pdfفي التحليل السيميائي للخطاب الشعري

(بين أهواء الشعر وإغواء القراءة)

عند محمد الشهاوي

 

د/ عبد الحق عمور بلعابد

جامعة الملك سعود(المملكة العربية السعودية)

 

Abstract :

For a long time, the semiotics studies has excluded some of the topics from its field of interest, including the study of emotions and passions. And this the due primarily to the descriptive approach. Which excludes everything that is subjective. Psychological studies remain the near field to study such subjects.

However, the progress of semiotics studies since the beginning of the nineties of the last century makes the study of emotions and passions central topic at the researchers, and this is what we are trying to detect through the semiotics approach to the passions’s issue in the poetry of Ahmmad Shahawi  .

1- في التدبير المنهجي (الأهواء مجال آخر للدرس السيميائي) :

نجد بأنالدراسات السيميائية استبعدت ولمدة طويلة من مجالات اهتماماتها التحليلية دراسة المشاعر والأهواء،وهذا راجع إلى تلك الخلفية اللسانية المستبعدة لكل ما هو ذاتي، ليبقى هذا الموضوع منحصرا في الدراسات النفسية بكل فروعها،والتي لم تخرج عن مقولاتها الجاهزة في دراسة الشخصية،بأنها شخصية تحب وتكره،تعشق وتبغض،تعاني الفرقة،وتألف الصحبة...،خاصة إذا نزّلنا هذه الشخصيات تنزيلا تخييليا،أي من داخل الأعمال الإبداعية والتي لم يخرج فهمنا لها عن الطرح البارتي[i]،الذي يرى في الشخصية كائن ورقي ليس من لحم ودم،فلا يمكنه أن يحب ويهوى،ولهذا لا يمكننا دراسة مشاعره وأهوائه،ولقد وجد هذا الطرح مبرراته خاصة إذا علمنا أن التحليل البنيوي لا يسمح بتجاوز محايثة النص وانغلاقيته،كما أن هذا يعد تعد على اختصاص آخر وهو علم النفس،والأكثر من ذلك أن مثل هذه المقاربة لم يهيأ لها بعد الآليات التحليلية التي تمكنها من الاشتغال على النصوص والخطابات شعرا ونثرا.

لهذا كان لزاما على السيميائيين أن يخرجوا من هذا المأزق المعرفي من جهة،والإجرائي من جهة ثانية، لهذا أعادوا التفكير جديا في إدخال مباحث جديدة للسيميائيات وعلى وجه التحديد مبحث الأهواء، وبهذا يكون فتح جديد للدرس السيميائي، وللسيميائيين الذين جابهوا الاعتراضات السابقة بردود منها[ii] :

  * لا يمكن لأي علم أن يحتكر مجالا بحثيا يعد مشاعا علميا وإنسانيا، لهذا يحق للسيميائي الاستفادة من الدراسات النفسية لمقاربة موضوعاته، كون الحالات النفسية والشعورية الصادرة عن الكائنات البشرية يصعب التعبير عنها خارج نطاق الخطاب وبمعزل عنه، وإن عبر عن ذلك بأوضاع جسدية أو حركات مخصوصة،ثم إننا نقف على آثار الأوضاع الجسدية ممثلة في النص الأدبي[iii]، فليسمن الغريب أن يتساءل الدرس النفسي عن أشكال التعبير الذاتي المندرج في الخطاب الدال.

ولا يخص الموضوع دراسة حالة المبدع أو ما يشعر به، كأن نقول إنه يعبر في هذا الموضع عن حبه أو كرهه، أو محنته وأمله في تغير الأحوال، ولكن الأمر يخص تحديد مسالك الأشكال الخطابية وكيفية اشتغالها.

