سيميائيات المحكي المترابط

مقدمة نقدية للرواية الرقمية

د. عبد القادر فهيم شيباني

جامعة معسكر

 

L’article a essayé de s’interroger de  façon méthodologique sur le phénomène du roman numérique avec l’inspiration des concepts  sémiotiques de l’opération narrative ; dans une vision analytique qui a pour but de représenter la théorie de l’hyperfiction. A cet effet elle vise les concepts de texte numérique afin de l’applique sur le premier roman arabe numérique « chat » édité par l’écrivain Jordanien

 « Mohamed Sanajelah»

توطئة

تتصل مناقشة إشكالات النص الرقمي بفلسفة الكتابة، على نحو قد يستدرجنا إلى الالتفات إلى البحث في أثر مادية الدعامة، باعتبارها مكونا نصيا، فاعلا في تأسيس النصوصية الأدبية. وحيث يمكن للأبعاد التقنية، المعدة سلفا لتكييف طرائق القراءة، أن تحور آليات التلقي، يمكن لدعائمية الوسائط، أن تغدو مبحثا مهما في العصر الحديث، لاستكشاف سيرورات جديدة لإنتاجية المعنى، واستنباط مبادئ الآلة التأويلية. لذا قد يصبح اليوم، من المهم تسريع البحث في مجال هندسة النص الرقمي، ضمن إطار الاستراتيجيات التواصلية، واستقصاء مراتب المقصدية في تقنيات النص الحديثة.

إن تحقيق الاستفادة، من تلك الجهود لغايات أدبية، من شأنه أن يحيلنا، إلى تصورات غير نمطية لقواعد البناء الأجناسي، عبر  فهم الأداء الأنموذجي للغة، ضمن اشتغالها السيميائي، بالنظر إلى تلك الاستفادة، كصيرورة لتطور شكل الكتابة. ووفق هذا المنحى، سيجد القارئ نفسه، ملزما على نحو متسارع، بتغيير عاداته القرائية، بما يتوافق مع الأداء التمثلي للنص الرقمي، وهو التغيير الذي قد يمتد ليشمل تأهيل كفاءات الحدس الحسي، وتطوير السلوك التفاعلي بما يتناسب مع التطبيقات الرقمية، المفتوحة على كل الاحتمالات التمثلية.

لاشك، في أن النص المترابط، استطاع أن يحقق تقنيا- وبشكل مادي- مجردات الآلة النصية، وتلك مزية، عمقت فهمنا للصناعة النصوصية، كما مكنت كتاب المحكي المترابط من ترويض طرق الحكي، والتحكم بها بيسر، بل إنها تحولت إلى حافز إبداعي يضع السارد، أمام إمكانات جديدة للحكي، بعيدا عن تلك الإكراهات اللسانية، التي تملي قوانينها على العملية السردية. لذا، يمكننا اعتمادا على تقنيات النص المترابط، أن نقرب فهمنا بتلك الاستعارات المفهومية، المنوطة في عرفنا النقدي، بمجمل المقولات المنهجية، التي صيغت للتعريف بماهية النص وانشغلت باختبار القوة النصوصية فيه، بوصفه مفهوما أنموذجيا للإبداع الأدبي.

ظهر الشكل التجريبي الأول، لجنس المحكي المترابط، في ثمانينيات القرن الماضي على يد مجموعة من الأكاديميين في الولايات المتحدة. وبالعودة إلى  البدايات، سنجد أن تيودور نيلسون، قد عرف النص المترابط، بوصفه شكلا جديدا من الكتابة غير المقطعية على الحاسوب، يتيح إمكانية بلوغ وحداته النصية بطريقة تفاعلية، حيث يمكن لتمفصلاته أن تنظم النص في شكل شبكة من المقاطع المتصلة بينيا. ومن خلال هذا التصور التأسيسي، شرع باحثو "إيست غايت"، في محاولاتهم لبناء نظرية للمحكي المترابط، وذلك عبر الانطلاق من متصورات حقبة مابعد الحداثة والمقاربات مابعد البنوية للنص.ضمن هذه الرؤية، كان لهذه الإرهاصات الدور الكبير، في انبثاق أول إطار نظري، يتخذ مفهوم النص المترابط أساسا في مقاربة المحكي المترابط.

أثبت تحوير تقنية النص المترابط لمفهوم الكتابة، فعاليته في تجسيد السعى الأدبي، نحو إعطاء معالم تجنيسية جديدة للأدب الورقي، فمن خلاله انبرت الرواية، والعملية السردية عامة، لتوسيع آليات الحكي، ودعم البنية السردية، بحوارية القراءة. لذا قد تثيرنا بلاغة الرابط في المحكي المترابط، إلى تصور مغاير تماما لوضع كل من السارد والمسرود له. وحيث يمكن لاختلاف آليات القراءة السردية، أن تؤثر على علاقتهما الارتدداية، تصبح حوارية العوامل؛ أي فاعلي المحكي، متصلة بالوضع القرائي. إذ يمكن لهذه الحوارية أن تحقق طموحات النص السردي، عبر المقوم التفاعلي في شكل تعاضد كتابي؛ أي قراءة كاتبة، أو إيهام بشخصنة القارئ داخل الحكي،  أو بفتح النص على اللانهائية.

1.الروابط والعقد

توصف العقد(Les noeuds)، بأنها كيانات مستقلة، تخضع في تأسيس تعالقها البيني، لاملاءات الروابط(les liens)، ومن ثم فهي تندرج داخل بنية من المجموعات عبر العلاقات الجامعة للروابط. بالنسبة لـجاكوب نيلسون[1](Jakob Nielsen)،فإنه لا فرق داخل بنية الوسيط المترابط، في الأهمية بين الروابط والعقد، بوصفها مقومات عضوية للنص المترابط.فالرابط يصل بين عقدتين، ضمن وجهة محددة، وبمجرد تفعيله، ينقاد مستعمل الوسيط المترابط، من عقدة نحو أخرى. يمكن للعقدة الواحدة أن تكون في وضع الارتباط بعدد من العقد، بحسب ما تتضمنه من روابط، وبالتالي فإنه يستحيل على العقدة التي لا تتضمن رابطا،أن تحيل إلى عقد أخرى، لأن دورها يكمن في هذه الحال في ضمان مسار الروابط فقط.يتوزع المحتوى الوسائطي بين الروابط والعقد، وهما يتعاضدان من أجل تحقيق دلالة المحتوى، عبر تقريب الإيحاء باتصال الوحدات المعرفية المراد توصيلها للقارئ. إنهما يمثلان جانبا مهما من بنية النص المترابط داخل الوسيط المترابط[2].

2.المثبتات (les ancres)

يتعلق وجود الرابط بما يسميه المبرمجون بالمثبت(أوالمرساة)، حيث يمكن دورها في إتاحة إمكانية تفعيل الرابط داخل العقد، وهي تأخذ شكل وسيط(média)، عادة ما تأتي المرساة في شكل كلمة أوجملة مسطورة أومضاءة بلون مميز، وقد دأب العامة على إطلاق اسم الرابط عليها مجازا، ذلك أن الرابط غير مرئي، ولايظهر في المحكي المترابط إلا بتغيير العقدة. 

3.الوسائط المتعددة

تشير الوسائط المتعددة(multimédia)، إلى خاصية التعدد الجهاتي التي تتسم بها الدعامة الرقمية، وإلى حيز الاستعمال الفرداني لمختلف كيفياتها وبنياتها(وثيقة مكتوبة، شفوية، موسيقية، صوتية، فيديو، صور ثابتة أو متحركة وغيرها) في توصيل المحتوى، داخل الصفحة الواحدة. إن انتظام هذه الوسائط على نطاق الشاشة، هو مايحدد معالم الواجهة(l’interface) بالنسبة للقارئ. تسمح خاصية النص المترابط، بحسب طبيعة الدعامة، بإملاء التمفصلات بين الوحدات المعلومية، وتنظيم تموجد العقد من خلال توزيع الروابط. وتسمح هذه الوظيفة، للقارئ بالإبحار(navigation) داخل الدعامة، بما يحول فعل القراءة، إلى «نشاط يكمن في تحقيق الانتقال من عقدة إلى أخرى»[3].وفي المجمل، يبدو الإبحار داخل النص المترابط شبيها بالقراءة على النص الورقي[4]. إنه يمثل سيرورة في اكتساب المعرفة؛ سيرورة يتحقق فيها تمثل محتوى الدعامة، انطلاقا من طريقة انتظام المعلومات.

 

4.الوسائط المتعددة وفاعلية النص المترابط

ثمة في الأصل، فرق بين مفهومي الوسيط المترابط (hypermédia) والوسائط المتعددة (multimédia)، ذلك أن الوسيط المترابط يتضمن بعد التعدد الجهاتي(multimodal)، من حيث إمكانية احتواءه على أسنن ذات قنوات معلومية مختلفة، غير أن الدعامات متعددة الوسائط، لايمكنها أن تؤلف لوحدها وسيطا مترابطا، فقط لأنها  لاتتضمن وجود نص مترابط. عادة ما يحصل الخلط بين النص المترابط والوسيط المترابط، وعلى الرغم، من وضوح الفرق بينهما، إلا أن استعمال مصطلح النص المترابط يراد به في عديد الحالات مفهوم الوسيط المترابط، فقط لأن بنيات النص المترابط المطورة حديثا تتضمن في الغالب خاصية التعدد الجهاتي، والتي تعد مقوما من مقومات الوسيط المترابط، مع تميز الأخير ببعد التعدد الوسائطي.

يشترك النص المترابط والوسيط المترابط في كونهما مستندات مترابطة، حيث يقوم الأول على توظيف النصوص فقط، ويتميز الثاني بقدرته على احتواء مختلف الأشكال المعلومية، كالصور، والتشكيلات، والفيديو، والأصوات، ومختلف مؤثرات الحركة البصرية وغيرها[5]. يشمل مفهوم الوسيط المترابط، حسب تصور آندرس دايبرغ[6](A .Dieberger)، تصميم واستعمال الأنظمة التي تسهم في إبداع الأثر، وإدارة فعل الإبحار داخل شبكة المعلومات النصية متعددة الوسائط.

يقرب فاستر وجه التعالق النصي للأثر الرقمي، بين مكوناته الثلاث، معتقدا بأن الوسيط المترابط أدة للتعبير، والمستند المترابط موضوعا له، موكلا دور الوساطة بينهما للنص المترابط، بوصفه من يشرف على تنظيم المحتويات. وانطلاقا من هذه المصادرة، يمكننا أن نؤسس سيميوز النص الرقمي، بوصفه سيرورة دلالية لامنتناهية، تقوم كأمثول على تمثلات الوسيط المترابط، وكموضوع على مضامين المستند المترابط، وبين هذا وذاك يقوم النص المترابط كمؤول للعلامة النصية، على تفعيل السيرورة الدلالية للنص، حيث يقوم تفعيل كل رابط في أثناء عملية القراءة بالكشف عن مؤول جديد.

5.النص المترابط ومبدأ الإسقاط

يتوافق إذا، مع البعد الداخلي لدعامة النص المترابط، بعد خارجي يكشف لنا عن الجوانب التأويلية، وذلك مايؤكد لنا أن كل وحدة من شبكة النص المترابط، وضمن بعدها الداخلي والصوري، تتناسب مع وحدة تقع خارج الشبكة. فالوحدات (أ، ب...)، المميزة بالخواص (خ1، خ2...)، وبالعلاقات (ع1، ع2...)، تجد مايوافقها من المقاطع( نص، صورة، صوت...). وبمعنى أدق، فإن العناصر الصورية لشبكة النص المترابط، ترتبط مع مكونات نصية متنوعة، حيث يأخذ هذا الارتباط، شكل علاقة اسقاطية تهدف إلى استظهار الوحدات الصورية عبر نصوص مسجلة. وذلك ما تلخصه الخطاطة الآتية:[7]

 

 

 

 

إن البعد الداخلي والصوري، للنص المترابط، يتوافق مع بعد خارجي، يمكن من خلاله التعرف إلى الوحدات النصية، بالنظر إلى خواصها واستعمالاتها "الطبيعية"، بوصفها موضوعات قرائية، قابلة للقراءة والتأويل. ذلك أن المعطيات المحفوظة، على صعيد نظام التأهيل، تغدو مفرغة من الدلالة، وهي تخضع للتطبيق وفق نظم الإسقاط، فتأخذ شكل وحدات نصية متمايزة، في أثناء استظهارات النشاط القرائي.

6.مورفولوجيا النص المترابط.

يمكننا استنادا إلى المخطط التوضيحي الذي اعتمده فيليب بوتز(Philippe Bootz)، أن نتبين الفرق في الانتظام المورفولوجي، الذي يتأسس عنه الاختلاف البنوي بين النص الكلاسيكي والنص المترابط. يصور مخطط بوتز النص المترابط، انطلاقا من تمثيل خطاطي للعقد(يرمز لها بشكل مستطيلات) والروابط(يرمز لها بالأسهم الموجهة):

يمكننا أن نلاحظ، أن الروابط تؤدي دورا إحاليا بين العقد؛ باعتبارها نصوصا تتجلي في شكل صفحات قابلة للاستظهار على الشاشة؛ نصوص تتضمن بدورها روابط أخرى، وعلى هذا النحو ينقاد الرابط داخل العقد للإحالة إلى رابط آخر، بما يجعل العودة إلى نقطة البداية، غير ممكنة في حالات كثيرة[8]. وبشكل عام، فإن خطاطة بوتز تقودنا إلى الاقتناع بالبنية اللاخطية للنص المترابط، طالما أنه ثمة دائما مجال للانتقال من عقدة إلى عقد أخرى بنظام التفرع، ومن ثم بأهميتها في تحرير عمليات البناء السردي، التي ظلت خاضعة للبنية الخطية، حيث تنتظم الوحدات القرائية، وفق مبدأ التتالي المتراتب. إن خطية البنية السردية، تعني ببساطة أن السارد، يدرك أن القارئ سيقرأ الفصل الأول قبل الثاني والثاني قبل الثالث وهكذا، غير أن هذه الخطية، لا تتضمن خطية المحكي نفسه، حيث يمكن للفصول أن تتضمن أحداثا غير متتابعة على خط الزمن، بشكل كرونولوجي.


