pdf    موضوعة السجن في الشعر الجزائري الثوري

الموقف والتجربة الفنية.

 

أ/د.حبيب مونسي

جامعة الجزائر ( الجزائر )

 

تقديم:

لم تكن الثورة الجزائرية ميدانا تتكسر فيه النصال على النصال، وإنما كانت الثورة- كذلك فسحة جمالية تتلاقى فيها عطاءات الوجدان. فتلتحم بالمواقف المختلفة مفضية إلى تجارب فنية ناضجة، قد تأتت لها من الدهر نار منضجة، تمحّصت فيها المقولات المختلفة. فأعطت نتاجا ، نقف اليوم أمامه، موقف إجلال وإكبار، متسائلين: كيف استطاعت مثل تلك التجارب أن تؤدي وظيفتين في آن واحد؟ : وظيفة النضال. ووظيفة الإبداع !

وإذا قدرنا للشاعر حيثيات يعمرها الخوف والترقب، والترحل المستمر. فمتى واتته السكينة لإفراغ ذلك التوتر، وذلك الخوف، وذلك الأمل في صنيع فني ؟ أم أن الموقف المشحون بالقلاقل ، كفيل بمفرده لإخراج العمل الفني في ثوب رائق جميل ؟ تقف القراءة إزاءه مشدودة مشدوهة. وكلما أجرت فيه أداة وجدت فيه طواعية وانفتاحا. وكأن النص في تلك الظروف اكتنز أسئلته الخاصة، فلم تعد تفاجئه القراءة . بل يتكيف مع مطالبها . فيكون لها النص مراغا واسعا تتفنن في استخراج أسراره وجواهره.

وربما كان للموقف المشحون بالمشاعر الحادة، و وقوف الموت والحياة جنبا إلى جنب في أية لحظة، واختلاطهما في تركيب عجيب غريب لم تعهده النفس من قبل، تتوجس منه خيفة، وتقبل عليه تتحسس جوهره ومبناه. سحر آخر ينضاف إلى سحر المضمون. إذ لم تعد الكلمات خجلى ، مدارية ، رواغة، وإنما كانت الكلمات "عارية" "صاخبة" تحمل حقيقتها في كفها. فلا تداري قارئا ، ولا مستمعا. فقد تلاشى عنها ظل النفاق والخوف. فهي في بساطتها كالقذيفة خالية من حياة، وهي كالحياة مترعة بالمكر والخديعة في آن. وهي في رمزيتها كالوجود الملغز المشحون بالدلالة والتحول.

1-الموقف وأصول التجربة الفنية:

من اليسير أن ندرك خطورة المواقف في سلوك كل فرد، مهما كانت الاستجابات التي تتمخض عنها. إلاّ أنه من العسير جدا بل ومن المتعذر في أحايين كثيرة أن ندرك جملة العناصر المشكِّلة للمواقف من ناحية، مادية ومعنوية، والأخرى التي تتفصد عن ارتسام علامات المواقف على صفحة الشخصية، وما يميز هذه الأخيرة عن غيرها من الشخصيات. كما أن الحادث من تلاحم الموقف مع خصوصية كل فرد إنما هو من قبيل التفاعل المعقد الغامض الذي نشهد بعض آثاره في خواص المادة. ويعسر علينا إدراك كمِّه وكيفه.

لقد أدرك النقد القديم، غموض هذه المسألة في عالم الفن. فاكتفى بالإشارة إلى التلاحم الذي ذكرناه، وسكت عن كيفيات الاختلاط. فالفكرة مثلا عند "أرسطو" هي :» القدرة على إيجاد اللغة التي  يقتضيها الموقف، و يتلاءم  وإياها.« (1) بيد أن الاستجابة لهذا المطلب تفرض على كل منفعل للموقف، الراغب في التعبير عنه، أن يقوم بعمليتين اثنتين تباعا:

ا-إيجاد اللغة:

إذ لا يكفي أن يركن الفنان إلى الموروث القائم في اللغة، في شكله ومادته، وما صاغته الألسن في مثل تلك المواقف، وما استحسنت من لفظ، وما استملحت من عبارة، وما ابتغت من دلالة. لأن الاكتفاء بالموجود الموروث، إنهاك لحرارة الموقف وجدّته. ما دامت التعابير السالفة قد استنفدت المواقف التي من أجلها أنشئت. فكل موقف يفرز من خلال عناصره المادية والمعنوية جملة من المتطلبات الفنية. وكل استجابة له، إنما تخلق له لغته الخاصة. فإذا تولى الموقف، واستنفد طاقته، تولّت العبارة التي من أجله أنشئت، فلم تعد صالحة في تركيبها ذاك، وحرارتها تلك، لتعبر عن موقف جديد إلاّ من خلال المماثلة فقط. وهي خطوة تبتعد عن الموقف الخاص وتقلل من شدّته.

