pdfمبدأ التواصل مرجعية الأدب الرقمي

بين التكنولوجيا والفكر الفلسفي

كلثوم زنينة

جامعة سطيف (الجزائر)

Résumé:

Comme le développement était la caractéristique de l'existence humaine et comme la littérature était la plus importante des outils pour décrire cette existence et les plus sincères méthodes de son enregistrement; il n'est pas étonnant que la littérature poursuive le cours du développement humain et inspire de lui ses outils d'expression ainsi que ses idées et ses thèmes. La littérature a connu trois phases en fonction de la méthode de sa présentation sur la base sur les étapes de l'évolution de la pensée humaine, de l'oral à l’écrit arrivant à la numérisation ou l’électronique. Ce n’est pas un secret que chacune de ces étapes a son  propre style, ses propres outils, références et esthétique.

Nous vivons aujourd'hui la troisième ère intellectuelle : il s'agit d'entrer dans le monde  des espaces virtuels et l'âge de la technologie de l'information.

L’engagement de la Littérature dans ce domaine est susceptible d’apporter un changement au niveau de la référence intellectuelle et du fondement philosophique à partir de laquelle démarre la créativité.

 

لما كان التطور سمة الوجود الإنساني، ولما كان الأدب أهم أدوات تصوير هذا الوجود، وأصدق أبواب تسجيله، فإنه لا غرابة أن يساير الأدب الإنسان خلال مسار تطوره، ويستلهم منه أدواته التعبيرية، فضلا عن أفكاره ومواضيعه.

لقد عرف الأدب ثلاث مراحل تبعا لطريقة عرضه، مستندا في ذلك على مراحل تطور الفكر البشري، فمن الشفهية إلى الكتابية، وصولا إلى الرقمية أو الإلكترونية. وليس خافيا على أحد أن لكل مرحلة من هذه المراحل أسلوبها، وأدواتها ومرجعياتها، وجمالياتها كذلك؛ فقد أنتجت مرحلة الثقافة الشفهية روائع أدبية على درجة عالية من الجودة الفنية، والصياغة اللغوية، والتشكيل الموسيقي، والتصوير الدقيق لمعطيات الحياة المختلفة آنذاك، وكانت منطلقات الأدب في هذه المرحلة فنية، تدين بمرجعيتها لمبدأ الحفظ والتداول الشفهي، لذلك اهتمت كثيرا بالأوزان الشعرية الغنائية منها تحديدا، لسهولة حفظها وتناقلها. كما جعلت من الطبيعة، والواقع حرثا لها تحصد من حقوله صورها ومعانيها، ولنا في الشعر الجاهلي دليل على ذلك.

ولما تطور الأدب، ونمت أدواته ودخل مرحلة الصناعة، وجد حياة جديدة وإمكانات جديدة في انتظاره، تمثلت في التدوين، والطباعة؛ فبدأ الأدب يتحرر من سيطرة الذاكرة البشرية المحدودة، وبدأ ينفتح على آفاق أوسع لما توفره الكتابة من إمكانية الحفظ الطويل الأمد، والتداول الواسع، مقارنة بما كان عليه خلال فترة الشفهية.

راح مجال الأدب يتسع بظهور أجناس أدبية جديدة (الرواية مثلا) والتي أسهم تطور الأدوات الإبداعية في ظهورها وانتشارها، كما عرفت الأجناس القديمة من قبيل الشعر أساليب جديدة، وطرقت مجالات مختلفة، من شعر التفعيلة، وقصيدة النثر.....أما اليوم "ونحن نشهد انتقالة مفصلية حتمتها الظروف الثقافية والمعرفية التي أحاطت بمناخنا الحياتي(...) والانتقالة التي يسجلها التاريخ اليوم لصالح التكنولوجيا، فنحن نعيش عصر الإنفو ميديا –الوسائط المعلوماتية- بامتياز، ومن الطبيعي أن ننتقل إلى مناخ ذلك العصر بكل حمولتنا الثقافية والمعرفية والعلمية والأدبية..."1)نعيش اليوم الموجة الفكرية الثالثة في حياة الإنسان، وتطوره الحضاري. مست هذه الموجة جميع مجالات الحياة الإنسانية، بما فيها الثقافية منها، والأدبية على وجه التحديد، يتعلق الأمر بدخول عوالم الفضاءات الافتراضية، وعصر تكنولوجيا المعلومات. وانخراط الأدب في هذا الميدان من شأنه أن يحدث تغيرات على مستوى المرجعية الفكرية، والأرضية الفلسفية التي ينطلق منها الإبداع، لأن لكل مرحلة مرت بها الإنسانية محضنها الفكري الذي في ضوئه تنمو وتتطور، وفق ما توفره المرحلة من أدوات، لذلك فقد جاءت تجربة القصيدة الرقمية حتى "تمثل رافدا للحركة الشعرية الآنية والمستقبلية في عصرنا الإلكتروني هذا، الذي يشاع  أنه لم يعد عصر الشعر، لتأتي القصيدة فتنغرس في نسيجه العالمي (...) كي تثبت أنها –وقد صحبت الإنسانية منذ الأزل- هي أكثر الأجناس الإبداعية قدرة على مسايرة العصور، وصولا إلى روح الإنسان أنى كان.."2)فمع طلوع فجر الثورة الرقمية شاع الحديث عن نهاية عصر الشعر والأدب، وأن الانتصار هو اليوم لصالح الاقتصاد، والعلوم التقنية والدقيقة، لأن الشعر كان دائما نابعا من الروح الإنسانية محملا بمشاعرها، معبرا عن كوامن هذه النفس، فمن غير المعقول أن يصدر اليوم شعر يسمى رقميا، يعتمد في جزء كبير منه على الآلة التي تجري جميع معالجاتها في شكل أرقام وعمليات حسابية غير أن الزمن ما لبث أن أثبت غير ذلك، حيث صدرت قصائد رقمية تؤجج المشاعر والعواطف الإنسانية اتخذت من الوسائل التقنية أكبر حليف لها لبلوغ غاياتها التأثيرية.

من التواصل إلى ميلاد الإنسان الجديد:

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، قضى معظم حياته باحثا عما يسهل  له الاتصال مع غيره من بني جنسه، وتقريب المسافات في سبيل ربط علاقات التواصل ، وكانت أولى وسائل الاتصال البشري؛ الإشارات، ثم الرموز، وصولا إلى اللغة بوصفها تطورا طبيعيا للإشارات الصوتية التي كان يستخدمها الإنسان للتواصل مع أخيه الإنسان، في المجتمعات البشرية "ذلك أن الاجتماع البشري في أساسه نظام للتواصل، بقدر ما هو منظومة للاتصال، بهذا يلابس الفعل التواصلي أي نشاط مجتمعي..."3)، ومع النمو الفكري للإنسان تطور مستوى وسائله وأدواته الاتصالية، كما أن فضوله لمزيد من المعرفة، وسعيه لبناء علاقات جديدة، حمله على مزيد من الاكتشافات والاختراعات في سبيل تحقيق حلمه التواصلي، والتواصل كما هو معروف "عبارة عن تعايش الناس بعضهم مع بعض، أو وسط محيطهم الطبيعي. ما يجعل الاتصال ممكنا هو الوسائط والوسائل التي يبتكرها البشر. كما تتجسد في اللغات أو في التقنيات، أي في المنتجات الرمزية من العلامات والنصوص والمعايير أو في المنتجات المادية من السلع والأدوات والقنوات..."4)، فقد سعى الإنسان إلى ابتكار كل أنواع الوسائل المادية وغير المادية، التي تسهل عليه الاتصال مع غيره، ومنه إلى بلوغ درجة التواصل. فمن الآلات؛ السيارة، الطائرة، الباخرة، إلى اللغات، والقنوات، إلى وسائل الإعلام المختلفة من جريدة، راديو، تلفزة.... وكلها تسهم في ربط العلاقات الإنسانية، وتفتح قنوات الاتصال. مع العلم أن الاتصال هو غير التواصل، فالاتصال هو عملية آلية إلى حد كبير تتمثل في حصول تلاق مادي ملموس أو صوتي، مرئي بين الأطراف، وهو لا يؤدي دوما إلى حصول تواصل، ذلك أن التواصل في حقيقته هو وعي، وإدراك للآخر، موصول بقصد، كما أنه عملية تبادلية بين طرفين أي أنه يعتمد في أساسه على المشاركة والتفاعل؛ "والتواصل يكون على مستويين، إذ هو يتم في الزمان أو في المكان، أما التواصل الزماني فهو ذو بعد واحد، لأنه يؤمن الاستمرار من جيل لآخر عبر نقل المكتسبات أو التقاليد والأعراف، وأما التواصل المكاني، فإنه ذو بعد مزدوج، لأنه يتيح التفاعل بين الأفراد أو القطاعات داخل المجتمع، أو بين الثقافات المجتمعات، عبر تبادل المعلومات والخبرات أو المنتوجات والخدمات"5)فالتواصل الأول الذي الذي عبر عنه علي حرب بالتواصل الزماني إنما هو اتصال؛ عملية احتكاك بثقافة معينة وشعب معين والاستفادة مما تتوفر عليه هذه الأمة من حضارة، يتم نقلها والتأثر بها. بينما التواصل المكاني هو المقصود، وهو التفاعل والتبادل فيما بين الأطراف، وذلك ما يعلل ارتباط التداولية بالتواصل، لأن للتداول بعده التواصلي.

