام بوفاري لفلوبير Flaubert، ويقف طويلاً عند مواضع مثيرة بعينها، فمن الأجزاء التي قرأها أكثر من مرة ذلك الجزء الذي تظهر فيه زوجة الصيدلي، وهي تشكو للطبيب من بقاء زوجها مدة طويلة في المطبخ، وأنّها تخشى من أن يصبح دمه ثقيلاً من تناول المأكولات الدسمة، فيرد الطبيب "ليس الكثيف هو دمه يا سيدتي".(12)

ويصطحب جريس الرواية إلى عمان، ويتابع قراءتها في مقهى وادي النيل، ويتأثر بأحداثها ومواقف شخصياتها، وبخاصة ذلك الموقف الذي تلجأ فيه مدام بوفاري إلى الاقتراض من عشيقها، ورفضه ذلك مع إصراره على إنهاء علاقته بها؛ فنرى جريس يترك المقهى، ويسير في الشوارع على غير هدى، لا شك أنّه عايش أحداث الرواية، واندمج في مواقفها التي تستجيب لغرائزه الهادرة في تلك المرحلة من عمره، حتى احسّ بأنه شخصية من شخصياتها؛ وهذا يفسر تأثره بنذالة العشيق وحتى غيرته منه كما يعلّق على ذلك: "اختارت مدام بوفاري ذلك الوغد عشيقاً، ولم تلتفت إليّ، رغم أنه طردها من بيته. كان ذلك مؤلماً، مضحكاً في الوقت ذاته"(13).

وفي رواية البكاء على الأطلال تروي عزة إحدى شخصياتها الرئيسة بضمير المتكلم عن علاقتها بخالد، ويظهر من خلال ذلك أنها تعد رسالة ماجستير في روايات غراهام غرينGraham Greene، وقد وجدت أنّ عالمها بائس وتعس ولكنها لا تستطيع أن تتوصل إلى ربط ذلك بكاثوليكية الكاتب، وبخاصة وهو يتخذ العلاقات الجنسية المحرمة موضوعاً لرواياته، وعندما تلتقي بخالد تكتشف أنّه قرأ كل روايات غراهام غرين، وعندما تطلعه على عملها يمتدح النتائج، وبالتالي تتضح الصورة لها، ويظهر هذا في حوار مباشر بينهما:

         "ـ إنتي لمستي جوهر فنه.

         ـ ازاي.

         ـ يعني بؤس العالم بلا إله"(14)

ويعكس هذا أنّ الراوي خالد ليس مثقفاً يهتم بالرواية فقط بل ناقد يستوعب جوهر الفن، ويفهم أسراره؛ كما يظهر هذا أيضاً من خلال بيانه علاقة الفن بالحياة؛ فالفن عنده " محاولة إعطاء المعنى والنظام لعالم معقد أشد التعقيد وخالٍ من الدلالات البسيطة"(15)

ومثل هذا الفهم نعاينه في رواية الضحك عندما يشير الراوي إلى رواياتتشارلز ديكنزCharles Dickensعند وصفه شارع القصر العيني في المساء بأن "له طابع ديكنزي"(16)

ولا يقتصر الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا على الإشارة إلى اهتمام الشخصيات بالرواية بل يتعدى ذلك إلى الكشف عن أسرار العملية الروائية؛ فيفضح طريقة تكوين الرواية، والعادات التي يتبناها الروائيون، وطقوسهم في أثناء الكتابة، كما يظهر علاقة الكتابة بالحب والمرأة.

