pdfالانزياح بين أحادية المفهوم وتعدد المصطلح

 

د/نوار بوحلاسة

جامعة قسنطينة( الجزائر)

 

الملخص

يعد الانزياح من الظواهر الشائعة في الدراسات الأسلوبية الحديثة.وقد حظي باهتمام الباحثين والدارسين، ولا يزال.

وهذه الدراسة المتواضعة تهتم بجذور المصطلح في التراث العربي،وتطوراته  في الشعرية الغربية الحديثة لتؤكده على المثاقفة الحاصلة بين ماضي النقد العربي وحاضر النقد الغربي محاولة استكشاف مفهوم الانزياح في النقد الأدبي عند العرب قديمهم وحديثهم،وعند الغرب،حيث أثير حوله جدل كبير ملأ صداه فضاء النقد الغربي، (فجان كوهين) مثلا يتصور أن الانزياح هو: ( ماليس شائعا ولا عاديا ولا مصوغا في قوالب مستهلكة،وهو مجاوزة بالقياس الى المستوى العادي.اذن فهو خطأ،ولكنه يقول: ( برونو) خطأ مراد) .ومع ذلك فالانزياح مفهوم تجاذبته وتعلقت بدائرته مصطلحات كثيرة فتعددت مسمياته وتباينت، وهو حسب (المسدي): ( متصور نسبي تذبذب الفكر اللساني في تحديده وبلورة مصطلحه فكل يسميه من ركن منظور خاص). ولم يختلف نقاد الغرب عن نقاد العرب في هذا التعدد والتنوع،ولعل هذه الدراسة جعلت خصيصا لتجيب عن كثير من التساؤلات في هذه المسألة.

مدخل:

يثير مصطلح " الانزياح " Lecart  "  " إشكالية كبرى في الدراسات الأسلوبية الحديثة ، كما تستقطب " أسلوبية الانزياح " كمًّا وافرًا من الكتابات الأسلوبية المعاصرة ،  ويقابل هذا المفهوم ( باعتباره مصطلحًا فرنسيًا أساسًا ) مجموعة من المصطلحات ، مثل الانحراف ، والمتنافرة ، والغرابة ... وغيرها . وقد نقل هذا المفهوم إلى العربية بما لا يقل عن أربعين مصطلحًا يمكن أن نجد شفيعًا لها في أن الغربيين أنفسهم قد عبّروا عن هذا المفهوم الواسع بمصطلحات كثيرة يقارب عددها العشرين " [1].

أما في الدرس البلاغي العربي فقد عرف نقادنا القدامى هذه الظاهرة الأسلوبية من خلال عدة أسماء واصطلاحات: كالعدول والانحراف والتجاوز والالتفات وخرق السند وغير ذلك  ،  ومن الملحوظات المبكرة في التراث العربي حول هذا المفهوم :  ما ذهب إليه بعض النقاد من " أن الجاحظ قد أشار في ( البيان والتبيين ) إلى مستويين في  اللغة : المستوى العادي في الاستعمال , و المستوى الفني في الاستعمال الخاص , و يقترن المستوى الأول بطبقة العامة ،و غرضه إفهام الحاجة , أما المستوى الثاني فغرضه البيان البليغ , ويتميز هذا المستوى بمبدأ اختيار اللفظ و ينفرد بالتجويد و التماس الألفاظ و تخيرها " [2].

ويسميه بعض النّقاد القدماء بالمجاز لكونه تجوّز للحقيقة، فالسكاكي مثلا يرى أن المجاز" هو الكلمة المستعملة في غير ما تدل عليه بنفسها دلالة ظاهرة استعمالاً في الغير بالنسبة إلى نوع حقيقتها، مع قرينة مانعة من إرادة ما تدل عليه بنفسها"[3]، بينما يستعمل عبد القاهر الجرجاني لفظًا دقيقًا للتعبير عن" الانزياح" وهو لفظ : " العدول "، و يشير إلى أن" الكلام ضربان، ضرب أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن بدلالة اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ، فلذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل " [4] ، فضلاً عن أن الجرجاني يرى الانزياح هو جوهر الشعرية ومادتها يقول" هذا الضرب من المجاز ، على حدته كنز من كنوز البلاغة ، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان "[5].