والتواصل لا يكون بغير وسائله وأدواته لتحقيق فاعليته والتي أوصلته إلى أن يكون له نظريته الخاصة. وبالحديث عن "الاتصال" نجد أنفسنا داخل نظرية التواصل، غير أن هذا التوظيف بهذا المعنى يدخلنا أيضا مجال "الإعلام" للاشتراك الدلالي الذي يسم هذه المفاهيم جميعافقد طورت المقولات الفلسفية الحديثة نظرية خاصة للتواصل نظرا لتشعبه وتداخله مع مفاهيم أخرى تتشارك معه في عدة عناصر، إضافة إلى ذلك فإن التواصل يشكل اليوم مجالا خصبا للدرس ويسترعي الكثير من الاهتمام، خاصة مع تطور وسائل الإعلام والاتصال، واتساع فرص التواصل وزيادة الحاجة إليه؛ "فقد تحقق مفهوم التواصل كنظرية عملية بداية مع الأمريكي (جورج هربرت ميد) ونظريته عن التفاعل الرمزي. إن ميد قد دافع عن فكرة أن التواصل هو المبدأ المؤسس للمجتمع، وهو يفهم التواصل كتدخل للآخر في تكوين وبناء الأنا والهوية..."6) لقد تبلور التواصل بوصفه نظرية اجتماعية تستند إلى التفاعل الانساني، فلا تواصل خارج المجتمع، كما لا تواصل بغير تفاعل، وكثيرا ما كانت اللغة هي الوسيلة الأساسية لتجسيد التفاعل وتحقيقه، كما ساهمت وسائل الإعلام أيما مساهمة في تدعيم هذه الوظيفة الأساسية للغة، بأن خلقت لها قنوات للانتشار الواسع، ومن ثمة الزيادة في التأثير والتفاعل، فكلما كانت الأداة التواصلية أكثر تطورا كان التواصل أكثر نجاحا ومردودية. ولعل هذا ما جعل عصرنا الحالي يسمى عصر التواصل، بفضل الثورة الكبيرة التي شهدتها وسائل الإعلام، مستفيدة من تكنولوجيا المعلومات، فعصر"الوسائط يفتح آفاقا جديدة أمام المشاركة المبادلة، وهي آفاق تتولد معها ممارسة فكرية مغايرة، ينحو فيها الفكر منحى الوسيط"7)، لقد تطورت الوسائط وتنوعت مما ارتقى بالمستوى الفكري للإنسان، فبدأ يتخلص من الهيمنة الفكرية، والوصاية على الآخر، ومحاولة السيطرة عليه من منطلق التواصل الفعال، والتأثير الإيجابي، فقد سمحت التكنولوجيا المعاصرة، بوسائطها المتنوعة لجميع الأطراف بالمشاركة في العملية التواصلية عبر إبداء آرائهم وطرح أفكارهم، ونشر إبداعاتهم دون قيد أو عجز، أو إحساس بالدونية بسبب الاختلاف عن الآخر، ولعل هذه الفرص التي أتاحتها الثورة التكنولوجية بوسائلها المختلفة قد غذت أفكار الفلاسفة والدارسين، وانعكست على أطروحاتهم على التواصل، وفي نظرية (هابرماس) ونظيره (لوهمان) خير دليل على ذلك؛ فقد ربط (هابرماس) من خلال نظريته التواصل بالإقناع والإجماع، فيما "يرى لوهمان أن التواصل لا يجب أن ينبني على مبادئ أنطولوجية، كما يرى أن التواصل لا يهدف إلى الإجماع . إن التواصل حسب هذه الرؤية ليس لعبة ذاتية، وإنما لعبة تقوم على الاختلاف بين المعلومة والتوصيل، وإن لها هدفا واحدا هو التواصل نفسه، الذي ينتج الإجماع كما ينتج الاختلاف"8)فالتواصل ليس أحادي الطرف، وإنما هو علاقة بين طرفين أو أكثر، و يشكل الاختلاف الحاصل بينهم عنصرا أساسيا لتحقيق التواصل واستمراره، لأن حصول الإجماع يعني نهاية التواصل، والإقناع فيه شيء من التعسف والسيطرة على الآخر، خاصة إذا اختلت موازين القوة بين الأطراف، لذلك فإن السبيل إلى تحقيق أو بلوغ تواصل ناجح يضمن استمرارية العلاقة الإيجابية مع الآخر يتطلب التحلي بعدة صفات، تحدث عنها الدارسون ودعوا إليها، يأتي في مقدمتها؛ إتقان لغة التداول والتي ينضوي تحتها لغة التسوية بعدها أداة للحوار مع الآخر بدل التطرف، والتعنت في فرض الرأي، ثم عقلية الوساطة، والفكر التركيبي بمعنى الاعتدال في التفكير، وتجنب الأحكام المسبقة باعتماد منهج تعددي بدل الرؤية الأحادية والتي غالبا ما تحكمها أفكار إيديولوجية، والانطلاق دائما من هوية مفتوحة على التعدد والاختلاف لأن الانكماش على الذات واتخاذ موقف الحارس على الهوية من أي احتكاك خارجي مختلف من شأنه أن يقطع أي سبيل لبناء تواصل فعال مع الآخر؛ "فلا تواصل بدون اختلاف، والاختلاف يعزى إلى نسق اللغة ذاتها، فهي نسق يقوم على بناء ثنائي، منه ثنائية "الأنا" و"الأنت" فالضمير "أنا" لا وجود له بدون الضمير "أنت" الذي يختلف عنه، إن هذا البناء الثنائي هو الذي يفجر التواصل (...) فلا مكان للتواصل خارج الخطاب، ولا خطاب بدون أرضية الاختلاف (...) ولا وجود للذات خارج حقل التواصل..."9)  وهذا التصور في الحقيقة هو تصور حديث، جاءت به أفكار؛ بارث، فوكو، دريدا، وهو مستند إلى مبادئ التفكيك بوصفه إستراتيجية مستقبلية لمقاربة الحياة ونقد الأدب، وتطوير العلاقات على أساس الاختلاف لا التشابه، فأنا موجود لأني مختلف عنك، أحترم اختلافك عني، وأتعايش مع ذلك، وهذا الاختلاف الحاصل بيننا إنما هو سبيل تواصلنا واستمرارنا في الحياة، فلولا وجودك أنت (الآخر) المختلف عني لما كان لي أن أدرك ذاتي، وأعي وجودي بعدي كيانا مستقلا وطرفا فعالا في الوجود، فيصبح الشعار "أنا أكون بقدر ما أخلق وأتواصل عبر المشاركة مع غيري في تشكيل لغات ومساحات أو مجالات وأسواق للقاء، والتفاهم، أو للتبادل والتداول...."10)، لم يعد الشعار ' أنا أفكر إذن أنا موجود' لأني إذا كنت أفكر ولا أتواصل مع غيري، لا أؤثر بأفكاري في تشكيل العالم، والحياة، فما الذي يثبت أني حقا موجود؟؟ نظرية العصر صارت تربط الوجود بالتواصل بالمشاركة والتبادل الفعال، والانفتاح على الآخر ومشاركته في صناعة المستقبل بدل الانكماش على الذات وقطع سبل التواصل مع الآخر بحجج إيديولوجية وأحكام متطرفة، أو الاكتفاء بموقف المستهلك فقط لكل ما ينتجه الطرف الثاني من أفكار وإمكانيات، ومنتجات مختلفة. لابد من تحرير العقول العربية تحديدا من هذه الأزمة لأن "العقل ليس مجرد تراكم كمي للمعارف، ليس كذلك نموا ذاتيا وليس قسمة عادلة بين البشر(...) وليس العقل خزانة معلومات، وإنما العقل منتج ومنسق شبكي للفعل والتفاعل الاجتماعي في إطار إيكولوجي، أي إطار جامع للإنسان/المجتمع والبيئة في وحدة تكاملية، العقل انفتاح من خلال التفاعل الجدلي بين الفكر والفعل للذات وللآخر معا، وأداة صراع مع ذاته ومع الآخر في آن (...) إنه عملية دينامية متطورة في تجدد مطرد"11)   يجب احترام هذه الخاصية الدينامية للعقل والحرص على عدم تجميده في قوالب ذاتية وحصره في قناعات فردية اتخذت صفة المسلمات في تفكيرنا ورؤيتنا للأشياء، وحكمنا على كل القضايا المتصلة بعلاقتنا مع الآخر على وجه التحديد، خاصة في ضوء التقدم التقني الكبير الذي تشهده الحياة المعاصرة، والتي صارت مسرحا مفتوحا للتواصل الحر في جميع الميادين ما أسهم وبشكل واضح في تغير طبيعة الإنسان، وأسلوب حياته، وطريقة تفكيره وحتى طموحاته وأحلامه، كل هذا أدخلنا في مرحلة جديدة للإنسانية عرفت بمرحلة ( ما بعد الإنسان Post humain) أو الإنسان الجديد بوصفه تطورا طبيعيا لظروف العصر.