ففي رواية ثلاثة وجوه لبغداد تبدو وصية بشر بن المعتمر للكتّاب مهمة:" خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك،  وإجابتها إياك" (17) فنرى غالب الشخصية الرئيسية يهيئ المكان، ويعد جسده عند البدء بكتابة الرواية؛ فالراحة الجسدية والنفسية مهمة لديه، هكذا يرسم أحوال ما قبل الكتابة، ويفصح عنها في قوله: "صحوت في الثامنة. كانت الظلمة شاملة. حتى الضوء القادم من مصباح الشارع احتجب، مددت يدي واشعلت الضوء من مفتاح بجانب السرير. أكلت وجبة خفيفة، وشربت القهوة، وجلست أكتب. كانت الرواية السؤال تنمو بين يدي دون مجهود. بدت وكأنها تكتب نفسها"(18)

يتضح من هذا النص أنّ الإفصاح عن تجربة الكتابة والاستعداد لها نابع ليس فقط من تجربة الشخصية الروائية بل من شخصية الروائي غالب هلسا نفسه أيضاً، فكأن هنالك تماهي بين الغالبين: غالب الروائي، وغالب الشخصية الروائية، وبخاصة عند ذكر رواية السؤال، وهي إحدى روايات غالب هلسا.

وتتكشف في رواية الروائيون عادات ما قبل الكتابة عند إيهاب شخصيتها الرئيسية ، وهو روائي تقترب شخصيته من شخصية غالب هلسا، فهو قد ينقطع عن الكتابة عدة أشهر ثم يعود إليها، وقد تأتيه الرغبة في الكتابة بشكل متقطع فيكتب صفحة أو فقرة أو جملة، ثم يشعر بعدم القدرة على الاستمرار، فيحتسي القهوة، أو يخرج ليتمشى، وهو يعترف لصديقته زينب أن الكتابة "موحشة" وكان عندما يداهمه إحساس الكتابة ينسى علاقته بمن حوله، ويستمر على هذه الحالة ساعات طويلة "تأتيه الصور والكلمات بطيئة، تتولد بمجهود يشعر خلال ذلك أن الرواية هبطت في مطب. ولكنه عندما يعود إليها في الكتابة الثانية يدهشه نفاذها وتركيزها".(19)

ويظهر أن المكان بما فيه من أشياء، وما يخيم عليه من سكون يعيد الكتابة إليه عندما لا يستطيع أن يمسك بخيوطها: "كنت أصف مشهد رعب في الرواية التي أكتبها. ولكن لحظة الرعب أفلتت منّي وأنا أحاول الآن استعادتها وشيئاً فشيئاً أخذت تلك اللحظة تتسرب إلي عبر السكون الشامل العميق، وعبر الأصوات التي تنشأ في قلبي وكأنها انفجارات مفاجئة"(20)

ففي هذا الجو تنبعث أحلام اليقظة لديه ، ومن خلالها تكتمل الحالة الكتابيّة؛ لأن عليه في الكتابة أن يتخطى عقبتين: الكتابة بمنظور حُلْم اليقظة، والثانية أن يصبح مشروع الكتابة حلْم يقظة.(21)

ومن العادات الروائية التي تكونت عند إيهاب في كتابة الرواية أنه لا يفكر في الرواية التي يكتبها إلاّ وهو جالس على مكتبه أمام الورق ، كما كان يفعل الكاتب الأميركي إرنست همنغواي Ernest Hemingway: "يجلس للكتابة فيجد المشهد جاهزاً. يكتبه ببطء محاولاً أن يجعل كل عبارة استجابة للهفة داخلية تسعى للتجسُّد بكلمات"(22) لكنه في أوقات فراغه يفكر في الرواية، ويصطنع شخصاً آخر من داخله يطالبه بإعادة الكتابة ليتخلص من كل مبالغة أو افتعال، وهذا " يجعله يلغي مشاهد بكاملها ويضفي رتابة واتزاناً على نمو الشخصيات"(23).

وإذا كان الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا يفصح عن عادات الكتابة وطقوسها فإنه يظهر العلاقة بين الكتابة والناحية الجنسية؛ ففي رواية السؤال يكشف مصطفى أن علاقته بعشيقته (تفيدة) لم تكن حائلاً بينه وبين إنجاز أعمال كتابية كثيرة في مدة قصيرة؛ لأنّها وفرت له الاستغراق في العمل؛ فبمجيئها "أصبحت اللحظة الحاضرة وجوداً حافلاً. لقد كان مجرد حضور تفيدة ومحاولته اكتشافها والصراع في الفكرة المسبقة التي رسمها عنها تؤدي بذاتها إلى الانفتاح على الحاضر والاستغراق فيه".(24)

وبخلاف هذا الموقف تبدو العلاقة متنافرة بين الحب وكيان الرواية في رواية الروائيون فتفيدة إحدى شخصياتها تنفر من كل ممارسة جنسية في أثناء محاولتها كتابة الرواية؛ فهي إذ "تعيش حلم الكتابة، قد فقدت إحساسها بجسدها، أو بكلمة أصح قد نسيته"(25).

