pdfصراع الثقافات من خلال رواية "رياح الشرق رياح الغرب" لـ: بيرل باك.

                                                                       بوخالفة إبراهيم

جامعة الجزائر 02

        Résumé de l’article intitulé « Vent  de l’Est, Vent de l’Ouest », en langue française.

 

            La population chinoise, durant toute son histoire, n’a jamais était  favorable au pluralisme culturelle. Elle a été toujours antagoniste envers l’étranger. C’est pour cela que la peur de l’autre, telle que présentée et traitée par les littéraires ,les artistes, et les anthropologues, est hautement significative. Voulant élucider le thème de conflit de culture à base de différence ethnique, j’affronte  l’analyse du roman de « Birl Bak » intitulé « vent de l’Est Vent de l’Ouest ».

            En fait, le problème de l’identité ethnique en état de Chine a surgit lorsque d’autres cultures différentes entrent en contact avec la culture locale. Et étant donné que toute différence culturelle et identitaire apparait toujours  au premier abord  comme une menace , nous avons remarqué que les personnalités  conservatrices représentants le patrimoine chinois , se placent bien en opposition à toute volonté de changement    menée par des jeunes chinois qui ont contacté l’étranger. Le frère de « Kouay Lan »issu d’une famille aristocrate et conservatrice a pu échapper aux ordres de ses parents et rejoindre les états unis ou il a poursuit  une formation médicale. Devenant médecin, il s’est marié d’une jeune américaine qu’il doit ramener à son pays natale, où il va mener un combat sans répit contre la société à laquelle il appartient, à fin d’arracher la reconnaissance des parents. Ces derniers refusent de reconnaitre  et d’accepter parmi eux l’américaine qui présente une culture antagoniste. Le comportement qu’elle manifeste présente une menace sérieuse a leur morale.

            Ce jeune chinois qui s’est révolté contre les formules de conduite de la famille chinoise, et qu’il juge révolu, n’est pas seul dans le terrain de combat. Un autre jeune chinois  le mari de « Kouay Lan », lui aussi rejette le mode de vie traditionnel de ses correligieux et épouse une vision du monde américaine, au sein de laquelle il vivait ses propres fantasmes sans sentiments de culpabilité.

            Le roman de « vent de l’est, vent de l’Ouest », présente un terrain de confrontation sans merci entre deux systèmes de cultures, donc deux visions du mondes tout à fait différentes. Les relations  entre ces deux mondes antagonistes ont été toujours problématiques. Les occidentaux s’acharnent a infiltrer l’orient et implanter leurs propres valeurs tel que les libertés individuelles, les droits de l’homme et la laïcité. L’orient de son coté juge ces valeurs immorales et destructrices. Tout acte culturel susceptible de démanteler son système de vie et de pensée est rejeté.

 

     لا تخلو العلاقة بين البشر من صراع متعدد الأشكال، متفاوت الحدة، على مرّ العصور، وفي كل الأمكنة. ورغم أن هذا الصراع متعدد الأشكال يبدو مدفوعا بعوامل اقتصادية،إلا أن الأسباب العميقة من وراء كل سلوك عدواني تجاه الآخر تحركه دوافع ذات طبيعة ثقافية. وعلى حد تعبير القرآن الكريم، فلقد كان كل الناس أمة واحدة. وما إن تفرقوا حتى تشتّت وعيهم، واختلفت نظرتهم للعالم، وتعددت أديانهم، وادّعى كل فريق أنه مسكون بالحقيقة والخير المطلق. فكثرت الحقائق، وتعددت الفلسفات، ونشأت الحروب، ولم يكف الإنسان عن إلغاء أخيه الإنسان وطرده من مملكة الحياة.

      يقول تودوروف: "ويتمثل درس الأنوار إذا، في القول أن التعددية يمكن أن تفضي إلى وحدة جديدة؛ وذلك بثلاث طرق على الأقل. فهي تحثّ على التسامح ضمن المنافسة؛ وهي تنمي وتحمي الفكر النقدي الحر. وهي تساعد على التجرد عن الذات، بما يؤدي في مستوى أرقى إلى اندماجها مع الآخر" (1)، حيث أفضى عصر الأنوار إلى تمدد المعرفة البشرية إلى أغوار لم تكن مسموحة من قبل؛ وشمل مجالات لم تكن متاحة، بسبب حضر ديني أو قمع سياسي أو ما شابه ذلك. ولم يتوقف الغرب عن التمطط في الزمان وفي المكان، واحتلال الفراغات وصرف الحواجز واختراق الحجب للاتصال بالعوالم القاصية والدانية. ولم يتوقف نفوذه العلمي عن التعاظم ليصل في أواخر القرن التاسع عشر إلى نسبة.85% من مساحة اليابسة(2). لقد بدا وأن التقوقع حول الذات هو سلوك لا يستسيغه البشر، ولا تركن إليه الأمم التي تتمتع بقدر أدنى من الدينامية، وأن الاكتفاء بما هو متاح ثمة، واعتقاد  الخلاص في المسلمات الميتافيزيقية المتعالية على التاريخ؛ لقد بدا وأن كل ذلك محض أسطورة.

