pdf   تحولات الشخصية الروائية وتفاعلاتها مع الحيز

       رواية كتاب الأمير : مسالك أبواب

        الحديد ( لواسيني الأعرج ) نموذجا

 

أ/ مسعـودي العلمــي 

إن المكان هو الأكثر التصاقا بحياة البشر، لأن إدراك الإنسان للمكان يختلف من حيث إدراكه للزمن، ففي الوقت الذي يدرك فيه الزمن من خلال تأثيره في الأشياء إدراكا غير مباشر يدرك المكان بطريقة مباشرة إدراكا ماديا حسيا.»([1])

وقد تكون الأماكن مرفوضة أو مرغوب فيها، لأن اختيار المكان وتهيئته يمثلان جزءا من بناء الشخصية البشرية »([2]كما يكون المكان أليف أو موحش،مكان سعادة أو الشقاء أو الواقع المر أو الحلم الدافئ، الضياع أو المصالحة مع النفس أو الجماعة([3])

الانتماء إلى المكان هو الذي يحدد طبيعة العلاقة بالمكان من ناحية الغربة والألفة، فالمكان الأصلي هو المكان المحوري بالنسبة للشخصية إذا تحققت فيه مطالبها ورغباتها،ووجدت فيه الجانب الحيوي، وفي حالة افتقار هذا الجانب تبحث الشخصية عنه في مكان آخر، ومن ثم يحصل الانفصال عن المكان المركزي والاتصال بالمحيط.»([4])

ومن خلال هذه المفاهيم التي تعرضنا إليها نرى أن المكان يعد من العناصر الأساسية المكونة للبناء الروائي والتي تسهم في معماريته عن طريق علاقة المكان بالشخصيات ومدى تفاعلهما.

وتبرز أهمية المكان ممثلة في الحالات الشعورية المتعددة في رواية كتاب الأمير لواسيني الأعرج والتي نجدها بارزة في عدة مواضع،والتي كان لها دور بارز في تحريك المشاعر،ومن هنا يبرز مدى التصاقها بالمكان وخضوعها له،كما يتحكم المكان في تصرفاتها وسلوكاتها الصادرة من الشخصيات،وهذا ما نجده مجسدا في حالة الأمير عبد القادر الشعورية عندما كان في السجن،  الذيكانيعيش في مكان مغلق ومحدود، بحيث أن الفعل لا يتجاوز الإطار المحدد كالغرفة المظلمة،التي أججت في نفس الأمير مشاعر الغربة والحنين والعزلة ومرارة الألم.

وبقليل من التأمل يدرك القارئ مرارة معاناة الأمير من خلال نظرة الأمير لهذا المكان،أي(السجن)،وهكذا كان للمكان تأثيرا كبيرا على مشاعر الأمير ونفسيته،ويتجلى ذلك عن طريق الأوصاف والكلمات التي يتم التعبير من خلالها على المكان والتي تعكس لنا الشخصية وما تعانيه من حالات شعورية كشفت عن نفسها بواسطة إبداء رأيها في المكان ومدي تفاعلها مع المكان سواء كانت علاقتها بالمكان ايجابية أو سلبية،ففي علاقتها الأولى تسعى إلى انتقاء الألفاظ الرقراقة والعذبة لتعبر عن خصب المكان وجماله وألفته،وفي علاقتها الثانية تختار من الألفاظ المقرفة والمقززة والمنفرة لتعبر على مدى تهميشها للمكان والعزوف عنه وهجر لكثرة ما تلاقيه من معاناة وبؤس وحرمان وألم وهذا  ما نجده في المكان المحدد كالسجن الذي اعكس على شخصية الأمير والقارئ.

لقد تعددت علاقات الشخصيات بالأمكنة في رواية كتاب الأمير،منها ما ارتبط بالحالات الشعورية التي أشرنا إليها في المثال السابق،ومنها ما كان ارتباطه بالمكان ارتباطا اجتماعيا والذي يتجلى من خلال المكان الذي يلعب دورا كبيرا في تفعيل تلك العلاقة،وفي هذا الصدد يرى ميشال بوتور أنه من الممكن أن تشع صور المكان دلالة حضارية، من خلال  عكسها لمفاهيم مرتبطة بلحظة حضارية معينة، وهذا الرأي يتفق مع ما لاحظته جوليا كريستيفا في حديثها عن الفضاء الروائي في قولها :أن الفضاء يشكل من خلال العالم القصصي الذي يحمل معه جميع الدلالات الملازمة له،والتي تكون عادة مرتبطة بعصر من العصور حيث تسود ثقافة معينة أو رؤية خاصة للعالم»([5]