وفي رواية الضحك يُقارن (خالد) بطلها بين الحب في الرواية وحبه لعشيقته نادية؛ فعلاقة الحب بينهما لا تنتهي كما تنتهي العلاقة بين عاشقين في الرواية؛ لهذا فهو يقطع عهداً على نفسه "بالعفة والانتظار حتى تعود ولو امتد غيابها سنين طويلة"(26) ومثل هذه المقارنة نقرأها في رواية الروائيون.(27)

وإذا كان الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا ـ كما لاحظنا فيما سبق ـ يساهم في رسم العلاقة بين العناصر الروائية فإنه يتخطّى ذلك ليكشف عن قضايا وتقنيات تتصل بفن الرواية، مثل: اللغة، والشكل والمضمون، والمونولوج، كما يبرز الفرق بين الإخبار والتصوير، وعلاقة الرواية بالسيرة، وطبيعة الرواية الجديدة.

فاللغة يظهرها الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا بأنها وسيط ضعيف، تعجز عن رسم المشاعر والأحاسيس بشكل متفرد وبعيد عن النمطية، فهذه تفيدة الشخصية في الروائيون تحسّ بأن "الحديث الحار في داخلها يصبح بارداً على الورق. كانت تحاول أن تجعل كل ما يحدث فريداً، لم يسبق حدوثه ولكن ما يدهشها هو تواطؤ اللغة مع التصورات الشائعة، فيصبح ما تكتبه تكراراً نمطياً لما تراه في الأحلام والروايات"(28).

ويعكس الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا رؤية الترابط بين الشكل والمضمون، ويتجسد في فهمه عملية التخطيط الروائي بأن تكون الأحداث مترابطة تتجمع حول هدف معين، يتبين لنا هذا من خلال الحوار المباشر بين شخصيات الروائيون: "قالت تفيدة: "أنا عايزة أكتب رواية. إيه رأيك يا إيهاب؟"

 

         وضحكت خجلة. قال إيهاب بحرارة:

         ـ "بجد؟ أنا واثق أنّها حاتكون رواية غنية. عملت تخطيط لها؟"

         قالت تفيدة: مجرد مشاهد وحوادث بتلح عليا ليل نهار، بس صورة كاملة ما فيش:

         قال إيهاب: "أكيد الأحداث بتتجمع حول موضوع. حول حاجة بتربطها ببعض. لما تبتدي تكتبي حاتكتشفي إن الحوادث مسيطرة عليك لها نظام. نظام يعني شكل".(29)

ومثل هذا الحوار نجده في رواية الضحك على شكل مونولوج داخلي تستدعيه نادية كان  قد جرى بينها وبين عشيقها؛ وهو ينصبّ على عدم الفصل بين الشكل والمضمون في العمل الفني بشكل عام والرسم بشكل خاص، وجاء الحوار كما يلي:

"ـ الرسم عندنا متخلف.

ـ طبعاً !

ـ بالعكس.

ـ مستوى التكنيك.

ـ ما تقدرشي تفصله عن المضمون"(30) .