وقد فطن" ابن جني" إلى المعاني التي يحققها الانزياح يقول:" وإنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعانٍ ثلاثة، وهي الاتساع والتوكيد والتشبيه، فإن عدم تلك الأوصاف كانت الحقيقة البتة .." [6]، أما ابن رشد فيرى: " أن القول الشعري هو القول المتغير، والمتغير عدول عن الحقيقة إلى المجاز" [7]، بينما تتمثل إشارة القاضي إلى " الانزياح" من خلال ربط التوسع بالاستعارة: " فأما الاستعارة فهي أحد أعمدة الكلام، وعليها المعول في التوسع والتصرف، وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر ..." [8]، والتوسع – فيما يبدو– مظهر من مظاهر" الانزياح " وصورة من صوره .

وعليه" فالانحراف عن المألوف اللغوي له صور متعددة، منها الالتفات، والتقديم والتأخير، والمجاز وغيرها.." [9].

ومن المباحث التي عدّها القدماء عدولاً - الإيجاز والإطناب ، والفصل والوصل، والمشاكلة ، والذكر والحذف .

هذا... وقد وردت الإشارة إلى الانزياح عند كثير من النقاد القدامى كابن رشيق وحازم القرطاجني وابن سنان الخفاجي وغيرهم ،.  وامتدّ اهتمام هؤلاء النقاد بموضوع (العدول ) إلى بواعث هذا العدول وما يثيره من مقاصد  ، إذ يشير محمد عبد المطلب  إلى "  أن البلاغيين القدماء تفطنوا إلى أن العدول يتم من خلال عوامل نفسية تكتنف عميلة التخاطب : كتشويق السامع ، أو التفاؤل ، أو التلذذ  " [10] .

ومن تلك الإشارات نلمح معرفةالدرس البلاغي العربي القديم  لظاهرة ( الانزياح )، وإن كانت بمسميات مختلفة  تقترب بشكل أو بآخر من فضاء هذه الظاهرة، فقد اهتدى نقادنا العرب إلى صور متعددة تمثل في جوهرها خرقًا للمألوف، وانتهاكًا لأعراف اللغة وسننها، كما عالجوا هذه القضية معالجة كان فيها من الوعي والدقّة ما يكفي للقول بأنها معالجة تضاهي أحياناً مستوى المدارس الأسلوبية والشعرية الغربية الحديثة، وبذلك كانت إشاراتهم وملاحظاتهم بذورًا صالحة للتوسع والتطوير، تكشف عن اهتمام مبّكر منهم بالبحث عن طرق استغلال إمكانات اللّغة، وطاقاتها الكامنة وأسرارها الدفينة  .

وكما تداخلت المفاهيم حول مصطلح( الانزياح) وتنوعت في فكر الناقد العربي قديمًا، شهد النقد الحديث تداخلًا مماثلاً على المستويين الغربيّ والعربيّ، حيث تتقاطع اللغتان الإنجليزية والفرنسية في استعمال مصطلح Ecart ) ) ، بينما تنفرد الفرنسية باستعمالDeviation)  )، " وبارتداد معجمي إلى تأثير هاتين الكلمتين، لاحظنا أن اللغة الفرنسية قد عرفت الكلمة الاسمية Ecart ) ) في القرن الثاني عشر الميلادي ، وفعلها Ecarter )) في القرن الموالي، وهو مشتق بمعنى: الفسخ أو التقطيع ... أما الكلمة المشتركةDeviation) )، والتي لم تعرفها الفرنسية إلا في القرن الخامس عشر الميلادي. فإنها مشتقة من الكلمة اللاتينية Deviatio) ) ، بمعنى الانحراف عن الطريق " [11] .