مرحلة ما بعد الإنسان (الإنسان الجديد):

على خلفية الثورة التكنولوجية الكبيرة التي اجتاحت العالم، وعلى ضوء التطور الذي أسس لنظرية التواصل ونشاط 'التفاعلية' مكونا أساسيا في الحياة عامة وفي الأدب والإبداع خاصة، في ضوء هذه الظروف ولد الإنسان الجديد، إنسان هذا العصر، المتأقلم وظروف عصره، وإمكاناته الفكرية، ودخل مرحلة ما بعد الإنسان "وفيها يتجاوز الإنسان المؤنسن  بكل ما يحمله من طوباوية، ودعاوى الحرية والعدالة، وغيرها من الشعارات إلى كائن بشري جديد يصطلح عليه (الكائن الوسيط Médium) الذي يلغي ذاته وكينونته متجاوزا صراعاته، داعيا إلى الحوار، والتواصل"12).تغيرت أفكار الإنسان ومبادئه بتغير ظروفه، فبعد أن كان إنسانا من لحم ودم، يعاني تحت جميع أنواع الأسلحة الثقيلة التي أنتجتها الثورة الصناعية، وبعد الحروب المدمرة التي خاضها في سبيل تحقيق حلمه في الحرية والاستقلال، والدفاع عن حقه في التميز عن الآخر؛ القهر الظلم، العدوان، السيطرة.... بعد كل ذلك الصراع، ها هو اليوم يطل علينا بوجه جديد، إنسان باع إنسانيته وإحساسه بالواقع والوجود، وانخرط في عالم آخر تغزوه الأرقام والعلامات الضوئية، وتحكمه الإلكترونات، والبروتونات "نحن نعيش تحولات ثورة لا نظير لها، هي بداية الدخول في الحياة الاصطناعية المتمثلة في بنوك المعلومات، والذاكرات الآلية، والأدمغة الإلكترونية والشبكات الرقمية، الأمر الذي جعل البعض يتحدثون عن ولادة (الإنسان الجديد) حيث الأشياء والكائنات شأنا يمكن تحويله إلى بنية رقمية..."13) لقد تحول الوجود من واقع حسي ملموس تتجسد فيه الأشياء والكائنات في صورها المادية إلى واقع جديد ذا بنية رقمية تقوم على الشبكات الآلية، وتبادل المعلومات عبر القواعد الإلكترونية، إنه الفضاء الجديد للإنسان الذي تحول بدوره إلى كائن عددي يحمل بدل اسمه وصورته رموزا وشفرات رقمية يبحر من خلالها في هذا الواقع الذي لا يعمل إلا بنظام للتشفير، ومسرحا للكائنات الضوئية، وانتقال الإنسان إلى هذا الوجود الجديد انعكس مباشرة على طبيعة هذا الإنسان وتفكيره وثقافته فلا "نتصور ثورة علمية منفصلة عن ثورة ثقافية شاملة، عن انتقال ذهني من كون إلى كون..."14) فالتقدم التقني هو نتيجة ازدهار العلوم وتطورها المتسارع، والإنسان ابن ظروفه لهذا السبب لم يكن للإنسان بد من التأقلم مع المعطيات الجديدة للحياة الرقمية، هذه الحياة التي صنعها الإنسان نفسه، ليصبح لاحقا أسير نظمها وأنساقها، وتحوله إلى كائن آخر مختلف عما كان عليه، لأن التغيرات التي أحدثتها التكنولوجيا لم تكن تغيرات سطحية أو مجرد إمكانات مادية يتحكم الإنسان في سيرها وتوظيفها لخدمته، بل إن هذه التقنية هي "موقف أنطولوجي يمس هوية الكائن وعلاقته بنفسه والكائنات الأخرى (...) ويغدو الإنسان ذاته مستودعا للطاقة..."15). لقد تغيرت نظرة الإنسان إلى ذاته وعلاقاته بغيره، وسمحت له التكنولوجيا المعاصرة بتقنياتها العالية أن يكون موجودا في كل مكان، على اتصال دائم مع الآخر الذي طالما كان هو الغريب، المختلف، المنبوذ. وانعكس هذا الاحتكاك على طبيعة العلاقات الإنسانية، وتحول هذا الآخر إلى مرآة لنقد الذات، وصار الاختلاف أسلوبا للحياة، ونمطا للوجود، كما ظهر مفهوم الإنسان الوسيط والذي "لا يعتبر نفسه أفضل من بقية الكائنات، بل يعيش وسط الطبيعة بوصفه جزءا من موجوداتها (...). مثل هذا الفاعل البشري لا هو بالأعلى ولا بالأدنى، لا بالإلهي ولا بالشيطاني (...) لا بالمثالي ولا بالمادي (...) لا يدعي أنه منقذ البشرية ومخلصها..."16) لقد تغيرت النظرة إلى الإنسان بعد أن كان ذاتا متعالية ها هو اليوم يتحول إلى كائن طبيعي يشارك غيره من الكائنات في البحث عن الحقيقة، لم يعد هذا الكائن العاقل الناطق هو المسؤول عن تسيير شؤون الحياة، والتحكم في موازينها، لأنه أصبح في المرتبة الثانية بعد حلول الأدمغة الإلكترونية محل عقله الميتافيزيقي، إعلانا عن حلول عصر النهايات؛ نهاية التاريخ، نهاية الفلسفة، نهاية المعنى، نهاية الإنسان المؤنسن، وبداية مرحلة الواقع الجديد، والفضاء الافتراضي، بإنسانه الافتراضي كذلك والذي أصبح يمتلك قدرات جبارة من خلال اندماجه في المنظومة الرقمية الآخذة في التوسع، والتطور السريع "ولعل واحدا من أهم الإنجازات المتوقعة للعصر الرقمي هو التغلب على الموت، من خلال إطالة الحياة إلى أبعد بكثير مما يمكن تخيله عن طريق استخدام الهندسة الوراثية، والكيمياء الحيوية (...) بل إن مرض السرطان مثلا سيكون من مخلفات التاريخ تماما كما هو الحال مع مرض الطاعون مثلا..."17) مثل هذه التنبؤات قد تبدو من قبيل الهلوسات، أو الأحلام المستحيلة، لكن مع كل المستجدات السريعة التي تفاجئنا كل يوم، لم يعد هنالك مستحيل.... بعد أن بدأ التفكير، في شريحة إلكترونية بالغة الصغر، من أجل زرعها في الدماغ البشري،.... ومما لاشك فيه أنه سيرافق هذا التحول الذي لحق بالإنسان الحقيقي (الواقعي، العاقل) إلى الإنسان (الرقمي، الافتراضي، الإلكترو...) سيرافق هذا التحول انهيار كامل في منظومة القيم الاجتماعية والدينية، والأخلاقية، وحتى السياسية والاقتصادية التي تحكم العالم  ، لذلك لا مبالغة في القول "أن الإنسانية قلقة أكثر من أي وقت مضى، يتبدى هذا القلق فيما يعتري الإنسان الحالي من الاضطراب في نظرته إلى نفسه،(...)والتساؤل الحاد حول مصيره (...) فالإنسان يشعر يوما بعد يوم بالرغم من التقدم العلمي الهائل (...) يشعر بفقدان السيادة (...) وكأنه أصبح أسير المنظومات التي بناها والأنساق التي خلقها..."18)  فمن خلال سعيه المتواصل لمزيد من التطور في سبيل تحقيق رفاهية أكبر وجد الإنسان نفسه فجأة فاقد للسيطرة على المنظومات العلمية التي خلقها بعد أن تسارعت وتيرتها وتراكمت مكتسباتها وصار الإنسان عاجزا عن مجاراتها، وتوجيهها، وهنا ولدت الحيرة والتساؤل، وزاد القلق.