       فالتواصل بين البشر هو سمة جوهرية على مدار التاريخ الإنساني؛ وإن أشكال هذا التواصل متنوعة ومتباينة إلى حد كبير. حيث اتسمت علاقات الشرق بالغرب، بدءا من عصور النهضة الأولى بكثير من البطء، والعدائية والنفور المتبادل. ذلك أن هذا الأخير كثيرا ما ركن إلى ذاته واستسلم لقناعاته، واعتقد أنها الحقيقة المطلقة، وأنها نهاية التاريخ، وأن الغرب بما بدا عليه من تعطش للدماء من خلال الحروب الأهلية الدامية والغزوات الخارجية الناجحة والفاشلة، هو الذي يتعين عليه أن يُخلّص نفسه من ثقافة مسيحية فاسدة في مظهرها، و خرافية في جوهرها.

وقد أبان الغرب خلال تاريخه القديم والحديث عن همجية وبربرية لا مثيل لهما.  وليس أدل على ذلك من غزوه لأمريكا في القرن الخامس عشر، والحروب الصليبية التي خاضها ضد الشرق العربي والإسلامي، والحربين الكونيتين في مطلع القرن العشرين، وبقية الحروب الأهلية والإقليمية  التي ساهم بأشكال متعددة في تغذيتها، احتقارا لإنسانية الآخرين، وإنكارا لغيريتهم وحقهم في الاختلاف. ظل الشرق ولأحقاب مديدة يعتقد أن الحقيقة لا توجد خارج أسواره. ولفظة الشرق هنا، عامة ومطلقة؛ إلا أن الدراسة المزمع إجراؤها في هذه الصفحات نعني بها الصين، تلك القارة المليئة بالسحر والأعاجيب، والأساطير والحكايات الغريبة. لقد أمدت الصينُ الأدباءَ والفلاسفة والمفكرين، والشعراء بعوالم غاية في الإدهاش والعجائبية التي لا حدود لها. فهي أرض السحر والعطاء الدافق. ولطالما رفض الصينيون التواصل الثقافي مع الغرب، أو إفساد نقاء علومهم الأصيلة بمعارف غربية.

    " لقد لفتت هذه الإمبراطورية أنظار الأوروبيين في فترة مبكرة، على الرغم من أنه لم يصلهم عنها سوى مجموعة  من القصص الغامضة. لقد كان يُنظر إليها دائما نظرة إعجاب بوصفها البلد الذي خلق نفسه، والذي يبدو أنه لم يرتبط أبدا بأية صلة بالعالم الخارجي"(3).

يتبين من خلال هذا القول، أن كثيرا من مفكري ومؤرخي الغرب لم يختلفوا حول ثراء الثقافة الصينية، واستقلاليتها وتميّزها عن غيرها من الثقافات خلال تاريخها الطويل. وإذا كانت الثقافة هي ما يميز شعبا عن آخر من خلال اللغة والطقوس الدينية والعادات والتقاليد، فإن الصين هي خير ما تنطبق عليه هذه المقولة.

     يقول الأديب الفرنسي ديدرو معبرا عن تميز موقفه عن الصينيين، " أولئك قوم يفوقون كل من عداهم من الآسيويين في قدم عهدهم، وفي فنونهم وعقليتهم وحكمتهم، وحسن سياستهم، وفي تذوقهم للفلسفة. بل إنهم في رأي بعض المؤلفين، ليضارعون في هذه الأمور كلها أرض الشعوب الأوروبية وأعظمها استنارة"(4).