لعل من بين أهم المزايا النصية، التي تقدمها البنية اللاخطية للنص المترابط، أنها تتيح إمكانية بلوغ نفس العقدة (أي المقطع) مرات عدة، ضمن المسارات المتعددة للقراءة الواحدة، ومع كل مسار تختلف الدلالة، على اعتبار أن دلالة النص غير متعلقة بالنص نفسه فحسب، بقدر تعلقها بالنصوص المقروءة سلفا.

7.البنيات السردية و أنموذجية المفهوم و الوحدة المعلومية

إنالمحكيات الأولية داخل المحكي المترابط، شبيهة بالمفاهيم داخل مجال محتوى الدعامة في الوسائط المترابطة، وهي تمثل هيكل النص السردي وقوة تمفصله، غير أن تموجدهايظل قرينا لوجود المحكيات الثانوية، ويمكن للسارد، أن يلتمس في صور تشكيل العلاقة بين المحكيات الأولية والثانوية، وجهات إبداعية في تخطيط البنيات السردية وبرمجتها. لأن البرمجة هي التي تصنع في النهاية، الأثر[9].وفي المحكي المترابط، يمكن لدعائمية الوسيط المترابط، أن تتيح فرصا للتنويع في البنيات السردية، من خلال ترك خيارات التمفصل بين المحكي الأولي والثانوي متاحة عبر بينة النص المترابط[10].

يعتقد نقاد المحكي المترابط، أن إشكالات تصور مفهوم المقطع، في مجال السرديات، هي التي دفعت بالمحكي الأدبي نحو اختبار تقنيات النص المترابط، حيث يمكن للعقد النصية، أن تتحول إلى مجموعة من المقاطع، وعلى هذا النحو، تعمل بنية النص المترابط على تفكيك الوحدات القرائية، وفق عدد من المقاطع، قابلة للإدراج عبر عمليات القراءة، ضمن ملفوظات متعددة. إذ يؤدي الإبحار أوالتصفح، إلى تعويض هذه الملفوظات، عبر إنتاج وجهات نظر متنوعة حول الموضوع القرائي أو الوحدة النصية. ويمكن للنظام المقطعي، في المحكي المترابط، أن يسهم في عملية التقويض السردي؛ عبر تفكيك الخطية الزمنية للمحكي. إن الأهمية الأدبية، للرابط تكمن في تصور سيرج بوشاردون[11](Serge Bouchardon) ، تحديدا في أداء هذا الدور. إنه ليس مجرد أداة، تمكننا من الانتقال من مقطع سردي إلى آخر، بل هو أشبه بمحرك جبار للآلة السردية والبلاغية، تقوم على فنون الإضمار.

8.المحكي المترابط

المحكي المترابط(l’hyperfiction)، هو اصلاح مركب بقاعدة إسمية، منحوت من السابقة الإغريقية(Huper)، والمفردة (fiction). للسابقة دلالات كثيرة، من معانيها اللغوية أنها تدل على الفوقية والبعد، ومن إيحاءاتها المبالغة، والبلوغ، والدرجات العلى، وهي تدل في عرف الرياضيين، والمعلوماتيين، على كل ما يتجاوز ثلاثة أبعاد. وإذا ماجاز لنا تبني هذا التخريج الدلالي، فإننا نستطيع أن نعرف المحكي المترابط بوصفه محكيا متعدد الأبعاد، أو نعرفه بوصفه محكيا متعاليا أو فوقيا أومحكيا ممتد. قد تتلائم هذه التخريجات، مع الشكل الذي يبدو عليه المحكي المترابط، باعتباره نص لابداية أونهاية له، أو بوصفه محكي يستحيل معه بلوغ مجموع مساراته القرائية. بينما يشمل مصطلح المحكي(fiction)، عديد الأجناس السردية، كالحكاية، والقصة والرواية ورواية الخيال العلمي.

وإجمالا، يعتقد غابريال أوتمان(G .Otman)، أن هذه السابقة، ظلت ولازالت محل تداول متكرر بين مصطلحات ومفاهيم مختلفة في اللغة السيبرنيطيقية، غير أنها تدل في الغالب على «حضور الروابط في النص المترابط أو الوسيط المترابط، أو على شيء افتراضي يتعالى عن الموضوع الواقعي الذي ينتجه»[12]. الواقع أن المفهوم لم يشهد تحولا عميقا منذ ظهوره الأول، غير أن تغير البنيات وتبدل الدعامات، كان السبب الرئيس ومصدر كل تحديث. ففي تعريف جامع، لـميخائيل بوهلر(Michael Böhler)، بدا التركيز بوضوح على أهمية شبكية الأنترنيت ودور النص المترابط كشبكة نصية، في تأسيس مفهوم المحكي المترابط، بمافي ذلك مفاهيم أخرى، على غرار مفهوم اتصالية النصوص، واللاخطية، ومفهومي القراءة والكتابة، أو مفهومي الترابط والتماثل.

يقول جون كليمون(Jean Clément)، «يطلق على المحكي المترابط أحيانا المحكي النصي المترابط(fiction hypertextuelle)، أو المحكي التفاعلي(fiction interactive) في أحيان أخرى، وهو جنس أدبي ظهر  أولا في الولايات المتحدة الأمريكية نحو سنة 1985[...]، يتيح فرصة القراءات المتعددة للنصوص، عبر طرحها في شكل مقاطع تخضع لمسارات قرائية غير خطية[...] حيث يتألف من سلسلة شبه منتظمة من المقاطع السردية، التي تسمح بسلوك مسارات قرائية متعددة؛ مسارات تتوقف على خيارات القارئ»[13].يختلف كتاب المحكي المترابط الفرنسيون، في توصيف نصوصهم اصطلاحا، إذ نجد مصطلح الرواية المترابطة (hyper-roman) عند آن سيـــسيل برادنبورغ (A. C. Brandenbourger) وفرانسوا كولون (F. Coulon)، ومصطلح المحكي السيبرنطيقي(cyberfiction)، والمحكي التفاعلي(fiction interactive) والمحكي النصي المترابط(fictionhypertextuelle)  عند آلان سيلفدور(A. Salvatore)، أومحكي النص المترابط (la fiction hypertexte)، ورواية الوسيط المترابط(roman hypermédia) عند لوسي دو بوتني(Lucie de Boutiny).

يتألف المحكي المترابط، في تصور بيار باربوزا (Pierre Barboza)، «من شبكة من الوحدات المعلومية، المسماة سردية، هذا المحكي يتطور عبر تدخلات القارئ»[14]، حيث تندرج تلك التدخلات ضمن مطمع تحقيق القراءة الفاعلة، حيث يمكن للخيارات أن توجه القراءة، وتجيز المسارات المتعددة. يميل محكي دوبوتني، الموسوم بعنوان "ليست-رواية"[15](NON-roman)، للتعبير عن حالة القطيعة السردية، التي تؤسس لها الدعامة الرقمية. ولعله من الأنسب، تجاوز مصطلح الرواية في توصيف المحكي المترابط، لأن ذلك سينأى بنا عن إشكالات الجنس السردي وتصنيفاته الكلاسيكية، بما يثيرنا نحو السؤال عن الأجناس الفرعية(الحكاية المترابطة، القصة المترابطة، وغيرها)، من هنا تتجلى، أهمية عموم مصطلح (fiction) وضبابيته.

على الرغم، من تعدد التعريفات النظرية للمحكي المترابط، فإن هذا الجنس يستعير من الأجناس الأدبية الموجودة على الأنترنيت جهاتياته الخطابية وجهاتياته البنوية. لقد أشرنا سلفا، أن التبصر بمفهوم النص المترابط، يقع على نقطة تماس بين العلوم المعرفية، والمعلوماتيات وتكنولوجيا الدعائم، هذه المستويات الثلاث، تبدو على قدر كبير من التعاضد. وفي سبيل تحديد تعريف متكامل للمحكي المترابط، وجب تحقيق الفهم بآليات اشتغال النص المترابط وتمظهراته، فبه تتأسس الرؤية العميقة للأشكال السردية. وفي هذا الصدد، يمكننا أن نحصي أربع وجهات تعريفية للمحكي المترابط:

الوجهة الأولى: تعريف المحكي المترابط، كمقابل أو مكمل للنص الأدبي المترابط.

الوجهة الثانية: تعريف المحكي المترابط في ضوء الأدب الرقمي ومفهوم مولدات النص.

الوجهة الثالثة:تعريف المحكي المترابط بالنظر إلى علاقته بالنزعة التفاعلية والكتابة التشاركية(l’écriture participative).

الوجهة الثالثة: تعريف المحكي المترابط بالنظر إلى علاقته بالأدب المكتوب.

تعتقد هيلين هاستاش[16](Hélène Godinet Hustache)، بضرورة التمييز بين النص المترابط السردي(l'hypertexte narratif) والنص المترابط الأدبي(l'hypertexte littéraire). إذ ترى أن الأول هو مايمثل المحكي المترابط، أما الثاني فهو مجرد حوسبة للكتاب، تتوافق روابطه في انتظامها مع الانتظام الورقي للفصول والأجزاء، وهو مايصطلح عليه عادة بالكتاب المترابط(hyperlivre).«إن غاية الكتاب المترابط، أن يمنح قارئه نمطا للتحرك القرائي غير الخطي[...]فهو ليس سوى كتاب رقمي يشتمل على عدد من الروابط النصية المترابط»[17]. يتميز النص المترابط الأدبي، بشبهه بالحواشي، كونه يضع أمام القارئ إمكانية إدراج التعليقات والملاحظات بيسر، بالنظر إلى روابطه الناظمة للعقدة، وذلك مايضمن الحد الأدنى من التفاعلية في نصوصه.

9.اختبارات القراءة

ينحو التحليل الأولي للآثار الأدبية الرقمية، في الأصل نحو الدراسة النسقية لاستظهارات الشاشة. بيد أن أصل الاستظهار قائم في جوهره على تلك الاختبارات الأولية التي يجريها قارئ النص في أثناء تعرفه للمرة الأولى على النص، هذه الاختبارات يمكن أن نفرد لها حيزا من الاهتمام، في مقاربة النصوص الأدبية، طالما أن مؤلف النص، يسعى من خلال اجتهاداته التقنية، إلى ترسيخ عنصر الإبداع الفني من خلال صور من الإنزياح التقني، التي تسعى في مقامات عدة إلى تخييب أفق انتظار القارئ، وتحويل هذه الخيبة إلى رحلة استكشاف قرائية.

تنأى هذه الاستراتيجية الخطابية، بتلك الخيارات عن منطق الخطأ والصواب، خاصة مع وجود احتمالات تفرعية متعددة في الصفحة الواحدة. ولعل ذلك ما يدفع بنا إلى التساؤل عن القواعد المثلي في قراءة استظهارات الشاشة. فكيف يمكن للنظرة الأولية، أن تتحكم في التجانس العلاماتي بين المقروء الخطي والمرئي والمسموع؟ وكيف يمكن للنصوص الترابطية المضمرة، أن تؤثر على فعل القراءة؟ إن اختبارات القراءة، ليست بديلا عن القراءة الأولية للنصوص الورقية، ولكنها جزء أساسي من اللعبة التفاعلية. يستطيع النص الرقمي، على الصعيد الجمالي، أن يحقق نبؤات "مدرسة كونستانس"[18] حول جمالية التلقى، التي ظلت مشغولة، بفهوم التلقي الفاعل والتذاوتي للأثر الفني، على اعتبار أن بلوغ هذه العتبة في إنتاج الآثار والنصوص الفنية، من شأنه أن يصنع تاريخا جديدا للأدب، عبر استهداف أفق توقعات النصوص.

10.الحكي على المنوال الورقي

لقد حاول أدباء المحكي المترابط، أن يناهضوا مبدأ الإمتداد للكتاب الورقي، وتجلت رغبتهم القوية في استحداث قطيعة فعلية، من خلال عناوينهم الملفتة، على غرار نص كزافيي مالبراي(Xavier Malbreil) الذي تضمن عنوانا فرعيا بعبارة: «لا أتذكر جيدا، شيئا اسمه كتاب»، أونص رينو كامو(Renaud Camus)، الذي افتتح أولى مقاطعه بعنوان:«لاتقرأ هذا الكتاب»[19]. كل ذلك، يعكس رغبة ملحة في زحزحة التمثل الكلاسيكي للكتاب ومن ثمة للدعامة الورقية. غير أن الواقع، كان يشير إلى خلاف ذلك، فـــــــ:رينو كامو نفسه، كان قد نشر في أول الأمر نصه ورقيا(1997) تحت عنوان"إعلانات صغيرة"، ثم قام بتحويله إلى نص رقمي، ثم عاود نشره من جديد على الورق(2000). وقريب من هذا التوجه المتناقض، مافعلته براندنبورغ، بعد معاودة نشر محكيها المترابط ورقيا، حتى وإن كانت تطمح من وراءه، لمحاولة جذب انتباه القراء الورقيين، نحو العالم الرقمي للمحكي المترابط. وفي مسعى آخر، حاول بيار دو لاكوست(Pierre de la Coste)، توظيف النص المترابط فقط، لدعم توافق النص الرقمي مع الكتاب، من خلال نصه" من يريد قتل فريد فوستر"[20]، الذي يتمظهر في شكل كتاب من دون صفحات، حيث تعمل بنية نصه المترابط على ضمان هيأة التمظهر الورقي للكتاب. ففي هذا المحكي المترابط، يمكن للقارئ أن يغادر من خلال الروابط، خط الحكي ليتقفي تفاصيل شخصية معينة، لتنتظم في النهاية مضامين مساراته القرائية في شكل كتاب(رقمي)، يمكنه معاودة قراءته سطرا سطرا.

يعمد كزافيي مالبراي[21]، بالرغم من اعتراضه على الانتظام التقليدي للكتاب، في محكيه المترابط إلى تقسيم المتن الحكائي إلى ثلاث فقرات، ووضع كل فقرة بعدد معين من الصفحات، صفحة بعد صفحة بشكل يحاكي الانتظام الورقي للكتاب. وعلى النحو نفسه، ينتنظم محكي ميلان بيترماند[22](Mylène Pétremand)، في شكل مقاطع مرقمة.كما يتضمن المحكي المترابط "مسارات"[23]، عبر نظامه الإبحاري في القراءة إمكانية التوريق الكتابي.في مثل هذه الحالات، تتموقع الروابط بين الصفحات، بوصفها روابط انتظامية تنقلنا من صفحة لأخرى، تختلف بذلك في الوظيفة عن دور الروابط الدلالية.