وما يؤكد بالفعل تلك العلاقة الاجتماعية بين المكان والشخصية ما أوردته أسماء شاهين في دراستها لجماليات المكان في روايات جبرا إبراهيم جبرا مبينة ما يقدمه المكان بالنسبة للإنسان وكيفية تفعيله للعلاقات الاجتماعية في قولها: فالمكان الاجتماعي هو الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه، ولذا فشأنه شأن أي إنتاج اجتماعي آخر،كما أ،ه يحمل جزءا من أخلاقية ساكنيه،وأفكارهم ووعيهم.»([6])

ومهما انتقلت الشخصية عن موطنها الأصلي، فإنها تظل مرتبطة به، وبالرغم لما يوفره له هذا المحيط المجاور من حاجيات،والذي يخلق نوعا من الألفة بهذا المكان، إلا أنه يظل مرتبطا ببيئته الاجتماعية وبمكانه الطبيعي الذي تمخضت عنه أفكاره وعاداته وتقاليده التي تنعكس على سلوكا ته، وتعبر عن هويته وانتمائه.

لقد كان للمكان تأثير كبير في شخصية الأمير عبد القادر وفي بلورة بعض الأفكار والعادات المحلية الجزائرية والتي نراها مجسدة في ذلك التساؤل الذي وجهته إحدى الزائرات للأمير وبحضور  مونسينيور ديبوش  متسائلة عن الزواج في قولها:

ـ أرى أن الزواج عندكم محكوم بفوضى كبيرة؟

ـ انصحني قليلا،لم أفهمك جيدا .فهناك من يتهمني بالانضباط الزائد في علاقاتي وزواجي ولا أشبه أسلافي.

ـ لم يستطيع أن يكتم ضحكته الخجولة التي انسلت من شفتيه .

ـ طيب لأقلها لك بدون مواربة ولا انزلا قات لغوية .لماذا تتزوجون نساء كثيرات وليس واحدة مثلما نفعل نحن في ثقافتنا .

ـ ابتسم الأمير بحياء مرة أخرى، ثم مد يده نحو لحيته،مسد عليها قليلا ثم أجاب بثقة كبيرة ولم يبد عليه ما يربكه كما كانت السيدة تتصور:

ـ قولك في ثقافتنا يبين أن هناك عادات وتقاليد وثقافات وخصوصيات.كل دين له ميزة المكان والقوم الذين نزل فيهم. ومونسينيور يتفق معي،لقد تذاكرت معه في هذا الموضوع طويلا وأعرف رأيه جيدا.لا توجد أديان خارج الناس الذين احتضنتهم ورسخت أشواقهم وأفكارهم وحنينهم إلى الكمال..

واصل الأمير ترتيب إجابته للمرأة التي كانت تبحث عن الإحراج أكثر مما كانت تبحث عن إجابة ترضي فضولها.

ـ سيدتي الطيبة، نقوم علانية بما تقومون به سريا. بين المرأة والرجل سحر رباني خاص وجاذبية لا تقاوم. الإنسان قد يحب امرأة من أجل عينيها، أخرى من أجل شفتيها،ثالثة لجسدها وأخرى لنور علمها وفكرها وانفتاح قلبها،عندما نعثر على امرأة تحمل كل هذه الصفات مثلك، سنكتفي بواحدة ولن نختار غيرها ونقبل أن نموت في أحضانها.الجمال خلقه الله للرجال والنساء وديننا ودينكم لم يعملا إلا لتهذيب العلاقات بدون إقصائها . هل هذا يكفي أم أضيف شيئا آخر.

ـ شكرا يا سيدي،يكفي لهذا اليوم، كلامك طيب ومقنع. »([7])

وهكذا يتضح لنا أن المكان بلعب دورا هاما في تفعيل الأفكار والعادات والتقاليد الاجتماعية بالنسبة للشخصية مهما ابتعدت عن موطنها الأصلي بل تزداد تمسكا به رغم بعدها عنه فإنها تبقى مرتبطة به، لأن المكان محوري بالنسبة للشخصية خاصة إذا تحققت فيه مطالبها ورغباتها، ووجدت فيه كل رغباتها وطموحاتها، لأن علاقة المكان بالشخصية هي علاقة تفاعل مستمر،فبمجرد أن يشير الكاتب للمكان تكون الإشارة للحدث،لأن الكاتب لا يقدمه كإطار فحسب، بل كعنصر حكائي أساسي في المادة الحكائية له أهميته في تأطير البنية العامة للنص الروائي، كما تنتظم فيه جملة من العلاقات التي تعكس تلك العادات والتقاليد التي تطبع تصرفات الشخصية وسلوكاتها رغم انتقالها من مكان لآخر.