     وسنجد كثيرا من المواقف المعجبة بثراء الثقافة الصينية، واستقلاليتها، محافظة على استقلالية الرجل الصيني وتميزه عن غيره من الشعوب الأخرى. إن الثقافة هي صانعة الأعراق، وليست الأعراق هي التي تصنع الثقافات. بيد أن الإشكالية المطروحة في هذه الدراسة التطبيقية، هي البحث في أسباب الحساسية المفرطة التي يجاهر بها الصينيون تجاه الأجنبي، والغريب وغير المألوف. لماذا يحيط الصينيون دوائرهم الاجتماعية والثقافية بكثير من الصرامة والعقائدية؟ وما علاقة تلك المواقف بنظامهم الاجتماعي الذي يتخذ من الأسرة نواة صلبة ؟

      سنعمد إلى دراسة صورة الأجنبي في الصين، من خلال المخيال الرمزي للروائية الأمريكية بيرل باك، التي ولدت سنة 1892 في أمريكا لأبوين مبشرين في إرسالية دينية بالصين. وبذلك قُيّض لها أن تعيش سنين عديدة هنالك. تنقل لنا هذه الروائية صورة دقيقة عن عادات وتقاليد الأسرة الصينية الأرستقراطية، والكثير من عقائدها وكيف تتمثل الأجنبي. كل ذلك من خلال خطاب سردي موجّه إلى صديقة افتراضية، لا تحضر مسرح الأحداث إلا باعتبارها مستمعة سلبية، قابعة في مخيلة الروائية. واللافت في هذه الرواية قلة الأسماء. فالعديد من الشخصيات الأساسية لا نعرف أسماءها، كوالدة "كواى لان"، ووالدها، وأخيها الذي تزوج أمريكية وزوجها. وتلك شخصيات أساسية داخل البنية السردية للرواية. فقط اسمها واسم إحدى محظيات والدها مذكوران.

     ألفت بيرل باك رواية "رياح الشرق رياح الغرب" عام 1930. وتدور أحداثها حول حياة أسرة أرستقراطية محافظة. إحدى بنات هذه الأسرة، وتدعى "كواي لان"، وهي التي تضطلع بمهمة الحكي، تروي  لنا كيف أن والديها قد سمياها زوجة لشاب صيني وهي صغيرة. ولما بلغت سن الزواج كان خطيبها قد درس علوم الطب في أمريكا لمدة اثني عشر سنة. الأمر الذي جعله يتشبع بثقافة غربية متحررة من كل الأساطير التي يتعلمها الصيني في أسرته. لقد أصبح هذا الطبيب ينظر إلى ثقافة بلده وعاداتها وتقاليدها نظرة احتقار وازدراء. لقد تغيرت نظرته للعالم، فعاد إلى بلده مصمما على بناء حياة خالية من أوهام بلده. ونفس هذه التجربة عاشها أخ الساردة، الذي سمّى له أبوه فتاة من عائلة أرستقراطية منذ طفولته، ولكنه اختار أن يتابع دراسته في أمريكا وأن يتمرد على إرادة العائلة فيقترن بامرأة أمريكية، ويصطحبها إلى بلده، ويحاول إدماجها في أسرته، لكن والديه يرفضان الاعتراف بالأجنبية، وبالتالي فليس من حق هذا الابن أن يرث أملاك أبيه.

     لا بد هنا من التذكير بأن الصين هو البلد الأكثر تمسكا بنظامه الحضاري ومكوناته الثقافية والإيديولوجية، من كل بلدان الشرق. بل لعله أشد تمسكا بها من تمسك المسلمين بعقائدهم. إنه مجتمع منغلق على ذاته، لا يرى أبعد من حدوده الإقليمية. فثراؤه الفكري، وغناه الثقافي والأدبي، ومنابع اقتصاده المتنوعة، جعلته يطور شعورا مستحكما بالتفوق على الأمم الأخرى، ولا يرى فيها إلا قطعانا من الهمج والبرابرة. ومع ذلك، ومع هبوب أولى نسائم العولمة، والانفلات الثقافي القهري، لم يتمكن الصينيون من منع دخول الفكر الغربي للأرض الصينية وانتهاك حرمة الثقافة المحلية. لقد كان ذلك من خلال أبناء الصين المثقفين الذين استطاعوا الإفلات من قهر العادات البالية التي لم تعد تتناسب مع ملامح الحياة المشتركة بين دول العالم كافة، في كنف قيم عالمية عابرة للقارات. مَثّلَ هذا الدور الطبيبُ الموعود ل"كواى لان"، الذي تابع دراسات عليا في أمريكا، تلك الإمبراطورية التي افتكّت قيادة العالم من أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. لقد أشبع وعيُه بقيم غربية خالصة هي النقيض الروحي لقيم بلده.