11.نمطية القراءة وانتظام الحكي

لايمكن للمحكي المترابط، أن يتجاهل، بأي حال من الأحوال، تعود القارئ على الدعامة الورقية ونظام التوريق(le feuilletage)، وتحول عاداته القرائية نحو دعائمية الشاشة ونظام الإبحار النصي المترابط. لذلك يفضل بعض كتاب المحكي المترابط، فتح المجال واسعا لحرية الاختيار القرائي، بشكل يفقد القارئ القدرة على تعليم الوحدات القرائية. وطالما أن القراءة تحصل عبر الروابط التي يختارها القارئ، فإن القارئ قد لا يميز في بعض المحكيات المترابطة حتى بين المقاطع التي تم قراءتها، بما يجعله يضيع في متاهة من الروابط داخل شبكة من التقاطعات الحرة بين المقاطع. وفي الواقع، سنجد أن بعض كتاب المحكي المترابط، لايغفلون عادات القراءة الورقية، فـــــــــــبراندنبورغ مثلا، تحتاط في محكيها المترابط، عبر تخيير القارئ بقولها:« إذا كنت متخوفا بشدة من الضياع، فإنه يمكنك طبعا أن تتوجه إلى نمط القراءة الخطية، فتقلب صفحات المحكي صفحة بعد أخرى، على المنحى الكلاسيكي، وفي المجمل يمكنك أن تقرأ على نحوين مختلفين[...]باختصار ستجد نفسك حرا»[24]. بعيدا، عن العودة إلى النمط الورقي، يمكن للقراءة في بعض المحكيات المترابطة أن تكون نظامية، حتى مع التفرعات النصية التشجيرية، فتقودنا من مسار لآخر، ومن مستوى لآخر، وتتيح لنا خيار العودة إلى الوراء.

تنأى بعض المحكيات المترابطة، ذات المنحى القرائي غير الخطي، بالقارئ عن وضع التيه القرائي، من قبيل مافعل سيلفادور، في محكيه "شاشة كلية"[25]، بوضع خريطة معلمية للوحدات القرائية. وعلى النهج نفسه، قام كولون انطلاقا من نقود القراء وتعليقاتهم، بتعديل محكيه المترابط"20% حب إضافية"[26]، عبر وضع خريطة للمسارات القرائية، فجاءت منتظمة في شكل عدد من النجوم. يترجم  هذا النزوع، رغبة بعض كتاب المحكي المترابط، في تحصيل أكبر قدر من المقروئية، لدى قراء المحكي المترابط. لذا قد تختلف تقنيات تكييف القراءة، من وضع خرائط للقارئ إلى تحديد طريقة استعمال مفصلة، غير أنها تنم عن الوعي ببعد التلقي، وعن الغائية في تحديد استراتيجية تواصلية، تركز بشكل كبير على مراعاة نظم المقروئية النصية.

12.التوليد الآلي للنص

يميز نقاد الأدب الرقمي، بين النصوص المبرمجة وغير المبرمجة، لأن النص الأدبي الرقمي قد يكون غير خاضع للبرمجة، كأن يعتمد أساسا في استظهاراته النصية، على المحددات القرائية التي يمليها الحاسوب، وذلك مالايشكل الوجه الأمثل أوالغاية الحقيقية التي دعت الأدباء إلى اختبار الفاعلية الأدبية للدعامة الرقمية[27]. إذ يكتفي الأديب، في اعتماده على النصوص الأدبية الرقمية غير المبرمجة، بضمان معالجة الوسائط الدالة، ومايهمه هو ذلك الناتج المستظهر عن المعالجة البرمجية، التي تتخذ شكل قارئ برمجي (un player)، يقوم على أداء دور المستعرض القرائي للنص. إن نظام الاستظهار القسري للنصوص الرقمية غير المبرمجة، شبيه بنظم الاستعراض التلفزي أو الفيلمي. وفي هذا الصدد، يعد نص "الضجيج" (Le bruit)لـ: جوليان أبريجيون(Julien Abrigeon)، مثالا جيدا عن هذا النوع، فهو يقدم نصا سمعيا بصريا، تلخصه مجموعة من الكلمات التي تتحرك على نطاق الشاشة، تتصاحب بالتزامن مع نص شفوي مسموع، مسجل في ملفات. الملفت أن القارئ يمكنه أن يلحظ في أثناء قراءته للنص، حالات عدم التوافق بين المرئي والمسموع، غير أن النص في هذه الحالة، لايتيح أي وضع للتحيين القرائي داخل الوسط الرقمي.إن اعتماد تقنية النص المترابط، في بعض النصوص الأدبية، قد لا يجعل منها بالضرورة نصوصا مبرمجة.

يثبت نص "أورفي أفون"[28](Orphée Aphone) لمؤلفه باتريك هنري بورغو (Patrick Henri Burgaud)، أن الأثر الرقمي المبرمج نصيا، ليس مجرد تمرن تقني معلوماتي، ولكنه إضافة مهمة للعملية السردية، ترقى لتجسيد الحضور الفعلي للأديب. حيث استوحى الكاتب، بنيته النصية من أسطورة "أورفي"،بشكل يضع القارئ في نفس وضع هذا البطل الأسطوري، في مسعاه لاستعادة "أوريديس". الملفت في النص أنه يترجم فعل استعادة "أوريديس" على صعيد القراءة، عبر إمكانية خلق القارئ لنص أصيل، ومتفرد مع كل فعل قراءة، يمكنه طبعه في النهاية. ويؤلف الشلال "آرشيرون" في الأسطورة حيز اللمهمة الحاسمة( حيز إلقاء الرأس الناطقة لـ:"أورفي")، وهو يرمز إلى اللغة الفرنسية، حيث يكون القارئ مدعوا لاستكشاف اسم الشلال، فيتحول بفعل قراءته إلى فاعل سردي، شبيه بالوضع السردي لـ:"أورفي"، أين يستحيل عليه، مغادرة النص إلا بالنقر على زر الخروج« esc »، بشكل يعادل استعاريا، فعل الانتحار الذي أقدم عليه "أورفي".لقد استطاع بورغو، أن يحول سلسلة "الاختبارات" إلى أفعال قرائية، أي إلى اختبارات قرائية، ففي كل مقطع، يكون القارئ ملزما، بإنجاز أفعال مجهولة الماهية والغايات، باستقلالية عن الكاتب، وهي اختبارات تخص القارئ وتترجم عرفيا مدى معرفتة باللغة  الفرنسية[29].

يعتمد النص الأدبي الرقمي، في بعده الإبداعي، أساسا على قوة البرمجة النصية، وهو ما يملي على الأديب ضرورة الإحاطة بأثر البرمجة، على بناء أو إعادة إنتاج أنساق العلامات داخل الأثر الأدبي. وإذا كانت النصوص غير المبرمجة، تستهدف الجوانب الإبداعية للأثر البصري، وتتمركز بجماليتها، حول فعل الترابط النصي، فإن النصوص المبرمجة، في مقابل ذلك تكاد تكون مقرونة في أداءها  الجمالي بفعل التوليد النصي لتلك المسارات المرتبطة بالتفاعلية.

قد لا تتجلى فاعلية النص المترابط في المحكي المترابط، ضمن إطار الكتابة التوليدية؛ التي لاترتبط بشكل مباشر بالكتابة عبر النص الترابطي، غير أن آثار هذا الأخير قد تحول مبادئ فعل الإبحار القرائي، نحو تجسيد الحلم باللانهائية النصية. ففي نص "العقدة"[30]، نلحظ أن الكاتب، قد دعم محكيه المترابط، بمايسميه بـ"مولد الصدفة"، ومن خلاله سيجد القارئ نفسه سرديا أمام حالة من الضياع القرائي داخل المحكي. ولعل الغاية، من وراء هذا القصد، قد لاتقع على تمكين القارئ من حالة الضياع القرائي، ولكن المتأمل من النص، أن يضع القارئ في موقف الاستمتاع بحلم اللانهائية.

يعتقد نقاد المحكي المترابط، أن نص "الوقفة"[31]، مثال آخر عن آلية الكتابة التوليدية للنصوص، حيث تتحول تدخلات القارئ من إطار ممارسة حق الاختيار، إلى القدرة على تغيير الظروف وتعديلها. إنه نص يتغير في لمح البصر، بشكل يمكن القارئ من التلاعب بمقاطعه القصيرة. وعلى الرغم من استناد المحكي إلى نص أصلي، إلا أن هذا النص يخضع للتحول لمجرد محاذاة فأرة القارئ له. إذ تتحقق هذه السيرورة، بصريا عبر الفعل القصاصي للنصوص، بشكل ييسر تعديل الظروف الزمنية، والمكانية والسببية. لذا يعمد هذا المحكي إلى التمييز خطيا بين النص الأصلي والنص المتولد عن القراءة بلونين متباينين(الأبيض للأول والوردي للثاني)، واضعا في الحسبان مختلف احتمالات حالات التولد النصي، عبر تجهيز النص سرديا بثلاثين نهاية ممكنة للمحكي.

يقول جون بيار بالب[32](Jean Pierre Balpe): «إن الغاية من استعمال الحاسوب، لاتكرس السعى نحو إنتاج أو توليد رواية، ولكنها تقع على تحقيق اللانهائية، أوالتعددية في الروايات أوالأشعار»[33]. إن قارئ محكي "مسارات"، لايمكنه أن يشترك مع باقي القراء، سوى في الصفحة الأولى، ذلك لأن باقي الصفحات تخضع للتوليد المعلوماتي[34]، حيث تتخلق كل صفحة، عن فعل التوليد الآلي، كلمة كلمة. وتنسجم هذه البنية، مع المضمون السردي، باعتبارها محكيا بوليسيا، يراهن على القارئ كمتقص للحقيقة، ويحاول شد انتباهه بوضعه أمام زمن فعلي لحظة القراءة.

 

13.عتبة الحكي:(المخاطبة)

تميز النظريات اللسانية، داخل الفعل التواصلي، بين الملفوظ(l'énoncé)، باعتباره ذلك المنتح اللساني المغلق والمحدود، وبين التلفظ(l'énonciation) بوصفه فعل التواصل المولد للملفوظ. ولهذا التمييز الفضل في تلافي الخلط بين الشخصيات الواقعية(الكاتب، والقراء) والشخصيات التخييلية(السارد والمسرود له)، وبيان الفرق بين القارئ والمسرود له. وبالرجوع إلى الخطاطة الأنموذجية للتواصل، يمكننا أن نموضع المسرود له(narrataire) في خانة المرسل إليه(المتلقي)، الذي توجه إليه الرسالة، وبالتالي فهو بمنزلة متلقي السرد. أما القارئ، فله حضور، في طرق الاستعمال القرائي، غير أنه بمجرد التورط بالبداية في المحكي، يتحول إلى مسرود له.

لايجيز المحكي الورقي، حيزا للتواصل المباشر بين الكاتب والقارئ، إذ لامجال لاحتمال حصول ارتداد تواصلي(feed-back) بينهما، على نطاق النص. فالقارئ الورقي، يمثل ذلك القارئ، الذي تقوده مجموع العلامات المحددة لذلك المقصود بحكي السارد، وهو يتجلى في شخص المسرود له (narrataire). غير أن ذلك لم يمنع، سعي عدد من كتاب المحكي الورقي، لخلق فضاء حواري بين السارد والقارئ، عبر استهلالات نصية، تحاول زحزحة القارئ عن وضعه الاعتيادي. وأحسن مثال على ذلك، العتبة النصية لـ:إيتالو كالفينو[35](Italo Calvino) الاستهلالية، التي يمارس فيها نوعا من التنويم الإيحائي اللفظي، يستقصد من خلاله تحصيل ردات فعل سلوكية قبل مباشرة قراءة المحكي نفسه. يحقق هذا النزوع السردي، لدى السارد الرغبة في استظهار ضمائر المخاطبة، استظهارا فعليا ذا صلة بواقعية الفعل التواصلي، وهو ما يعكس جانبا مهما من شفاهية النص وشفاهية الحكي.

وفي الفصل الأول من محكي لوسي دو بوتناي[36] المترابط، الموسوم بعنوان"ليست رواية"، يصادف القارئ، للوهلة الأولى، سطورا حوارية بمنحى تحذيري، تحاول دعوة القارئ، لخوض غمار تجربة قراءة النصوص الرقمية بأسلوب استفزازي يغلب عليه طابع التحدي. وعلى النحو نفسه، نجد صاحب نص "شاشة كلية"[37]، يستهل محكيه المترابط، بتخيير في أسلوب القراءة، ثم ما يلبث أن يتحول إلى استفزاز، يغلب عليه طابع التحدي لقراءة المحكي المترابط.

قد لا يختلف تصور بوتناي عن رؤيا كالفينو، في السعي نحو تشكيل صورة القارئ، من خلال مساءلة المسرود له. ولعل تحذيرات بوتناي وسالفدور، كانت تهدف هي الأخرى، لاستجلاء حيز من الحوارية بين السارد والمسرود له، تفسح المجال للمخاطبة الفعلية(أنت أو أنتم)، وتنشد مع كل تجربة قرائية، كسب قراء نموذجيين، يقبلون بتحديات القراءة على النص المترابط.

14.السرد بين وظائف علاقات النص المترابط

داخل المحكي المترابط، تؤدي الروابط وظائف سردية مختلفة، تتغاير بحسب نوعيات المضمون الدلالي للمقاطع المحال إليها. إذ تحيل النصوص المترابطة في بعض الحالات إلى مقاطع وصفية، وبعضها تقحم القارئ ضمن مجموعة من الأحداث المتزامنة، وبعضها تقود القارئ نحو ماضي أومستقبل الشخصيات السردية. تقوم جل الآثار الأدبية الرقمية، باعتمادها على المترابطات النصية، على فصل المقاطع النصية، وتوزيع استظهاراتها عبر مجموعة من النوافذ المتلاحقة. هذا الانفصال مكرس بفعله، للانفصال الدلالي للنص، وبه يكون النص الرقمي ضديدا للوحدة الكلية، التي تعد قواما أساسيا للنص. صحيح أن هذا التوزيع، يمنح النص سلطة التحرر، من تفاصيله، ولكنه هادم للقيمة الدلالية بالمعنى السيميائي، لأنه نمطي في بناء القيم الدلالية، من خلال علاقة المقارنة، فكل النصوص أو المقاطع أو محتويات النوافذ متكافئة (تقابل تكافؤي)، وكل نافذة توازي النافذة المتفرعة عنها.