بعد تعرفنا على المكان وعلاقته بالشخصيات وإبراز دوره في الكشف عن العلاقات الاجتماعية تجدر الإشارة إلى أن المكان كان بمثابة الأرضية الخصبة التي تولدت عنها تلك العلاقات الاجتماعية،كما تلعب الشخصيات دورا هاما في تكوين المكان وبناءه، ويكون ذلك عن طريق حركة الشخصيات التي تبث في المكان الحيوية، كما تزيده لمسة فنية تقترب به من الواقع، وتبعده من الديكور المتخيل، لأن حركية الشخصيات  وتنقلها عبر الأمكنة ينعكس عن الشخصيات وسلوكاتها ومشاعرها لأن المكان أكثر التصاقا بحياة البشر، وهذا ما نجده مجسدا في شخصية الأسقف مونسينيور ديبوش الذي عاش فترة طويلة في فرنسا موطنه الأصلي،أيعاش فيه فترة الطفولة والشباب والكهولة،وعند انتقاله إلى الجزائر تغيرت مشاعره وسلوكا ته،لأن عامل البعد عن موطنه الأصلي كان له تأثيرا كبيرا في شخصيته ومشاعره حيث نجده ازداد تعلقا بفرنسا،ولكنه بعد مفارقته لها ردحا من الزمن نجد أن هذا التعلق والمحبة قد تبدل انتقادات وسخط على فرنسا ومن يسكنها من البارسين خاصة،وهذا ما يؤكده قوله:

« تمتم مونسينيور ديبوش وهو يرتب قليلا من هندامه الأسود ويمسح لحيته الكثة من المياه التي علقت بها:

ـ أتعجب من هؤلاء الباريسيين كيف يتحملون هذه المدينة المتعبة.أقمت بها سنوات ولم أتعود عليها ضخامتها تخيفني.ناسها ينفلتون من كل منطق وينقلبون بسرعة.من الصعب أن تثق في المزاج الباريسي.

ـ العادة يا مونسينيور،.العادة تعلم الناس تحمل كل شيء.رد سائق العربة وهو يحاول أن يوجه الحصان باتجاه الشارع الرئيسي حتى الموت ياسيدي لم يعد يثر أحدا. »([8])

مهما أخبت الشخصية المكان،وبمجرد انتقالها لمكان آخر تتغير سلوكاتها،فقد تتعمق هذه المحبة، وقد تفتر نظرا لما تلقاه الشخصية من معاملات، فقد تتوطد العلاقة بين الشخصية والمكان فتزداد محبة له،وان ساءت المعاملة فتتغير وتشهد المحبة فتورا وهذا ما يدفعها لانتقاد المكان مثل الانتقادات التي تعرضنا لها في المثال السابق،أو بمعنى آخر أن هذه المحبة مرتبطة ارتباطا كبير بمزاج الشخصية وصلابتها على تحمل المعاناة،وهذا ما نجده عند الأمير عبد القادر الذي لم تتغير سلوكاته ومحبته للجزائر على الرغم من تغير المكان،وهكذا نرى أن الاختلاف بارز بين شخصية مونسينيور، والأمير عبد القادر على الرغم من كونهما قد تنقلهما عبر المكان،فالأول(مونسينيور) نجده أظهر كرهه لباريس وسكانها،بينما الأمير ظل يكن المحبة لأهله وموطنه الأصلي رغم تلك الظروف العصيبة التي عاشها في مقاومته للأعداء بالجزائر،وأثناء أسره،ومن هنا نرى أن الشخصية وما تكنه من مشاعر خاضع لجمالة من الأسباب قد تكون اجتماعية، أو ثقافية، أو دينية أو سياسية، أو طبيعية، أو اقتصادية تفرض نفسها على الشخصية كما تساهم في تكوينها وبناءها وانتماءها،وهويتها الشخصية.

ومن هنا فإننا وجدنا أن ارتباط الشخصية وانتمائها لبيئة معينة يكون له أثر كبير في حيوية الشخصية وتفاعلها معه،أي أنها تصير شخصية فاعلة بحيث يؤثر المكان فيها كما تتأثر به بحيث يعكس سلوكها وانتماءها وما تتصف به من عادات وتقاليد.