  * إن الدراسات اللسانية المختصة بتحليل التلفظ في النصوص تلح على تنظيم معين للخطاب أين ترشح فيه المعينات الذاتية، ويوجد به سجل معجمي مخصوص،حيث ستندرج جميعا في إطار ما يعرف بمكيفات التلفظ، ومن بين هذه المكيفات الذاتية تلك الخاصة بالتعبير عن الحالات الشعورية منها الأسماء، والأوصاف، والظروف والأفعال.

1-1- ظهور سيميائيات الأهواء :    

بعد كل هذا الأخذ والرد، سيصبح مبحث الأهواء والعواطف من بين المباحث الأثيرة بالدرس في السيميائيات الباريسية، والذي ضمنته أطروحاتها السابقة، كعدم التخلي عن مبدأ المحايثة في درس الظواهر، والالتزام بحدود النص، والانطلاق إلى رصد ما يتخلل نسيج النص وما يندرج في بنياته من أصداء للمشاعر والأحاسيس، وجعلها كلغة يمكن أن تحل محل اللاشعور عند " لاكان " [iv].

1-2- آليات التحليل في سيميائيات الأهواء :

إن الباحث المتتبع لتطور السيميائيات عامة، وسيميائيات الأهواء على وجه الخصوص من خلال التحليلات التي قام بها أعضاء مدرسة باريس، والكتاب المرجعي الذي وضعه غريماس وفونتانلي حول سيميائيات الأهواء (من حالات الأشياء إلى حالات الروح)[v]، والذي تعرضا فيه كما قلنا إلى سيميائيات الأهواء والعواطف من خلال ذلك الانتقال من الشعور إلى المعرفة، ليحاولا بعد ذلك وضع آليات لتحليل الأهواء بالرجوع إلى ما قدماه منذ سنوات في السيميائيات السردية من مرتكزات في التحليل، كما أبانا عن المنهجية المتبعة في دراسة الأهواء، والقائمة المصطلحية المحددة للمجال المعجمي والدلالي لكل ما يتعلق بالأهواء، دون أن يغفلا تلك العلاقة الموجودة بين سيميائيات الأهواء ومجالات إنسانية، ومعرفية أخرى كالفلسفة، وعلم النفس تحديدا.

ليختبرا هذه الآليات التحليلية الخاصة بسيميائيات الأهواء على ظاهرتين إنسانيتين مهمتين وهما (البخل والغيرة)[vi] كما تظهران في الأعمال السردية خاصة، كما يمكن توسيعها لخطابات ونصوص أخرى لم تدرس من قبل مدرسة باريس، ولا من جاء بعدها، من بينها الشعر، وخاصة الصوفي منه، لنكتشف بذلك عوالم الخطاب الأهوائي من خلالهما، ونكون قد اجتهدنا في البحث في هذا المجال البكر الذي يعد مقتصرا على الدراسات السردية، بدليل مراجعه المعتمدة.

والناظر في موضوع كيفية انبناء الأوضاع النفسية والشعورية في الأعمال السردية والشعرية، سيبدو له للوهلة الأولى أن الأوضاع تؤدى عن طريق سجل معجمي مختص بالتعبير عن المشاعر من قبيل الحب، الكراهية، الغيرة، الجشع، الأنفة، الاضطراب...[vii].

 كما أن هناك مظهر آخر يحدد لنا التعبير عن العواطف ويجلوها،ونلاحظ ذلك في التكرار أو ما يعرف بالخطاب الإعادي[viii]، أين يمكن لأسلوب واحد أن يعبر عنه بأوضاع وحالات شعورية مختلفة، يلعب فيها السياق دورا مهما في تحديدها، كأن يعبر عن قلق الشخصية، أو حالة ضيق تعيشها، أو استبداد هاجس بها، كما يمكن أيضا لحالة شعورية واحدة مثل القلق أن يتخذ أساليبا وسبلا مختلفة في التعبير، وطرائقا متعددة ومتنوعة في التبليغ.