وربما كان( جان كوهين )هو أول من خص هذا المصطلح بحديث مستفيض في مجال حديثه عن لغة الشعر ، فقد قامت نظرية الانزياح لديه على مجموعة من الثنائيات ضمن إستراتيجية الشعرية البنيوية في كتابه "بنية اللغة الشعرية " الذي ظهر عام 1966م حيث أثار ثنائية المعيار والانزياح مستفيداً من الأسلوبية الشائعة في فرنسا ، كأسلوبية :شارل بالي ، وشارل برونو ، وكيرو .. وسواهم ، ويرى جان كوهين : " أن الشعر انزياح عن معيار هو قانون اللغة فكل صورة تخرق قاعدة من قواعد اللغة أو مبدأ من مبادئها هو انزياح " [12]

أما (ريفاتير )عالم الأسلوبيات فقد حصر مفهوم الانزياح من خلال تحديده للظاهرة الأسلوبية حيث عرّفه بقوله: " يدقق مفهوم الانزياح بأنه يكون خرقاً للقواعد حيناً، ولجوءًا إلى ما ندر من الصيغ حيناً آخر" [13]، وإذا كان ريفاتير قد ضيق المفهوم إلى حدٍ ما فقد وسّع فاليري دائرة الانزياح لتشمل الأسلوب فقد عرّف الأسلوب" بأنه انحراف عن قاعدة ما" [14]، ويتبعه  بيير جيرو فالأسلوب عنده " انزياح لساني يتناسب مع بعض الانحراف عن القاعدة " [15].

أما قاموس جون ديبوا فيشير إلى أن الانزياح " حدث أسلوبي ذو قيمة جمالية ، يصدر عن قرار الذات المتكلمة بفعل كلامي يبدو خارقًا لإحدى قواعد الاستعمال التي تسمى (معيارًا ) يتحدد بالاستعمال العام للغة ، المشتركة بين مجموع المتخاطبين بها ، واتخذ سبيتزر من ( الانزياح ) مقياسًا رزيناً لتحديد السمة الأسلوبية المميزة التي تدلّ على العبقرية الفردية للكاتب  " [16]

ويرى ريفاتير أن: " تحديد أسلوبية الانزياح على مستوى المعيار عملية محدودة وضعيفة، وغير ملائمة أصلاً، بالنظر إلى غموض ماهية المعيار من جهة، ولأن إجراءات الكتاب وأحكام القراء، من جهة أخرى، لا تؤسس اعتمادًا على معيار مثالي على تصوراتهم الشخصية حول ما هو مقبول كمعيار، مثلًا ما كان سيقوله القارئ في مكان المؤلف"[17]، ويقدّم ريفاتير بديلًا عن ما سماه بــ " المعيار" وهو( السياق)، حيث إن "السياق الأسلوبي هو نموذج لساني مقطوع  بواسطة عنصر غير متوقع، والتناقض الناتج عن هذا التداخل هو المنبّه الأسلوبي" [18]، ويُفهم من رؤية ريفاتير اهتمامه بالبحث عن القارئ الأنموذج ،وردة فعل هذا  القارئ تجاه نص معيّن .

ويأتي كتاب هنري بليث( البلاغة والأسلوبية ) 1981م، مواصلًا ما بدأ به ريفاتير في نظريته السياقية، حيث يوجه(الانزياح) وجهة تداولية، ناعيًا على أسلوبية(الانزياح):" عدم تحديدها للمعيار والانزياح تحديداً مباشرًا دقيقًا، وإهمالها لمقولتي الكاتب والقارئ، وعدم أخذها بعين الاعتبار لاحتمال وجود انزياحات غير ذات أثر أسلوبي، مثل(الأخطاء النحوية) والعكس، أي وجود أثر أسلوبي (بالنسبة للقارئ) دون وجود انزياح، وتكشف هذه الاعتراضات جميعًا في نهاية المطاف عن غياب التداولية عن مفهوم الانزياح " [19] ، ويستعير من موريس أنموذجه السيميائي في تصنيف الانزياحات : [20] 

-   انزياح في التركيب ( العلاقة بين العلامات ) .