ومن التقنيات التي يوضحها الخطاب النقدي الروائي عند هلسا تقنية المونولوج؛ فيدرك غالب الشخصية الروائية في الخماسين أن الذكريات والأفكار التي انثالت على عقله، وهو يسير بجانب النيل تشكل مونولوجاً داخلياً لعدم وجود الترابط بينها؛ فلا رابط بين الحديث عن فدوى طوقان وغولدا مائير وموشيه ديان والحديث عن اشتهار المصريين بالنكتة، وما يقوله الأردنيون عندما تتعطل عجلة السيارة تحريفاً للكلمة الإنجليزية Puncture ، فما حدث في عقله من تتابع أفكار، وتداع ما هو الاّ المونولوج الداخلي، الذي لم يدرك طبيعته جيمس جويسJoyeceJames:" غلطة جيمس جويس أنه لم يعرف أن الإنسان يفكر في أشياء متعددة في نفس الوقت"(31)

ونجد الخطاب النقدي في رواية البكاء على الأطلال يقدم مثالاً تطبيقياً على الفرق بين الإخبار والتصوير في الفن الروائي؛ إذ يقف الراوي موقفاً ناقداً لجملة وردت في رواية بوليسية كانت تقرأها رحمة إحدى الشخصيات التي تعرف إليها الراوي، والجملة هي: "كان الصمت مطبقاً، وجذبت انتباهتها حركة وراء الستارة" فيرى أن الجملة ضعيفة لأنها اقتصرت على الإخبار عن الحدث ولم تجسد الصمت وحركة الستارة، ويعلق على المؤلف بقوله: "كل ما يريد أن يقوله لنا أن المرأة وحيدة، وهنالك شخصاً وراء الستارة، أما كيف كانت المرأة تحس بذلك الصمت، وبتلك الستارة وهي تتحرك فذلك مالم يخطر على ذهن المؤلف المحترم"(32)

ولا يكتفي الراوي بالحكم على ضعف الجملة بل يقدّم حلاً يعيد صياغتها بشكل يبعث فيها الحياة؛ فيتخيل البيت من الطراز الإنجليزي القديم، والمرأة تنتظر زوجها في تلك الحجرة، والوقت منتصف الليل، والزوج لم يأت فيحاصرها القلق، ثم تنتبه إلى حركة الستارة "كانت ترى ذلك ولا تفكر فيه، ثم انتبهت مذعورة إلى ما يعنيه ذلك.. وراء الستارة.. خنجر؟"(33)

أما بالنسبة إلى علاقة الرواية بالسيرة فتبدو واضحة في الخطاب النقدي في الرواية عند هلسا، ففي تدخلات الراوي في الروائيون ما يوضح اقتراب الرواية من السيرة، وترابطها القوي بها، بل إنها كما يرى تفقد حياتها إذا لم تعتمد على السيرة الذاتية لصاحبها. فيعلق على تفيدة إحدى الشخصيات في الرواية، وهي تشكو من فقدان الرواية التي تكتبها الروح: "لم يخطر ببالها قط أن غالبيّة الروايات الجيدة، هي، على نحو ما، سيرة ذاتية".(34) ولعلّ هذا ما جسده غالب هلسا في رواياته كلها فقد حملت ملامح كثيرة من حياته." وقد ظهر ذلك يصورة لا نجدها عند أي روائي آخر"(35)

وتتضح السيرة الذاتية مرجعية لكتابات غالب الشخصية الروائية في رواية الخماسين في الحوار الذي دار بينه وبين عشيقته عزة؛ إذ يقر بأنّ كل ما يكتبه وبخاصة عن علاقاته النسائية إنما هو نوع من الفضيحة، فعندما يحاول إنكار ذلك تذكره عزة بأنه حدث من قبل في روايته: "الضحك. نادية. مع نادية"(36)

ويتجه الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا نحو الرواية الجديدة التي نظر لها آلان روب غرييه   Alain Robbe- Griuetفي كتابه نحو رواية جديدة، فيرى خالد بطل رواية البكاء على الأطلال أن هذه الرواية تموت في أوروبا، وأن كتابها "مجرد تقاليع"، ويجد أن فن الرواية يبعث في العالم الثالث، وما يقوله عن الرواية الجديدة ينطبق على جميع الفنون ومنها الفن التشكيلي ففي أوروبا الغربية ـ كما يقول: "الفنان لا يستطيع أن يبيع لوحاته إلاّ من خلال سمسار ـ تصوروا السمسار هو الذي يحدد مواصفات اللوحة"(37)