  من ذلك مثلا المساواة بين الجنسين والفكر الديمقراطي، والحريات الفردية، وتحييد البعد الديني في العلاقات بين البشر. تلك هي ملامح الحبكة الفنية للرواية. فالصراع الدرامي سيدور بين هذا الطبيب، ومن هم على شاكلته، كزوج "كواى لان"، وهو أيضا طبيب، وكواى لان ذاتها، ولكن بعد عملية تحول عسيرة ومضنية، وبمساعدة زوجها، وبين والدي "كواى لان".

     أما على المستوى الإيديولوجي، فالصراع هو بين الشرق المحافظ، والمنغلق على نفسه، والغرب المنفتح، والعامل على نشر قيم الحرية وحقوق الإنسان ولكن من منظور مصالحه الخاصة، وإدراكه المتحيز والمنحاز لخلفيته الحضارية. ولعل أفضل ما يعبر عن هذه التيمة، هو عنوان الرواية: "رياح الشرق، رياح الغرب". فالرياح بصيغة الجمع، تضمن كل ما في هذه الظاهرة الطبيعية من إيجابية، وتستبعد كل ما يترتب عنها من تبعات سلبية. رياح شرقيّة تقاوم رياحا غربية؛ والغلبة لأشدهما قوة وإثارة وفتنة. والرياح هي القوة الدافعة للأفكار نحو الأمام، وهي المقاومة لكل حركة مضادة محتملة. لقد ذُكرت عبارة "رياح" مرات عديدة على مدار الرواية. وفي ذلك رمزية بالغة الأهمية. ومن هنا فالصراع سيكون على مستوى الأفكار والمعتقدات. وستكون الغلبة للرياح الأكثر قوة وإثارة.

     في هذه الرواية، تسرد "كواى لان" قصتها على شكل مونولوج ضمن سلسلة رسائل إلى صديقة لها، قدمت من بلد أجنبي، واستقرت في الصين. ولم تذكر الساردة اسم هذه الصديقة. فالأهم لديها هو أن تصنع على مستوى المخيلة متلق حميم تبوء إليه بحملها الثقيل، وتفرغ شحناتها العاطفية وحسراتها في بداية حياتها الزوجية، التعيسة في مطلعها. وتعبر في النهاية عن تصالحها مع زوجها، وبالتالي مع أفكاره المستنيرة، المتماهية مع أنماط الحياة والتفكير الغربيين، وتتخلى تدريجيا عن قناعاتها، نتيجة بعض التنازلات الحتمية لصالح التعايش الثقافي بين حضارتين نقيضتين. أثمر زواج شقيق  "كواى لان" بالفتاة الأمريكية مولودا هجينا، يمسك العالم من طرفيه. فوالدته أمريكية، ووالده صيني. سيخلق هذا المولود فضاء ثالثا تتجمع فيه حكمة الصيني مع ذكاء الأمريكي وكبريائه. فضاء يركز أجمل ما في الغرب، وأغرب ما في الشرق، ويصنع من مادتيهما عالما متعدد الهويات، يعترف للآخر بالحق في الاختلاف، وبنسبية القيم؛ عالم يعج بالأصوات، فلا هيمنة للغرب، ولا سيادة للشرق. تقول زوجة الطبيب الصيني، التي رُفضت، باعتبارها أجنبية، تقول لزوجها بنبرة انتصار على ثقافة الكراهية التي جُوبهت بها: "لا يهم الآن إن كانت أسرتك ستستقبلني أم لا، فقد دخل عظمك ودمك ودماغك في كياني، وسألد ابنا منك ومن قومك"(5).

التمركز حول الذات:

     يقول الانثروبولوجي الفرنسي لوكلوك جيرار: "إن النزعة الفردية في احتقار أو سوء تقدير الثقافات الأخرى، أمر لازم لكل الثقافات. وهذه النزعة هي ما ينطبق عليه اسم الاثنية المركزية. وهي تتلخص بموقف من يعتقد أن نمط حياته أفضل من الأنماط الأخرى كلها"(6). لشدّ ما ينطبق هذا التوصيف على الحالة الصينية في زمنها الباترياركي قديما وحديثا. المجتمع الصيني مجتمع ذكوري بالمعنى العميق للكلمة. وهو مجتمع منغلق بالمقارنة مع المجتمعات الشرقية الأخرى. ولعله أشد المجتمعات محافظة على نظامه الثقافي وأنماطه السلوكية وبناءاته المعرفية، رغم التنوع الاثني والديني؛ ولكونه فضاء مغلقا فقد نصب بينه وبين الغرب جدارا إسمنتيا يمنع هجرة الأفكار. فقد كان يعتقد أن العالم ينتهي عند حدوده، وأن الحقيقة لا تتجاوز أسواره." والولاء الموضوعي للأسرة، هو الذي يميز الدولة الصينية.