وبعد دراستنا للمكان وعلاقته بالشخصيات لابد من الوقوف على أهمية المكان من ناحية انغلاقه وانفتاحه،حيث نجده يلعب دورا فعالا هو الآخر في تكوين الشخصية، فالمكان المفتوح يجعلها تتجاوب معه، وتتصف بسلوكات متميزة كما تعبر عن تجاربها وهي مدركة لذاتها وتفصح عن تطلعاتها بكل ثقة وهي مستشرفة لتحقيق آمالها وغاياتها التي تطمح إلى تحقيقها دون تردد أو خوف لما سيواجهها.

أما ما يتعلق بالمكان المغلق وعلاقته بالشخصية، فانه يختلف عن المكان المفتوح،لأن الشخصية تجد نفسها مقيدة فلا تستطيع معرفة ذاتها، بحيث تكون واقعة في ارتباك وضغوطات تضيق الخناق عن الشخصية وبالتالي تفقد حتى انتماءها وهويتها لأن هذا المكان في الحقيقة ينعكس على الشخصية بل يكون حاجزا يعترض طريقها لتحقيقه ما تطمح إليه من أهداف وغايات..

نخلصفيالأخير بعد دراستنا لعلاقة المكان بالشخصيات إلى أن واسيني الأعرج قد استطاع أن يصف الأمكنة في روايته وصفا متميزا، فأحسن تنسيق هذه الأمكنة وجعلها ملائمة للشخصيات وملتصقة بها بحيث نجد الأمكنة محفزة للشخصية فتعبر عن سلوكاتها وعاداتها وما ينتابها من مشاعر، وأحيانا تحب المكان أو تكرهه إذا لم يتوفر فيه ما  تطمح لتحقيقه،فالكاتب نجده يرصد كل أدواته الفنية من أجل أن يكون المكان مناسبا لكل شخصيات الرواية سواء من حيث كيفية تعاملها معه، وما يجب أن تتصف به هذه الشخصيات بحسب المكان الذي أن تحل فيه الشخصية فينعكس عن سلوكاتها وأفكارها وعاداتها وهويتها وانتمائها إليه.

ـ البنية الزمكانية:(علاقة المكان بالزمن) في رواية كتاب الأمير:

بعد تعرفنا على العلاقة التي تربط المكان بالشخصيات تجدر الإشارة أيضا إلى العلاقة التي تربط المكان بالزمن لأن هذا الأخير يعد مكونا أساسيا في البناء الروائي، وذلك نظرا للعلاقة التي تربط بين الزمان والمكان،وقد عبر ميخائيل باختين موضحا لمصطلح الزمكان وما يحدث فيه بقوله:إن ما يحدث في الزمكان الفني الأدبي هو انصهار علاقات الزمان والمكان، بحيث يتكثف الزمان ويتراص حتى يصبح شيئا فنيا ومرئيا،كما يتكثف المكان، فيندمج في حركة الزمن، وعلاقات الزمان تتكشف في المكان الذي يدرك ويقاس بالزمان،وهذا التقاطع والتمازج هما اللذان يحددان الزمان الفني»([9])

     «فالتقديم الفني للمكان في العمل الروائي يمثل الأحداث نفسها في تطورها.»([10])،فمجرد الإشارة إلى المكان كافية لكي تجعلنا ننتظر قيام حدث ما،وذلك لأنه ليس هناك مكان غير متورط في الأحداث.([11])

أن الدارس لرواية كتاب الأمير لواسيني الأعرج يجد أن الكاتب قد ركز كثيرا على كشف مميزات المكان وذلك عن طريق تعرضه لفترة زمنية طويلة مستدعياأحداثا تاريخية من التاريخ الجزائري مع وصف الأمكنة التي وقعت فيها تلك الأحداث التاريخية، ومن هنا نجدها أمكنة حبلى بالدلالات التاريخية عبرت عن علاقة المكان بالزمان.

ولقد عمد واسيني الأعرج على جعل شخصية الأمير عبد القادر تسترجع أهم الأحداث التاريخية والمواقف والمعارك التي تعرض إليها عبر تنقلاته في الناطق الجزائرية أثناء مقاومته للاستعمار الفرنسي،وهذا الاسترجاع كان في الحقيقة استرجاعا للزمن الماضي وللمكان في آن معا.