الخطاب النقدي/ الشعر والفن

نلاحظ في الخطاب النقدي الذي ورد في روايات غالب هلسا بما يتصل يالشعر والفن مجموعة من الإشارات الواضحة إلى نظرية الالتزام التي تبناها الخطاب النقدي العام في ستينيات القرن الماضي؛ إذ تحدثنا رواية الضحك عن شاعر يصعد المنبر في النادي الذي يلتقي فيه المثقفون، ويعلن أنّه سيقرأ قصيدته التي فيها يمجد الشعب ويتهجم على الوجودية التي يراها عدوة للجماهير المسحوقة، وقبل إلقاء قصيدته يهتف الحاضرون بأن كلامه أروع من قصيدته التي لم يسمعوها:

         "ـ والله يا ابني كلامك أروع من أي قصيدة...

         ـ القصيدة.. قول القصيدة..

         ـ كلام فارغ" (38)

وفي رواية سلطانة يلقي الشاعر الذي يسمى عبد الجبار قصيدة في أحد النوادي التي كان يلتقي فيها الرفاق المناضلون في عمان. كانت القصيدة حول البؤس الفلسطيني داخل المخيم، ويتركز الحوار الذي دار بعد إلقاء عبد الجبار قصيدته حول مضمون القصيدة؛ فيرى أحدهم أنها من الشعر الثوري، وليس كشعر أبي نواس الذي يصف الحياة البرجوازية المنحلة والحياة في قصور الخلفاء، ويرى أن شعر عبد الجبار: "أفضل من شعر أبي نواس" (39) لكن ما يخالف هذه الصورة ذلك الحكم الذي يبدو على وجوه المستمعين لشاعر يستدعيه الراوي في رواية الضحك، وهو يلقي قصيدة وطنية لا تؤثر في الحاضرين، وتبدو وجوههم عابسة ساهية: "عناصر الصورة: انفعال الشاعر وصمت العالم"(40)

         ويجري الحكم على الشعراء في الحوار الذي دار بين الحاضرين في صالون النزل الذي تقيم فيه ليزا إحدى شخصيات الخماسين؛ فيتحدث محمد، وهو طالب من غانا اعتنق الإسلام ويدرس في الأزهر أنّه يحفظ المعلقات، وأن معلقة زهير بن أبي سلمى أقرب المعلقات إلى نفسه، ويحكم على صاحبها بأنّه "شاعر حكيم" (41)

كما تظهر في عدة مواقف من روايات غالب هلسا تأملات وأفكار نقدية حول لوحات من الفن التشكيلي؛ ففي رواية البكاء على الأطلال يتأمل الراوي الشخصية الرئيسية اللوحات التي تزين جدران الحجرة في البيت الذي استضافه في القاهرة، ويقف عند ثلاث لوحات: الأولى صورة الفنان لرمبرانت، والثانية لوحة صورة امرأة لفان دايك، والثالثة التي كانت بين اللوحتين وهي صورة الموناليزا، وعندما يقوده صاحب البيت إلى حجرة النوم يشد انتباهه صورة زيتية لغابة أوروبية؛ فيستغرق في تأمل ما فيها من أشجار وأبقار ورجال يرتدون قمصاناً حمر، وعلى رؤوسهم قبعات عريضة، كما يتأمل فيها ذلك النهر الأزرق الذي ظهرت على شاطئيه أكوام مستطيلة من الثلج "كأنّها قطع من القطن الطبي تشير إلى الغيوم"(42)

نلاحظ أن الراوي يقدم تفاصيل اللوحة ويشرح تقنيتها ومرجعيتها الفنية، وفي ذلك إظهار لذوق الشخصية وثقافتها وحالتها الاجتماعية والاقتصادية، فكما يقول ميشال بوتور:" إن وصف الأثاث والأغراض هو نوع من وصف الأشخاص الذي لا غنى عنه: فهنالك أشياء لا يمكن أن يفهمها القارئ ويحسها إلاّ إذا وضعنا أمام ناظريه الديكور وتوابع العمل ولواحقه"(43)