    فالصينيون ينظرون إلى لأنفسهم على أنهم ينتمون إلى أسرهم وعائلاتهم، وعلى أنهم في الوقت نفسه، أبناء للدولة. وهم في داخل العائلة ليس لهم شخصيات، لأن الوحدة الجوهرية التي يوجدون فيها، هي وحدة الدم والوحدة الطبيعية"(7). بينما المجتمعات الأخرى إن هي إلا  مجموعات من البرابرة والهمج لا تزال تعيش حياة الطبيعة. إن رواية "رياح الشرق رياح الغرب" تعكس هذه النظرة المتحيزة بوضوح.

      تقول والدة "كواى لان" في رواية "رياح الشرق رياح الغرب": "فالأطباء الأجانب قد يفهمون أمراض مواطنيهم الذين يعتبرون بسطاء أو همجيين تماما إذا قورنوا بما عليه الصينيون من رقي وتهذيب"(8). وقد ورد في كثير من المواطن في هذه الرواية وصف الأمريكيين بالهمج المتخلفين، دون أن يكون هذا الحكم نتيجة معرفة موضوعية بتلك الشعوب. لقد لقّن المجتمع الصيني أبناءه أن الشعوب الغربية بشكل عام لا ترقى إلى مستوى حضارة الصين وأنهم أي الشعوب الغربية لا تتمتع بنقاء العرق وصفاء الدم الصيني. وأن هؤلاء إنما يأتون إلى الصين العريقة لتعلم أساليب الحياة الراقية. تذكرنا هذه المواقف الصينية بنظرية التفاوت العرقي لغوبينو؛ الذي يرى أن فساد النوع يرتبط بظاهرة التهجين واختلاط السلالات والأعراق(9). و"الأوروبيون يُعامَلون على أنهم شحاذون لأنهم اضطروا إلى مغادرة بلادهم يلتمسون أسباب الرزق من أي مكان آخر''(10).

     في الرسالة التي أجاب فيها رب عائلة ''كواى لان'' عن التماس ابنه الاعتراف بزوجته الأمريكية، وتمكينها من حقوقها العائلية يقول هذا الأب: "من المستحيل أن نستقبل المرأة الأجنبية بيننا، ففي عروقها تتدفق دماء غريبة غير قابلة للتغيير، والأطفال من رحمها لا يمكن أن يكونوا من أبناء "هان"، وحيث يكون الدم مختلطا وغير نقي لا يمكن أن يصبح القلب مستقرا راسخا"(11). ينطلق هذا الأب في تبرير رفض طلب ابنه الوحيد من نظرة عرقية متزمتة. فهو يرى أن المحافظة على نقاء الدم الصيني، وعلى قداسة الأسلاف وأمجادهم هو من أعظم واجبات أبناء الصين. إن الدماء الأجنبية تلويث لصفاء الدم الصيني، وإن دخول الأجنبي إلى قصر العائلة هو تهديد لمصالحها وتشويه لصفائها. إن مثل هذه النظرة العنصرية المُتعصّبَة لهي أكثر تشدّدا من مواقف غوبينو. فهو على الأقل يرى أن: " الأعراق البدائية الكبرى التي كانت تشكل البشرية في بداياتها،- الأبيض والأصفر والأسود – لم تكن بالنسبة له متفاوتة من حيث القيمة المطلقة، بمقدار ما كانت مختلفة من حيث ملكاتها الخاصة''(12).  إنه يرى أن فساد النوع أو صلاحه يتأثر بالتهجين أكثر من تأثره بالموقع الذي يحتله كل عرق في سلم القيم المشترك بين جميع الأعراق. إن تلك الأمريكية لم تغادر بلدها بيد فارغة والأخرى لا شيء فيها. فهي تحمل عادات سلوكية وطرائق تفكير وأساليب عيش، ولغة يجهلها كل أهل البلد. ومن هنا، فإن قبول مثل هذه الأجنبية سيُعَدُّ اختراقا مرفوضا للثقافة المحلية من المنظور الأخلاقي.