-   انزياح في التداول ( العلاقة بين العلامة والمرسل والمتلقي ) .

-   انزياح في الدلالة ( العلاقة بين العلامة والواقع ) .

ثم يقسّم بليث العمليات اللسانية( التي تجري فيها الانزياحات على مستويات صوتية ومورفولوجيا وتركيبية ودلالية ...)إلى قسمين اثنين: قسم يخرق المعيار ( رخص أو جوازات)، وقسم يقوّيه ( تكرار، تعادل ، ترديد ،...) [21].

       لعل في هذه اللمحة الموجزة للتنظير الغربي ما يشير إلى اختلاف طرق التعبير عن هذه الظاهرة الأسلوبية، وتباين الرؤى والمفاهيم حول مصطلح الانزياح، فقد أعطى كل ناقد تسمية تنطلق من الإيديولوجية التي فهم بها هذا المصطلح، و لخّص عبد السلام المسدي تلك المصطلحات على هذا النّحو : [22]

-   الانزياح والتجاوز عند فاليري .

-   الانحراف عند سبيتزر .

-   الاختلال عند رينيه وأوستين وارين .

-   الإطاحة عند بايتار .

-   المخالفة عند تيري .

-   الشناعة عند بارت .

-   الانتهاك عند كوهين .

-   خرق السنن واللحن عند تودوروف .

-   العصيان عند أرغون .

-   التحريف عند جماعة " مو " .

ويضيف يوسف وغليسي في مقال بعنوان( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية ومتغيرات الكلام الأسلوبي العربي) إلى جهد المسدّي مصطلحات أخرى لم يذكرها المسدي،" وهي تصب في الحقل الدلالي نفسه، ومنها مصطلح( التشويه المتناسق ) الذي يقترحه ميرلوبونتي، ومصطلح المروق والضلال والاضطراب ( وهو مستعمل في سياقات قضائية وبصرية وبيولوجية) والذي أورده غري ماس في معجمه، ومصطلح (المجاز) الذي اصطنعه تودوروف وديكرو، في معجمهما الموسوعي...، ومصطلح أورده نور الدين السدّ منسوبا إلى جون كوهين بعدما ترجمه إلى انعطاف "  [23]

ومما لا شك فيه أن تعدد هذه المسميات الاصطلاحية الغربية قد انعكس على الساحة النقدية العربية، وإن كان عبد السلام المسدي- حسبما أعلم- أول من  نقل مصطلح ( الانزياح) بمرجعيته المنهجية الغربية إلى اللغة العربية، رغم أنه صرّح بكونه " مصطلح عسير الترجمة لأنه غير مستقر في متصوره...على أن المفهوم ذاته قد يمكن أن نصطلح عليه بعبارة ( التجاوز) أو أن نُحيي لفظة عربية استعملها البلاغيون في سياق محدد وهي عبارة(العدول) " [24].

وقد قدّم الباحث أحمد محمد ويس دراسة قيّمة موسومة بـــ " الانزياح وتعدد المصطلح " إلى أن الانزياح هو أحسن ترجمة للمصطلح الفرنسي ( Ecart) [25]. ويشيع هذا المصطلح عند  طائفة من الدارسين المغاربة المعاصرين، منهم: عبد الملك  مرتاض [26]، وعدنان بن  ذريل [27]،  وحميد لحمداني [28]، ومحمد عزام [29]،وحسين خمري وغيرهم.

وتثير( يمنى العيد) هذه القضية في كتابها ( القول الشعري ) فتعرف ( الانزياح ) بأنه " البعد عن مطابقة القول للموجودات " [30] ،وأما (نعيم اليافي): فيعرف الانزياح بأنه " خروج التعبير عن السائد أو المتعارف عليه  قياساً في الاستعمال، رؤية ولغة وصياغة وتركيبا ً" [31] ، ويصفه عبدالله الغذامي في كتابه الخطيئة والتكفير بأنه " يصرف نظر المتلقي بعيداً عن الدلالات المرجعية للكلمات"  [32].