لقد أراد الكاتب أن يعرف أبناء الجيل الحاضر ببطولة الأمير عبد القادر الجزائري من خلال المعارك والمواقف الجريئة التي اتصفت بها شخصية الأمير،كما كشفت لنا الرواية عن علاقة تلك الأحداث التاريخية التي وقعت في فترة زمنية من حياة الأمير ومدى ارتباطها بتلك الأمكنة التي ظلت شاهدة على بطولة الأمير على مر العصور.

لقد عمل واسيني الأعرج على إضاءة الزمن وعلاقته بالأمكنة التاريخية،والذي يمكن قياسه بواسطة المعارك التي خاضها الأمير عبد القادر وانتصاراته وبالخسائر التي تعرضت لها جيوشه،وهذا ما نجده في انتصاره على عبور نهر الملوية والذي ورد في النص:« عندما عاد الأمير في نهاية النهار نحو الدائرة كانت الشمس التي برزت قليلا قد اندفنت من جديد في عمق سماء منكسرة وشاحبة،مثقلة بغيوم سوداء ظلت تتقاطع فيما بينها عبثا.كانت وجوه سكان الدائرة متعبة ومرهقة من الأموات والأمطار التي لم تتوقف الا  قليلا ومن العمل المستمر للانتهاء من تثبيت حواجز المعابر التي لم يتحمل الكثير منها قوة اندفاع المياه.

ـ تفقد الأمير تقدم الأعمال ولاحظ تفاني الناس واستماتتهم في انجاز الممرات في وقت قياسي. سأل مهندس الأعمال الذي تعلم الصنعة من الايطاليين الذين صاحبهم في تكدامت.

ـ كيف الحال يالسي البوعناني.

ـ صعب جدا ولكن نستطيع أن نقول أننا ردمنا الكثير في هذا المعبر الضيق الذي يمكن أن يصبح عمليا في وقت قياسي على الرغم من الأمطار.على الله أن لا تخذلنا المرتكزات الخشبية التي يرتكز عليها كل شيئ.

ـ الوقت محسوب يا لبوعناني وجيشنا لم يعد كافيا للمقاومة.

ـ أنت تعرف ياسيدي أننا نفعل المستحيل.»([12])  

وبقليل من التأمل نجد أن واسيني الأعرج في معرض حديثه عن نجاح الأمير وانتصاره في عبور نهر ملوية أنه قلص الزمن تقليصا حسي شعوري،والدليل على ذلك أنه أشار إلى كل الظروف الطبيعية والمكانية،إضافة إلى الضغوطات التي تعرض إليها جيش الأمير والتي جعلته مجبرا على نهر ملوية في وقت قياسي، ومن هنا نستخلص أن طبيعة المكان تمتزج في الزمن وتقلصه كما تفرض على الشخصيات انجاز المستحيل في مدة زمنية خضعت للظروف الطبيعية والمكانية كان لها تأثير كبير على الشخصيات ووظائفها أسهمت في بناء الرواية بناءا فنيا متميزا،والذي كان مجسدا في معرض استرجاع الأمير للذكريات التي مرت به عند عبوره لنهر ملوية والتي ظلت راسخة في ذاكرته وهو في سجن أمبواز بفرنسا،وهكذا كان للحيز المكاني دور تحريك الشخصيات وقيامها بوظائفها على أكمل وجه.