     تنتمي عائلة الساردة "كواى لان" إلى الطبقة الأرستقراطية المحافظة على القيم الصينية الأكثر قداسة. ومن هنا تشنجها، وحساسيتها المفرطة تجاه كل ما هو أجنبي. لقد كشفت هذه العائلة النموذجية عن عالم منغلق على نفسه لا يرى العالم إلا بعيون الأسلاف. وهو لا ينسجم مع أي وافد أجنبي. من أجل ذلك، يبدي المحافظون الأشد إخلاصا لانتمائهم مقاومة محمومة لكل تهديد لسكون حياتهم؛ وهم يكرسون آليات طرد لكل ما هو غريب. ولذلك لم تحتمل زوجة الطبيب الأمريكية، الفضاء المنغلق الذي أُسْكنت فيه أول الأمر. فكانت كثيرا ما تصطحب زوجها ليمشيا في البراري المفتوحة هروبا من الاختناق.

     والدة "كواى لان"، هي الأخرى ترفض أن يتزوج ابنها أجنبية. وعندما تصلها رسالة من ابنها يخبرها فيها أنه فعلا قد تزوج من أمريكية، ويرجو من أبيه أن يفسخ عقده مع الفتاة الصينية التي يرغب فيها والداه، تصاب بحالة اكتئاب عميقة. وتفشل ابنتها "كواى لان" في التخفيف من حزنها الدفين. وتستسلم لسكرات الموت دون أن تعترف بالزوجة الأجنبية. ووفقا للتقاليد المحلية، فإنه ما لم يُعترف بالزوجة، أو بالزوج، فإن هذين الأخيرين الأجنبيين يحرمان من ميراث العائلة. في المجتمع الذكوري والأبوي، حيث تخضع الأسرة بكل أفرادها لسلطة الأب(الإمبراطور)، حيث لا يحق للابن أن يختار زوجته. فالأب هو الذي يتكفل بهذا الأمر، ولا يحقّ للأبناء أن يرفضوا المصائر التي أعدت لهم؛ وإن هم فعلوا ذلك، فإن المجتمع يتكفل بعقابهم. إنهم سيحرمون من ميراث العائلة، ومن اسمها. وسيُفصلون عن سلسلة الأسلاف المجيدة، فضلا عن احتقار المجتمع لهم وعزلهم، واعتبارهم أحط من الأجنبي.

 يلاحظ الفيلسوف الألماني ''فريديريك هيجل'' أن النزعة الفردية في شخصية الرجل الصيني منعدمة. فهي منصهرة في الذات الجمعية، ولا تتمتع بأي مظهر من مظاهر الوجود. يقول هذا الفيلسوف في معرض تحليله لشخصية الصيني المختلفة من حيث الجوهر عن الذات الغربية، "إن عنصر الذاتية، أعني انعكاس الإرادة الفردية على ذاتها في معارضة الجوهر – بوصفه القوة التي تمتص بداخلها الإرادة الفردية -، أو وضع هذه القوة بوصفها ماهيتها الخاصة التي تعرف الإرادة الفردية نفسها فيها على أنها حرة. وهذا العنصر لا يوجد في هذه الدرجة من درجات التطور. فالإرادة الكلية تمارس نشاطها مباشرة من خلال نشاط الإرادة الفردية"(13).

      إن الإرادة الكلية في ذلك البلد، تأمر من خلال الأب المهيمن والمشرف على تطبيق إرادة الذات الجمعية، بما ينبغي على الفرد أن يفعله. وهذا الأخير لا يملك إلا أن يذعن بدون تفكير أو ذاتية. فإن لم يطع انفصل عن الجوهر، واستحق العقاب الذي لن يمس الكيان الداخلي، وإنما الوجود الخارجي. " ذلك أن الانفصال عن الجوهر لم يتم عن طريق تقهقر داخل ذاته نفسها. ومن ثم فإن عنصر الذاتية غير موجود في هذا الكل الذي هو الدولة"(14).

     "تمتاز الإثنية المركزية ببعد فكري وعلمي. إلا أن لها أيضا بعدا أخلاقيا: الإيمان بالتفوق الذاتي على الآخرين، احتقار الغير، أو الخوف من الغريب"(15).