إننا من خلال ترديد مَثَل ما، نعلن عن عجزنا عن إيجاد اللغة التي تعبر عن مواقفنا الخاصة، فنكتفي ب"استعارة" باردة، خبت جذوتها، وغدت رمادا باليا. ومهما تفننا في إخراج المثل، فلن نبلغ حرارة ذلك الموقف، وجدّة تلك اللغة كما كانت حينما قال أعرابي لأخيه وهو يراه يغرق في السيل الجارف - :( يداك أوكتا، وفوك نفخ ) . ونكاد نجزم أنه لم يقصد التفنن في القول، وإنما كان همُّه الأول - في تلك اللحظة الحرجة، الضيقة تحديد مسؤولية الغريق، ونفيها عن نفسه. فاقتضى الموقف منه التركيز على سببي النجاة والحيطة. ثم جاء بترتيب "غريب" ملفت للانتباه، حين بدأ بعقد الحبل ولم يبدأ بالنفخ. لأنه يدرك في هذه اللحظة، أن سبب هلاك صاحبه يعود إلى وهن في الوكاء (2) لا إلى قلّة النفخ. إننا نلمح في تسارع العبارة، وتركيزها على هذه النقطة بدل تلك، أنها تمتح هيأتها من هيأة الموقف المتسارع المضطرب. إنها قضية لحظات فقط . وقد استطاع الأعرابي أن يجد اللغة التي يقتضيها الموقف، وتعبر هي عنه أحسن تعبير.

ب-التلاؤم:

وإذا تملينا المثل الذي سقناه جيدا، أدركنا قيمة العنصر الثاني الذي أضافه "أرسطو" في تحديده الفكرة. ذلك أن التلاؤم يضفي على العبارة بعدها النفسي، والاجتماعي،والإنساني، بحسب الغرض العام للتعبير. فالأعرابي في هذا المثل لا يريد أن يخبر الغريق بحقيقة جديدة عليه، لأنه يعانيها حين النطق بالعبارة. وإنما غرضه أن ينفض يديه من مسؤولية ما يحدث أمامه. فالبعد إذن بعد نفسي/ اجتماعي. نفسي من حيث طمأنة الذات حتى لا يؤنبها ضمير. واجتماعي حتى لا يُطَالَب بثأر. وعبارة المثل ، سواء صاح بها الأعرابي في وجه صاحبه، أو قالها لنفسه، تؤدي هذه الوظيفة أداء رائعا. ومن ثم سارت بين الناس مثلا. فالتلاؤم بينها وبين خصوصية الموقف، هو الذي رفعها إلى مرتبة الأمثال الخالدة.

لقد سمى العرب هذه التركيبة "مراعاة مقتضى الحال" في حديثهم عن البلاغة . وقد وسع النقد الحديث درسه للموقف "Situation" من خلال فرزه للعناصر التي تتشابك في بنيته "الزمكانية" . وقد جعلها ثلاثة جوانب:» إنساني في تعبير الكاتب عن المشاعر، وتصويره للأفكار التي يجابه بها الواقع. سواء كان واقعيا ذاتيا، أم اجتماعيا . ثم جانب فني عام يتعلق بطبيعة الموقف تبعا للقواعد الفنية التي يحتملها التصوير الأدبي، مادامت طبيعة الأدب تستلزم التجسيم للأفكار بالطرق الفنية لا التجريد. ثم فني خاص تبعا للأجناس الأدبية.« (3)

إن التعبير عن المواقف مجابهة للواقع، واتخاذ "موقف" إزاءه. لأن المجابهة تقتضي الإفصاح عن رأي، أو قرار، أو سلوك. عندها ندرك أن المواقف تشكيلات خاصة ضمن الواقع، تتضمن زمانا ومكانا يعطيان للموقف بعدا مأساويا، تتلون فيه المشاعر بحسب طبيعة الزمان والمكان. كما أن المجابهة لا تكتسب بعدها الإنساني التراجيدي إلاّ من خلال تشابك عناصر الموقف مع عنصري الزمان والمكان، في إطار  وعي خاص باللحظة القائمة. لأنه :» على قدر وعي الأديب بالواقع الذي يعايشه، وإدراكه لطبيعة الصراعات والعلاقات فيه، يتضح موقفه الفكري إزاءه، وتتحدد فلسفته في التعبير الفني معه.« (4) فالموقف إذن ليس معطى خارجي صرفا، إنما هو من خلال التعبير الفني إنشاء ذاتي، لا يتكرر أبدا في ذات الصفة والشكل.ما دامت الإدراكات لطبيعة الصراعات تتبدل وتتغير تبعا لتبدل الوعي  وتجدد أسس انبنائه. فالفنان لا يرسم الواقع:» كما هو مستقلا عنه، وبلا مشاركة منه، لأنه غير مكلف فقط بتقديم تقرير عن نتيجة المعركة. بل هو واحد من المناضلين، له نصيب من المبادرة التاريخية، ومن المسؤولية.« (5)