لقد كان نص الرواية حافلا بالتواريخ لأن الكاتب كان يتحدث عن فترة تاريخية محددة ارتبطت بحياة الأمير ومقاومته للاستعمار والتي كانت في معظمها عبارة عن ذكريات مسترجعة بدقة، والتي أسهمت في جعل أحداث الرواية أكثر مصداقية وواقعية، لأن معظم هذه الأحداث ارتبطت بمعارك ومواقف ارتبطت بأمكنة وقوعها وتعالقت مع الزمن المؤثث بالتواريخ الموثقة لتقرب القارئ من أحداث الرواية وتعرفه بالأمكنة التي وقعت فيها تلك المعارك دون عناء أو جهد، وهذه الخاصية كانت بارزة في رواية كتاب الأمير كما أسرنا لذلك عند دراستنا لبنية الزمن فقد كانت علاقة الزمن بالمكان مجسدة في معظم فصول الرواية ووقفاتها فمجرد بداية الأحداث نجده يذكر الفصل والتاريخ، أي يتعرض لزمن الأحداث ثم يتدرج بنا فيذكر طبيعة المكان والظروف الطبيعية المحيطة به والتي تنعكس على المكان، وهذه الإضاءات تلعب دورا مهما في إقحام القارئ في الجو العام لأحداث الرواية وهكذا تبدو له الوقائع والأحداث واضحة لا غموض فيها وتنأى به عن الشك والتوقع لأن الكاتب حدد ها من البداية بعلاقة الزمان والمكان وما ينجر عنهما من وظائف بالنسبة للشخصيات،والملاحظ أن الكاتب يصبو لتحقيق غاية إعلامية ومعرفية قصد مساعدة القارئ على معايشة أحداث الرواية، وهكذا كانت براعة الكاتب بارزة في تشكل المكان وتصويره بما يلاءم فصول الرواية، وهذا ما نراه في قوله:« كانت رياح الخريف قد عادت من جديد بقوة .على قمم جبال الونشريس، لا يسمع إلا حفيف الأشجار وهي تئن .تتمايل غصون البلوط والصنوبر الحلبي عميقا حتى تلامس الأرض لتقوم من جديد وكأنها تقاوم موتا محتوما.الخريف على رأس الونشريس صعب .لم يستطع بوجو أن يصعد قمتها في المرة الأولى ونزل نحو جيشه في الهضاب والمجاورة بعد أن يئس من ملامسة قمتها التي لا ينبت بها  شيء ..مرتفعات الونشريس عالية مثلها مثل مرتفعات طرارة التي كانت تغطي ندرومة حائطها الواقي..توغل الأمير وخيالته في عمق منحدرات مخروطة وعميقة تشبه المدافن الفرعونية القديمة بعد أن أجبر على الدخول عميقا فيما بين الشقوق الجبلية لتفادي ضربات بوجو التي صارت موجعة.»([13])

لقد كان واسيني مهتما بتصوير المكان، حيث نجده قد قدم لنا فصل الخريف وما ينجر عنه على الطبيعة وأشجارها التي تئن من وطأته كأنها تقاوم موتا محتوما،إضافة إلى وصف المكان ما يحيط به من مصاعب،ولتي لم يتمكن  بوجو وجيشه من صعود جبال الونشريس لأنها كانت عارية تشبه رأس الأقرع.

هذه الإحاطة بالفصل والأمكنة تمكن القارئ من التعرف عن الأحداث لأنها أكثر وضوحا وواقعية من الأحداث المتخيلة.

لا نكاد نخلص من إبراز علاقة الزمن بالمكان حتى تصادفنا مشاهد في الرواية تبرز لنا مدى تأثير الطبيعة وانعكاساتها النفسية على الشخصيات، وهذا ما يجعل الزمن يحمل أبعادا تختلف تماما عن البعد الفيزيائي،لقد لاقى الأمير عبد القادر أهوالا كثيرة في مقاومته للاستعمار والتي أحدثت تغيرات كثيرة على البلاد والعباد فكثرت الإغارات والعداءات لأتفه الأسباب بين القبائل، وهذه الظروف السيئة جعلت الزمن يتلاشى إلى غاية توقفه عند الأمير،مما انعكس عليه فشبه إحساسه بالزمن برمال الصحراء المقفرة والخالية التي يغمرها السكون ، وهذا المكان يتوقف فيه الزمن وهذا الإحساس عبر عنه الأمير عبد القادر بعد عودته من حصار أولاد نايل عندما كانت الصحراء منفذه الوحيد وكان قلبه ممتلئا في قوله:« آخر هؤلاء كانوا سكان أولاد سيدي الشيخ الذين طلبوا منه وترجوه أن يعفيهم من مهمة الجهاد التي لم تعد تعنيهم بتاتا.أكرموه وفي الليلة الموالية سار نحو القفر بحثا عن مسلك آخر، لكن الزمن كان قد توقف نهائيا.لم يعد الناس هم الناس الذين عرفهم من قبل.أحس وهو يعبر الصحراء الخالية،أن الزمن الذي كان يعيشه هو الزمن الرملي القاسي الذي لا يرحم أحدا،أيأكل كل شيء حتى الحديد والحجر.ماذا بقي من الزمن الذي انسحب بسرعة منكسرا في أعز ما لديه؟لاشيء سوى بعض الوجوه التي كلما تذكرها زاد إصرارا على الوقوف على رجليه.»([14])

هذه الصحراء المقفرة والموحشة جعلت الأمير عبد القادر يفقد إحساسه نهائيا بالزمن، لأن هذا المكان انعكس حتى على ساكنيها تصفو بالجفاء حتى كأنهم أصبحوا لا يعرفون أحدا، وهذا ما جعل الأمير يرى بأن الزمن في الصحراء رملي قاسي لا يعرف رحمة ولا شفقة،فكل من يقطنها يحس بنفس الإحساس الذي أحسه الأمير عبد القادر،أي أن عدم إحساسه بالمكان انعكس على الزمن وجعله متوقفا نهائيا نتيجة للقهر، وعدم الشعور بالطمأنينة نظرا لما تخلفه الصحراء القاحلة في نفوس الناس من أثار نفسية تنعكس على طباعهم وأمزجتهم فتزداد قساوة وخشونة.