لعل من أهم الخصائص البارزة للنص المترابط، نسقه"اللا خطي". وبالنظر إلى منطق الأفعال، فإن ذلك يعني أن القارئ يجد نفسه، أمام وضعيات خيارية لتحقيق استمرارية القراءة. إذ ينبغي على قارئ النص المترابط، أن يتدخل بعد كل مقطع نصي، لاختيار المقطع الموالي. هذه الخاصية، التي تبرز بوضوح في النص المترابط، نجد لها بعض التجليات في النص الورقي، ذلك أن قارئ النص الورقي، قد يجد نفسه أمام وضعيات خيارية للاستمرارية، كتلك المتعلقة بالإحالات والتعليقات المرتبطة بنصوص، التي تقع في أسفل الصفحة، أو في الملاحق وغيرها. بيد أن النص المترابط، يستجيب بالنظر إلى مكونات الدعامة الالكترونية، لمبدأ تفعيل الاتصالية(la connectivité)، عبر خطاطات التفرع النصي المعدة سلفا، بما يجعله متفوقا على النص الورقي[38]. إن بنية النص المترابط، لاتستند إلى مركز ناظم ولا إلى خط قرائي قائد. ببساطة، فهي تعمل على مضاعفة عدد التفرعات النصية، عبر مبدأ التكثيف الشبكي، متجاوزة بذلك الاختلاف النمطي بين التفرعات، فلا يوجد خط قرائي أساسي وآخر ثانوي، على نحو يتجاوز الإكراهات الانتظامية للشبكة، عبر مبدأ الاتصالية غير التراتبية. إن تأمل النص الورقي، بعمق يكشف لنا عن وجود خيط موجه، يملي على القارئ نقاط المتابعة، تكون من خلاله التفرعات ثانوية عارضة، ومستوى التعمق العمودي ضعيفا، وذلك ماتكرسه الخطية الحرفية (la linéarité des graphes).

15.النص المترابط والوسيط المترابط[39]

يشكل النص المترابط بحسب تعريف تيد نيلسون(Theodor Holm Nelson)، أسلوبا رقميا خاصا في نظم المعلومات النصية، حيث يمكن لكل مجموعة من المعلومات النصية (عقدة)، أن تجد مايؤلف بينها وبين مجموعات أخرى(عقد أخرى)، حيث تتيح معاينتها إمكانية الانتقال من مجموعة إلى أخرى، عبر تفعيل الرابط الذي يجمع بينهما. تسمى العقد في بعض لغات البرمجة بـــــــــــــــــــــــــــ:الصفحةالشاشة(la page-écran). يشمل مفهوم النص المترابط أيضا، الأسلوب المتفرد، في الربط المباشر بين المعلومات النصية والمعلومات غير النصية، على اختلاف الملفات التي تحتويها، حيث يؤسس هذا التعالق وفق قاعدة من الروابط الإلكترونية المضمرة. ويمكن لمستعمل النص المترابط، بالنظر إلى قدرته الاحتوائية الهائلة والمتنوعة (الأيقونات، الألوان، الأصوات وغيرها)، أن يعلم مواقع النصوص التي تتضمن معلومات إضافية، ومن ثم أن يحقق المباشرة في الوصول إليها، من خلال النقر البسيط باستعمال  الفأرة. وعليه، فالوسيط المترابط(l’hypermédia)، لايمكنه أن ينفصل عن "النص مترابط"، وذلك لاستحالة الوسائط في ذاتها، مالم تؤسس وفق قاعدة نصية مترابطة، بوصفها نصوصا مترابطة مدعمة بوسائط سمعية بصرية (الأصوات والموسيقي والصور، والفيديو).

ينتظم الترابط النصي في النص المترابط داخل دارة مغلقة أحيانا، أو داخل دارة مفتوحة في أحيان أخرى، والفرق بين الأولى والثانية، أن الدارة المغلقة تتيح لنا إمكانية التصفح المجمل للنص حتى في حالات الانفصال عن الشبكة، أما الدراة المفتوحة، فإن انفتاحها مرتبط أساسا بوجود الشبكة. ووفق طبيعة الدارة، قد يتيح النص المترابط إضافة إلى تمكين القارئ من اختيار مسار القراءة، إمكانية إضافة النصوص أوابتداع روابط جديدة.

يبدو أن أساس الاختلاف الاصطلاحي بين النص المترابط والوسيط المترابط، منوط باختلاف المصادرة المنهجية في تعريف النص نفسه، لأن واضع مفهوم النص المترابط، كان قد استند في بناءه على الفهم السيميائي للنص؛ بوصفه نسيجا من العلامات، غير آبه بالحدود اللسانية في تعريف النص، باعتباره نسيجا من الكلمات. ومن ثم فلا حاجة لإقرار مصطلح الوسيط المترابط بحسب هذا التصور، طالما أن مفهوم النص المترابط يشمل عند واضعه ما أريد له الثاني بالوضع.

يندرج المحكي المترابط، ضمن منحى تلك المحاولات التجريبية الدؤوبة، التي نجحت في تحقيق مبدأ اللاخطية في السرد، عبر الانتظام السردي الذي تقرره الروابط. إذ يستـــــهدف النص المترابط، بحسب تصور بارتراند جارفي (B. Gervais) ونيكولا إكزانتوس(N. Xanthos)، بعدين مهمين في العملية السردية هما: المقطعية والخاتمة، ذلك لأنه لا وجود لخاتمة حكائية بالمعنى الفعلي للقراءة، بينما يتم الاستعاضة عن الحضور المقطعي للسرد، بمنطق اللامقطع. إن هيمنة نشاط القراءة "الاستقطابية"في المحكي المترابط، ، والتنازل عن نمط النص الطويل، ينعكس في أثناء فعل القراءة على هيأة التفاعل القرائي، فبدل التقدم نحو هدف محدد وحتمي، كغاية لتجربة القراءة نفسها، يعمد المحكي المترابط إلى التركيز على ملأ الفراغ الحاصل بين مختلف المقاطع السردية،حيث يتم تعويض صور التعمق القرائي، عبر مجموع الروابط التي يقيمها النص الشاهد مع السياق الرقمي للنص الجامع.

والواقع أن قارئ الرواية، يعيش عادة على وقع هاجس استكشاف القصة، ومن ثم فهو يمارس فعل القراءة، وفق مبدأ "التعمق". لذلك يرى كريستيان فاندندورب[40](C. Vandendorpe )، بأن قراءة الرواية ، تفرض على القارئ عقدا خاصا، يضمن من  خلاله القارئ حق التنقيب عن آثار المعنى الناتجة عن الأثر؛ عقد يتم تأسيسه في النصوص الورقية على شرط القراءة الكاملة للنص. وذلك ما يناقض النهج الموسوعي في القراءة الامتدادية(la lecture extensive)، حيث تصبح النصوص داخل المحكي المترابط مجالا للاستكشاف فقط.

يعكس مسار تطور أدوات الحكي التقليدية، المنقادة بنزعة تجديد المعنى، نزوعا للثورة على النظام الأجناسي وتقاليد اللغة الأدبية نفسها. لذا يضع الفضاء الافتراضي عبر امتيازات الدعامة الرقمية، فرص التطوير التعبيري لتلك الأدوات، موضع الاختبار الفعلي بوصفه حقلا للتجريب الأجناسي. إن اعتماد المحكي الترابطي، على الدعامات متعددة الوسائط، وجد لتحقيق الإحاطة التفاعلية بالنص المكتوب، وذلك ما يشكل بحسب المنتقدين، عنصر الضجيج في العملية التواصلية، بما يجعل القارئ أبعد عن متابعة المكتوب النصي (الأدبية الحرفية)، مفتونا ببهرج التمثل الوسائطي. والحقيقة، أن المحكي المترابط، يستحدث بهذا الفعل، نطاقا للتماس بين أدبية النص وفنية الوسائط، حيث تعمل بنية النص المترابط، على  تحقيق وضع التنافذ الجمالي، يلتقطه القارئ المتذوق في صورة تمثلات حدسية للعملية السردية. فما يبدو في الظاهر، تمويها بتعديد الوسائط وتجييشا للأنساق الدالة، أو إيهاما للقارئ بالمعنى، وجد في الأصل لتكريس "وهم السطح "، بالنظر إلى فعل الوظيفة المرجعية. وذلك ما يؤسس لمسرحة المكتوب، بكفاءة تعبيرية تقوم على استثمار فعلي لسيميائيات اللغة، وهو استثمار لا يقوم على مبدأ التأثيث التمثلي للمعنى، بل على رسم تخوم رفيعة للغة ولدوائر اشتغال آثار المعنى وفق خطط للتمثل السردي.

16.الجمالية المادية

يخضع المحكي في نص "عشرون سنة من بعد"[41] لـ:صوفي كول(Calle Sophie)، للبرمجة استجابة للتدخلات القرائية للقارئ، حيث يقوم النص على فيزيائية الحركة، مستجيبا بذلك لتحركات الفأرة، وعلى هذا النحو يقوم القارئ بتحريك النص، فتمنح هذه التحريكات النص شكلا ماديا مغايرا للأصل. إن آلية الظهور والاختفاء، التي وظفتها الكاتبة في هذا المحكي، تتحقق ماديا من خلال الحركة الفضائية -الزمنية للمستظهر على الشاشة ولتحريكات القارئ. يستمد هذا المحكي جمالياته القرائية، من تحيين الهيأة النصية في شكل بؤرة السردية، موزعة على نقاط ارتكاز مطروحة للتعليم، وهي تعكس برمزية الطواعية المادية للنص أو المسرود، في ضوء سلطة القارئ الاختيارية.

تقترن جمالية المحكي التفاعلي، بجمالية مادة النص. وقد تتجلى الجمالية المادية، في بعض المحكيات التفاعلية، من خلال عناية المؤلف بالصفحة الواجهة (l’interface)، التي تكافئ وضع الغلاف كعتبة نصية.لذا ينشغل بعض كتاب المحكي التفاعلي، بالاشتغال بعناية على الصفحة الواجهة، كما لو كانت عملا فنيا  قائما بذاته. وأحسن مثال عن ذلك، مافعله جون بيار بالب، في نصه "مسارات"[42]، حيث قام باستدعاء عدد من المصممين، بغرض تصميم صفحة واجهة صوتية بصرية. قدتتقاطع المادية التفاعلية، في بعدها الجمالي مع بلاغة المحكي، ففي نص "ليست-رواية"،يمكننا أن نلحظ بوضوح، كيف يرتبط النظام البصري للتنفيذ (le fenêtrage)بالوظائف البلاغية للروابط[43]. حيث يصبح النزوع الدلائلي للرابط، غير منفصل عن إدارة الفضاء المادي للمحكي. في هذا النص بالتحديد، يستمد الإضمار السردي (l’ellipse narrative) قوتهمن حالات الإبدال المقطعي، حيث يمكن إبدال مقطع بآخر، ضمن نفس النافذة، دون احتمال العودة للوراء، كما لو أنه قفز على الزمن(علاقة مطابقة). كما يمكن للرابط، أن يتحول عبر فعل الإحالة المجازية إلى فعل للمطابقة بين مقطعين، ضمن نافذتين متجاورتين (علاقة ضرورة)، أو إلى فعل للاستظهار المقطعي لنافذة مختزلة داخل نافذة بالحجم الاعتيادي(علاقة التزام).

يسعى المحكي التفاعلي، في ضوء هذا النزوع، إلى مساءلة مفهوم الأدبية، وذلك عبر زحزحة مبادئ الجمالية الأدبية، والانتقال من جمالية اللسان إلى جمالية المادة النصية. وبناء على هذا التحول، يمكن للمحكي التفاعلي، أن يعيد مساءلة مفهوم النقد، عبر تحويل مجال اشتغاله من نقد النص نحو نقد دعامة النص،كما يمكن لمعايير القيمة، أن تثمن البعد الإبداعي من خلال استكشاف الأبعاد الدلالية للدعامة الرقمية.

 

17.قراءة المحكي المترابط: بين العشوائية والانتظام

يملي المحكي المترابط، تنوعا في صور الفعل القرائي، حيث تشكل استراتيجيات القراءة، حيزا مهما من العملية الإبداعية. ويرتبط تنوع آليات القراءة، بمتغيرات بنية النص المترابط نفسه، ذات الصلة بهندسة التحكم المفترضة، وطبيعة ماديةالنص بأبعاده البصرية[44]. ففي نص "قصة مابعد الظهيرة"  لـميشيل  جويس(Michael Joyce)[45]، يجد القارئ نفسه -بقصد من صاحب النص-غير قادر كليا على التحكم في مسار القراءة، غير قادر حتى على تحديد مواضع المقاطع أو نسبتها، ولا حتى إعادة قراءة بعض المقاطع السابقة، بل ثمة مقاطع يستحيل بلوغها من دون معاينة مقاطع محددة. وبالنظر إلى طبيعة الحبكة السردية في هذا المحكي، قد تفشل كل المسارات القرائية في تقديم إجابة عن رحلة التقصي[46]. يـــــــــــقول جاي دفيد بولتر(Jay David Bolter)، معلقا على هذا المحكي:« في واقع الأمر، يمكننا أن نقول أنه لاتوجد قصة على الإطلاق، هناك فقط مجموعة من القراءات»[47]. إن القارئ في هذا المحكي مدعو من خلال فعله القرائي لاستكشاف كون سردي خالص، حيث يمكنه أن ينــــــــقاد نحو استكشاف عدد من"المدارات القرائية"، من دون أن يقوى على متابعة مجموع المسارات المتاحة. وضمن هذا المنحى، قد يصبح من المتعذر على القارئ، متابعة مجمل التوضيحات السردية الممكنة، ويغدو المعنى نفسه متعلقا في انتظامه، بنظام استظهار الصفحات (أو العقد). بشكل يتيح تعدد أوجه تركيب القراءة الواحدة. يعتمد الاستهلال الحكائي في البداية على نمط القراءة الورقية، حيث يمكن للقارئ أن ينتقل من صفحة إلى أخرى بشكل متتابع، بين خمس وثلاثين صفحة –شاشة، بما يرسم قاعدة للحبكة السردية (موضوع التقصي)، بعد ذلك تتشظى المسارات القرائية، ويتحول السرد إلى متاهة داخل رحلة للتقصى. كما تؤسس استحالة النهاية وتتعدد البدايات، في هذا المحكي(يمكن للقارئ أن يحصي عشرين بداية)، لتعددية الأكوان السردية،حيث يستقل كل مقطع بتقديم صورة عن لحظة زمنية معينة.