لقد حاول "أرسطو" من قبل التأكيد على مشاركة الأديب من خلال "إيجاد اللغة" و "الملاءمة" بينها وبين الموقف. وفي ذلك دمج للفنان في الواقع، تتأكد من خلاله مسؤولية هذا الأخير في كيفية عرضه وتقديمه. إذ هو جزء منه، يحاول أن ينتزعه عبر اللغة ليكون واقعا خاصا في لحظة خاصة. مادام الواقع في جملته:» ليس إلاّ محصلة لجميع العلاقات المتشابكة بين الذات والموضوع. لا الماضية فحسب، وإنما المستقبلية أيضا. ولا تنحصر في الأحداث الخارجية وحدها، وإنما يشمل أيضا التجارب الذاتية.« (6)

2-الإبداع والموقف الثوري:

إن عبقرية الموقف إذا وافت عبقرية الفنان، صنعت فنا يتجاوز حدود المكان والزمان معا. ذلك أن الموقف "الصادق" بما أمدّ من مشاعر وتعابير، يكسب الألفاظ كثيرا من حدّته، وصرامته، وتوقد أحاسيسه. إذ الموقف هو الآخر فضاء محاصر، تعتوره مضايقات شتى تهدده بالتحول المستمر بحسب حاجات الوعي، وتلوّناته الآنية والبعيدة. فالمكان الذي:» يعيش فيه البشر مكان ثقافي، أي أن الإنسان يحول معطيات الواقع المحسوس وينظمها، لا من خلال توظيفها المادي لسد حاجاته المعيشة فقط، بل من خلال إعطائها دلالة وقيمة. وتكتسب عناصر العالم المحسوس دلالتها من خلال إدخالها في نظام اللغة. فاللغة هي المقابل اللاّمحسوس لعالم المحسوسات.« (7) وكأن الموقف يكتنز "إيجاد اللغة" التي تستطيع حمل ظلال الموقف، والأحاسيس المرافقة له حملا بالقوة، لا حملا بالفعل.

إن الثورة انقلاب مستمر للأحداث، وتوال متسارع لها! فالموقف "الحار" قد لا يدوم طويلا، تلحظه " النفس الشاعرة" طرفة عين، فيرتسم في أغوارها فكرة غامضة، ويعتمل في مسالك قرارتها مولدا سلاسل من التأملات والانبثاقات المتلاحقة، تتزاحم فيها الصور تباعا. وعندما يتاح للتجربة أن تستكتب ذاتها، وتخرج واقعها، تبدو الكتابة وقد اكتنزت "اللحظة" و حيثياتها ومشاعرها. فيتحقق بذلك شرط الإبداع الصادق من جهة، وشرط نقاء التجربة من جهة أخرى.

إن فهم الموقف على هذه الصورة، يدفع ما رآه بعض النقاد من أن الشعر الثوري، شعر خطابي سطحي، يخلو من حرارة الإبداع، ودفء الصناعة. وقد وجدنا "صلاح خرفي" يدفع ذلك معتقدا أن الموقف لم يكن ليتيح للشاعر فرصة المراجعة. فالشاعر يهتبل اللحظة العابرة ليسجل موقفا طارئا، لم تكتمل عناصره وشروطه. ومن ثم يقف "صالح خرفي الشاعر" مترددا في اختيار المعيار الذي يزن به قيمة شعره، فيقول:» وكم تجاذبني نظرتان: نظرة مثالية فنية تزهدني فيها ( مجموعته الشعرية)، إذ أعترف بأن أغلب قصائد المجموعة سجِّل تلبية للمناسبة العابرة، وتحت إلحاحها القاسي. وربما برر هذه التلبية  الفورية عندي، إيماني بأن الثورة المشتعلة في حاجة إلى صوت يحمس لها، أكثر من حاجتها إلى نغمة "حالمة" تتغنى بها. وكنت لا أستنكف أن أجد نفسي غير مرة في موقف خطيب لا شاعر، ما دامت الثورة التي تلهمني، تجعلني كأني على صخرة من صخور الأطلس الشامخ أهيب بالثائرين الأحرار.وإذا كان العمل الفني في حاجة إلى "هدأة"، فتلك التي لم يكن في وسع الثورة المتجددة مع الدقائق والثواني أن توفرها لنا. ولم يكن في وسعنا أن نمر بالحادثة البطولية مر الكرام، سعيا وراء الفن الأمثل.«(8)