الفضاءات الافتراضية في زمن المعلومات:

لقد كان لدخول الإنسان عصر تكنولوجيا المعلومات، نتائج كثيرة ومتنوعة، ويعتبر خلق فضاء جديد للتواصل البشري من أهم هذه النتائج وأبرزها، وازداد التداول لمصطلحات من قبيل؛ الفضاء السيبرنيطيقي، الفضاء الافتراضي... بوصفها مجالات جديدة يرتادها الناس هذه الأيام، ويقضون فيها أغلب أوقاتهم، فيتواصلون من خلالها، ويتسوقون وحتى يبدعون على أثيرياتها، لذلك لابد من فهم ماهية هذه الفضاءات وما علاقتها بالإبداع، والنص الرقمي تحديدا، خاصة وأن هذه المفاهيم قد شاع استخدامها موازاة مع الثورة التكنولوجية وظهور النص الرقمي الابن البار لعصر تكنولوجيا المعلومات.

1 – السيبرنيطيقاCybernétique:

السيبرنيطيقا أو السيبرانية، ويراد بها "علم الضبط،(...) يعني الدراسة المقارنة لنظم السيطرة الآلية والاتصال في الجهاز العصبي والدماغ، وفي الآلات الميكانيكية والكهربائية، وبين الجهاز وتلك الآلات"19) والفكرة الأساسية التي تقوم عليها السيبرنيطيقا هي فكرة التحكم في النظم والربط فيما بينها بعلاقة تبادلية ارتدادية وهذه هي فكرة السببية الدورية والتي تعتبر مبدأ عمل السيبرنيطيقا، فقد كان سائدا منذ القدم أن "السبب يولد النتيجة، بينما في السببية الدورية نجد أن العنصرين 'أ' و'ب' هما معا وفي آن واحد سبب ونتيجة لكل واحد منهما..."20) من هنا جاءت صلة الربط بين السيبرنيطيقا، والفضاء الافتراضي الذي أوجدته نظم التكنولوجيا الحديثة، وأصبح الأدب اليوم ينسب إلى هذا الفضاء، وذلك بعد التحول الذي شهدناه في حاضنة النص، فمن الرواة وواعية الصدور إلى الحبر وواعية الورق، إلى البتات وواعية الكمبيوتر نحن في ظل مراحل حياتية نامية تطمح لمواكبة مناخ العصر الذي نحيا فيه، عقلية وسلوكا ومعرفة وإبداعا. أدى هذا التحول إلى التغير الواضح في شكل النص وبنائه، وتقنياته، وحتى تسميته، فبعد أن صار النص الأدبي محكوما بنظم العوالم السيبرانية، صار يعتمد تقنية الترابط النصي، والفكرة التي ترى أن الدماغ يعمل على أساس الترابط نجدها بارزة في السيبنيطيقا من خلال نتائج الأبحاث التي جرت في البيولوجيا وسواها من العلوم، بما فيها الاجتماع، والتي "ترى أن الترابط هو سمة أساسية لمختلف العلاقات التي لا تنهض بين مختلف مكوناتها ومجزوءاتها إلا على أساس الربط والارتباط... "21) والترابط هو السمة الأبرز في النص الرقمي، إذ ينبني أساسا على فكرة المسارات النصية الموصولة بروابط رقمية، فيقرأ بذلك قراءة عمودية عبر اختراق الإيقونات ومتابعة الروابط التي تصل أجزاء النص الواحد.

والحقيقة أن علاقة الأدب اليوم بالسيبرنيطيقا كمجال حيوي له، صار تحصيل حاصل، ففي آخر لقاء مع الفيلسوف الغربي (هايدغر) نشرته مجلة (ديرشبيكل) الألمانية بعد وفاته بأيام، "قال في معرض سؤال وجهه المحاور له عن مستقبل الأدب والمعرفة، فأجاب أن المظلة المعرفية التي تظلل الأدب ونقده في الآني هي (علم التحكم الآلي: السيبرانية)"22) وهيدغر كما هو معروف فيلسوف ألماني، دعا إلى مناهضة الميتافيزيقا التقليدية، وإزاحة الذات المتعالية عن مركز التفكير الفلسفي، كما دعا إلى الانفتاح، تجاوزا للثوابت والمسلمات التي من شأنها تجميد الفكر الإنساني، كما انه من أوائل المؤسسين لمشروع الفينومينولوجياالهيرمينوطيقية، ويعتبر رفقة كل من (فوكو، بارث، إيكو، وجاك دريدا) من أبرز فلاسفة المرحلة العدمية عبر إعلانهم عن موت الإنسان، وتعدد المعنى ولا نهائية التأويل، ومن هذه المنطلقات كانت رؤية هايدغر لمستقبل الأدب في إطار السيبرناتية كنظام أو فضاء يجمع التقنية والآلية بالعلوم الإنسانية والمعرفية بعد عجز العقل الميتافيزيقي عن حل مشكلات الإنسان.

الفضاء السيبرنيتي هو وطن جديد لا ينتمي إلى الجغرافيا ولا إلى التاريخ، وهو وطن دون حدود، ودون ذاكرة، ودون تراث، إنه "الوطن الذي تبنيه شبكات الاتصال المعلوماتية الإلكترونية (الفضاء السيبرنيتيCyberspace) نسبة إلى السيبرنيتيك وهو العلم الذي يدرس طرق سيلان المعلومات ومراقبتها عند الكائنات الحية وداخل الأجهزة الآلية والمنظومات الاجتماعية والاقتصادية"23)  إن هذا العلم الذي يدرس شبكة الاتصال المعلوماتية داخل العقل ومقارنتها بعمل الأجهزة والآلات الإلكترونية، وتوظيف ذلك في تنظيم المجالات الاجتماعية، والتبادلات الاقتصادية، وهذا العلم دخل بقوة عصر الوسائط المتعددة، والفضاءات الرقمية والتي خلقت مجالا جديدا للحياة موازيا للواقع، وخلقت حياة يعتقد أنها يمكن أن تصبح يوما بديلا عن الواقع الذي يحياه الناس، لأنه في هذه الفضاءات السيبرانية أو الرقمية كما يسميها البعض مجال أوسع للحرية، والمنخرطون فيها يشعرون أنهم أكثر جرأة وإبداعا، نظرا لانخفاض مستوى الرقابة أو حتى انعدامه في كثير من الأحيان، بكل بساطة لأنه واقع 'افتراضي' لذلك أيضا هو ينتمي إلى الجغرافيا كما يرى الجابري وعادة ما يكون الافتراض خيالا مجسدا، كما أنه غير محدود، فمن يستطيع أن يسيطر على الخيال؟

لكن مع الانفجار التقني، وثورة المعلومات التي اجتاحت العالم في السنوات الأخيرة صار الخيال واقعا موازيا يمكن الانخراط فيه والإقامة بين شبكاته، والتواصل من خلاله، يتعلق الأمر هنا بالفضاء الافتراضي الذي خلقته الشبكة المعلوماتية وساهمت بذلك في تحقيق الخيال وخلق فضاء خاص به.

الفضاء الافتراضي بين الواقع والخيال: الفضاء الافتراضي أو الفضاء السيبراني، هو المجال الجديد الذي أوجدته شبكة الانترنت، ويختار البحث للدلالة على هذا المجال مصطلح الافتراضي بديلا عن سيبراني، لأن الفضاء الافتراضي هو التجسيد الفعلي لمبادئ السيبرنيطيقا بعدها علما، وتحقيق مقولاتها، فهو يعتبر الوجه الحسي "للواقع العقلي الذي اختلقه الإنسان لمزيد من التحكم في الواقع الطبيعي، (...) فهو واقع ذكي يكيف الظاهرة الطبيعية وفق شفرات رقمية خاصة تتجاوز التعيين (Détermination) إلى التشفير، إذ يخلق لغة جديدة تتجاوز الكلام إلى الأرقام، وهو وليد فلسفة التواصل التي أسست فقها جديدا لتداول عمليات هذه البنية الجديدة"24). وتجسيد الواقع العقلي يحيل إلى تحقيق الخيال ، وكل ما كان يدور في الأذهان من تصورات وخيالات يراها المرء بعيدة عن التحقق الفعلي، والفضاء الافتراضي تمكن بفضل مبدأ التشفير لعناصر الواقع واحتوائها على أثيرياته بصيغها الجديدة الرمزية، تمكن بفضل ذلك من تحقيق الكثير من الخيالات، فمن كان ليصدق يوما أنه وهويجلس في مكتبه بالجزائر أمام شاشة حاسوبه يستطيع التواصل بالصوت والصورة مع شخص آخر في روسيا مثلا أو اليابان في حدود ثوان فقط دون حاجة إلى وسيلة نقل، ولا تضييع ساعات من الوقت في قطع المسافات؟ ثم من كان ليتصور أن يصدر كتاب في الولايات المتحدة الأمريكية أو في أي بلد أوروبي، فيستطيع أي شخص في العالم اقتناءه والاطلاع عليه دون حاجة إلى الانتظار وقتا طويلا أو دفع تكاليف باهظة لشرائه، بل يكفيه الدخول إلى العوالم الافتراضية، وتسجيل عنوان الكتاب واسم صاحبه، فإذا كان الكتاب قد تم إنزاله على الشبكة سيحصل عليه القارئ في دقائق أو ربما ثوان فقط.