على خلاف تصور جويس للفعل القرائي في محكيه المترابط، تقترح محكيات أخرى، دليلا موضحا لمسارات القراءة، يستند إلى مجموعة من الاستعارات المعلمية[48]. ولعل المثال الأقرب عن هذا النوع من المحكيات الترابطية، نص[49] ماتيو ميلر(Matthew Miller)، حيث يجد القارئ نفسه في أثناء تصفح هذا المحكي، أمام خريطة للولايات المتحدة، وما عليه سوى النقر على واحدة من الولايات، في محاولة لاستكشاف وتتبع خيط الحكي، حيث تؤدي هذه الخريطة دور تحديد مسار للقراءة بشكل منتظم.

إن النصوص الأكثر قابلية للقراءة، في جنس المحكي المترابط، هي تلك النصوص الرقمية التي تستند في مقرؤيتها على مبدأ "الانتظام المثير معرفيا".  وإن كانت جل المحكيات المترابطة، تنهض في جانبها الإبداعي الأدبي على أساس اختبار تقني لتطبيقات النص المترابط، كمحاولة لتجاوز شكل الانتظام المعياري في القراءة، فإن الميل لاعتماد الانتظام المعياري في القراءة، يبدو الحل الأمثل لاستمالة القارئ، بما يتوافق مع القدرات العامة للحدس القرائي. يمكن لصفحات المحكي المترابط، أن تنتظم في أثناء القراءة بشكل آلي، على أن تحتفظ بعض الصفحات ببعض الروابط الفرعية، تطرح كخيارات لصالح القارئ. هذا النوع من القراءة الخطية الموجهة، والذي يجسده نص[50] آدريان ميل(Adrian Miles)، قد يبدو ضروريا، للأخذ بيد القارئ نحو استمرارية نصية، على الأقل لتمكين القارئ من خلق سياق للتلقي، من شأنه أن يمنحه قاعدة للتحرك القرائي، وذلك ليس من باب الاهتمام بنمطية الحدس البصري للقراءة، بقدر ما يأتي  درءا لاحتمال غياب عنصر التحكم القرائي.

نص "حديقة فيكتوريا" (Victory Garden) لـستيوارت مولتروب(Stuart Moulthrop)، هو مثال آخر عن المحكي الترابطي، الذي يتضمن دليلا قرائيا، يمكن القارئ بيسر من متابعة تفاصيل الحبك السردي، حيث يكون القارئ مدعوا، من خلال تنزهه داخل هذه الحديقة، لاستكشاف العلاقات التي تربط بين أحداث حرب الخليج الأولى(1991)، عبر تقفي تفاصيل العلاقة التي تجمع الشخصيات. وعلى الرغم من أن المحكي، يتضمن عددا من البدايات، إلا أن القارئ يستدرج إلى متابعة التفاصيل السردية، انطلاقا من خريطة للحديقة، يختار من خلالها مدخله السردي، هذه الخريطة الاستعارية لفضاء التحرك القرائي، وجدت في الأصل لتحاكي خطاطة بنية النص المترابط.

18.المحكي المترابط  و بوادر تشكل الرؤية النقدية

يعرف تيد نيلسون(Théodore Nelson)، النص المترابط، بوصفه شكلا جديدا من الكتابة غير المقطعية على الحاسوب، تتيح إمكانية بلوغ وحداتها النصية بطريقة تفاعلية، حيث يمكن لتمفصلاته، أن تنظم النص في شكل شبكة من المقاطع المتصلة بينيا. ومن خلال هذا الفهم التأسيسي، شرع باحثوا "إيست غايت"[51]، في محاولاتهم لبناء نظرية للمحكي المترابط، وذلك عبر الانطلاق من المقاربات النقدية مابعد البنوية للنص ومتصورات حقبة مابعد الحداثة. وذلك ما أسس لانبثاق أول تصور نظري، يتخذ مفهوم النص المترابط أساسا في مقاربة المحكي المترابط.

لقد كان لشيوع استعمال الأنترنيت، بعيد ظهور مقاربات بولتر ولانداو(1991-1992)، الأثر البارز في إثبات القيمة النصوصية لتقنية النص المترابط، على الصعيدين المعرفي والثقافي. وعلى الرغم من أن الفعالية التقنية، ضمن المقاربة المعلوماتية، قد لا تؤلف بالضرورة شرطا لنجاح أي محكي مترابط. فإن وجه الانفصال هذا، يطرح في المقابل، إشكلات أخرى، ضمن الإطارين السردي والسيميائي؛ فعلى الصعيد السردي يمكن للمفاهيم السردية، كالتخييل مثلا، أن تخضع للمساءلة في ضوء علاقتها بمفاهيم الخطية أوالانغلاق، وعلى الصعيد السيميائي؛ يمكننا تصحيح الوضع المفهومي لدور القارئ. لقد عكست تلك الجهود، الرغبة في ابتداع  طرح نظري جديد والتأسيس له داخل النظرية العامة للأدب، عبر دعم مقبوليته الأدبية، باتخاذ موقف دفاعي، يبتغي دعم الظهور التجريبي لهذا الجنس.إذ لم تكشف هذه الرغبة في الظاهر، عن أي محاولة  لإدارج موضوع المحكي المترابط، ضمن طروحات الأنموذج التفكيكي، التي هيمنت آنذاك على الدراسات الأدبية الأكاديمية في الولايات المتحدة، والتي مثلت طوق نجاة للتفكير النقدي نفسه.

 

توصف مقاربة آيرشيث[52]( E. Aarseth)، للمحكي المترابط بالمقاربة الشكلانية، كونها تمركزت في التنظير للمحكي المترابط، على توطيد مفهوم النص السيبرنطيقي(cybertexte)، بوصفه "آلة نصية". يتعلق الأمر، بنهج مرفولوجي، يتجاوز تحليل الآليات السردية للمحكي، ويستند إلى رؤية شكلانية تقوم على مقارنة مختلف الإمكانات النصية بالنظر إلى تباين الدعامات السردية. إن نهج آيرشيث المورفولوجي ، الذي أسست له انطلاقا من مقارنة أوجه التشاكل والتباين الحاصلة، بين مختلف الوسائط النصية، كانت تهدف في الأساس إلى استكشاف تداخلات التطبيقات الأدبية، بغية تحقيق تأطير نظري، لمفهوم "النص السيبرنطيقي". ثم مالبث هذا المسعى أن تحول، إلى مدارسة الخصوصية القرائية للنص السيبرنيطيقي وفق مبادئ اللعب التفاعلي، فكانت جهودها بمثابة قواعد لعلم جديد سمي بــــــــــ:"علم الألعاب"(la ludologie).

تعد جهود آيليس (Hayles) نظيرا لـ:آيرشث[53]، في سعيها نحو بناء إطار نظري، للمحكي المترابط، غير أنها اختارت لمسعاها، الاستناد إلى مقولة مغايرة، في محاولة للتأسيس لمقولة النص التقني(technotexte)، وهي المقولة التي تنهض على فاعلية المادة النصية للدعامة الرقمية. لذلك بدا تركيزها واضحا حول أهمية مفهومي الوسيط والمادية الرقمية. إن مقاربة آيليس النقدية للمحكي المترابط، جاءت لتلفت الانتباه إلى دور الجهازية المادية، في الإنتاج الجمالي للنصوص الأدبية، بوصفها دعامة تقنية، ذات تموجد فيزيائي. وبذلك، استطاعت برؤاها أن تضع الإبداعات السردية، المنسوبة إلى الفضاء الرقمي، داخل حيز من التقاطع بين مجالات علمية متعددة، وأن تجمع بهذه الرؤية بين الدراسات الأدبية  وتاريخ الفن على وجه التحديد.

تلفت موراي (Murray)، الانتباه للإشكالات الحقيقية، والمهمة في موضوع المحكي المترابط، وتشير إلى آفاق تحولاته النصية. إذ تعد مقاربة موراي، من أولى الدراسات التي انشغلت بالتركيز على قضايا المحكي التفاعلي، ذات الصلة تحديدا بخصوصيات المحكي المترابط الخيالي. تعتقد موراي[54] أن المحكي المترابط الخيالي، يقوم على مبدأين: مبدأ الانغماس (l'immersion) ومبدأ التفاعلية (l'interactivité)، باعتبارهما أساسا لكل التمظهرات النصية، التي تجملها الخواص الفضائية، والموسوعية، والإجرائية، والتشاركية  للأشكال التخييلية في المحكي الرقمي. ويؤلف مبدئي "الانغماس" و"التفاعلية"، في تصور راين[55](Ryan)، قاعدة لتفعيل مقولة "الواقعية الافتراضية"، بوصفها تجربة انغماسية تفاعلية، يولدها الحاسوب. لذلك فهو يذهب بهذا الطرح، نحو المصادرة بأن حالة الانغماس، التي يثرها المحكي المترابط الخيالي، ماهي إلا تحقق لمقولة الواقعية الافتراضية، حيث يمكن للدعامة التقنية بطاقاتها التخييلية، أن تضع القارئ في حالة من "الضياع" داخل نطاق النص.

امتد استثمار مفهوم "الانغماس" إلى بولتر[56]، ضمن تشعيباته النظرية المتعلقة بـ"شفافية الوسيط"، عبر إمكانية تجاوز تحليل الآليات التخييلية في المحكي المترابط، بل وحتى تجنب الخوض في مسألة التخييل بصورة مباشرة، وذلك بالاهتمام بدراسة الوسائط الرقمية، ضمن رؤية تفترض إزالة الحدود الوهمية بين الوسائط، داخل النص الواحد. بالنسبة لنقاد المحكي المترابط، فإن إثارة موضوع أهمية الوسائط، في النصوصية الرقمية، استطاع أن  يحدث نقلة في بناء التصورات النظرية المحكي المترابط، من صورية النص المترابط نحو نسقية الوسيط المترابط. لقد أحدث هذا التطور، زحزحة للأنموذج المنهجي في قراءة أو تحليل المحكي المترابط، بالنظر إلى دور الوسائط في ترجيح كفة المقاربات السيميائية، وتخليصها من هيمنة المقاربة اللسانية، فداخل الفضاء الرقمي، ينتظم المحكي المترابط داخل فضاء متعدد الحسيات(multisensoriel). لقد حملت  ثورة المحكي المترابط، في طياتها فهما جديدا للنصوصية، عبر موضعت فهمنا للنص في علاقة سجالية مع الأنموذج المفهومي للوسائطية (la médialité). وفي ضوء الدور المحوري للوسيط المترابط، استطاع تحليل المحكي المترابط، أن يضحد مركزية التحليل للساني، وذلك بالاستناد إلى فهم تقني متعمق لدور الوسائطية في بناء العمليات السردية.

لقد أظهرت المقولات الجديدة للنص، مع بزوغ فجر المحكي المترابط، مدى التطور الذي أضحى يعتري طريقة إدراكنا للنصية. بيد أن جل المقاربات التجربية، لا تزال بعيدة عن تحقيق تحليل متكامل لآليات المحكي المترابط، وإذا ما ثبت بأن هذه النصوص، قد لاتؤلف نصوصا سردية بالمعنى الخالص، وأنها تخضع في انتظامها لقواعد ماوراء نصية(méta-textuelle)، في انبنائها السردي، فإنه يتوجب علينا البحث عن أنموذج منهجي هجين، يمكننا من خلاله تجاوز أسلوب المراوحة في أثناء مقاربتنا لنصوص المحكي المترابط بين النهج السردي ومقومات النص المترابط.

19. حدود المقاربة السيميائية البنوية

لايمكننا أن نؤسس مفهوم المحكي، على تعريف عام وشمولي، لأننا بذلك نكون قد صادرنا بثبات آليات الحكي بصورة مطلقة، انطلاقا من التركيز على أهمية الوحدات السردية البسيطة. وعلى نطاق العالم الرقمي، يبدو المحكي المترابط داخل دائرة من التقاطعات بين مختلف أشكال المواد التعبيرية للحكي، حيث يمكن للمادة التعبيرية، أن يمتد أثرها إلى تحوير منطق الانبناء الجزيئي للوحدات السردية نفسها. لقد أسهمت الجهود التنظرية حول الوسائطية، وأهمية الوسائط كمادة تعبيرية، في استفادة أدباء السرد الرقمي من الوسائطية في تحديث طرق الحكي، وهو ما أوحى بانبثاق إطار نظري خاص بالأشكال السردية، يولي أهمية بالغة للنزعة الفضائية في التعبير السردي. وتلك قضية كان لها سهم واضح في رسم معالم التحول من مفهوم النصوصية نحو مفهوم الوسائطية. لقد وجدت النزعة الفضائية، مجالا رحبا للمطارحة النظرية، داخل نطاق السرديات الفيلمية، وتوسعت أفكارها مع استقلالية سيميائيات الفضاء بموضوعها، بيد أن الفضل في تأسيسها يعود للمقاربات الخطابية التي امتدت على مدار سنوات السبعينيات والثمانينيات، والتي تعد في الأصل امتدادا للمقاربات الشكلانيين.

بحسب الرؤية البنوية، فقد دأب السيميائيون والمشتغلون على السرديات، على تحليل المحكي انطلاقا من العمل على تجريد الوسيط الذي يؤطره، من هنا تبدو سرديات فلاديمير بروب(Propp) وألجيرداس جوليان غريماس(Greimas) وتابعيهم، أكثر تركيزا على القصة والأفعال والوظائف والعلاقات بين الشخصيات، باسقلالية عن أشكال التعبير[57] . ولعل كلود بريمون كان الأقرب للانتباه، إلى هذا التوجه، الذي يركز على فهم القصة، أو فهم المسرود فقط. يقول بريمون:« إن بنية القصة تبدو متعلقة بتقنياتها، إذ يمكن تناقلها من دون أن تفقد خصوصياتها الأساسية: فموضوع حكاية يصلح أن يتحول إلى رقصة باليه، وموضوع رواية يمكن أن يتحول إلى المسرح أو الشاشة، يمكننا أن نحكي وقائع فيلم لأشخاص لم يشاهدوه. إنها كلمات نقرؤها، أو صور نشاهدها أوإيماءات نحللها، ولكن من خلالها، سنجد أنفسنا أمام قصة نتبعها، ويمكنها أن تكون القصة نفسها»[58].إن وجه التعالق القائم بين التقنية السردية والمسرود نفسه، يبدو في تصوراتنا الكلاسيكية موثقا بالدور المركزي للمسرود، وذلك على حساب أهمية خصوصيات المادة التعبيرية، التي تسهم كدعامة وسائطية، في تحوير البنية السردية.