وأما محمد عبد المطلب " فيرى أن المتتبع لمباحث الأسلوبية يدرك أن من أهم هذه المباحث ما يتمثل في رصد انحراف الكلام عن نسقه المثالي المألوف، أو كما يقول كوهين: (الانتهاك ) الذي يحدث في الصياغة، والذي يمكن بواسطته التعرف على طبيعة الأسلوب، بل ربما كان هذا الانتهاك هو الأسلوب ذاته، وما ذلك إلا لأن الأسلوبين نظروا إلى اللغة في مستويين:

-الأول : مستواها المثالي في الأداء العادي،

-الثاني : مستواها الإبداعي الذي يعتمد على اختراق هذه المثالية وانتهاكها " [33].

بينما يقترح أحمد درويش على هامش ترجمته لكتاب كوهين بديلًا عربيًا آخر لمصطلحEcart) ) وهو           " المجاوزة" محتجًا باقتراب هذا المصطلح من صنيع الدرس البلاغي العربي: " ترجمنا هنا مصطلحEcart) ) بمصطلح (المجاوزة)، واضعين في الاعتبار المصطلحات المقابلة في البلاغة العربية، وأولها كلمة ( المجاز) بمعنى طرق التعبير التي تجري على نسق غير النسق العام، كما استعملها أول كتاب يحمل عنوانه هذه الكلمة في التراث العربي، وهو كتاب(المجاز) لأبي عبيدة معمرو بن المثنى ت 208هـ  قبل أن يتحول المصطلح إلى دائرة علم البيان وحدها فيما بعد"[34] .

ويبدو أن درويش قد أفاد من قاموس تودوروف وديكرو الموسوعي الذي يعتبر"الانزياح" مجازا أصلًا، أما كمال أبو ديب فقد ترجمه بــ "الانحراف" [35]، إلا أن أبا ديب في كتابه ( في الشعرية ) يعبّر عن المفهوم ذاته بمصطلح عربي جديد غير مسبوق هو " الفجوة : مسافة  التوتر" يجعل من تلك المسافة الحد الفاصل للشعرية، يقول مصرحًا باستخدام المصطلحين معا: " الفجوة أو مسافة التوتر ( وسأمضي في استخدام كلا المصطلحين معًا لأن أيًا منهما بذاته لا يفي بغرضي، وسأشير إليهما منذ الآن دون حرف العطف)..." [36].

أما عبد الله حمادي في بحثه فيترجم هذا المصطلح بـــ " اللاعقلانية اللغوية " التي تمثّل في نظره " درجة أكثر غموضًا من العدول اللغوي أو الانزياح " [37] ، ويؤثر عبد الملك مرتاض تسمية المفاهيم بأسمائها، فيصطفي " الانزياح " للدلالة على ما سماه : " المروق عن المألوف في نسج الأسلوب بخرق التقاليد المتواضع عليها بين مستعملي اللغة . فكأن ( الانزياح ) خرق للقواعد المدرسية المعيارية للأسلوب ، وتكون الغاية من وراء الاستعمال الانزياحي توتير اللغة لبعث الحياة والجدة والرشاقة والجمال والعمق والإيثار والاختصاص ، وما إلى هذه المعاني التي تراد من تحريف استعمال أسلوبي عن موضعه " [38] ، وفي إشارة حمادي إضافة تتمثل في الجمالية التي تنهض بها أسلوبية  الانزياح  .

وإذا كان مرتاض يؤثر استخدام مصطلح ( الانزياح ) ، فإن صلاح فضل يفضّل -  كعامة النقّاد المصرين -  مصطلح (الانحراف) مضيفاً  ملاحظة أنه  قد "  تعددت صيغه في اللغة العربية ، فمرَّة يبحث الرفاق له عن معادل بلاغي قديم ، وهو(العدول) ، فيقلّمون أظافره ويلثمون حدّته ، ومرة أخرى يلجأ الباحثون إلى كلمة ذات إيحاء مكاني واضح هي : ( الانزياح) ،  تفاديًا للإيحاء الأخلاقي المقصود والمستثمر في كلمة ( انحراف ) " [39].