لقد صرنا اليوم نعيش على هامش واقع آخر، جديد يوازي واقعنا المعيش، فقد توصلت الإنسانية اليوم بفضل التطور التكنولوجي إلى تجسيد الخيال، وخلق فضاء له قابل للتحقق، إنه الفضاء الافتراضي، الواقع الجديد للإنسان الجديد.

ولفظة افتراضي إنما هي نقل للفظ الفرنسي (Virtuel) ويبدو أن نقلها من اللغة الفرنسية إلى العربية قد أستمد من استعمالها في مجال البصريات، "حيث تقابل الصورة الافتراضية للجسم الواقعي الذي يوضع أمام المرآة (...) هذا النقل في مجال البصريات حمل معه معاني ظلت مرتبطة بمفهوم الافتراضي من حيث إنه أقرب إلى الافتراض والوهم والخيال..."25)، فالافتراضي هو انعكاس لصورة الواقعي عبر مجال عاكس كالمرآة مثلا، أو هو ظل الواقع، ولذلك فهو خيال وليس حقيقة، كما يمكن التعبير عنه رياضيا بالقول 'أ' نقطة افتراضية بالنسبة للنقطة'ب' معناه أن 'أ' هو نظير 'ب' بالنسبة إلى مركز التناظر النقطة'م' ، والتي تمثل في الواقع جهاز الحاسوب الموصول بالشبكة المعلوماتية، وهو الخط الفاصل بين الواقع والخيال.

ومن المهم هنا التنويه إلى مسألة النظائر؛ فأن تكون 'أ' نظيرة 'ب' بالنسبة للمركز 'م'  معناه أن تكون المسافة بين'أ' ومركز التناظر 'م' هي نفسها المسافة بين 'ب' والمركز 'م'، وكل النقط المنتمية للمجال [ب م] لها نظراءها في المجال [م أ].

هذا الكلام وإن كان يبدو مجردا ولا علاقة له مطلقا بفكرة الواقع الحقيقي، فإنه إنما يحيل على جملة من الإشكالات التي ينطوي عليها المجال الافتراضي تحديدا، والعلاقة بين الواقع والخيال، فإذا عدنا إلى أرض الواقع يمثل جهاز الحاسوب الموصول بالشبكة العالمية مركز التناظر، وهو البساط الذي نركبه ليرحل بنا عن أرض الواقع في ثوان، ويدخلنا عوالم جديدة، عالم الأحلام حيث يمكنني أن أتواصل وأعبر عن مكنوناتي دون حواجز جغرافية، رقابية ولا حتى لغوية.... أيا منها لا يمكنه أن يمنعني، كما أستطيع أن أتقمص شخصية جديدة بداية من الاسم، والعنوان، والعمر، والاختصاص...... حتى أتخلص من كل ما يمكن أن يربطني بواقعي وكل ما ينتمي إليه، وبذلك أشعر بحرية أوسع وجرأة أكبر...، لكن هل استطيع حقا التنصل من ذاتي؟؟ فرغم أنني قد أستعير اسما آخر غير اسمي، وأكون أكثر جرأة في طرح أفكاري وآرائي، وعرض إبداعاتي -ربما- غير أن هذه الأنا الافتراضية (أ) الجديدة تحمل رغما عنها المبادئ ذاتها ل (ب) الأنا الواقعية، وتعبر عن واقعها ومعاناتها وأحاسيسها، وحتى عن أحلامها، لأن "الافتراضي يتوفر على "واقعية" تجعله نمطا من الوجود يتمتع بخصوبة وقوة يفتحان آفاقا ويحفران عن دلالات فيما وراء سطحية المادي المباشر (...) ليست الافتراضية إذا انتقالا من واقع إلى ممكنات، وهي ليست بالأولى إلغاء للواقع، وإنما هي إعادة نظر في المفهوم التقليدي للتحديد والهوية، وإقحام للممكن داخل القائم، إنها خلخلة للراهن وانفتاح للكائن على السؤال"26)  لذلك من المجحف القول إن الفضاء الافتراضي، ليس إلا وهما، وأنه وطن بلا تاريخ ولا جغرافيا ولا تراث....لأنهمحدود، نعم، لكنه في الحقيقة مثقل بكل ما نضخ به الواقع، وفضل مواراته وكتمانه، وعدم البوح به، وليس من المبالغة القول إن هذا الفضاء سوف يتحول في المستقبل إلى الضمير الحي للواقع...، كما أنه هو السؤال الذي يعمل على تحريك الواقع وزحزحته عن الثوابت والمسلمات التي كادت تقتله، الأمر الذي جعل من هذا الفضاء هامشا يهرب إليه الكثير من الناس اليوم بعد أن ضاقوا ذرعا بواقعهم، فهل سيأتي علينا يوم يصبح فيه واقعنا هو الهامش بعد أن يبعده الفضاء الافتراضي عن مكانه ويتحول هو إلى مركز اهتمام  وحياة الإنسان؟

سؤال أصبح مشروعا في ضوء ما يشهده الفضاء الافتراضي من تطور واتساع، وإغراء بمزيد من الانخراط في عوالمه، وليس أدل على ذلك من تزايد الحيرة في أوساط الباحثين، والدارسين وحتى الناس البسطاء عن طبيعة العلاقة بين الواقعين؛ "هل الأنظمة السبرانية هي مثال للواقع أم أنها واقع قائم بذاته، ينسج معاييره؟ أيهما الواقع الحقيقي: الواقع الطبيعي الذي نمشيه (كذا) أم الواقع الافتراضي الذي نتحكم به عن بعد؟"27) تتزايد الحيرة ويتزايد معها اتساع المجال الافتراضي، لقد صرنا نسمع عن استحداث مدارس وجامعات (عالمية) يرتادها طلاب من مختلف أنحاء العالم، ويتخرجون ومعهم شهادات من جامعات ليس لها أي وجود فيزيائي ملموس على أرض الواقع، بل هي جامعات افتراضية، يتم التمدرس بها عن بعد من خلال الشبكات الالكترونية. زد على ذلك فقد مست هذه الموجة قطاع المال والأعمال، وبشكل كبير، فصار الحديث عن التجارة الالكترونية، والتسوق عبر الانترنت...، لقد "تطور مفهوم الواقع الافتراضي ليصبح اتجاها وفلسفة رحبة لا تقتصر فقط على برامج الصور الثلاثية الأبعاد، بل تشمل أيضا تكوين الخدمات والكيانات والمنتجات الافتراضية (...) ومن المتوقع مستقبلا أن تذوب الفواصل بين الواقع والافتراضي بشكل شبه تام..."28)لم يعد المستقبل اليوم منتظرا في ضوء هذا الاجتياح التقني لأنه صار يأتي سريعا. بفضل اتساع الشبكة العالمية التي كادت أن تلغي المسافات الزمنية والمكانية في العالم، فأوشكنا على إلغاء صيغة المستقبل لأن كل شيء أصبح آنيا، بسبب التسارع المفرط في وتيرة الحياة المعاصرة، وكاد يمحي إحساسنا بالزمان وبالمكان، وتلاشت الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال، بين الحقيقة والوهم، فمن "التعارضات التي تجدر مراجعتها وكسرها ثنائية الواقع والمتخيل التي تحتاج إلى قراءة تداولية لإعادة صوغ العلاقة بين الأنا والآخر على نحو يتيح تجاوز التضاد بين طرفي المعادلة: فلا وجود لواقع خام كما لا وجود لخيال مطلق..."29)وقد أدى التوسع اللافت للعوالم الافتراضية، وتدخلها السريع في جميع مجالات الحياة إلى خلط الواقع بالخيال، وكشف خلفية كل منهما؛ ذلك أن الواقع في الحقيقة، وعلى نطاق واسع منه، هو تجسيد لخيال طالما راود الفكر البشري، والأمثلة على ذلك كثيرة، نكتفي منها بذكر صعود الإنسان إلى القمر.... وفي المقابل، ألا نشعر ونحن نسبح على أثيريات الواقع الافتراضي لو جزمنا أنه محض خيال ووهم، ألا نشعر ونتلمس عناصر من الواقع تجسد لنا هذا الخيال، الذي يغلب عليه في العادة طابع السحري، والخرافي والوهمي؛ "في حين الخيال في الأبجدية الرقمية هو مجسم ومرئي بقدر ما هو تقني وصنعي، لذا فهو يحيل إلى واقع فعلى، بقدر ما يشتغل باصطناع النماذج وتشكيل العوالم الافتراضية عن طريق لعبة الرقمنة "30)، وهذه اللعبة تتعلق بالأبجدية الرقمية ومعناه تقديم الواقع بصورة مشفرة، أو رمزية لذلك صار الخيال عبارة عن واقع مضغوظ، فقد كانت الثقافة سابقا هي محرك الخيال في سبيل استشراف المستقبل، وتعويض الإنسان عما يشعر به من نقص في واقعه، أما اليوم فقد تخصب الخيال واتسع  ليصبح امتدادا للواقع، وأصبحت الصورة سابقة للواقع االذي كانت إلى وقت غير بعيد تمثله وتنطلق منه، واليوم في ضوء الثورة التكنولوجية وسيطرة المجالات الافتراضية، صار الواقع جزءا من الخيال، ومنطلقا من الصورة التي يرسمها له.