وما يمكن أن نخلص إليه بعد دراستنا لعلاقة المكان بالزمن في رواية كتاب الأمير لواسيني الأعرج، أن الدارس لا يكاد يخلص من تعدد الأمكنة نظرا لكثرة أحداث الرواية التي امتزجت مع بنية الزمن، وعلى الرغم من اختلاف الأحداث والمواقف والصراعات، إلا أن الكاتب ظل محافظا على ذلك التباين الذي كان بين بنية المكان والزمان، بحيث نجده يبرز المكان وما ساده من صراع ويربطه بالزمن، وقد برز ذلك واضحا خصوصا في معرض حديثه عن مدينة الجزائر،والزمالة، ومعسكر،ووهران..،والصراع النفسي الذي عاشه الأمير عبد القادر في السجن.

لهذا فالمكان ليس فقط عالما تتحرك فيه الشخصيات، أو ديكور يقع في الخلفية لأفعال الشخصيات أو مسرحا للأحداث بل أنه فاعل أساسي فيها،بل له وظيفة، ودور أساسي في الرواية،لأنه نظام داخل النص، كما أن المكانية تمثل درجات من الانفتاح»([15])،أي أن هذا الانفتاح غير مقيد ولا محدود، بل نجد المكان والزمان متداخلان لا يمكن الفصل بينهما أي إذا كان الزمان الروائي غير مقيد بقانون، فالمكان هو الآخر ليس له أي ضابط يضبطه،لأن الكاتب جعل شخصياته مرتبطة بالأمكنة التي تقيم فيها كما أنها تخبر عن نفسها وعن صراعاتها فمعظم الأمكنة التي أوردها الكاتب كانت تتصف بالثنائية أي بين الانفتاح والانغلاق، وهذا ما نتج عنه تباين واختلاف في المكان المغلق.  

والذي كان مجسدا في السجن، وهذا بدوره كان سببا في تصعيد الصراع الداخلي عند الأمير عبد القادر،كما استطاع الكاتب أن يحول هذا الانغلاق إلى انفتاح بواسطة استرجاع الأمير لذكريات طفولته وشبابه بالجزائر،وتأمله في تلك العوالم الروحانية، وشوقه إلى موطنه الأصلي،لأن الشخصية إذا عبرت عن شعورها الذاتي، تعد حالة انفتاح كما هو متعارف عليه عند عامة الناس.

لقد برزت براعة الكاتب أيضا من خلال وصف الأمكنة التي عمد فيها على مبدأي التدرج والتفصيل، حيث نجده ينقل الصورة العامة، ثم يذكر بقية تفاصيلها بدفة،وهي من الأدوات التي تجعل القارئ يعايش أحداث الرواية،ويساهم في تخيل المكان، إضافة إلى ذلك نجد واسيني الأعرج منذ بداية الرواية إلى نهايتها قد ربط المكان بالشخصيات وبالزمان، لأنها تعد من العناصر الأساسية في البناء الروائي،والتي أكسبت البنية السردية أكثر واقعية ومصداقية.