بيد أن الموقف يُفترض فيه أن يحدد نمط القراءة، حينما يعين النص استجابة فورية للحظة معينة. وقراءة الشعر الذي كتب على قمم الجبال، لا يشترط فيه شرائط الصنعة، إلاّ ما جاء عفوا. وإنما يشترط فيه "صدق التجربة". ولا نريد من "الصدق" فحواه الأخلاقي، بقدر ما نريد فحوى التجربة الإنسانية في خوفها وأملها، في استكانتها وثورتها. إنها حالات قد تخالط الذات الواحدة في الموقف الواحد، فتعطي إعصارا من الغضب والتحدي. غير أن الإقبال على هذه "الجُمُلة" "Totalité" الانفعالية، يقتضي منّا إدراك خلفيات ذلك التقاطع وذلك التفاعل. ونحن نعرف اليوم أن لاختلاط المشاعر مفعول كيماوي يصعب التنبؤ بنتائجه. فقد يتولد الأمل من موقف الخيبة، ويتولد الحذر من موقف الرجاء. وتلك نتائج لا يمكن التحكم فيها، وإنما الذات تملي فيها مخاوفها وآمالها. كذلك جاء الشعر مفعما بالشجاعة وهو ينطلق من حيز ضيق، يحاصره الموت من كل جانب.

3-السجن فضاء للموقف الفني:

  إننا ننظر إلى موضوعة السجن "Thème" على أنها فضاء يحتوي الموقف الفني ويوجهه، ويبعث فيه شروط الإبداع المختلفة، ويمكِّنه من "الهدأة" ، فتكتسب اللغة فيها طابعا خاصا، تتأرجح دلالتها بين قطبين: قطب الداخل، وقطب الخارج/ قطب الحقيقة، وقطب الرمز. إن اللغة تفقد وظيفتها الدلالية المعهودة، لتكتسب من الموقف مرجعية تأثيلية، تغترف منها رمزيتها وإشاريتها. وتغدو قراءة اللغة في هذا الفضاء: الضيق / الواسع ضربا من التجديد في قاموسها الدلالي. إذ يتوجب أساسا إهمال ما هو معروف، وجار على الألسنة، ومصاحبة الشاعر في هذا الفضاء.. في مشاعره، ومخاوفه، وآلامه، في ما يريده من لغته لنفسه ولغيره. إنه عالم خاص، له قوانينه، وأعرافه، وعاداته، وبالتالي له لغته الخاصة. فكل كلام يندّ عن هذه الدائرة المغلقة، كلام غريب مردود.

  إن محاورة الشاعر خارج هذه الدائرة يضع اللغة في مأزق حرج، إذ لا يحمل الخطاب عين الدلالة، وعين الرمز. ولكن الشاعر يسدّ هذه الثغرة حين يعتبر أن كل "جزائري" تحت نير الاستعمار- يحمل زنزانته في داخليته.. "في الحنايا". وعلى هذا الاعتبار فقط، تكون الذات المتلقية مضبوطة على نفس موجات البث الشعري. فالداخل والخارج سيان في كل ذات، سواء أكانت نزيلة في ضيق المكان( السجن) أو خارجه، نزيلة وضع يتسلط في الآخر على جميع الحريات. ما دام المكان يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الحرية. ومما لاشك فيه أن الحرية:» في أكثر صورها بدائية، هي حرية الحركة. ويمكن القول أن العلاقة بين الإنسان والمكان من هذا المنحى تظهر بوصفها علاقة جدلية بين المكان والحرية. وتصبح الحرية في هذا المضمار، هي مجموع الأفعال التي يستطيع الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات، أي بقوى ناتجة عن الوسط الخارجي، لا يقدر على قهرها أو تجاوزها.« (9) وقد يتضح الأمر أكثر، إذا أدركنا أن القارئ الضمني الذي يخاطبه الشاعر، قارئ مستعمَر تتساوى إقامته خارج السجن وداخله.

إن موضوعة السجن تحدد موقفها الخاص "الستاتيكي" نسبيا، ما دام الزمن الذي يجري فيه لا يسلك مجرى الزمن "الكرونولوجي" الخارجي. فللسجن زمنه الخاص الذي يتخلل الذات المسجونة، ويطبعها بحركته شبه الراكدة، والتي من شأنها تبليد الإحساس، وقتل المبادرة، وإخماد الثورة..بيد أن هذا الزمن "الدائري" يتيح شيئا من الانفراج والانفتاح، فيفسح صدره للتأمل والمراجعة. وبذلك ينتفي وجوده "المادي" حاجزا، ليسكن منطقة "البين بين". إنه جزيرة تقع على مسافة ما بين الواقع واللاّواقع، بين الوجود واللاّوجود، بين السماء والأرض، بين الحياة والموت، على مدرج التأمل الثاقب.. إنه هناك وهنا في ذات الآن.