كما يلاحظ أن الراوي عندما يتأمل اللوحة فإنه لا يتأملها من خلال امتداد المكان الذي وضعت فيه فحسب بل من خلال التداعيات التي تستدعيها أيضاً؛ إذ تنقله لوحة رسام هولندي من القرن السابع عشر بضوئها الضعيف وألوانها القاتمة إلى ذكريات بعيدة حيث قريته التي عاش فيها، وهي قرية قريبة من قرية غالب الروائي إذ تذكره بـ "الأيقونات، أيقونة العذراء مريم والطفل والشمع يشتعل أمامها في عتمة الدار الكبيرة"(44)

ومثل هذه التداعيات نجدها متمثلة في شخصية عزة في رواية البكاء على الأطلال إذ تسقط مشاعرها على مشاهد فيلم سينمائي شاهدته؛ فكأنها تلك الفتاة التي ظهرت في ذلك الفيلم الذي لا تذكر اسمه، كانت تسير متألمة متخاذلة بعد أن تخلى عنها ذلك الرجل الذي خدعها، وألقى بها في الشارع، ولما كانت لا تتذكر الفيلم جيداً فإنها تحاول أن تؤلفه في خيالها "في دقائق ودون اكتراث"( 45

خلاصة واستنتاجات

يلاحظ أن الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا قد امتند إلى روايات غالب السبع ، وظهر في كلام الراوي والشخصيات الروائية وبخاصة الرئيسية منها، ويعود ذلك إلى الظهور المتكرر لكثير من الشخصيات نفسها بما تحمل من خصائص، حتى إن بعضها حافظت على أسمائها في عدة روايات، فشخصية عزة على سبيل المثال، وردت في روايات: الخماسين، والبكاء على الأطلال، وسلطانة، والضحك، وشخصية تفيدة ظهرت في روايتي: الروائيون، والسؤال، كما أن الشخصيات الرئيسية في بعض الروايات حملت ملامح قريبة من مؤلفها غالب، كجريس في سلطانة، وإيهاب في الروائيون، وخالد في البكاء على الأطلال، ومصطفى في السؤال، كما أن اسمه برز عارياً في الخماسين، وثلاثة وجوه لبغداد.

 

ويلاحظ أن الرواية ظفرت بالنصيب الأكبر من الخطاب النقدي بخلاف الشعر والفن التشكيلي والسينمائي، وجاء عنوان إحدى الروايات الروائيون، ولا غرابة في ذلك فالمؤلف روائي خبر الرواية، وعرف أسرارها وتقنياتها، كما جمع إلى مهارته الروائية القدرة على النقد.

لقد اهتم الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا بوصف عملية الكتابة وخصوصاً الرواية، ولعلّ في هذا تأثراً بالرواية الغربيّة التي اتجهت إلى نفسها؛ فراحت تشرح تكوينها مبتعدة عن الواقع الخارجي خالقة عالماً مغايراً للقص التقليدي :"لم تعد الرواية مغامرة البطل في الواقع الخارجي بل مغامرة الكتابة نفسها. وقد دخلت الكتابة القصصية الحديثة هذا الأفق المغلق حيث لا يستطيع المتلقي أن يخترق هذا الإغلاق والغموض. فالقصة لا تعنيه هو ولا تعني الواقع الذي يعيش فيه بل تعني ذاتها"( 46)

أما بالنسبة إلى توظيف الخطاب النقدي في روايات غالب هلسا فجاء مندغماً في عناصر الرواية ونسيجها ؛ ومتلائما مع خصائص الشخصية ووظائفها؛ فهي شخصيات مثقفة وواعية تمارس الكتابة، وتهتم بالرواية والفنون الأخرى، كما ساهم الخطاب في رسم كثير من أحداث الرواية وبعث الحياة فيها.إنه باختصار خطاب لم يكن منعزلاً عن الكل الروائي.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الإحالات

(1)    الرويلي، ميجان. والبازعي، سعد، دليل الناقد الأدبي، 1995، ص74.