وباستطاعتنا دراسة الأهواء والعواطف من وجهة نظر الفاعل إلى الموضوع والقيمة التي يسندها له، والعلاقة الاتصالية أو الانفصالية الموجودة بينهما والتي سنركز عليها في بحثنا، فيمكن لهذه العلاقة أن تتسم بالاتزان والإحكام، أو بعكسهما، فتظهر الشخصية مندفعة في الفعل وعصبية في سلوكها، وهذا لحرصها على تحقيق مأمولها، وربما اتسمت هذه العلاقة كما أشرنا بالفتور واللامبلاة مما يؤدي إلى الانفصال عن العالم وأشيائه، وكذلك إلى نظرة متشائمة للحياة، لهذا يقول فونتانلي بأن " المشاريع العملية المستهدف انجازها لا تتعارض مع المشاعر، بل قد تكون مجرى تصب فيه العواطف وتختبر الأهواء،وموطنا للرغبة في الانتقام أو الغضب أو الرضى أو التحسر أو الأسف.."[ix].

وقد كثرت المحاولات في وضع نموذج تحليلي لسيميائيات الأهواء، منها محاولة غريماس وفونتانلي، و زيلبرباغ[x] من بعدهما، وهذا ما سنختبره على المدونة الشعرية لأحمد الشهاوي.

 

2- ما يعول عليه وما لا يعول في الخطاب الشعري العرفاني لأحمد الشهاوي:

2-1- تجربة بلا رؤيـ(ـة)يا لا يعول عليها :

إن تجربة أحمد الشهاوي الحياتية مليئة بالفنتاستيكي وهو يجوب في أيام صباه مع حفلات الموالد والمواجيد الصوفية من قريته إلى قرى أخرى، والتي غدت رؤيته للعالم والأشياء، ولوجوده أيضا من حيث أن الإنسان هو مفتاح الوجود كما يرى ابن عربي، لهذا يفرق بين ابن الطين وابن الدين بالتعبير الصوفي، فهو يقدم لنا صورة سماوية عن كينونته وبدئه الأسطوري، وهو يقول في ديوانه المشتغل عليه (باب واحد ومنازل)[xi]:

 

في الطفولة

رباني دود الحرير

في الأربعين

-رغوة النبوة-

لم أخرج من الشرنقة      [ باب واحد ومنازل،ص 39]

 

وهو ينظر إلى ذلك الرجل الغريب في قريته في أحد الموالد وهو يأكل النار وتأكله، يقول عن المياسريّ ابن قريته :

 

كان يأكل النار

في قريتي

رجل غريب

حل في صمت

 

حتى يقول :

 

سألت عن أحواله

فقيل

أكلته نار الحب       [ باب واحد ومنازل،ص 67]

 

لتتعدد مرجعيات الشاعر بفضل ترحاله وسياحته في أماكن كثيرة أغنت رؤيته للكون،لأنه كما يقول ابن عربي في ترجمة أرض العبادة " موطن الرحلة ليس بموطن "[xii]،فهو دائم الترحال لهذا يري في (باب واحد ومنازل) أن :

 

الزمان الأول

بيتي

لكن المرأة الأولى

ليست المنزل الأخير       [ باب واحد ومنازل،ص 18]

وهذا ما أثرى تجربته الشعرية ورؤيته الصوفية للأشياء والكلمات وهي تتوحد وجدا ووجودا مخرجة إيانا من لسان المقال إلى لسان الحال، مما يظهر مرجعية قرائية متدبرة للإرث الصوفي.

2-2- لغة بلا كشف لا يعول عليها :

إن اللغة التي لا تكشف لشاعرها حجب تراكيبها وتراتيبها لا يعول عليها، فاللغة إن كانت مسكن الكينونة (الشاعر في الوجود) فهي حجاب، وإن كانت تسكن الكائن (الشاعر مع الوجود) فهي خطاب، أما إذا كان سـ(ر) ـكـن فهي كتاب،وهذا من عجيب فهم الشاعر للغة فهي حجاب لا يسمع إلا في/بالخطاب، ولا تفهم إلا في/بكتاب،ليصبح الإنسان/الشاعر متحدا مع أشيائه وكلماته لأنه مفتاح الوجود والشعر بابه، لهذا يقول الشهاوي :

 

يأتي إلى الوجود

لينكح نجمة.