ولعلنا - من خلال ما ذكر-  قد ألمحنا إلى الإشكالية التي أثارها مصطلح (الانزياح)، والاختلافات العديدة في النقل والترجمة إلى اللغة العربية، ومرد ذلك – فيما يبدو– إلى فهم الناقد وإيديولوجيته وفلسفته التنظيرية، فهناك من يرجّح مصطلحًا دون آخر، ويورد يوسف وغليسي في مقالته ( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية ومتغيرات الكلام الأسلوبي ) أكثر من ستين مصطلحا عربيا، مضيفا إلى أن هذا المصطلح لا يقتضي كل هذا الكم الثقيل، على أن أكثر من ثلاثة أرباع هذه الحصيلة الهائلة يمكن الاستغناء عنها لأنها – في رأيه – محدودة القوة الاصطلاحية، أو ضئيلة الحظ التداولي، ومنعدمة الكفاءة المفهومية، أو هي محمولات لموضوعات أخرى من حقول غير أدبية أصلًا. [40]

ونشير إلى ما ذهب إليه ( وغليسي ) بعد حصره لتلك المصطلحات في مقالته، من أن هناك منها ما يحيل إلى إيحاءات أخلاقية سلبية مثل: ( الشناعة، والحماقة، والفضيحة، والجنون، والنشاز، والعصيان ...)، ومثل ذلك، ويؤكد  ( أحمد ويس ) أن ذلك " يسيء إلى لغة النّقد، وإذن فليس هو جديرًا بأن يكون مصطلحًا نقديًا "[41]  فضلًا عن كون تلك المصطلحات: " بعيدة جدًا عن اللياقة التي يجمل بالأدوات النقدية أن تتسم بها، ثم إننا لسنا في موضع اضطرار كي نقبلها ". [42]

ويضيف" وغليسي" أن هناك مصطلحات أخرى بها من الميوعة ما يبعدها عن الدقة العلمية من نوع:          (الاستطراد، مزج الأضداد، الإنحاء، نقل المعنى، الاتساع، ...)، وأخرى تخرج عن الإطار الأسلوبي لهذا المفهوم مثل: ( الاختلاف، الخلق، المفارقة، التباين، التضاد...) التي تبدو مشغولة دلاليا في حقول أدبية ونقدية أخرى، أو مستهلكة اصطلاحيًا. على أن ( الانحراف ) يحمل دلالة أخلاقية مشحونة بالإيحاء السلبي، إلا أنه ظل يتنازع بقوة مع مصطلح ( الانزياح ) التداول والشيوع . [43]

وننتهي إلى أن تلك إشكالية ظلّت مثار جدل واهتمام من قبل النقّاد العرب، وليس ذلك بمستغرب، فقد أثيرت جدلية مشابهة لهذا المفهوم لدى النّقاد الغربيين أنفسهم ممن كان لهم سبق ابتداع المصطلح، والقارئ المتخصص للكتابات الإنجليزية والفرنسية يلحظ ضيق الحدود الاصطلاحية لهذا المفهوم  حينا واتساعها حينًا آخر، مما يسوّغ – فيما يبدو – ما تعج به ساحة النّقد العربي من مصطلحات ، وما تحفل به من تضارب .

وبعد هذا الاستعراض الموجز لأبرز ما تردد في فكر النقاد العرب من مفاهيم، نميل إلى ما ذهب إليه أحمد محمد ويس من تأكيد أفضلية ( الانزياح ) على غيره من المفاهيم، وذلك لما يميّز بنيه الصوتية من " مدّ من شأنه  أن يمنح اللفظ بعدًا إيحائيًا يتناسب وما يعنيه في أصل جذره اللغوي من التباعد والذّهاب، حقًا إن ( الانحراف) و( العدول) يتضمن كل واحد منهما مدًا، بيد أنه مدٌّ لا يتلاءم وما تعنيه الكلمة من معنى،  ثم إن الفعل منهما يفتقر إلى ذلك المدّ الذي ينطوي عليه دال ( انزاح ) " [44].