لقد انشغل المنهج البنوي بالبحث عن تحديد أنموذج شمولي للمحكي، بالاستناد إلى المقولة اللسانية، التي تنهض على التمييز بين الكلام(la parole) واللسان(la langue)، وحيث تم اعتماد المبدأ التزامني(synchronique)، في تفسير المحكي، أضحى الزمن خارج لعبة التحليل، مما سهل استنباط العناصر السردية الثابتة. وبذا تحولت الخطاطة السردية، إلى أنموذج معياري للمحكي، وهو ما دفع بالبعض إلى تطويرها وفقا للمقاربات المعرفية، فتحولت لتشمل محكيات الوقائع اليومية. ومع ثورة نظريات القراءة، سعت بعض تيارات علم النفس المعرفي بمنهج تجريبي، إلى اختبار فرضية الخطاطة السردية، وذلك لإثبات صدقيتها. هذه المقاربات، والتي ميزت حقبة السبعينات والثمانينيات، ظلت وفية لجهود البنويين ومنظري النحو التوليدي، إلا أنها أرادت أن تسلط الضوء على المسرود(le narré) بدلا عن السرد(le narration)، بوصفه فعلا للتلفظ(acte d énonciation). لقد أخذ هذا الموضوع مع علم النفس المعرفي منحى مغايرا، وذلك بإدراج الذاكرة في تحليل المحكي، حيث أضحى السؤال الأهم، مرتبطا بتحديد المعالم البنوية، التي تستند عليها عمليات إنتاج القصة، ضمن مظهرها الدلالي[59]. وبغرض إثبات توافق الخطاطة السردية مع البني الذهنية القاعدية، دأبت بعض المحاولات على استنباط العناصر البنوية، التي تختزل في شكل ملخصات داخل المحكي.

تأخذ هذه المقاربة، في ظاهرها شكل مقاربة "فضائية"(spatiale)، وهي لا تستهدف سوى العلاقات بين الوظائف السردية، في بعدها الدلالي، انطلاقا من تجريد جهاتياتها التعبيرية، إما بالتركيز على طريقة الحكي وإما برصد تأثيراتها على المسرود. وفي الحالتين، تبدو المقاربة أبعد عن محاولة فهم الفضاء، انطلاقا من بعده الإدراكي أو المادي، بوصفه "وسيطا"(média) تعبيريا، ولكنها تقوم على تثبيت تلك العلاقات الاستبدالية؛ التي تطرحها مجموع الوظائف السردية ضمن منظور منطقي دلالي، لاستنباط بنياتها العميقة. إن إعمال البعد الدلالي، قرين بفعل عزل المحكي عن بعده الحسي الذي ينظمه في الأصل، بالنظر إلى كيفياته الشفوية، البصرية واللمسية. ولعل الأمر شبيه إلى حد ما، بتلك الخلاصات الوصفية أو الإعلانية للأفلام، فهي على قدر اختزالها للقصة، إلا أنها غير قادرة على مركزيتها على احتواء ذلك الكل التعبيري، ولا أن تصل إلى استنباط ماديته المتغيرة، وكل ذلك يتحكم على صعيد البنية العميقة في طريقة الحكي.

20.سيميائيات السرد نحو جهاتيات التعبير

تبدو الرؤية الظاهراتية للسرديات، أكثر وعيا بتفرد المحكيات واختلافيتها، حيث عمل منظروها على منح مفهوم الزمانية(la temporalité)، موقعا مركزيا في العملية السردية، وذلك بنقد تلك المقاربات السكونية المنسوبة للنزعة البنوية، من خلال فضح حيل التحليل التزامني للعلاقات الوظائفية أو اختزال تعقدات الآلة السردية في خطاطات مجردة، والتركيز على العلاقات المنطقية الدلالية التي تقع خارج فعل السردي. يعتقد بول ريكور(P. Ricoeur)، أن المحكي يعكس تجربتنا الظاهراتية حول الزمن؛ وعبر وساطته تنتظم الملامح السردية للذات، فهو يستمد جدوره التصويرية، من الأفعال المعاشة للإنسان، غير أنه يسعى إلى تعميقها بالنظر إلى إمكاناته الشعرية، حتى يتمكن من إعادة تصويرها ضمن أطر فعل التلقي.

تؤثر طريقة الحكي بشكل حتمي على المسرود، فتحدد الهوية السردية للذات وتضع معالم التفرد على كل محكي. ويعتقد جوهان فيلناف[60](Villeneuve) أن الإقرار باختلافية طرق الحبك، يبسط المجال لنقد الخطاطة السردية المعيارية، لأن تفرد كل محكي، هو الذي يمنح معنى لسرديته.ففي المحكيات الشفاهية، مثلا، يؤثر نبر السارد وتنغيماته أو إيماءاته على القصة، وحيث يشكل عنصر المشافهة فعلا تفاعليا بامتياز[61]، يجند السارد انتباهه للتساؤلات وردات فعل مستمعيه.

إن الحبك الغائي للمحكي، ماكان له أن يتطور داخل تقاليد المحكي الشفوي، والفضل في تطوره مقرون بظهور الأشكال المستحدثة للمحكي المكتوب؛ عبر وسائطية تقنيات الكتابة. وبحسب اعتقاد يونغ[62]( Ong, W. J.)، فإن الرواية مع ثورة تقنيات الطباعة في القرن التاسع عشر، تمكنت من تحقيق نقلة نوعية على صعيد التأسيس للشخصية السردية، من مفهوم البطل الملحمي في المحكي الشفهي إلى مفهوم البطل الضديد مع تطور الرواية المكتوبة. وهنا تبرز أهمية الوسائطية، في تنميط الخطابات داخل الإمبراطوية السردية.

لقد تأسست طروحات إيميل بنفنست(E .Benveniste) اللسانية حول مفهوم التلفظ، بالتركيز على الظاهرة الكلامية بوصفها فعلا، وذلك من خلال التمييز بين الملفوظ(l'énoncé) وفعل التلفظ(l'acte d'énonciation)، وضمن هذا الإطار دأبت اللسانيات التلفظية على تحديد معالم المحطة التلفظية، ورصد تلك الآثار التي تتركها على الملفوظ. وقد كان هذا التصور، بمثابة إعلان عن تحويل النظرية السردية اهتمامها من التركيز على ملامح البنية الدلالية للمحكي نحو تجسدها الخطابي؛ أي نحو الجهاتيات التعبيرية للمحكي التي تعكس البعد الوسائطي للنشاط السردي.وذلك ماتجلى بوضوح، بالنظر إلى أنموذج جيرار جينات(G.Genette) السردي، الذي أبدا فيها تركيزا على أشكال التعبير بشكل خاص، عبر دراسة تمظهرات السارد داخل المحكي، وقضايا وجهات النظر، وإشكالات الزمن. لقد سمحت المقاربة الخطابية،  بإعطاء أهمية قصوى للوسائطية، والتأسيس لسرديات  التعبير، عبر التركيز على "الكيف السردي"(طريقة الحكي)، الذي يستحيل اختزاله في المسرود، وإنما يمتد أثره نحو البنية العميقة. وتلك مسألة تبدو على قدر كبير من الأهمية، في المقاربات التحليلية التي تشمل الأشكال البصرية والفضائية للمحكي(السينما، المسرح، الأوبرا، فن العمارة، الوسائط المترابطة)[63].

يعتقد بولتر أن المحكي المترابط، ماهو إلا امتداد طبيعي لمسيرة الكتابة الروائية، امتداد يستند في مرجعيته إلى تلك المحاولات الروائية التي كانت تنشد تقويض البنية الكلاسيكية للرواية الورقية، في ضوء تقاليد النزوع التجريبي في الأدب الذي طبع القرن العشرين. وعليه، فإن المحكي المترابط، يشكل بماديته النصية امتدادا للجماليات السردية، التي أسسلهاكتاب الرواية الجديدة، ممن أعادوا مساءلة الأنموذج الأرسطي للمحكي، عبر تحديث الجماليات السردية الموروثة عن روايات القرن التاسع عشر.  ولعل مقاربة بولتر للمحكي المترابط، بدت كمحاولة لفهم مدى إجرائية مفهوم النص المترابط وشموليته، فثمة بحسب زعمه، تحقق لتقنية النص المترابط في عدد من الروايات الورقية.

لقد دأب كتاب الرواية الجديدة[64]، على محاولة بناء علاقة جديدة بين تجربة القراءة وإدراكنا للبنى التي تنظم النص وتتحكم فيه، حيث تجلى ذلك بوضوح، عبر محاولاتهم لانتهاج نمط الكتابة الطوبوغرافية على الوسيط الورقي، وهو مالم ينسجم بحسب بولتر مع إكراهات الدعامة الورقية. ولعل ذلك ما عكس ضراوة الصراع، من أجل تأسيس أشكال جديدة من الكتابة السردية، على دعامة تعيق كل محاولات التجديد. غير أن النزعة الفضائية في الرواية الجديدة، استطاعت أن تبين عن سبق بعض الروايات الورقية في تحقيق نماذج صورية للمحكي المترابط، في شكل بنيات نصية أدبية تحمل مقومات للنص المترابط.

21.الحوارية الإلكترونية

لقد دأبت هرمونيطيقا غادامير(Gadamer)، على استقصاء تحليل موضوع الفهم، في ضوء تجربة الحوار، ذلك أن كل نص -بحسب اعتقاد هذا الفيلسوف- يصطنع لحظيا علاقة حوارية مع القارئ. هذه المحاورة تحدث في تصور باختين(Bakhtine)، داخل ذهن القارئ، باعتباره المسؤول عن مساءلة النص المقروء، عبر إعمال معارفه ومعتقداته. إن النص المترابط في مقابل ذلك، يقوم على التحكم بالمعطيات النصية اللسانية وغير اللسانية(الصور، الأصوات، مقاطق الفيديو)، وهو يسمح بضمان تفاعل القارئ مع النص، عبر التنبأ من خلال المعطيات التي تستعرضها الشاشة بمختلف أنماط ردات الفعل المنوطة بتحركات القارئ التي تجسدها وضعيات الفأرة. ويمكن للنص المترابط بالنظر لهذه الميزة، أن يؤسس داخل النص لنسق حواري جديد يسميه بيار لورات[65](Pierre Laurette) بـ"الحوارية الإلكترونية".

يمنح المحكي المترابط للسارد، حسب تصور ياكوب نيلسون[66](Jakob Nielsen,) سلطة تصور عالم أو كون سردي، يمكن داخله تحويل الممارسة السردية إلى سلسلة من التطبيقات النصية، حيث يصبح القارئ أو المسرود له في وضع المستكشف لتلك العوالم النصية. داخل هذا الفضاء الطبوغرافي، من النصوص الترابطية، يمكن للقارئ أن يحدد معالمه القرائية، ويعيد ترتيبها لتخليق المعنى. المثير في الأمر، أن هذا الفضاء النصي، لايقدم سردا لقصة مسجلة داخل الزمن، ولا يدعو المسرود له، لمتابعة السيرورة السردية إلى ذروتها ومنتهاها. وبهذا المعنى، فإن محتوى النص المترابط، لايمكنه بأي حال من الأحوال، أن يفرض نهاية محددة على القارئ، بل إن النهاية تأتي برغبة من القارئ نفسه، بوصفه واضعا لشروط النهاية،كل ذلك يجعل القارئ في تمام المسؤولية عن قراءاته. ولـ ميشال جويس، تعليق مثير عن نص "قصة مابعد الظهيرة"، حين يقول:«حين تتوقف القصة عن التقدم، وعندما تدور بك دوائرها، وتتعبك مساراتها، فثمة النهاية؛ نهاية تجربتك في القراءة»[67]، وذلك ما يتقرر في ذواتنا، فمايدعونا لإنهاء قراءة بعض المحكيات الترابطية، ليس مجرد الاقتناع باستكشافنا لمختلف مظاهرها السردية، ولكننا نقرر وضع النهاية، حال مانرضي شيئا ما من اللذة السردية في ذواتنا.

22.الصورة والسرد

بعيدا عن النظرية السيميائية البنوية، التي تماثل الصورة السينمائية بالنص؛ ومن ثم بالملفوظ اللساني، يستثمر دولوز(Deleuze) جهود بيرغسون(Bergson) وسيميائيات بورس(Ch. S. Peirs)، في استقصاء البعد الخطابي في السرديات الفيلمية، فبدل التقاط المعطى الفيلمي بوصف خطابا، يمكننا استكشاف خطابيته انطلاقا من مفهوم الصورة-المتحركة(l'image-mouvement). إن المادة الفيلمية، تتمركز حول الصورة-المتحركة، التي تولد السردية، وليس العكس. يقول دولوز:«ليست الصورة-المتحركة، بالفعل التلفظي، ولاهي مجموعة من الملفوظات، بل هي قابلة التلفيظ(énonçable)[…]. فهي، تفسح المجال لجملة من المقومات الحسية-المحركة، لتخليق السرد على النطاق المادي للصورة»[68]. وفي كل الأحوال، تبدو الصورة في وضع متقدم سابق عن السرد.

يسلط مفهوم الصورة المتحركة، الضوء على إمكانات بعض الآليات الماديةفي تخليق الحكي، من المواد الحسية، ودور الوسائطية وأهميتها في حدوث هذا التخلق. وحيث تجد السرديات الفيلمية، مرجعيتها في الصورة، التي تعد دعامة غير لسانية، يمكن أن يتحول الإجراء الرمزي للاشتغال الأيقوني شيئا فشيئا إلى إطار سردي. لأن العوامل الأولية للإدراك والإثارة، عادة ما تثير المتلقي نحو تأمل المعطيات الكيفية في الصورة ، لتتحول إلى صورة-فعل(image-action)، متخذة شكل فضاء حدثي، يقوم على تحيين الطاقات التعبيرية لتلك الكيفيات في زمن محدد، فيتولد عن هذا التفاعل البذور السردية للفيلم.وعلى نطاق النص الرقمي، يمكنلأي فضاء من الوسائط المترابطة، أن يولد البعد السردي، من دون الحاجة للأنموذج اللساني،وذلك بتحويل هذا الفضاء غير الخطي، إلى آلة فيلمية تشتغل بدلا عن تحريك الصورة، على تشبيك مثيرات المدرك البصري للصورة، وذلك وفق مبادئ مفهوم "الصورة-الواجهة"(l'image-interface)  وتطبيقاته.