 تولد لغة تبقى

تدل على اتّحادها. [ باب واحد ومنازل،ص 16]

2-3- محو/حذف بلا كتابة لا يعول عليه :

إن الشعر عند الشهاوي هو ما لم يكتب بعد، لأن قصائده تتكلم لغة المحو والحذف والصمت، لما يسمح لها هذا الأخير من التعديل والتبديل والتحكيك، جاعلا منها مثل حوليات شعراء الجاهلية الذين فقهوا حكمة المحو والإثبات، فهو دائما يلوذ بالصمت في قصائده وينصح ذاته الشعرية أن لا تقصص رؤياها على أحد :

 

الصمت

ثمرة موتي المتكرر

وشعري غير المدون.       [ باب واحد ومنازل،ص 34]

 

فنجد لغة المحو الشعري أسبق من لغة الإثبات، لهذا كانت كتابته الشعرية دائمة التأجيل والارتحال، لا يوقض فيهما شعره، بل يلمح له تلميحا خفي، يفهمه عنك العارف وأنت صامت، يقول في جزيرة الكون :

 

الصمت

ينام في شعري

وما ظهر خفي.

جوهر قصيدتي نقطتي

التي يبدأ منها خطي إليك       [ باب واحد ومنازل،ص 38]  

 

فما إن تثبت الكتابة(الصوت)، حتى يمحوها الشعر (الصمت)،لا فاللطيفة هنا هي شعر بلا محو/صمت لا يعول عليه.

 

3 – سدرة الشعر....منتهى الشعرية :

وبعدما عرفنا ما يعول عليه وما لا يعول عليه في الخطاب الشعر الصوفي الشهاوي، يمكن البدء في تشغيل بعض آليات سيميائيات الأهواء، قصد الكشف عن فائض المعنى الموجود في قصائد ديوانه (باب واحد ومنازل)[xiii]، متوسلين بمبدأ الاتصال والانفصال السيميائي، وتلك العلاقات البانية لهما، والتي ربما تميزت بالتوتر أو بالاتزان بحسب قدرة الذات الشاعرة على الاتصال أو الانفصال عن موضوع القيمة وهو المحبوب.

3-1- بين نار المحبة ونور المحبوب :

    في بدء ومنتهى ديوان المحبة، النار والنور مؤتلفان ومختلفان في القول الشعري، لهذا يبدأ الشهاوي أولى قصائده بسؤال وجودي أخروي (ما الجحيم؟)، وهو في موقف السائل والمسؤول :

 

ما الجحيم

سألت

 فكانت تلك الأجوبة المفتوحة على أسئلة عرفانية منفتحة على عوالم أخرى... :

أن تحب

ولا صدى

أن تسأل

ولا جواب             [ باب واحد ومنازل،ص 05]

 

فنجد أن نارية المحبة أطفأتها نورانية المحبوب التي تبحث عن إصلاح لافتقار المحب  الذي يحمل مفتاح وهو ذاته ولا بيت يسكنه،ويحمل كتابا وامرأة تقرأه، لهذا فهو يبحث في غياهب الجب سائلا:

 ألأن عيني جريحتان

وظلمتي مضاءة بهجر

وهذا مصير من يحب في حيرة العارف :

وتسألها عن مصيرك مع من تحب

شريطة أن تعرف

كيف تصعد على السماء       [ باب واحد ومنازل،ص 66]  