ولما كان السجن كذلك، كان الموقف الذي يشمله، موقفا متباطئا، متراخيا، تعود فيه الذكرى فتعمر أرجاءه، وتعود المواقف السالفة إلى حيزه لتأخذ نصيبها من التروي والدرس. عندها يكتمل شرط النضج للتجربة الفنية. فتتحلل اللغة من دلالتها المباشرة وتروغ إلى الرمز، حتى تتمكن من احتواء الظلال الكثيفة للمواقف القديمة. وتنشأ القصيدة هذه المرة لا كاستجابة فورية، وإنما تأخذ حظها من الصناعة والمراجعة. ففضاء السجن لا يمتّ ظاهريا بصلة للمواقف التي سلفت، وإنما العلاقة هنا ، علاقة استشراف وإطلالة.

إن عملية الإبداع داخل السجن، هي دائما محاولات لنسف "المكان"، وفتق حدوده، وتجاوزها. فكل بيت من الشعر يتغنى به الشاعر، إنما هو "مشروع" "Projet"- في عرف الوجوديين ليحقق من خلاله "أناه" خارج الموقف المحاصر.وربما فسر لنا هذا الفهم جنوح "مفدي زكرياء" إلى إشارات تتصل بعالم القداسة العلوية ك"المعراج، والمهبط، والمسرى..".إنها رموز للانفلات من قبضة "الإنساني" المحدود العاجز:» إلى غاية له يحاول بها التغيير من حالته الحاضرة.« (10). فالسجن، وإن تحقق مكانيا،حيزا للقهر والحجر، فإنه زمنيا تعطيل لسيرورة الحياة..حياة فرد معين. وكأن السجّان يريد أن "يوقف" حياة السجين لسنوات معدودات، ثم يعيد "تشغيله" بعد ذلك. فالإقصاء مضاعف: إقصاء مكاني، وإقصاء زماني. وهنا تتكشف فكرة "البين بين". فالسجن لاوجود له في المكان العام "Public" المشترك، ولا في الزمان العام. إنما هو مقصى.

4-السجن.قداسة الفضاء الرمزي:

تأخذ موضوعة السجن عند "مفدي زكرياء" طابع الفضاء المتعدد الدلالة، والذي يلتقي فيه الموقف الإنساني بشتى مشكِّلاته، فيأخذ أبعادا تجعله مكانا خاصا "Spécial" يتسم بجماليات متعددة، كثيرة الثراء، تسمو على الواقع، وتتجاوزه لتشكِّل منطقة "موجبة" "Positive" على الدوام. فالسجن عنده لا يرادف الحجر والمنع، بل يرادف التحرر والانطلاق والريادة. فتنتفي دلالته المعجمية الأولى، وتتلاشى وظيفته الاستعمارية، لتحل محلها وظيفة أخرى أكبر خطرا.. إنه يخاطبه قائلا:

يا سجن ازخر بجنود  الكفاح

فأنت يا سجن  طريق الخــــلود

أنــــــــت  مـــحــــــراب الــــــــــــضحــايـــا

يا مصنع المجد ورمز الــــــــــفـدا

يا مهبط الوحي لشعـر  البقـــــــا

يا معقل الأبطال  و الشـهــــــــــدا

يا منتدى الأحرار والملتـقـــــــــــــــــى

أصبحت يا سجن لنـا معبــــــــــدا

عليك نتلو العهد  و الموثـقــــــــــــا

أنت أنت أنت يا بربروس.(11)

إن مراقبة اللغة من خلال هذه الموضوعة يكشف عن انزياح دلالي خطير في بنية النص.إذ تكون الانطلاقة من فضاء مشخّص مخاطب، تستقيم مناداته ب"يا سجن" لأنه "بربروس" وذلك هو نصيب الواقعي التقريري من النص.فإذا تمّ للشاعر هذا المنطلق الذي تستحيل فيه جدران السجن إلى مخاطب، تتقرر الصفة الإيجابية للسجن، إذ يغدو طريقا للخلود. فالجمع الذي يزخر به، لا يعاني فيه قيد الحجز والحجر، بل يستعد للانطلاق بعيدا.. إلى الخلود.

إن رمزية "الخلود" تكشف عن حمولة دينية زاخرة، تبدأ ببذل النفس، وتنتهي بالشهادة عند وعد الله  U :) ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون.( (آل عمران ).إنها رمزية تفتح السجن على فضاء آخر، أكثر طهارة من الفضاء الأول. ف"المحراب" قطعة منه تتعالى لتسكن فسحت "البين بين" البرزخية، تتأتى فيها الصلة المنشودة بالعالم العلوي. فالتحول من الحشد والتجميع إلى الطريق..إلى المحراب..رحلة يتعدد فيها الفضاء الجديد للسجن، من "النحن" إلى "الأنا"، من الهم الجماعي إلى الاهتمام الفردي، فتزول عنه عوارض الدنيا ليسمو إلى مدارات الطهر الخالص.وأي مجد أرسى دعامة من التضحية ؟.