(2)    المديني، أحمد، في أصول الخطاب النقدي الجديد، بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1999، ص39.

(3)    بارت، رولان، التحليل البنيوي للسرد، ترجمة مجموعة من المؤلفين، مجلة آفاق المغربيّة، ص8، 9 (1988)، ص9.

(4)    كرزويل، ديث، عصر البنيوية من ليفي شتراول إلى فوكو، ترجمة جابر عصفور، بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1985، ص269.

(5)    باختين، ميخائيل، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، بيروت: دار الفكر، 1987.

(6)    يقطين، سعيد، تحليل الخطاب الروائي، الزمن السرد، التبئير، بيروت: الدار البيضاء؛ المركز الثقافي العربي، 1989.

(7)    القواسمة، محمد عبد الله، الخطاب الروائي في الأردن، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1995.

(8)    باختين، ميخائيل، المرجع السابق، ص38 

(9)  غالب هلسا( 1932ـ1989)أديب أردني، ولد في قرية ماعين، بالقرب من مدينة مأدبا في جنوبي عمّان تلقّى علومه الابتدائيّة في القرية ثم في مدينة مأدبا، ثم انتقل إلى مدينة عمّان والتحق بمدرسة المطران . انضم إلى الحزب الشيوعي مطلع عام 1950، وفي السنة نفسها سافر إلى بيروت ليدرس  بالجامعة الأمريكيّة. ولم يستطع لنشاطاته السياسيّة أن يكمل دراسته، فعاد بعد سنة إلى الأردن، اعتقل، وسجن. وبعد الإفراج عنه تمكّن من الوصول إلى بغداد، والتحق بالجامعة لدراسة الحقوق، وانتهى به نشاطه إلى الاعتقال ثم الطرد إلى الحدود الأردنيّة. ثم استطاع أن يغادر الأردن إلى القاهرة لدراسة الصحافة في الجامعة الأمريكيّة، عمل في وكالة أنباء الصين الجديدة "صينهوا"، ثم في وكالة أنباء ألمانيا الديمقراطيّة، وأسهم في إصدار المجلة الثقافيّة جاليري 68 التي تبنَّت الكتَّاب الشباب آنذاك.  وتعرّض غالب في أثناء إقامته بمصر إلى السجن. وفي عام1976  طرد إلى بغداد. وعندما اشتدّت المضايقة عليه ضمن الحملة القاسية على الشيوعيّين في عام1978 غادر العراق إلى بيروت. وفي بيروت انضمّ إلى المقاومة الفلسطينيّة.  رُحّل مع المقاتلين الفلسطينيّين عبر البحر إلى عدن، ثم جاء منها إلى دمشق في نهاية عام 1982 ليساهم في صحافة الثورة الفلسطينيّة، ويشارك في إصدار مجلّة الكاتب الفلسطينيّ، ويعمل عضواً في لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنيّة الفلسطينيّة. وفي عام 1984 عمل مسؤولاً عن العلاقات الثقافيّة في دائرة الإعلام المركزيّ لحركة فتح الانتفاضة.   وفي النهاية يُصاب غالب بنوبة قلبيّة حادّة في اليوم الثامن عشر من كانون أول عام 1989، فيُنقل إلى مشفى الأسد في دمشق، ولكنّه يُتوفّى في ذلك اليوم نفسه الذي وُلد فيه من عام 1932، ثم يُنقل جثمانه إلى مدينة عمّان بعد ثلاثة وثلاثين عاماً من فراقها ليدفن في مقبرة أمّ الحيران. له سبع روايات، هي:  البكاء على الأطلال، بيروت: دار ابن خلدون، 1980. الضحك، ط2، دمشق: دار المصير ، 1981. ثلاثة وجوه لبغداد، نيقوسيا: آفاق للدراسات والنشر، 1984.  الخماسين، ط2، بيروت: دار ابن رشد، 1978. الروائيّون، دمشق: الزاوية ، 1988.  سلطانة، بيروت؛ دمشق: دار الحقائق، 1987.  السؤال، ط2، دمشق: [لا.ن.]، 1986. وله في القصّة القصيرة : وديع والقدّيسة ميلاده وآخرون، القاهرة: مطبعة كوستا توماس وشركاه، 1968. زنوج وبدو وفلاحون، ط2، دمشق: دار المصير، 1980.وفي النقد الأدبيّ:  قراءات في أعمال يوسف الصايغ.. دمشق: دار ابن رشد، [لا.ت] فصول في النقد، بيروت: دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1984. المكان في الرواية العربيّة، دمشق، دار ابن هانئ، 1989._ نقد الأدب الصهيونيّ: دراسة أيديولوجيّة ونقديّة لأعمال الكاتب الصهيونيّ عاموس عوز مع الترجمة الكاملة لروايته الحروب الصليبيّة، بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 1995. وفي الدراسات الفكريّة: العالم مادّة وحركة: دراسات في الفلسفة العربيّة الإسلاميّة، بيروت: دار الكلمة للنشر،1980. وفي الترجمة: وليم فوكنر، مايكل ملجيت، بيروت، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 1976._ برنارد شو، أ.م. جبس، بيروت: المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، 1977. جماليّات المكان، غاستون باشلار. بغداد: وزارة الثقافة والإعلام، دار الجاحظ للنشر، 1980. الحارس في حقل الشوفان، ج.د. سالنجر،ط3، بيروت: دار الحقيقة، 1988.