وكأي مجتمع حقيقي طور المجتمع الرقمي هياكله، وموارده، وأيضا علاقات مواطنيه ورواده. في خضم هذه التطورات لم يغفل فنونه وآدابه الخاصة، التي نشأت في بيئته لا الدخيلة عليه من الواقع الفعلي، فنشأ الأدب الرقمي في حضن الفضاءات الافتراضية، يستفيد من كل ما تتيحه له من إمكانيات وأدوات وأفكار، حيث رحل النص الأدبي من حدود الورقة وقوانينها السطرية، وخرج من دفتي الكتاب الورقي، ليجد نفسه سابحا في فضاء حر بعيدا  عن الجاذبية الحبرية الملتصقة بالورق، خارقا قوانين القراءة الأفقية الخطية التقليدية، متخذا من الأيقونات والعلامات السابحة في الفضاء مفاتيح الولوج إلى أعماقه وسبرا لأغواره بعد أن صار يكتب بطريقة تراكمية، وهو ما سيأتي تفصيله في فصل قادم.

الزمان والمكان على عتبات الفضاء الافتراضي:

1- العلاقة بالمكان: لطالما ارتبط المكان بالوجود الإنساني، رغم كل الأخذ والرد الذي تداوله الفلاسفة منذ أقدم العصور حول تحديد ماهية المكان واثبات وجوده.

والمكان بالمفهوم اللغوي يعني "الموضع" وجمعه أمكنة وأماكن31) فهو يتعلق بالمحتوى، أي كل ما يحتوي شيئا ما فه موضعه أي مكانه، ويلاحظ الإنسان من خلال حياته اليومية، أن الأشياء تشغل حيزا معينا، وكذلك كان تصور الإنسان للمكان قبل ظهور الفلسفة؛ " تصوره المكاني كان مرتبطا بالوجود المحسوس للأشياء في العالم الخارجي..."32)فقد كان من الصعب على الإنسان تصور المكان خارج المحسوسات، لذلك اعتبره هو الحيز، البيت، الغرفة، الوطن. أي لابد أن يكون له إطار جغرافي أو شكل فيزيائي ملموس حتى يستطيع الإنسان الوعي به.

والحقيقة أن هذا التصور لا يتعلق بالإنسان القديم فقط، لكنه يعد المفهوم العام للمكان والمعنى الشائع عند أغلبية الناس حتى يونا هذا، على الرغم من كل الحبر الذي أساله من أقلام الفلاسفة المسلمين واليونان القدماء والمحدثين. أما على صعيد المفاهيم الاصطلاحية التي تطرقت للمكان، فقد نشأت  نشأة فلسفية، وتحديدا مع الفلسفة اليونانية، حيث عد المكان فلسفيا "ما يحل فيه الشيء، أو ما يحوي ذلك الشيء ويميزه ويحده ويفصله عن باقي الأشياء"33)، وأفلاطون هو أول من استعمل هذا المعنى وأطلقه، ثم انتشر هذا المفهوم بين الفلاسفة والدارسين، إضاءة وإضافة وتداولا، والملاحظ أن هذا المفهوم لا يختلف في الظاهر عن المعنى اللغوي، غير أن الفلاسفة فصلوا في تحديدهم لماهية المكان بأن فرقوه عن غيره من المفاهيم كالحركة، والزمان والجسم الطبيعي، وعن التناهي واللاتناهي، وهي خصائص كثيرا ما ارتبطت بتعريف المكان ووصلت حد الاختلاط به، فصار لا يعرف إلا بها. لذلك كان من الضروري إظهار الحدود بين المكان بوصفه مفهوما مستقلا، وبين العناصر المصاحبة لوجوده الواقعي، والمكان "بحسب تصور أرسطو طالس موجود وبين ولا يمكن نفيه أو إنكاره (...) موجود ما دمنا نشغله ونتحيز فيه (...) يمكن إدراكه عن طريق الحركة من مكان إلى آخر وهو مفارق للأجسام المتمكنة فيه سابق عليها ولا يفسد بفسادها"34) وهذا الرأي لأرسطو جاء تفنيدا لآراء بعض الفلاسفة الذين أنكروا وجود المكان على اعتبار أن المكان هو الخلاء، والفراغ، وهذه الأخيرة غير موجودة لأن العالم يمثل كتلة واحدة متصلة لا وجود للفراغات بين عناصرها، وهو رأي المدرسة الأيلية.

أما الفلاسفة العرب؛ الكندي، الفارابي، أبو حيان التوحيدي، إخوان الصفا، السلجستاني، ابن سينا،.... فقد أقروا بوجود المكان، ونحا غالبيتهم منحى أرسطو طالس.

والحقيقة أن ما يهمنا في هذا الطرح هو تتبع المشوار الطويل الذي قطعه مفهوم المكان منذ القدم إلى يومنا هذا، إنما هو فهم ماهية المجال الافتراضي الجديد، الذي يعد أحد أبرز نتائج التقنية الرقمية المعاصرة. ومع تزايد انخراط الإنسان داخل هذا الفضاء الجديد وتوطد الصلة بينهما، يزداد التساؤل إلحاحا عن طبيعة هذا الفضاء، هل هو المكان الجديد للإنسان؟ وبأي منطق يمكن أن يصنف؟ وقد علمنا احتدام النقاش منذ القدم في تحديد ماهية المكان، وتضارب الآراء بين الإقرار بوجود المكان وبين نفييه. فماذا عسانا نقول اليوم "البشرية تدخل في عصر جديد من عصور الكائن يتبدل معه نمط الوجود وأساليب العيش بقدر ما يتغير نظام العالم ومنطق الأشياء"35) أصبحنا نعيش في عالم مزدوج؛ عالم واقعي يحكمه منطق يؤمن بالمسافات الجغرافية، ويحترم فروق الزمن، وعالم تفرقه اللغة، والجنسية والايدولوجيا، في مقابل عالم آخر جديد تماما على الإنسان، عالم في علبة صغيرة اسمها الحاسوب. لا قيمة فيه للزمن ولا للمسافات، شعاره الأساسي السرعة، عالم فتح أبواب التواصل اللامحدود، وألغى التأشيرة بين الدول بإلغاء الحدود الجغرافية، والثقافية.... إنه العالم الافتراضي الذي فجر العلاقة بالمكان، وغذى "الحديث المتكاثر عن النهايات، نهاية التاريخ والجغرافيا، أو المثقف والايدولوجيا، أو العمل والملكية، أو السياسة والدبلوماسية، والنهاية هي بالطبع عبور نحو عوالم، وفضاءات جديدة تنفتح معها إمكانات لا سابق لها للتخيل والابتكار"36)، وفي ضوء هذه الانتقالة الجذرية إلى دنيا الإعلام وأثيريات المجال الافتراضي نشهد تحولات كلية في علاقتنا بالمكان، ومفهومنا للمجتمع، والعالم، والوجود عامة.