      كل تلك العوامل المؤسسة للاثنية المركزية: الإيمان بالتفوق الذاتي،احتقار الغير،الخوف من الغريب، تغذي رفض العائلة الصينية للزوجة الأمريكية. ذلك أن هاته الأخيرة، تعمد إلى الحكم على خصائص سلوك الأجنبي انطلاقا من انتمائها الحضاري. ومن هنا تأتي الأحكام التي تصدرها على الآخرين سلبية، إلى حد الحط من شأنهم أخلاقيا واجتماعيا. وقد رأينا "كواى لان" لما استقبلت زوجة أخيها الأمريكية، قبل أن تنتقل إلى بيت العائلة الكبير، تنظر إلى سلوك الأجنبية بكثير من الدهشة والاستنكار.لقد بدا لها أن سلوكها المتحرر غير محتشم وساقط أخلاقيا. فالأمريكية، شأنها شأن المرأة الغربية، تشعر بذاتها شعورا واعيا، ومستقلا عن الذوات الأخرى. وهي وإن كانت تتواصل معهم بكثير من التماهي، إلا أنها تحتفظ لنفسها بآخريتها، وبتميزها. بينما المرأة الصينية إن هي إلا شيء من أشياء الرجل. وهي أداة من أدواته يلهو بها كيفما شاء. بل إنه يشتريها من والديها أو من السوق، لتكون محظية. وفي تلك الحالة، فإن أبناءها سيحتلون مراتب اجتماعية دنيا بحسب الأعراف الصينية الثابتة.

صورة الأجنبي في المخيال الرمزي للروائية:

     تتشكل صورة الأجنبي في هذه الرواية تشكلا تدريجيا، من خلال الشخصيات الفاعلة، كشخصية الفتاة "كواي لان" التي تزوجت بشاب صيني، وبطريقة تقليدية. إلا أنّ هذا الأخير يقف من ثقافة بلده موقفا سلبيا ورافضا. فهو قد تعلم في أمريكا، وتابع بها علوم الطب لمدة اثني عشر سنة، وعاد ليقيم في بلده. ورغم أنه لم يخالف وصايا أهله، بمعنى أنه لم يرفض الزوجة التي اختارها له أبوه، كما فعل الصيني الذي تزوج " كواى لان"، إلا أنه وبمجرد أن اقترن بهذه الفتاة، وضع لحياته خطة يقنع بها زوجته بفساد العادات البالية التي تربوا عليها، وبضرورة الانفتاح على الحداثة الغربية التي تحرر العقول والمشاعر باتجاه الأشكال الأكثر عقلانية وحميمية للحياة. لقد صُدمت "كواى لان" من سلوكه الغريب، ومن ملابسه التي لا علاقة لها بما ألفته لدى الرجل الصيني. والمدهش، بل والباعث على التعاسة والكآبة أنها لا تفقه أقواله المقتضبة، فقد كان قليل الحديث، ولا تستسيغ سلوكه، بل تظل غالب الأحيان في حيرة من أمرها. لم تجد في حياتها الزوجية ما هو مألوف ولا ما انتظرته وتوقعته طيلة سنين طفولتها. إن ما تعلمته من والدتها من وصايا وتعاليم لا وجود له بالمطلق في هذا البيت الجديد. كانت " كواى لان" وقبل أن تغادر البيت الأبوي، قد لاحظت سلوك أخيها الذي درس هو الآخر في أمريكا، وتأثر بمعيشة الغربيين، وهو مزمع على الهجرة إلى أمريكا لمتابعة دراسته هناك.

     تقول " كواى لان" "لقد سمعت بنفسي الابن يتحدّث هكذا إلى والده (....)، فامتلأت رعبا. فلو كان الابن الأكبر، أو لو قد تربى في نطاق الأساليب القديمة لما استطاع أن يقاوم أباه بهذا الشكل. إن الأعوام التي قضاها بالخارج بتلك البلدان - حيث الصغير لا يوقّر الكبير-، قد جعلته يسلك ذلك السلوك غير اللائق بابن تجاه أبيه"(16).