(10)      هلسا، غالب، الخماسين، ط2، بيروت: دار ابن رشد، 1978،ص114.

(11)      هلسا، غالب، سلطانة، بيروت: دمشق: دار الحقائق، 1987، ص445.

(12)      نفسه، ص33

(13)      نفسه، ص361-362.

(14)      هلسا، غالب، البكاء على الأطلال، بيروت: دار ابن خلدون، 1980، ص197.

(15)      نفسه، ص200.

(16)      هلسا، غالب، الضحك، ط2، دمشق: دار المصير، 1981، ص237

(17)      الجاحظ، الببان والتبيين، تحقيق فوزي عطوي، بيروت: دار صعب، 1968، 87/1

(18)      هلسا، غالب، ثلاثة وجوه لبغداد، نيقوسيا: آفاق للدراسات والنشر، 1984، ص172

(19)      هلسا، غالب، الروائيون، دمشق: الزاوية: 1988، ص197.

(20)      ثلاثة وجوه لبغداد، ص100

(21)      نفسه، الصفحة نفسها.

(22)      الروائيون، ص199.

(23)      نفسه، ص200.

(24)      هلسا، غالب، السؤال، ط2، دمشق،] لا.ن[، 1986، ص19.

(25)      الروائيون، ص82.

(26)      الضحك، ص238.

(27)      الروائيون، ص60

(28)      نفسه، ص81.

(29)      نفسه، ص207 - 208

(30)      الضحك، ص108.

(31)      الخماسين، ص158.

(32)      البكاء على الأطلال، ص66.

(33)      نفسه، الصفحة نفسها.

(34)      الروائيون، ص82.

(35)      القواسمة، محمد عبدالله، البنية الزمنية في روايات غالب هلسا، عمان: وزارة الثقافة، 2006، ص40.

(36)      الخماسين، ص153.

(37)      البكاء على الأطلال، ص125.

(38)      الضحك، ص37.

(39)      سلطانة، ص333.

(40)      الضحك، ص315.

(41)      الخماسين، ص115.

(42)      البكاءعلى الأطلال، ص19

(43)      بوتور، ميشال، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، ط2، بيروت؛ باريس: عويدات، 1982، ص53.

(44)      البكاء على الأطلال، ص118.

(45)      نفسه، ص204.

(46)      طعمة، أنطوان، السيميولوجيا والأدب: مقاربة سيميولوجية تطبيقية للقصة الحديثة والمعاصرة، عالم الفكر، م 24، ع3(1996)، ص214.