 

23.سرديات الواجهة

إن تقصي أطوار العلاقة القائمة بين السردية والوسائط المترابطة في مقاربة المحكي المترابط، يملي علينا ضرورة إدراج الخواص العضوية للوسائط في دائرة التحليل، ذلك أن الوسائطية تحدد شكل المحكي وتصقل التجربة السردية.فالأشكال الفضائية للمحكي، تملي على نطاق النص الرقمي ضرورة الانتباه إلى دور الوسيط التعبيري(le média expressif)، حيث يتحول اهتمامنا نحو مقاربة الطرق الفضائية في الحكي.

إن مقاربة المحكي المترابط وفق رؤى "جماليات شفافية التعبير"، لا يمكنه بأي حال من الأحوال، أن يحجب عنا أثر مادية الوسائط في بناء الدلالة، وحيث تختلف القدرة والطاقة التعبيرية من وسيط لآخر، تختلف فعالية كل وسيط في تأدية المعنى. يمتد تأثير خواص الوسائط، على تشكيل السرد والنص والقصة، ويحتفظ كل تعبير وسائطي بطرقه الخاصة في الحكي، التي تنسجم مع البعد المادي والدينامي للوسيط. لذلك قد يصبح من المهم، قبل الشروع في تحليل سردية المحكي المترابط،  فهم خواص وسائطه المترابطة وأثرها على أسلوب انتظام المحكي.

إن المصادرة السيميائية بتفرد كل وسيط بأساليبه السردية، قد تثير انتباهنا إلى إمكانية الإدعاء بعكس تصور غريماس الأنموذجي للمسار السردي، ذلك أنه على نطاق المحكي المترابط، يعمل المسار السردي بدل استظهار البني العميقة على الانقياد نحو توليد فضاء حسي من الوسائط، حيث تصبح أهمية دراسة هذه الفضائية، مشروطة بتحليل حيثيات التخلق السردي داخل واجهات(les interfaces) الوسائط المترابطة.

24. التفاعلية

لقد استطاع المحكي المترابط، أن يقوض البيت الأجناسي للأدب ككل، غير أنه ثمة عدد من النقاد، ممن ينتقدون هجانة الدعامة الرقمية كدعامة نصية، ولعل اجتهاد المحكي التفاعلي لخلق تجانس بين مكونات دعائمية مختلفة، من شأنه أن يعيد مساءلة مفهوم الجنس الأدبي نفسه، عبر صياغة جديدة مقولة الشكل النصي (le format textuelle). إن التهجين الذي يطلع به المحكي التفاعلي في سبيل خلق نصوصية رقمية للنص السردي، يقوم في الأساس على خلق تماس بين حقول دعائمية مختلفة (الأدبية اللسانية، الهندسة المعلوماتية للملفات، الفيديو، فن التشكيل الرقمي).

يمثل تأسيس المحكي الترابطي، وفق المقولة التفاعلية لتعاضد الكتابة، واحدا من نبؤات آيزر، حول أنموذجية القارئ. يقول آيزر: «كل نص يحتمل بطبيعته عددا مختلفا من القراءات والإدراكات، ولاتستطيع أي قراءة أن تستنفد كل الاحتمالات. كل قارئ سيملأ الفرغات بطريقته الخاصة، ومن بين جميع الاحتمالات المتاحة سيقرر هو طريقته في كيفية ملء الفجوات»[69]. إن القارئ النموذجي، هو ذلك القارئ الذي يستطيع استكشاف بياضات النص وفراغاته المقصودة وغير المقصودة، وتلك واحدة من مصايد التفاعلية، إذ إن تفاعل القارئ مع النص مشروط، بحضوره الفاعل من خلال مشاركته في إنتاج معناه، عبر محاولاته الافتراضية بالحذف والإضافة والتعديل، وتلك الغاية التي وجدت لها البياضات أوالفراغات النصية. لقد استطاع المحكي الترابطي، تحويل هذا الفعل القرائي من وجوده بالقوة إلى الوجود بالفعل. فالنص الرقمي، يسهل من عملية استكشاف الفراغات وملئها، حيث يتم الإعلان عنها، عبر دعوات إعلانية توجه للقارئ لإتمام النص وفق رؤاه الذاتية، فتأتي البياضات محددة النطاق، معلمة بالأيقونات المسهلة  لفعل الإضافة، مستعرضة كافة الأوامر والإرشادات. 

25.التعاضد الكاتب للنص: تفاعليات الكتابة

تعد رواية" شروق شمس69"[70](sunshine69) لـبوبي رابيد(Bobby Rabyd)، واحدة من أهم النماذج التي تعكس، بصورة فعلية، الأدوار التفاعلية للنص الرقمي، في النصوص الأدبية، والتي تراهن على تأسيس الفعل القرائي وفق مقولات القارئ الفاعل. يقوم هذا المحكي، سرديا على جريمة حقيقة، وقعت أحداثها بتاريخ 06-12-1969، تم فيها اغتيال أربعة أشخاص في حفل موسيقي[71]، ويقع رهان السارد، من وراء هذا التأسيس السردي، على بناء رمزية سردية لهذه الجريمة بوصفها خاتمة لنهاية ستينيات الألفية الثانية، ليكون المحكي بوابة زمنية بين الماضي والحاضر.

يمتاز المحكي الترابطي في رواية بوبي رابيد، بانفتاحه النصي، الذي يتيح للقارئ إضافة تصوراته السردية الشخصية لبنية النص، حيث يجد القارئ دعوة صريحة في الملفوظ الختامي: « لاتنس إضافة مغامرتك إلى سجل ضيوف رواية 69، هذه فرصتك لتغيير الماضي». يعمد الكاتب، إلى استثمار إضافات القراء ومساهماتهم، لإضافة فصول جديدة للمحكي، ينصهر من خلالها النص الأول(نص المؤلف) مع النصوص الجديدة (نصوص القراء)، داخل نص موحد يتم من خلاله تبادل أدوار القراءة والكتابة بين القارئ والكاتب. يقول رابيد: « شروق شمس69، ليست رواية للكاتب الواحد.فهي تتيح عبر سجلها الذهبي لكل شخص، إمكانية إضافة قصته-المتخيلة أوالمتصورة- للعقد الجماعي[...] والنتيجة، هي حصول تعاضد مخيالي بين الكاتب والقارئ، بما يجعل السيرورة الإبداعية أكثر ديمقراطية»[72] .هذه المنظومة الإبداعية الجديدة، التي يكفلها النص المترابط، تفعل حياة النص وانفتاحه، وتدعم المنحى التخييلي وفق رؤى جمعية.

26.تفاعلية القارئ

تقدم الدعامة الرقمية للمحكي التفاعلي، مجالا واسعا للإبداع في هندسة المادية النصية، حيث يمكن للسارد تشكيل الإجراءات السردية، تشكيلا متفردا، بالنظر إلى الخيارات التي توفرها الدعامة الرقمية. ووفق هذا المبدأ، أمكننا اليوم  أن ندعم الحس التخييلي المجرد أو التصوري في النصوص السردية، ببعد التخييل المادي. ولعل الأمثلة في هذا الباب، لاحصر لها. لقد كان جيرار جينات[73](Gérard Genette)، يأمل في بعض النصوص السردية الورقية، بعضا من المواصفات التفاعلية. هذه الرؤية، دأب على تحقيقها، المحكي التخييلي التفاعلي، في نص "ليست-رواية" لـ لوسي بوتيني، حيث يمكن للقارئ أن يصادف بعض الرسائل بين الشخصيات داخل المحكي، بيد أنه بمجرد النقر على الرابط "@jesus "، تنفتح نافذة من برنامج التراسل الالكتروني، فيجد القارئ نفسه أمام إمكانية سحرية لمراسلة شخصية من شخصيات المحكي[74]، فيكون عبر هذا الخيار مدعوا للمشاركة في إنتاج النص كشخصية واقعية، تخضع في تلك الأثناء لحالة من "التحيين التخييلي". إن "التحيين التخييلي" الذي يقع على  القارئ من خلال تلك الرسالة الإلكترونية التي يرسلها لواحدة من شخصيات المحكي، يقع بالتعدي على الكاتب أو المؤلف، لأن تلك الرسالة تسلك مسارها نحو البريد الإلكتروني للمؤلف نفسه.

ثمة في واقع الأمر، مجال لتجاوز فكرة "التحيين التخييلي" في المحكي التفاعلي، والتحول إلى إبداع شخصيات تفاعلية مبرمجة على التفاعل المحدثاتي مع القارئ. ولعل ما يجعلنا شبه متيقنين من هذا التحول القريب، هو برنامج جوزيف وايزنبوم(Joseph Weizenbaum) التفاعلي الذي أطلق عليه اسم إليزا (Eliza)[75]، هذا البرنامج قادر على الإيهام بردات فعل ذكية، من خلال الإجابة عن الرسائل التي يتلقاها من مستعمليه، كمحادث نفسي[76]. ولعل العمل على مثل هذه البرامج، المجهزة بقواعد المحادثة الجماعية، كفيل بخلق إيهام بالحضور المتفاعل لشخصيات المحكي مع قارئ المحكي.

 

***

 

لقد أتاحت الهندسة الوسائطية للنص السردي، مساحة مهمة من التفاعلية بين القارئ والنص، مهدت لتأسيس خطط العملية السردية، وفق منظور تمثلي للمقروء، يراعي مبدأ الانغماس، وذلك عبر تصور غير نمطي لوضع كل من السارد والمسرود له. وحيث يمكن لاختلاف آليات القراءة السردية، أن تؤثر على علاقتهما الارتدداية، تصبح الحوارية بين فاعلي الحكي، ذات صلة وطيدة بالوضع القرائي. إذ يمكن لهذه الحوارية أن تحقق طموحات النص السردي، عبر المقوم التفاعلي، في شكل تعاضد كتابي؛ أي قراءة كاتبة، أو إيهام بشخصنة القارئ داخل الحكي،  أو بفتح النص على النهائية.كل ذلك يجلى بوضوح، أثر الوسائطية في دعم خيارات الهندسة السردية، بشكل يبسط الفرق بين الدعامة الورقية والرقمية، بوصفهما جوهرا تعبيريا للنص السردي.

 



[1]- Nielsen Jakob, Multimedia and hypertext. The Internet and beyond, San Diego,Kaufmann Academic Press, 1995, p.107.

[2]-الوسط المترابط(hypermédia)، هو ثمرة جمع بيننص المترابط(hypetexte) وعدد من الوسائط متعددة(multimédia)

[3] - Fastrez Pierre, Navigation hypertextuelle et acquisition de connaissances. p.47.

[4]- Ibid., p.47.

[5]-Ebersole S., Cognitive issues in the design and deployment of interactive hypermedia :implications for authoring WWW sites, in Interpersonal Computing and Technology : l’AECT , volume 5, numéros 1-2, Bloomington, 1997, p.21.

[6]-Dieberger A., A City Metaphor to Support Navigation in Complex Information Spaces,

in HIRTLE Stephen C., FRANK Andrew U., Spatial International Conference COSIT’97, October 15-18, Pennsylvania, USA,,1997,p.70.

[7] -Piotrowski D., L'hypertextualité ou la pratique formelle du sens, éd. Honoré Champion, Paris, 2004, p.25.

[8]-يعتقد جون هيغ ريتي أن النص المترابط، غالبا ما يبني على قاعدة من الروابط الثابتة، مشكلة علاقة ثنائية داخل مجموع الصفحات، فتكون الصفحة بمثابثة المنتهى والروابط بمثابة  المحطات، في حين ثمة إمكانية لاعتماد البنيات المتكيفة، عبر توظيف نظام الروابط المبرمجة، الذي يخضع وضعية تموجد  الرابط ومنتهاه، لنشاط برمجي خاص يحدده. ينظر:

-Jean_Hugues Réty, Spécification de structures de liens hypertextuelle, In Hypertexte hypermédias, nouvelles écriture nouveaux langage, Coord. J.P.  éd. Balpe, S. Leleu-marviel, Imad Saleh, J.M. Laubin, éd. La voisier,Paris,2001,pp.50-51.

 

[9]- Clément Jean, Une littérature problématique, Préface,In Serge Bouchardon, Evelyne Broudoux, Oriane Deseillinny, Franck Ghitalla, Un laboratoire de littératures, sou la dir. De Serge Bouchardon, éd. Bibliothèque publique d’information, Pompidou,2005 p.16

[10]- نص "مايجري في ذهني"،  لـ: مريم بارناردي، هو مثال جيد لصورة هذا الانبناء السردي بوصفه «محكي مترابط ذاتي مقرون في تطوره الحدثي ، على التكويم بدل المجاورة، ففي كل مرة ينقر فيها القارئ على رابط لأي نص مترابط، تنفتح نافذة جديدة». ينظر:

- Bouchardon Serge, Evelyne Broudoux, Oriane Deseillinny, Franck Ghitalla, Un laboratoire de littératures, sou la dir. De Serge Bouchardon, éd. Bibliothèque publique d’information, Pompidou, 2005, p.168.

[11]-Bouchardon S., Hypertexte et art de l’ellipse d’après l’étude de NON-roman de Lucie de Boutiny, les Cahiers du numérique vol.3 n° 3. éd. Hermès, Paris,2002 ,p. 85.

[12]- Otman G., Les mots de la cyberculture, Paris, Belin, coll.le français retrouvé, 1998,p.157.

[13]-Clément Jean, Hyperfiction, Encyclopaedia Universalis, 1997 cf. annexe

[14]- Barboza P., Sale temps pour la fiction, proposition au sujet d'une hyperfiction, in La mise en scène du discours audiovisuel, Dir.Jean Paul Desgouttes, éd. L'harmattan, Paris, 1999,p.126.