وتتعدد العلاقة بين الفضاءين: فضاء المحراب، وفضاء الخلود عن طريق الوحي ومهبطه.. وذلك رمز آخر يحفل بحمولة دينية، تعطيه صدق الوعد، وصدق الموقف. إنه فضاء يتلقى فيه الشاعر نفثا علويا يؤكد صدق مقصده، وسلامة مسلكه، وعدالة قضيته. إن "المحراب" حيز منجاة ، و"المهبط" حيز وحي، يجعلان من السجن "المكان" "معراجا" تذرعه إرادة الله U ورغبة الشاعر في آن.ومن ثم يغدو فضاء السجن ، فضاء "وسيطا" "Intermédiaire" يستشرف الواقع ويعلوه. ويتحول الحيز الجديد إلى حيز إبداع يتأتى للشاعر فيه ما لا يتأتى له في غيره من فرائد القول، مادام نتاجه للبقاء والخلود. وأي مطلب أسمى تحلم به التجربة الإنسـانية من خلود آثارها !

إننا نشهد أن فضاء السجن- من خلال تعدد وظائفه يجسد موقفا إنسانيا تتحقق فيه الصلة بين الذات وخالقها، تحققا يتيح صفاءها ونقاءها. وتلك صرخة "يوسف": ) رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه.( (يوسف23) ولهذا السبب كان السجن مصنعا للمجد.

5-السجن. ثنائية الحياة والموت:

إذا كنا قد قررنا من قبل أن السجن معراج، تذرعه إرادة الله عز وجل، ورغبة الشاعر، فإن الوقوف مع السجين يبلور الفكرة ويعطيها أبعاداأخرى تتوسع معها مدارات الحيز، وتتقاطع فيها فضاءات شتى، وتعمرهارمزيات عدّة. يمكن استنطاقها انطلاقا من إدراك خصوصية كل فضاء. يقول "مفدي زكرياء" عن السجين المقاد إلى المقصلة:

قــــــام يـخـتــال كـالـمـسـيــح  وئيـدا

يـتـهـادى نـشـوانـا، يـتـلـو النشيـدا

باسم الثغر، كالملاك أو كالط

فـل يـسـتـقـبـل الـصـبـاح الـجديـدا

شـامـخـا أنـفــه، جـلالا  وتــيــهــا

رافـعـا رأسـه، يـنـاجــي الـخـلــــودا

رافلا في خلال زغردة تمـلأ

من لحنها  الفضاء البعيـدا. (12)

يمكننا الساعة تمثل الموقف داخل السجن، بل ومشاهدته من خلال الكتابة المشهدية، وعيون السجناء تطل من كوى الزنزانات، تراقب مرور السجين مقادا إلى الشهادة. إنه موقف تتوقف فيه كل حركة: حركة التنفس في الصدور، حركة الزمن بين الجدران، لأن النهاية الدنيوية قد أزفت. تتباطأ الحركة إلى درجة أن كل خطوة فيها تحتفر أثرها في النفوس. إن مساحة الكوة التي يطل منها السجين على رفيق دربه، لا تسمح له بالرؤية الشاملة، بل تقتطع من المشهد "لمحة" يُسجّل أثرها في نفسه وبصيرته، فيتوهم بعدها أن الحركة قد توقفت، وأنه يشاهد تفاصيل لا يشاهدها غيره. لهذا السبب تزاحمت التشبيهات في أبيات "مفدي زكرياء" تزاحما عجيبا. لأنه- وهو المطل من كوّته حافظ على لقطة واحدة من المشهد تقاطعت فيها مشاعر عدة. فراح يبحث لها عن معادلات في ذاكرته واعتقاده، والموكب يواصل سيره الجنائزي. فتزاحمت الصور في خلده.

إن الألفاظ في البيت الأول تكشف عن تباطؤ الزمن والحركة معا. ف"قام، يختال، وئيدا، يتلو.." كلها ألفاظ تختزن البطء، والسكينة، والوقار. فالقيام له حركته الخاصة، والاختيال له سيماته المميزة، والتوأدة، والتهادي، والتلاوة.. وكأن الحركة رسمت على شريط يتيح للعين فرصة التملي و التفرّس في أحوال السجين.

والغريب أن اللغة، هي الأخرى تشارك في صنع هذه الحركة المشهدية، إذ هي تدفع ب"المدود" إلى ساحة البيت لتمدد الكلمات "صوتا" وكأنها تتمدد نتيجة تمدد الزمن الحافل بالمشاعر. قام، يختال، شامخا، رافلا، رافعا..مسيح، وئيد، يتهادى، نشوان، باسم..ولم تخل كلمة من كلماته من مد، حتى يتوقف المشهد في سكونية المسيح التي تعرض بالمستعمر من خلال دفع زعم الصلب إلى يقين "بعث" عيسى عليه السلام.