وعليه فمصطلح ( الانزياح ) "يتميّز بما يمكن تسميته" عذرية اصطلاحية "، أي أن دلالته لم تستهلك في حقول معرفية أخرى، بخلاف ( الانحراف ) و( العدول )، اللذين تتوزعهما مجالات دلالية شتّى، وعلى ذمّة هذه المسوغات ، اصطفينا (الانزياح ) مصطلحًا مركزيًا معادلًا للمفهوم الغربي " [45].

ومهما تنوعت التعريفات إلا أنها تتفق في كون الانزياح ظاهرة أسلوبية مهمة في النقد الحديث ، وهي ليست ظاهرة عشوائية بل مقصودة في الخطاب الأدبي تبتعد به عن النمطية ، وتخرجه عن المألوف أو الدلالات المعجمية ؛ لتحقق هدف الإثارة والدهشة والمفاجأة ، وهي وسيلة للإيحاء وليست أداة تقدم معانٍ محددة ، " فالانزياح انحراف الكلام عن نسقه المألوف وحدث لغوي يتبين في تركيب الكلام وصياغته على أنه نظام خارج المألوف خاضع لمبدأ الاختيار ، فاختيار الألفاظ وتركيبها في سياق أدبي تجعل للدال عدة دلالات من هنا يخترق القانون ويصبح للدلالة الأولى إمكانية تعدد المدلولات ، فتصبح به اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل ، وإنما غاية في ذاتها لتحقق الشعرية والجمالية " [46].

ونجمل ما تقدم فنقول : الانزياح هو استعمال المبدع للغة ( مفردات – صور– تراكيب ) استعمالاً يخرج بها عما هو معتاد ومألوف بحيث يؤدي المبدع من خلالها ما ينبغي أن يتصف به من تفرد وإبداع وقوة جذب وأسر ، أو هو مجموعة من المبادئ والقيم الجمالية التي يسعى بها المبدع في خطابه الأدبي عامة والشعري خاصة لإكساب هذا الخطاب التميز والبعد عن الأنماط المعيارية في النصوص الأخرى .                



[1] -  ( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية الغربية ومتغيرات الكلام الأسلوبي العربي ) مقال: ليوسف وغليسي ، مجلة علامات ، العدد 64، مج 16 ، ص189

[2]: ( المقاييس الأسلوبية في النقد الأدبي من خلال " البيان و التبيين "  للجاحظ ،)مقال :لعبد السلام المسدي ، ( حوليات الجامعة التونسية ) العدد الثالث عشر  , ص 158

- [3] السكا كي :  مفاتيح العلوم ، ص509                  

[4] - الجرجاني ، عبد القاهر : دلائل الإعجاز  ، تح : شاكر ، محمد ، ص228           

[5] - المرجع نفسه  ، ص228                                            

[6] - ابن جني ،  الخصائص ج2 – تح : النجار ، محمد علي ، ص442 - ص444    

[7] - الجو زو ، مصطفى ،  نظريات الشعر عند العرب ،  ص206  

[8] - الجرجاني ، القاضي ، الوساطة بين المتنبي وخصومه ، تح : البجاوي ، علي و أبو الفضل ، محمد ص428                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   

[9] - سليمان ، فتح الله  : الأسلوبية ،  ص29             

[10] - عبد المطلب ، محمد : البلاغة والأسلوبية ، ص272

[11] - ( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية الغربية ومتغيرات الكلام الأسلوبي العربي ) مقال: ليوسف وغليسي ، مجلة علامات ، العدد 64، مج 16 ، ص 190

[12] - جون كوهين :  بنية اللغة الشعرية ، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري ص6   