 فنجد أن معجمه معجم صوفي واقع بين نارية تحرق ونورانية تبرق، محتكم إلى انسجام واتساق على مستوى الجملة والفكرة، منذ أن وعى الشاعر على لسان النار في قريته المياسرة عن ذلك الرجل الذي أهلكته حالات الحب القصوى، فأكلته نار الحب، فأشربته نورانية المحبوب، فلما سأل عنه :

 

فقيل

أكلته نار الحب

فقرر أن يبادل النار

بالنار      [ باب واحد ومنازل،ص 67] 

 ومبادلة النار بالنار هي الخروج إلى الإشراق، فتطهير نار المحب لا يكون إلا بنـ(ـو)(ـا)ـر المحبوب، وهذا ما ردده شيخ الوقت (من أنباء الغيب) وهو يتمتم بالحروف السرية :

نور آخر 

أبتغيه

ألاحق سماء

تنام على رأسي.     [ باب واحد ومنازل،ص 17]

 

وفي لحظة الاتحاد والاتصال بالمحبوب على (جبل القمر) يعترف الشاعر بحبه وهو بين حرف وصمت :

 

كأن الله خلق النور بك

وأعلى من شأن القلم في سورته

لأجل سرك.  [ باب واحد ومنازل،ص 55]

 

3-2- وجدان الشعر فقدان الشاعر :

  لقد قلنا من ذي قبل أن الشاعر مفتاح الوجود والشعر بابه، فكلما اقترب الشاعر من الكمال الروحي باكتمال قصائده ،فقد شارف على الخروج من وجد الحياة إلى فقد الموت، وهذا ما يردده أحمد الشهاوي في حياته وشعره، فالشعر كثيرا ما رده إليه وهو في حفره و بحثه عن تلك المعشوقة في سمائه :

 كلما

حفرت ثقبا

أجد حرفا من اسمك

فيردني الشعر

إليّ.           [ باب واحد ومنازل،ص 42]

 

 فقصائده هي المكان الوحيد للتوحد والاتحاد بمحبوبته، فهي كعبته التي يدور عليها في (سرة الدنيا) :

 فالقصيدة تدور حول قلبك

سبع مرات

تستقر على أبيض الورقة أبدا    [ باب واحد ومنازل،ص 43]

 

 وبعد أن يعبر (واد البكاء) سيكون يوم فتحه بجمعه بعد فرقده لمحبوبه، لتشمخ قصائده عاليا :

 

ستبقى قصائدي

عالية.         [ باب واحد ومنازل،ص 45]

 

ليحقق الشاعر/المحب مأموله بالاتصال بمحبوبه بعد انتكاسات وطرد، يوم يلتقي الجمعان على سرير الشعر :

 لكنني أعوّل على أننا

سنلتقي في سرير القصيدة    [ باب واحد ومنازل،ص 44]  

 

وهذه الجدلية الصوفية في شعر الشهاوي تدخله في دائرة الغموض الذي أصبح سمة شعرية عنده، وقد عرفناه عند شعراء السريالية أيضا واستعمالهم للصور الشعرية الغامضة، غير أن الشاعر لا يرى فيه غموضا، فهو لا يتعامل مع شاعر جاهل بلسان الحال الشعري، لهذا يريد أن يرفع قارئه إلى سدرة المنتهي الشعرية، لهذا يقول وهو يستفهم جحيمه :

 

أن تكتب

ولا قارئ     [ باب واحد ومنازل،ص 05] 

 

فالقصيدة التي يلقاها من لدنه لا يجب أن تكون شرحا أو تفسير أو تأويلا للفراغات الدلالية التي يطرحها شعره قصد توجيه قراءة القارئ، بل على القارئ أن يمتلك تأويله الخاص، كما على النص أن يمتلك تأويله الخاص هو أيضا، فتعدد القراءات والتأويلات تترك الشعر والشاعر دائما بين فقد ووجد، قرب وبعد، جمع وفرق، فما إن يكتشف علامات حتى تحجب عنه أخرى.