وتتضافر الألفاظ من جهة ثانية لإشاعة جو من الإيجابية "Positivité" والإشراق على الموقف، وكأن الموت الأكيد خلاص وفوز. فالاختيال، والتهادي، والشموخ، والرّفل..إشارات تكتسب دلالتها الرمزية من فضاء : السجن/المعراج. فاللحظة..لحظة لقاء بين الذات وخالقها، وحُقّ لها أن تبتسم، وأن ترفل في صفائها كالمسيح..كالملاك.. كالطفل. إن عرض الموقف في إيجابيته المطلقة، يجعل من السجن فضاء محببا. وتبقى رمزية "الصباح" الجديد محل قراءتين: صباح الشهادة والخلود، وصباح الاستقلال والحرية. فالفضاء هنا دائرة "وجودية" "Existentielle" تلتقي فيها الحياة بالموت في تكامل، لا يحمل تعارضا أنطولوجيا. فالخلود حياة، والاستقلال حياة. وكما يبطن الخلود وفات، يبطن الاستقلال ممات.

6-السجن. فضاء تحول:

إذا سلمنا أن وضوعة السجن قد أخذت عند "مفدي زكرياء" شكل فضاءات متعددة :

سـيـان عـنــدي، مـفـتـــــــوح  ومـــــنــــغـــلـــــــــــــــق

ياسجن، بابك، أم  شُدّت به الحـلــــــــــــق

يا سجن ما أنت ؟ لا أخشاك تعرفني

من يحدق البحر، لا يحدق به الغـرق

إنـــي بـلـوتـك فـي ضـــيــق و فـي ســعــــــة

وذقت كأسك ، لاحقد ، و لاحنق. (13)

تتجاوب المواقف المثارة في لحظتها، فيجد فيه الشاعر فسحة لإنشاء جملة من "التحويلات" "Métamorphoses" الرمزية التي تنطلق من واقع عام-هذه المرة-     لتحاور الآخر. لذلك جاء الحديث مركزا على الانتماء، والأصالة، ملفوفا برمزية رومنسية جذابة:

اعصفي يا ريــــــــاح

واقصفي يا رعـــــــود

واثخني  يا جـــراح

واحـدقـي  يـا  قـيـود

نـحــن قـــوم  أبـــــــــــاة

لـيـس  فـيـنـا جـــبان.  (14)

لابد ابتداء من التكيز على خصوصية السجن عند "مفدي زكرياء" إنها خصوصية موجبة دائما، لا يتسرب إليها شك، ولا يساورها ريب. فهو الآن في ثوب من الرمزية لا يخشى أن يخاطب الرياح التي ترادف وضع البلاد، مخاطبة المتحدي الذي يستهين بفعلها. فيدعوها إلى مضاعفة النشاط. وقد يبدو الموقف غريبا إذا هو فهم على هذا النحو، ولكن رمزية "الرياح" ترتبط في ذهن المسلم دائما بالخصب والعطاء، لدعاء الرسول r :"اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا". ولارتباط الريح دائما بالهلاك والدمار. وقد يكون الاستعمال عند "مفدي زكرياء" مقصودا من باب معارضة المواقف ودفعها. فالعصف، والقصف، يثيران الخوف والفزع. وقد ارتبطا في المروث العرفي بهذه المعاني جملة. فالفضاء هنا فضاء تحول، يجعل من الواقع المعطى إمكانية تجاوز لواقع أحسن وأمثل. فالأمر في اثخني، واحدقي يعلن التحدي المستمر لذلك الواقع مادامت النتيجة: نحن قوم أباة، ليس فينا جبان.

 
 

 

 

 

 

Ellipse: حتمية  الثورة   

          

 
 

 

 

 

 

 

إن الفضاء يكشف عن تدبير حاذق لهندسة النص. وطابع التحويل يسكن الغضب والثورة التي صاغت مثل هذه الأبيات، وأعطتها هذه الرمزية القوية التي تكشف للقارئ صلابة العود، وإصرار السجين.