لقد آمن الإنسان بوجود المكان وارتبط به بعده الوطن، الأرض، السكن، الأمن، الحدود. فالمكان بالنسبة للإنسان هو إلى وقت قريب الحيز الجغرافي الذي يحتويه، والمجال الجوي الذي يتنفس فيه، وهو الذكريات والأصدقاء، هو المال والأعمال.... غير أن الأمور قد عرفت اليوم تحولات سريعة الأمر الذي حول المكان إلى فضاء لتدفق المعلومات، والصور، والنصوص الفائقة، والمخلوقات الأثيرية شبه المادية، وكل هذا راجع إلى عنصر الزمن؛ "ذلك أن التبادل الرقمي بالزمن الفوري جعل الكائنات الافتراضية تجتاح المكان الذي تنفجر روابطه ويتقلص دوره، بقدر ما تطوى مسافاته وتتآكل حدوده، الأمر الذي جعل البعض يقول إن ثورة الاتصالات تحول المكان إلى مجرد نقطة (...) وبهذا المعنى يتحول المكان من موطن فسيح إلى فضاء سبراني مفتوح لتدفق المعلومات بصورة متواصلة ومتنامية"37). هذه المستجدات من شأنها أن تخلق إشكالا جديدا فيما يتعلق بماهية المكان وحدوده. والفضاء السبراني يعتبر مكانا لحجة بسيطة هي توفره على عنصر الحركة، وإن كانت هذه الحركة افتراضية مبدئيا، لكن لها نتائج متحققة، كأن ينتقل الشخص (س) من مدينة الجزائر عبر أثيريات الشبكة المعلوماتية مبحرا في فضاءاتها الافتراضية إلى بريطانيا مثلا ليدرس في أحد جامعاتها ويحصل على شهادة جامعية، ويتواصل مع سكانها ويصبحوا في قائمة أصدقائه، وربما يتبضع من أسواقها قبل العودة إلى أرض الواقع،.... هذا من جهة، ومن جهة ثانية، أليست المعلومات المرتحلة داخل هذا المجال الافتراضي في حركة مستمرة؟؟... ولكنا إذا سلمنا بحقيقة أن المجال الافتراضي يعتبر مكانا، أو شكلا جديدا للوجود الإنساني، فإن ذلك سوف يتعارض مع مفهوم الجسم الطبيعي الذي لا يمكنه أن يوجد في مكانين في آن واحد حيث "لعبت فكرة المكان دورا أساسيا في الفكر الإنساني قديما (...) وحديثا، وقد أدرك الإنسان هذا الدور المتميز للمكان في وجوده (...) والأجسام والأشياء تشغل حيزا أو مكانا ما، وأن الجسم الواحد لا يشغل مكانين في آن واحد"38) وقد نقض هذا المفهوم اليوم بعد أن صار الجسم الواحد قادرا على التواجد في مكانين في زمن واحد؛ ألست موجودا في غرفة المكتب بجوار جهاز الحاسوب أجلس إلى احد الأصدقاء نتبادل أطراف الحديث، وفي الوقت ذاته تجدني على أثيريات الفضاء الافتراضي (المكان الثاني) أتواصل مع أشخاص آخرين من أماكن مختلفة، وإذا تأخرت في الرد عليهم يسألون: يا فلان، أين ذهبت؟ هل أنت موجود؟ فأسرع بالرد؛ نعم أنا موجود، هنا معكم... ، فهل أكون موجودا خارج المكان؟؟

لقد أصبحنا أمام عصر جديد بكل ما للكلمة من معنى بما أحدثته الثورة التكنولوجية التي اجتاحت العالم من تحولات جذرية "في العلاقة بين الزمان والمكان، لمصلحة الأول، بمعنى أنها جعلت الزمان الحقيقي، الذي يجري بسرعة الضوء، ينتصر على المكان التقليدي، بأبعاده الثلاثة، أي يحل محل الزمان العادي بسرعته البطيئة وحركته الميكانيكية"39)فالتغيرات التي طرأت على مفهوم المكان وعلاقتنا به ووعينا له إنما انطلقت من التغيرات التي لحقت بالزمن، والوحدة الأساسية المرافقة للمكان، والوجود، فليس هناك وجود خارج الزمن كما أنه لا وجود خارج المكان، وبفضل الثورة التقنية عرف الزمن كما أنه لا وجود خارج المكان، وبفضل الثورة التقنية عرف الزمن تسارعا رهيبا لم يشهد له مثيل، فصرنا نتحدث عن سرعة الضوء، بوصفه مقياسا لمختلف النشاطات والتحركات، في زمن سيطرت عليه النظم الآلية، والأجهزة الحاسوبية، حتى صار هو منطق العصر الذي يشتغل في الفضاء الالكتروني، وصرنا "إزاء عالم شبحي أثيري، لا يتألف من أشياء عينية ولا من مفاهيم ذهنية، بل يتركب من وحدات لا لون لها ولا وزن ولا حجم...."40) داخل المجال الافتراضي لا وجود لأشياء عينية، فقط وحدات مرئية لا يمكن حساب وزنها أو حجمها لأنها كالأشباح مرئية غير لمسية، لكنها تعبر عن تغير العالم ووعي الإنسان بالوجود بفعل تغير علاقته بالمكان.

حركة الزمن في العصر الرقمي:

غير بعيد عن الإشكالات التي واجهت وعينا بالمكان وفهمنا له، تتكشف طبيعة العلاقة الجديدة بالزمن، في عصر تغيرت فيه جميع المقاييس، وتبدلت، وبعد انفجار ثورة المعلومات وما تمخض عنها من علاقات جديدة وإمكانات غيرت وجه العالم. والحقيقة أن الزمان، والمكان وحدة واحدة ولا يمكن الفصل بينهما، فما حدث من تغيرات على مستوى الوعي بالمكان يمس بشكل  مباشر علاقتنا بالزمان، والفصل بينهما هو فصل منهجي ليس إلا، وبغرض التفصيل في طبيعة التحولات التي لحقت بكل منهما، حيث أن "الزمان المطلق لا وجود له بل هو رهن بالحركة ناتج منها، وكذلك لا وجود للمكان المطلق، بل هو رهن بالأشياء المتمكنة، أي تحتل مكانا..."41)  والحركة عنصر مهم في تحقيق المكان وإدراك الزمن.

وقد شغل الزمن العديد من الفلاسفة والعلماء، نظرا للطبيعة غير الحسية له ، وهو ما يجعل من الصعوبة القبض عليه وإدراكه، أو التحكم في كينونته، لذلك كان "الإحساس بالزمن شأن الإحساس باللون، صورة من الإدراك الحسي (...) فكما أن اللون لا وجود له إذا لم توجد عين تميزه، فكذلك الدقيقة، والساعة واليوم، ليسوا (كذا) شيئا إذا لم تكن أمارة على حادثة..."42)فالزمن بأجزائه، وتقسيماته ليس إلا حالة معنوية يحصل خلالها حدث ما، يرتبط هذا الحدث بمكان معين من جهة، وبإطار زمني من جهة ثانية، ومن هنا يعرف الزمن ويكتسب أهميته من خلال علاقته بالأحداث، وتعتبر نظرية نيوتن الأولى من النظريات الأوائل في حساب الزمن، حيث ترى أن الزمن عامل ثابت في كل مكان، فتحسب السرعة بمقدار المسافة المقطوعة، في مقابل زمن أينشتاين النسبي، والذي  يرى أن الزمن متحرك يعتمد اعتمادا كليا على السرعة، كما حدد السرعة القصوى التي لا يمكن تجاوزها بسرعة الضوء.

غير أن النظرية التي اعتمدت لحساب الزمن الفعلي في الظروف الطبيعية هي نظرية نيوتن بين المسافة من جهة، والزمن اللازم لقطعها من جهة ثانية، فكانت العلاقة:

السرعة =المسافة / الزمن. فكلما زادت المسافة وقل الزمن، كانت السرعة اكبر.

أما عن الزمن الرقمي، أو السبراني، فقد أصبحت السرعة تساوي الزمن فقط، حيث إن المسافة أصبحت نهاية تقترب من الصفر، فإذا ما انعدمت المسافة  فقد الغيت الجغرافيا، أي أن المسافات الواقعية صارت خارج الاعتبار، صارت قوانين السرعة تحسب بالاستناد إلى عنصر الزمن فقط. كما تقلص الزمن كذلك وصار يقارب الواحد الثابت، المطلق. لقد أصبح الزمن واحدا من أهم مكونات العالم الجديد، حيث لا مسافات، السرعة وحدها هي ما يطغى على هذا الوجود؛ عالم الفضاء الافتراضي "لأول مرة في التاريخ تسبق المعرفة الخيال..."43)إذ لطالما كانت مثل هذه الأفكار جزءا لا يتجزأ من الخيال الإنساني الطامح دائما إلى الخارق والعجيب، والبعيد عن الممكن والرتيب، حتى وإن تحقق جزء منه، فإنه يبقى وليد الخيال الذي سعت المعرفة الإنسانية، بما توفر لها من إمكانات، أما اليوم في العصر الرقمي صار العالم يفاجئنا كل يوم بجديد لم يخطر لنا حتى في الخيال، وكل ذلك بسبب الوتيرة المتسارعة للأحداث والأبحاث، وحركية المعرفة التي حققتها تكنولوجيا المعلومات.