[13] - المسدي  ، عبدا لسلام : الأسلوبية والأسلوب  ، ص82                                

[14] - فضل ، صلاح : علم الأسلوب ،  ص154 

[15] - بيير جيرو : الأسلوبية ،  ترجمة  منذر عياشي ، ص 84

[16] -  ( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية الغربية ومتغيرات الكلام الأسلوبي العربي ) مقال: ليوسف وغليسي ، مجلة علامات ، العدد 64، مج 16 ، ص 190

[17] - ميكائيل ريفاتير : معاير تحليل الأسلوب ، ترجمة : حميداني حميد ، ص51

[18] - المرجع نفسه  ، ص54

[19] - هنريش بليث ، البلاغة والأسلوبية ، ترجمة : العمري ،  محمد ، ص 58

[20] - المرجع نفسه ، ص66

[21] - المرجع نفسه  ،

[22] - المسدي ، عبد السلام : الأسلوبية والأسلوب  ، ص 100 – 101

[23] -  ( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية الغربية ومتغيرات الكلام الأسلوبي العربي ) مقال ليوسف وغليسي ، مجلة علامات ، العدد 64، مج 16 ، ص 195

[24] - المسدي ، عبدا لسلام : الأسلوبية والأسلوب ، ص 162

[25] - ويس ، أحمد : الانزياح وتعدد المصطلح ، عالم الفكر ، الكويت ، م25 ع3 ،  ، ص65

[26] - مرتاض ، عبد الملك : شعرية القصيدة ، ص129 - 178

[27] - ذريل ، عدنان : اللغة والأسلوب ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 1980 ، ص158

[28] - ميكائيل ريفاتير : معاير تحليل الأسلوب ، ترجمة لحميداني ، حميد ، ص87

[29] - عزام ، محمد : الأسلوبية منهجًا نقديًا ، ص31

[30] - العيد ،  يمنى : القول الشعري ،  ص20                                                                                               

[31] - اليافي ،  نعيم : أطياف الوجه الواحد، ص92                                                                                                                                   

[32] - الغد امي ، عبد الله : الخطيئة والتكفير ، ص24         

- [33] عبد المطلب ، محمد : البلاغة والأسلوبية  ، ص268

[34] جون كوهين : النظرية الشعرية ( بناء لغة الشعر – اللغة العليا ) ، ترجمة وتقديم وتعليق أحمد درويش ، ص35

[35] - أبو ديب ، كمال : في الشعرية ، ص17 ، 85

[36] - المرجع نفسه  ، ص21

[37] - حمادي ، عبد الله : الشعرية العربية بين الإتباع والابتداع ، ص110

[38] - مرتاض ، عبد الملك : شعرية القصيدة  ، ص130

[39] - فضل ، صلاح : بلاغة الخطاب وعلم النّص ، ص63

[40] - للتوسع في المصطلحات انظر ، مقال ( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية الغربية ومتغيرات الكلام الأسلوبي العربي ) يوسف وغليسي ، مجلة علامات ج 64، مج 16 ص189

[41] - ويس ، أحمد : الانزياح وتعدد المصطلح ، مجلة عـالم الفكـر ( الكويت ) المجلد 25 ،  العدد 3 ، ص59

[42] - المرجع نفسه  .

[43] -  مقال بعنوان ( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية الغربية ومتغيرات الكلام الأسلوبي العربي ) مقال: ليوسف وغليسي ، مجلة علامات ، العدد 64، مج 16 ، ص 203

[44] - ( الانزياحوتعدد المصطلح ) مقال : لأحمد ويس ،مجلة عـالم الفكـر ( الكويت ) المجلد 25 ،  العدد 3 ،  ص66 - 67

 ( مصطلح الانزياح بين ثابت اللغة المعيارية الغربية ومتغيرات الكلام الأسلوبي العربي ) مقال: ليوسف وغليسي ، مجلة علامات[45]-  ، العدد 64، مج 16  ص205

[46] - السد ، نور الدين : الأسلوبية وتحليل الخطاب ،  ص24.