2-3- الكاتب الـ(مـ)ـوجل والكتابة المؤجلة :

   لقد عرفنا من قبل أن كتابة الشهاوي مرتحلة تنشد المحو والحذف والتأجيل، لا تعترف بالاكتمال لأنها تحكي سيرة حياة روحية للشاعر تضع دائما في حالة وجل (وتأجيل) لتقلب إلى وجد، كما أن كتابته الشعرية لا تعترف بحدود الأجناس التي تركن للتصنيف وبذلك تضيق واسعا، غير أن الكتابة المختلفة تعمل على إسقاط تلك الحدود الأجناسية، ومن هذا فهو يؤمن بأن الكتابة التي لا تؤنث لا يعول عليها، لأنها تحصل من نكاح الكتاب لتاء المحبة التي (شغفها حبا) لهذا يقول فيها :

 

في معبد امرأته

يكتب

وفي طقسه

يخلق موسيقاه

من دخول آياته وخروجها.      [ باب واحد ومنازل،ص 19]

ليرجعنا بعد ذلك إلى تلك العلاقة الاتصالية والانفصالية بين الكتابة/ الشعر لسان النار، والكتابة/الشعر جنان النور، لتتكشف تدريجيا من هذه العلاقة فكرة التأجيل الشعري عنده الواقع بين الخفاء والتجلي في (مروج الذهب) يقول :

 

ما لا أستطيع كتابته في العتمة

لا أحققه في الضوء.      [ باب واحد ومنازل،ص31]

 

فالشاعر على الرغم من معرفته بالفعل (الكتابي/الشعري) وقدرته عليه غيره أنه بقي وجلا أمامه، لا يمكن تحقيقه فالعتمة فكيف عساه تحقيقه في الضياء، ليقع في برزخ النور والظلام.

ليتدرج إلى معراج آخر وهو الكتابة- الحذف/المحو، وهي كتابة إختلافية، لأن الشاعر يعلن أنه حذاف بامتياز، فالحذف في شعره هو عين الإتباث، كون الحذف موت، والإثبات حياة وفي موتي (الشعري) حياتي،فلا الرقيب الداخلي،ولا الخجل سيعملان على إثبات ما صمت عنه المحو،يقول في (الباب المسدود) :

 

الذي لن أكتبه

سيحذفه الموت

لا الخجل

ولا الرقيب الداخلي.     [ باب واحد ومنازل،ص 32]

 

ليصل الكاتب إلى سدرة المنتهى،وهي الكتابة المؤجلة، كون الشعر عنده كما حققناه هومالم يكتب بعد،لأنه خلق من الإخـ(ت)لاف والتأجيل،فكلما نطق مات عن شعره،وكلما صمت أحيى شعره،فهو يقول (جزيرة الكون) الشعري:

 

الصمت

ينام في شعري

وما يظهر فيه خفيّ.    [ باب واحد ومنازل،ص 38]

 

فالشاعر حامل للموت في ذاته الشاعرة التي تؤجله بصمتها ومحوها،وتخفيه في( لا تقصص رؤياك) يقول :

 

الصمت

ثمرة موتي المتكرر

وشعري غير مدون.   [ باب واحد ومنازل،ص 34] .

 

وفي لحظة التجلي الشعري القصوى، يدرك في (نزهة المشتاق ) أنه :

 كلما غرق قمري

في مائك

أدركت

أنّ الكتابة مؤجّلة.  [ باب واحد ومنازل،ص 35] .

 

وفي الأخير يجد الشاعر نفسه أن سؤال الجحيم يبقى مفتوحا لا تغلقه الإجابات لأنه ولد من رحم الصمت،فلا بد عليه أن يرجع لذاته لروحه فثمة السر،لهذا يقول في (ما الجحيم؟):

 

أن تحمل مفتاحا     ( الوجود)

ولا بيت             (الشعر)

 [ باب واحد ومنازل،ص 06]

 

فهنا لا بد على الشاعر أن ما يبحث عنه هو كينونته فهو مفتاح الوجود،وأن البيت هو بيت الشعر الذي عليه أن يلج بابه ففهم.