7-السجن. فضاء تأمل وفلسفة:

إن عناصر التحويل التي استنطقناها في الأبيات السالفة، توحي لنا بإمكانية أخرى تسكن هذا الفضاء، وتعطيه خصوصية جديدة تندرج في إطار إيجابيته، وتكسبه مجالا يعمره التأمل، والتفلسف. فتتسع دائرته، وتتحول حدوده إلى شيء يتجاوب فيه الداخل والخارج، ويتقاطعان في الذات الواحدة. فيعطي التأمل في هذه الحالة، تركيبا شعريا فلسفيا، تخالطه اللغة الحالمة، فتصبغه برومنسية لم نألفها في شعر "مفدي زكرياء" إلاّ لماما.. إنه يقول:

-في الحنايا.. وسواد  الليل قاتم

      مالت الأكوان  سكرى.. ثملات

      أودعتها  مهجة  الأقدار سـرا

-في الزوايا.. بين سهران ونائم

      ونجوم الـليل حيرى .. حالمات

      ضارعات، بث فيها الغيب أمرا

-والمنايا.. بين مظلوم و ظـالم

      مثقلات، ضقن صبرا.. جاثمات

      ظلن يرقن متى يطلعن فجـرا.  (15)

وتكشف هندسة النص، عن هندسة الفضاء/ المكان. فالسجن: فضاء تأمل يعطي للنفس فرصة مراجعة مواقفها. فيكون لها من هذه الوقفة حالة استبطان ذاتي يتحدد من خلالها الفضاء الداخلي الأول ( في الحنايا ) إنه السجن الأول، وما يعمره من مخاوف وآمال.. وتترادف ظلمة السجن وظلمة النفس، وتتراكب طبقاتها في آن. عندها تتحقق ثنائية الداخل/ الداخل، فيكون فضاء السجن فضاء مضاعفا: سجن الذات وسجن المستعمر. وفي هذه الحالة تأتي اللغة لتعطي لذلك التركيب جسدا لغويا ( إيجاد اللغة ). فالسواد رمزية تتناول متاعب النفس وهمومها، إذ لا يوصف الليل بالسواد إلاّ إمعانا في المبالغة واصطيادا للظلال النفسية فيه. ثم يأتي الليل رمزا للسكون والسكينة الظاهرية، وتعطل حركة الواقع. وفي هذا المشهد تميل الأكوان سكرى ثملات.. والأكوان جمع "مائع" رجراج، يتسع لكل كائن موجود.. وكأن سواد الواقع يشقيه ويتعبه، فيكون الليل فسحة تترنح فيها الأكوان مثقلة بالهموم والأحزان. إنها في حالتها تلك، تشكل بالنسبة للشاعر سرا.. وأي سر ! فللأقدار وقائع لا مراجعة فيها، وهي واقعة لا محالة. إنها تتعاطف مع الكائنات، فتستعمل مهجتها بدل قضائها. وهنا ينفتح الفضاء السجني لمعانقة الكون كله، ويتوحد معه تعاطفيا.. إنه فعل مشاركة.

تلك هي حقيقة الفضاء الداخلي.أما الفضاء الخارجي ( السجن ) فيتحدد المكان فيه من خلال "الزوايا" التي يتكدس فيها السجناء بين سهران ونائم. ويسهل علينا إسقاط معطيات العالم الخارجي على العالم الداخلي، فيكون السواد للسهر، ويكون الليل للنوم، وتكون النجوم للعيون.. نوم، وحيرة وأحلام. إن الفقرة الثانية كتابة فنية للفقرة الأولى، تلتمس إسقاط العالم الخارجي على العالم الداخلي. ونكتشف علاقة هذا الإسقاط في لفظ "ضارعات" الذي يصور مشهد المتعبد في محرابه الذي يتجاوز المكان إلى خالق المكان. وفي التضرع توحد آخر بالقضاء والقدر. كما أن "جاثمات" تجسيد لسكونية التضرع ظاهريا، ولكنها تكشف عن تحليق خارق عجيب يتجاوز كل التخوم.

إن موضوعة السجن، تعلن عن فضاء موجب دوما عند "مفدي زكرياء" وتعطي للتجربة الشعرية أصالة ترود جميع مستويات المعنى، وإن كانت تجنح إلى الرمز. فالرمز مفعِّل قوتها، وخالق ديناميتها.

هوامش:

1-أرسطو. فن الشعر نقلا عن محمد غنيمي هلال. الموقف الأدبي.ص:111.

2-أحمد بن علي الفيومي المقرئ.المصباح المنير.ص:345.

3-غنيمي هلال.م.س.ص:110.

4-طه وادي. جماليات القصيدة العربية.ص:69.

5-صلاح فضل. منهج الواقعية للإبداع الأدبي.ص:60.

6-م.س.ص:140.139.

7-يوري لتمان.مشكلة المكان الفني.(تر) سيزا قاسم دراز.ص:64.

8-صالح خرفي.أطلس المعجزات.ص: المقدمة.

9-سيزا قاسم دراز. المكان ودلالته.ص:59.

10-محمد غنيمي هلال.م.س.ص:120.119.

11-مفدي زكرياء. اللهب المقدس.ص:91.88.

12-م.س.ص:9.

13-م.س.ص:21.20.

14-م.س.ص:84.

15-م.س.ص:125.124.