[16]- Godinet-Hustache H., Lire-écrire des hypertextes, Villeneuve d'Ascq, Presses Universitaires du Septentrion,coll. Thèse à la carte, 1998 p 166-211.

[17]- Otman G. , Les mots de la cyberculture, Paris, Belin, coll.le français retrouvé, 1998, p. 157 .

[18]-تكمن جماليات التلقي، بحسب هانس روبرت Hans-Robert (مؤسس مدرسة كونستانس) في إعادة « بناء "أفق انتظار " جمهور القراء الأول، ومقارنة الوضعيات التاريخية للقراء المتوالين، عبر إيجاد علاقة بين توقعاتهم وآرائهم من جهة ومجموع القيم والمعايير الجمالية والاجتماعية المفعلة من جهة أخرى». ينظر:

-OTTEN, M.,L’œuvre et sa reception, In  Méthodes du texte, introduction aux études littéraires,Ed. Duclot, Paris Gembloux, 1987. p.9.

[19]-بمجرد، محاذاة العنوان بوصفه رابطا، يتفرع عن فعل المحاذاة نص متفرع آني، يتضمن العبارة المذكورة أعلاه. ينظر:

- Renaud Camus,Vaisseaux brûlés, In :

http://www.renaud-camus.net/vaisseaux-brules/presentation/

[20]-Pierre de La Coste, Qui veut tuer Fred Forest, [formatPDF] Paris, 2003.

www. 00h00.com00h00.com

[21] - Xavier Malbreil, Je ne me souviens pas très bien, http://www.0m1.com, 2000.

[22]- Mylène Pétremand, Géographie du ventre, [format PDF] Paris,2001.

[23]-Jean Pierre Balpe, Eléonore Gerbier, Marine Nessi, Djeff Regottaz, Tony Houziaux,Soufiane Bouyahi, Trajectoires [en ligne] : http://www.trajectoires.com.

[24]-ينظر الطبعة الورقية:

Anne Cécile Brandenbourger, La malédiction du Parasol, Paris,éd. Florent Massot, 2000, p. 4.

[25]-Salvatote A., Ecran Total, [en ligne], http://alain.salvatore.free.fr .

[26]- Coulon F., 20% d'amour en plus, éd. Kaona,cédérom, 1996.

[27]- تختلف أنظمة البرمجيات، بحسب الخيارات النصية التي يستهدفها المؤلف. فنجد مثلا أن برنامج "الفلاش"(Flash) و"الدايريكتور"(Director)، كانا الأكثر استعمالا، في كتابة النصوص الشعرية الرقمية، في فرنسا. وذلك لأنها تتناسب مع برمجة الوسائط الكبرى، والأكثر تخصصا في برمجة متعددات الوسائط. ثمة بعض الأنظمة البرمجية، التي لم تعد خصيصا، لبرمجة الوسائط، ولكنها استعملت في كتابة نصوص رقمية أدبية، على غرار برنامج "الباسيك" (Basic.) و"دالفي" (Delphi) والـ:"جافاسكريبت" (Java script)  والـ:"بي آش  بي"(PHP). مثل هذه البرامج لا تستغرق من مؤلف النص، جهدا كبيرا، في صياغة جذرية للغة البرمجة، ولكنه يكتفي من خلال ماتوفره من مزايا، من برمجة الروابط، أو برمجة بعض المثيرات الخطية.

[28]- ينظر تقديم الكاتب للنص في الصفحة الافتتاحية:

-voirhttp://www.aquoisarime.net/orphee/orphee.html

[29]- يقترح المقطع على القارئ، مجموعة من الصور الفوتوغرافية، موزعة على مجموعة من الأطر المتباينة، إذ ينحو القارئ عادة إلى موضعة كل صورة، داخل الإطار المناسب، معتمدا في ذلك على الفأرة في تحريكه للصورة، واستجابة لهذا الفعل يتم تفعيل البرنامج، من دون أن يكون ذلك ملزما لصحة الاختيار من خطأه، حيث يثير كل فعل معنى خاص، فيكون الكاتب بذلك مديرا للسرد، والقارئ مديرا للمعنى. إذ تؤلف مجموع المعاني، التي يتمثلها القارئ بفعل تحريك الصور، علامة مهمة داخل الأثر، تعمل على توطيد علاقة القارئ بلغته.

[30]- Jean François Verrault, Le Noeud, [en ligne], 1998-2000 : http://www.total.net/~amnesie/

[31]- François Coulon, Pause, Paris, présentations personnelles sur le thème fiction et écriture, dans le cadre de Isea 2000:http://www.francoiscoulon.com

[32]- أشرف جون بيار بالب، على المشروع الجماعي للمحكي المترابط "مسارات"، وهو يعد واحد من أشهر المبرمجين لمولدات النصوص.

[33]- Jean Pierre Balpe, Une littérature inadmissible, conférence au Centre Georges Pompidou, octobre 1996.

[34]- تستند مولدات النصوص، في المحكيات المترابطة، إلى قاعدة بيانات شاملة للنحو النصي والمعجمية، مشفوعة بشروح دلالية، وهي تنتظم معلوماتيا في شكل بنيات كبرى، تشرف على إدارة إنتاج المقاطع الكلامية، في مثل هذه النصوص.

[35]-يقول كالفينو:"ستشرع في قراءة رواية إيتالو كالفينو الجديدة، رواية" ماذا لو كان في ليلة خريفية ثمة مسافر. إسترخي الآن. وركز. أبعد عن ذهنك كل الأفكار. دع العالم المحيط بك يمحوه الموج. الباب، من مهم أن تغلقه؛ والتلفزيون طبعا لايزال مفتوحا. قل فورا للأخرين: لا لا أريد مشاهدة التلفاز. قل ذلك بصوت قوى". منقول عن أوريلي كوفان (Aurélie Cauvin)من:

-Italo Calvino, Si par une nuit d'hiver un voyageur, Paris,Seuil, Points, 1995.

[36]-تقول دو بوتناي: "ربما لست بمستعد ثقافيا للتخلي عن الكتاب الورقي، والقراءة من على الحاسوب...إننا لا نحرضك على أن تعجب بأدب الوسيط المترابط". منقول أوريلي كوفان عن:

Lucie de Boutiny, NON [en ligne] http://www.synesthesie.com/boutiny/# , 1997-2000.

[37]-يقول سالفادور:" أيها القارئ، إذا كنت تكره الثرثرة، فمر مباشرة إلى (الـ)جدول. وإلا، تخلى عن قراءة "شاشة كلية"، فهي لم توجد لك".

[38]- ذلك أن النص الورقي، مرهون في اتصاليته، بالتسلسل المقطعي ذي النظام التراتبي، حيث يتجسد البعد الشبكي فيه من خلال نظام التراتب، في وقت يسمح فيه النص المترابط، بتعدد وتنوع الروابط.

[39]-يعد هذان المفهومان، من المفاهيم المركزية ضمن مجال الأدب الرقمي، تم تطويرهما في مجال الصناعة المعلوماتية بالولايات المتحدة، طرح هذا المفهوم فانيفار بوش(Vanevar Bush) ، في عام 1945 في مقال له بعنوان: كيف يمكن لتفكيرنا أن يكون، قبل ظهور اختراع الحاسوب، وحيث كان صاحب المفهوم مسؤولا عن البحث العلمي في الجيش، لم يمنع ذلك المهتمين بالمعلوماتيات بالتقاطه، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد انشغل مهندسون وفلاسفة مهتمون بالأدب بتعميق الفهم بتطبيقاته وامتداداته، فراح بعض كتاب الرواية يجربون اعتماده كآلية لكتابة محكيات ترابطية، ويعود الفضل في تعميمه إلى اختراع الأنترنيت والمواقع الالكترونية.

 

[40]-De Bary Cécile, Les Blogs. Un effet littéraire?, RiLUnE, n. 5, 2006, p. 91-105.

[41]-Calle Sophie, Vingt ans après, 2001, http://www.panoplie.org/ecart/calle/calle.html

[42]-Balpe Jean-Pierre, Trajectoires, 2001, http://trajectoires.univ-paris8.fr/

[43] -voir : Serge Bouchardon, Hypertexte et art de l’ellipse, D’après l’étude de NON-roman de Lucie de Boutiny, Les Cahiers du numérique, La navigation, vol. 3, Hermès Science Publications, 2002 ,p.74.

[44]- Christian Vandendorpe ,Du papyrus à l’hypertexe,p .131.

[45]- يقول جويس: "لقد أردت ببساطة أن أكتب رواية تستطيع أن تتغير بتتالي القراءات" ينظر:

Joyce M., Of two Minds. Hypertext Pedagogy and Poetics, Ann Arbor, The University of Michigan Press, 1995, p. 31.

[46]-نشرت الرواية في شكلها الكامل سنة 1987، تدور الحبكة السردية، حول تعرض بيتر لحادث مرور، حيث عمد في الصبيحة لتقصي ما إذا كانت زوجته السابقة وابنه من ضحايا هذا الحادث.

[47]-Bolter David Jay, Writing Space, The Computer, Hypertext, and the History of Writing. Trad. Bootz, New Jersey ,éd. Lawrence Erlbaum Associates Inc,1991,p.124.

[48]-Christian Vandendorpe, Du papyrus à l’hypertexte, essais sur les mutations du texte et de la lecture, éd. La découverte, Paris,1999, p.132.

[49]-نشر هذا المحكي سنة 1996، في العدد الأول من المجلد السابع لمجلة ثقافة مابعد الحداثة(Postmodern Culture) ، ثم على شبكة الأنترنيت على عنوان الرابط الآتي:                                                          http://www.iat.ubalt.edu/guests/trip/

[50] -URL : http://cs.art.rmit.edu.au/hyperweb/                                                                                  

[51]- ينسب ظهور الشكل التجريبي الأول، لجنس المحكي المترابط، لأعضاء مكتبة (Eastgate systems) الرقمية، والتي ضمت باحثين وكتاب من أمثال جاي د. بولتر(Jay D. Boiter)، وجورج لانداو(George Landow) وميشال جويس(Michael Joyce,)، وستيوارت ميلتروب(Stuart Moulthrop) وج. دوغلاس(J.Y. Douglas).

[52]- Aarseth, E. Cybertext ,Perspectives on Ergodic Literature, Baltimore, John Hopkins, 1997,p. 203.

[53]- Hayles, N. K. Writing Machines. Cambridge: MIT Press,2002,  p.224.

[54]- Murray H. ,Hamlet on the Holodeck The Future of Narrative in Cyberspace,1997, Cambridge: MIT Press,p. 324.

[55]- Ryan M.-L. Narrative as Virtual Reality. Baltimore, London, éd.The John Hopkins University Press, ,2001.  p.  399.

[56]- BoIter, 1. D. et R. Grusin, Remediation: Understanding New Media, éd. MIT Press, Cambridge, 1999, p. 295.

 

[57]-لـفلاديمير بروب الفضل، في التمييز بين البني الثابتة والمتغيرة في محكيات الحكاية العجيبة، ومع اهتمامه الواضح باستنباط الثوابت، إلا أنه أقر بحيز المتغيرات في الحكي، وذلك ما استثنته السرديات البنوية من دائرة الاهتمام التنظيري من بعده.

[58] -Brémond,Claude, Logique du récit, éd. Seuil , 1973,  p.  12.

[59]- Fayol, M. Le récit et sa construction: Une approche de psychologie cognitive. Paris,1985, p.159.

 

[60] - Villeneuve, J. Le sens de l'intrigue: La narrativité, le jeu et l'invention du diable. Québec , Presses de l'Université Laval, 2004, p.423.

[61]  - يعد التفاعل بين الإنسان والآلة، في الأصل شبه-تفاعل(pseudo-interactivité)، إذا ما قورن بالتفاعل التذاوتي.

[62] -Ong, W. J. , Orality and Literacy: The Technologizing ofthe Word. London et New York: Methuen, 1982 , p. 201.

[63]- للسرديات السينمائية، الفضل الكبير في بيان أهمية الوسائطية، وتأثيرها على طريقة الحكي.

[64]-لعل من بين أشهرهم: ريمون كانو في نصه "رواية على طريقتك"(1967)، وجورج بارس في نصه "الحياة طريقة استعمال"(1985) وبورخيس في نصه"كتاب الرمل".

[65]-Pierre Laurette, Lettres et Technè, éd. Balzac ,Québec, 1993,p. 195-215.

[66] - Nielsen Jakob, Hypertext & Hypermedia,Trad. Ph. Bootz, éd. Academic Press Professional, Cambridge, 1990,p. 180.

[67] -Voir :Clément Jean, Afternoon a story : du narratif au poétique dans l’oeuvrehypertextuelle , In Ph. Bootz (Dir.), A:\ LITTERATURE ., éd. Université de Lille 3, 1994 ,p. 70.

[68]- Deleuze, G. ,Cinéma 1 : L'image-mouvement,éd. Minuit, Paris, 1983,  p.44.

 

[69]- فاطمة البريكي، مدخل إلى الأدب التفاعلي، ص.155.

[71]- وقعت أحداث الجريمة بمدينة آلتمونت، تم فيها تصفية ميريدث هنتر شاب من أصل إفريقي لايتجاوز الثامنة عشر من عمره، على خشبة العرض، من قبل جماعة تسمي نفسها ملائكة الجحيم.

[72]- ينظر تصريح رابيد، على صفحة أخبار جامعة براون:

-http://brown.edu/Administration/News_Bureau/1995-96/95-175.html

[73]- يقول جينات: » نحن القراء، لايمكننا بأي حال من الأحوال أن نحدد السارد الداخلي ولا المسرود له التخيلي، إننا لا نستطيع أن نقاطع حديث بيكسيو[هو جون جاك بيكسو، واحد من شخصيات رواية بالزاكBalzac  "بيت نوسنجن " 1837] أونتراسل مع السيدة دوتروفال[واحدة من أهم شخصيات رواية دولاكلوCh. de Laclos ، "الروابط الخطرة" 1782] « ، ينظر:

-Gérard Genette, Figures III,éd. Seuil, Paris, 1972, pp.406-407.

[74] - Bouchardon S., Hypertexte et art de l’ellipse d’après l’étude de NON-roman de Lucie de Boutiny,p. 79.

[75]- لمزيد من المعلومات، حول البرنامج ينظر:

http://fr.wikipedia.org/wiki/ELIZA

[76]-Christian Vandendorpe,Du papyrus à l’hypertexe,p .101 .