والذي يمكن استخلاصه بعد دراستنا لعلاقة المكان بالزمان،براعة الكاتب المتميزة في تقديمه للأحداث التاريخية التي أثث بها منجزه السردي في قالب فني ينأى عن التاريخ،وهذا ما كان مجسدا في نص الرواية في تلك اللمسات التخيلية والانزياحية التي كان يصبوا من ورائها إلى جذب القارئ وإبعاده من الذهول ومن الملل الذي قد يراوده أثناء قراءته للرواية،وهذا ما يؤكد عن حرية الكاتب الإبداعية وتخلصه من الرتابة والتقليد،إضافة إلى طريقة معالجته بأسلوب فني، وبطريقة منفردة برزت من خلال معالجته لعديد من القضايا،بواسطة إسقاطه للمرجعية التاريخية على الحاضر،والذي يطمح من ورائه إلى إقناع القارئ وضرورة العرف على ما يعيشه في الواقع المعيشي، وما يسوده من صراعات سياسية ودينية، وثقافية تدعو إلى التريث والتدبر وتدعو لمحاورة الآخر،والتصدي وتقبل أرائه رغم اختلاف أفكارنا وأيديولوجياتنا،مع المحافظة على انتمائنا وهويتنا على الرغم ما لحق التاريخ من تشويه وتحريف لان التاريخ يكتبه المنتصرون دائما، والحرص على ضرورة الاعتزاز بأمجادنا وأبطالنا الذين سجلوا أنفسهم في سجل التاريخ بأحرف من ذهب .  وهكذا نكون قد استوفينا دراسة البنية المكانية، وما توصلنا إليه بعد دراستنا كان بمثابة ملاحظات، واستنتاجات المدعمة أحيانا بآراء بعض النقاد الذين اهتموا بدراسة المنجز السردي في الماضي والحاضر،والتي أنارت الطريق أمامنا في رصد أهم الملاحظات والاضاءات التي ساعدتنا على التعرف على بعض الجوانب الفنية الأساسية التي تستند عليها البنية السردية، فرواية كتاب الأمير لواسيني الأعرج وجدناها قد تعانقت فيها المادة التاريخية مع براعة الكاتب التي فنتجت عملا روائيا بامتياز يضاهي الإعمال الروائية الرائدة في الساحة الأدبية والإبداعية،لأن واسيني استدعى التاريخ وجعله عماد بيت روايته، وما تجدر الإشارة إليه أن التقنيات التي وظفها أسهمت إلى حد كبير في نجاح عمله الروائي، لأن نص الرواية امتزج بين التاريخ والفضاء المتخيل الذي شغل حيزا كبيرا من المساحة النصية،وهذا بدوره أكسب الرواية حلة فنية وجمالية مكنت الكاتب من التأثير في القارئ وجعله يساهم في تخيل الأحداث وسد الفجوات وبالتالي تمكن من تحقيق معظم غايته والتي أشرنا إليها عند دراستنا الفنية، رأينا أن أحداث التاريخ كانت محفزة للكاتب على الإفصاح عما لم يفصح عنه المؤرخون في كتبهم،كحوار الحضارات، والأديان،والتسامح الديني بين الأصدقاء والأعداء، وبالتالي عرفنا على شخصية الأمير عبد القادر الجزائري رمز البطولة والنضال الذي لا يمكن أن تنساه ذاكرة الأجيال الحاضرة وللاحقة على مر الأزمان. 

الإحــــــالات



[1]ـ حميد لحمداني، بنية النص السردي،ص61 , من منظور النقد الأدبي , المركز الثقافي العربي لنشر و التوزيع ط 3 2000 ص 61 

[2]ـينظر هيام إسماعيل، رسالة ماجستير، مخطوطة بجامعة الجزائر، ص36 ـ بتصرف ـ

[3]ـ ينظر أنطوان طعمه، السميولوجيا والأدب،نقلا عن عيسى طيبي، مكونات الخطاب السردي، رواية قبور في الماء لزفزاف،،رسالة ماجستير، مخطوطة بجامعة الجزائر 2000 .2001، ص107 ـ بتصرف ـ

[4]ـ ينظر،  سعيد يقطين، قال الراوي البنيات الحكائية في السيرة الشعبية، المركز الثقافي العربي،ص92 الدار البيضة ط 1 1997

[5]ـ عمر عبد الواحد، شعرية السرد،ص  84

[6]ـ ينظر،  أسماء شاهين، جماليات المكان في روايات جبرا إبراهيم جبرا،،ص112ـ بتصرفـ

[7]ـ واسيني الأعرج كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد، ص440ـ441ـ442

[8]ـ  المصدر السابق،ص24

[9]ـ ينظر :أسماء شاهين جماليات المكان في روايات جبرا إبراهيم جبرا،ص125 ـ126 ـ بتصرف ـ

[10]ـ ينظر : عمر عبد الواحد،  شعرية السرد،ص،83 -84

[11]ـ المرجع نفسه،ص83 ـ84

[12]ـ واسيني الأعرج كتاب الأمير،مسالك أبواب الحديد،ص391 ـ392

[13]المصدر السابق،ص273

[14]ـ المصدر السابق، ص354

[15]ـ ينظر : عز الدين المناصرة،  شهادة في شعر الأمكنة،التبين، مجلة فصلية تصدر عن الجاحظية، العدد 1، 1990، ص38