لقد حددت السرعة القصوى بسرعة الضوء، وهي سرعة لا يمكن تجاوزها، فحول الإنسان اهتمامه إلى تحويل علاماته ومواده إلى إشارات ضوئية لنفسه تواصلا يعادل أو يفوق سرعة الضوء تلك، وهذا "يعني ببساطة إلغاء بعدي الزمان والمكان، فلا زمان ولا مكان ولا كائنا إلاه، وهو الواحد المعروف قبل الحد وقبل الحرف، لا راد لمشيئته... إذا أراد شيئا فإنما يقول له 'كليك' فيكون، فأمره بين الكاف والكاف يكون..."44)- مع كل التحفظ على هذه المقاربة-، فقد حققت السرعة القصوى التي وفرتها تكنولوجيا المعلومات إمكانات هائلة على صعيد العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وحتى الثقافة، وغير وجه العالم، الذي لم تعد تحكمه قوانين الجغرافيا، ولا فوارق الزمن، بل تحول بفضل ذلك غرفة صغيرة صارت تمثل كل مكان بالنسبة للإنسان الجديد الذي لم يعد في حاجة  إلى التنقل المستمر لقضاء حوائجه، بل صار كل شيء متاح له وهو جالس في مكانه.

قلص الزمن من مساحة المكان مثلما قلصت التكنولوجيا من امتداد الزمن، فولد "نتيجة للعصر الرقمي مجتمع جديد مختلف هو المجتمع الرقمي (...) هناك أحداث تحدث، وهناك زمان هو الزمن الرقمي الذي يساوي واحد (...) وهناك مكان هو نهاية تقترب من الصفر (...) وهناك إنسان يعيش ضمن هذا المجتمع (...) هو الإنسان الافتراضي (...) ابن وبطل المجتمع الرقمي الذي في الزمن الرقمي"45). فقد ولد لهذا العصر أحداثه الخاصة المتماشية وزمانه الخاص، الزمن الذي طالما أرادهالفائق السرعة، وعلى فضاء لا يعترف بالمسافات، ويعيش وسط كل هذه الأجواء المستحدثة، إنسان جديد كذلك، بأفكاره وطموحاته وأحلامه وإبداعاته، وهو على "عجلة من أمره، أو في سبق دائم على نفسه بانتظار الجديد أو المتغير والمفاجئ من المعلومات والمعطيات..."46)عصر اختصار الوقت وسرعة الزمن، فلا مجال للتأني والإطناب مع الحياة، لابد من اعتماد سياسة الكر والفر مع الحياة المعاصرة، وإلا سار القطار وتركنا على المحطة منتظرين ما لن يأتي، تلك هي الحياة اليوم؛ مستقبل حاضر، ماض بسرعة، وأحداث متسارعة لا تقف ولا تلتفت إلى الوراء، وكل يوم يأتي بجديده المختلف عن الأمس، المتصل بالغد فمن الطبيعي أن يكون لهذا التسارع انعكاسات على طبيعة الحياة الإنسانية، وعلاقاتها الاجتماعية، ونتاجاتها الثقافية، ولعل ما يؤكد هذا الرأي هو التغيرات اللافتة التي مست الإبداع الأدبي ، من شعر ونثر فانبثق إلى الوجود ما يعرف بالأدب الرقمي. والكتابة "عموما تدور ضمن ثلاث(كذا) محاور/ أبعاد أيضا، وهذه المحاور/الأبعاد هي الزمان و المكان (...) فإذا ما تحررنا من بعد المكان ماذا سيحدث للكتابة (...) ماذا سيحدث للرواية؟"47)السؤال صار ملحا مع تزايد إهمال فروق الزمن، وحواجز المكان، والسؤال يطرح عن العلاقة الجديدة التي من شأنها أن تنشأ بين النص الجديد بظروفه الجديدة، وبين المتلقي ( القارئ)، هذا من جهة، ومن جهة ثانية يمثل كل من يدعي أن الزمان والمكان مكونين أساسيين في بنية النص الأدبي ( شعر، نثر، مسرح) فإذا انتفيا أو أهملا، فلابد أن يلحق بالأدب نتيجة لذلك تغيرات جذرية.

 الهوامش:

1)مشتاق عباس معن: "دواعي القصيدة التفاعلية الرقمية في عالم يفكر بأسس ورقية". www.anakhlahwaljiran.com.

2)عبد الله أحمد الفيفي: "نحو نقد إلكتروني تفاعلي، تباريح رقمية أنموذجا"، ناظم السعود: الريادة الزرقاء، دراسات في الشعر التفاعلي، دط،2008 ، ص:15.

3)علي حرب: العالم ومأزقه، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط:1 ،2002 ، ص:155 .

4)علي حرب: حديث النهايات، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2000، ص: 183 .

5)المرجع نفسه، ص:155 .

6)رشيد بوطيب: "مفهوم التواصل في الفلسفة؛ من الحقيقة إلى الاختلاف"، مجلة فكر ونقد ، عدد: 88 .

7)المرجع نفسه: http://www.aljabriabed.net/n88_08bouta.

8)المرجع نفسه: http://www.aljabriabed.net/n88_08bouta.

9)عبد العزيز بن عرفة: الدال والاستبدال، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، ط:1، 1993، ص:68 .

10)علي حرب: العالم ومأزقه، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2002، ص: 118.

11) علاء جبر محمد: الحداثة التكنو ثقافية، مطبعة الزوراء، بغداد، ط:1،2009، ص:12.

12)عبد الغني بارة: الهيرمينوطيقا والفلسفة، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2008، ص:399.

13)علي حرب: حديث النهايات، ص: 138 .

14)عبد الله العروي: ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، ط :6 ، 2002 ، ص: 149 .

15)عبد السلام بنعبد العالي: الفكر في عصر التقنية، أفريقيا الشرق، 2000، ص: 15 .

16)علي حرب: حديث النهايات، ص: 194 ، 195 .

17)محمد سناجلة: رواية الواقعية الرقمية، طبعة إلكترونية عن اتحاد كتاب الانترنت العرب، ص: 38 ، 39 .

18) علي حرب: التأويلوالحقيقة،قراءاتتأويليةفيالثقافةالعربية،دارالتنويرللطباعةوالنشروالتوزيع،بيروت، 2007 ،ص:59 .

19)فاطمة البريكي: مدخل إلى الأدب التفاعلي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 2006، ص: 29 .

20)سعيد يقطين: من النص إلى النص المترابط،  ص:92 .

21)إحسان التميمي: من السيبرناتية إلى النص المترابط. http://www.arab-ewriters.com/?action=showitem&&id=4381

22)رسالة خاصة  من الشاعر  د مشتاق عباس معن، عبر الانترنت.

23)     محمد عابر الجابري: قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1997، ص: 148 .

24)اليامين بن تومي: "تداولية الواقع الأثيري"، كتابات معاصرة، شركة حوار للصحافة والنشر، بيروتّ، عدد 57، مج15، 2005، ص:19

25)عبد السلام بنعبد العالي: في الإنفصال، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط:1،2002، ص:58 .

26)المرجع السابق، ص: 58 .

27) اليامين بن تومي: "تداولية الواقع الأثيري""، كتابات معاصرة، ص: 19 .

28)محمد سناجلة: رواية الواقعية الرقمية، ص: 13 .

29)علي حرب: العالم ومأزقه، ص:65 .

30)المرجع نفسه، ص: 108 .

31)ينظر: ابن منظور: لسان العرب المحيط، مج: 13، مادة وضع، ص: 414 .

32)حسن مجيد العبيدي: نظرية المكان في الفلسفة الإسلامية، ابن سينا أنموذجا، دار نينوى للدراسات والنشر، دمشق، سوريا،2007 ، ص: 17 .

33)المرجع نفسه، ص: 19 .

34)المرجع نفسه، ص: 28 .

35)علي حرب: العالم ومأزقه، ص: 105 .

36)المرجع نفسه، ص: 111 .

37)المرجع نفسه، ص: 106 .

38)حسن مجيد العبيدي: نظرية المكان في الفلسفة الإسلامية، ابن سينا أنموذجا، ص: 17 .

39)علي حرب: حديث النهايات، ص: 159 .

40)المرجع نفسه، ص: 100 .

41)طلال بشير النوري: نحن والزمن، مؤسسة الإسراء للنشر والتوزيع، القاهرة، دط، ص: 47 .

42)المرجع نفسه ، ص: 88 .

43)محمد سناجلة: رواية الواقعية الرقمية، ص: 20 .

44)المرجع نفسه، ص: 38 .

45)محمدسناجلة: "نحو نظرية أدبية جديدة"".//http:www.arab-eweriters.com?action=showwriter&&id=61

46)علي حرب: العالم ومأزقه، ص: 106 .

47)محمد سناجلة: "نحو نظرية أدبية جديدة. . www.arab-eweriters.com