الخاتمة :

وبعد طول هذا الارتحال في تشغيلنا بعض آليات سيميائيات الأهواء قصد الكشف عن عوالم الشهاوي العرفانية،والتي استطعنا أن نقف على بعض مميزات أسلوبيته في الكتابة الشعرية،والتي أبانت عن طاقة شاعرية كبيرة،وهذا لمرجعيتها الصوفية،التي يعتمد خطابها على ثنائيات ائتلافية واختلافية في توصيل التجربة وتجلية الرؤية،لهذا وجدناها واقعة تحت توترات الانفصال وتوازنات الاتصال بين ذات الشاعر وتذويت الشعري،الذي لا يتكلم إلا في صمت،ولا يكتب إلا المحو،وهذه الكتابة لا تصدر إلا عن عارف بأن الشعر باب،لا تولج بابه إلا بمفتاح كينونة الذات الشاعرة،وهذا ما سعى إلى تحقيقه الشاعر في ديوانه.   

  • المصادر والمراجع :
  • المصادر :

   - المدونة الشعرية : أحمد الشهاوي ،ديوان باب واحد ومنازل،الدار المصرية اللبنانية،ط1،مارس 2009،القاهرة.



[i]-Roland Barthes,l’aventure sémiologique,ed.du seuil,paris ,1985, pp.17-207.                             

[ii]- محمد الناصر العجيمي،النقد الروائي العربي الحديث(واقعه وإشكالياته،من خلال بعض المداخل)،مكتبة علاء الدين،ط1،سنة 2005،صفاقس،تونس،ص 162-163.

* كما تجدر الإشارة إلى أننا قد استفدنا كثيرا من هذا الكتاب ونحن نرصد أهم مفاهيم سيميائيات الأهواء.

[iii]- المرجع نفسه.

[iv] - Jacques Lacan,Ecrits 1-2,ed.du seuil,paris,1966.                                                        

[v]- A.J.Greimas,Jacques Fontanille,sémiotique des passion(des états de choses aux états d’âme),ed.du seuil,paris,1991. 

كما ينظر الكتب الأخرى لمدرسة باريس :

- Jacques Fontanille et Zilberberg, tension et signification,ed.mardaga,Liége,1998.                                                                                                                                  

- Zilberberg ,Esquisse d’une grammaire du sublime chez Longin, Langage,N°137,2000.                                                                                                              

- Jacques Fontanille,sémiotique et littérature,essai de méthode, ed P.U.F ,paris,1999.                                                                                                         

[vi]-   A.J.Greimas,Jaques Fontanille,sémiotique des passion, pp.112 et pp.190.                                             

 

[vii]- محمد الناصر العجيمي،النقد الروائي العربي الحديث(واقعه وإشكالياته،من خلال بعض المداخل)،ص164.

[viii]- المرجع نفسه،165.

[ix] -A.J.Greimas,Jacques Fontanille,sémiotique des passion,pp.21-42                                                     

[x]- ينظر الكتب التي ذكرناها سابقا الخاصة بسيميائيات الأهواء.

[xi]- أحمد الشهاوي ،ديوان باب واحد ومنازل،الدار المصرية اللبنانية،ط1،مارس 2009،القاهرة.

[xii]- محي الدين بن عربي،رسائل ابن عربي(كتاب التراجم)،دار إحياء التراث العربي،ط1،نقلا عن طبعة دار المعارف العثمانية،حيدر آباد الدكن،سنة1367هـ،الموافق لسنة 1948م،ص 44.

[xiii]-  أحمد الشهاوي ،ديوان باب واحد ومنازل،الدار المصرية اللبنانية،ط1،مارس 2009،القاهرة.