     صُدمتْ هذه الفتاة وهي ترى أن التقاليد المقدسة التي نشأت عليها الأسرة والمجتمع لأمداء طويلة تُخْترق وتُدمَّر، من خلال أخيها. لقد وُضعتْ بنية العلاقات الأسرية موضع التهديد المباشر. إن منظومة أخلاقية مترسبة في القاع السحيق للمجتمع الصيني، هي الآن بصدد الاجتثاث والتفكك. ولعل هذا العامل هو الذي جعل من إيقاع الرواية، إيقاعا موسيقيا مأساويا يبعث على الحزن العميق لكل قارئ، مهما كان انتماؤه. كانت الفتاة "كواى لان" تسمع عن الحياة الغربية، وعن الأفكار المتحررة هناك، وكانت ترى أثر ذلك على سلوك أخيها وزوجها، ولم تكن لتفقه من أفكارهما شيئا، بل كانت تجد كلمات زوجها وحركاته غريبة أشد الغرابة وملغزة، وأحيانا كثيرة تبعث على الحزن والأسى. إنها لم تتمكن من الانسجام والتوافق مع هذا الزوج الغريب وهي تصاب بخيبة مريرة من حياة لطالما انتظرتها. وإذ ذهبت في أول زيارة لوالدتها، لم تتمكن من تحمل الصمت القابع في بيتها، والثقيل ثقل الليل الحزين. لقد أضحت تعيش حالة اكتئاب وتمزق، وتشتت في الوعي، بين بيئتين ثقافيتين لاتتوافقان مطلقا. وما أن استنطقتها والدتها حتى أخبرتها عن كلماته المبهمة التي كثيرا ما يرددها على مسامعها. "إنه يقول لي  ينبغي أن أكون مساوية له. ولا أعرف كيف. – ماذا يعني؟ كيف يمكنك أن تكوني مساوية لزوجك؟ - قلت وأنا أتنهد: هكذا المرأة في الغرب

- نعم، ولكننا هنا شعب عاطفي من ذوي الفهم والذكاء"(17).

     من خلال هذا الحوار يتحول الغرب في مخيلة "كواى لان"،إلى مصدر شقاء وتعاسة. فهو مصدر الأفكار الشاذة والمنحرفة عن نهج الأسلاف. ولكي تخفف عنها والدتها بؤسها، تذكرها بأفضلية الصيني على الأجنبي. والشعب الصيني ذكي وعاطفي. وكأن المجتمع الأمريكي، أو الأجنبي عموما أقلّ ذكاء ويفتقر إلى العاطفية واللباقة، والذوق المتحضر". يبدو أن البشر نادرا ما ينظرون إلى تنوع الثقافات كما هو عليه: أي بمثابة الظاهرة الطبيعية الناجمة عن علاقات مباشرة أو غير مباشرة بين المجتمعات. بل إن البشر رأوا في هذا التنوع أمرا شنيعا ومستغربا(....)أقدم هذه المواقف يقوم على النفور التلقائي من كل الأشكال الثقافية والأخلاقية والدينية والاجتماعية والجمالية، البعيدة عن الأشكال التي نتماهى بها. وهو موقف يرتكز على الأرجح على أسس نفسانية صلبة"(18).

إنه عندما يجد المرء نفسه إزاء موقف غير متوقع وغير مفهوم ولا مستساغ أخلاقيا ونفسانيا يسارع إلى القول: هذه من عادات الهمجيين أو: ليس هذا من شيمنا العريقة، أو يقول: هذا لا يجوز...إلخ. هكذا كانت "كواى لان" تقول في نفسها وهي تكابد البرودة التي تعيشها مع زوجها في السنوات الأولى من زواجهما. وهكذا كانت والدتها تقول عندما تلاحظ سلوك زوجة ابنها العاق، والمارق. تقول " كواى لان" وهي تعاتب أخاها على قسوته مع والدته: "يجب أن يعرف أنها لا يمكنها أن تحتمل أساليب الغرب غير اللائقة التي تبيح عقوق الابن"(19).

     إن كل السلوكيات والأفكار التي تبدو ضعيفة الانسجام مع البيئة المحلية ستُنْسبُ إلى الأجنبي. لقد غدا هذا الأخير مصدر كل الشرور. لقد أصبح يشكل التهديد الفعلي لسكون الحياة الصينية، وثباتها. ثم إن " النساء الأجنبيات قبيحات، فكيف يتزوج رجل من جنسنا منهنّ؟ لا سبيل لرجالهن سوى الالتجاء لهن"(20). لقد بدت " كواى لان" ووالدتها ومن ورائهما كل صيني محافظ، غير قادرين على القبول باختلاف الآخر الأجنبي عنهم. لقد أصبحوا يَسًمون بالدونية كل ما هو غريب. لننظر كيف تعايش " كواى لان" لحظات انتظار قدوم زوجة الأخ الأجنبية. لقد كانت تعيش أقصى حالات التمزق النفسي بين ثقافتين لا سبيل إلى التأليف بينهما. ثقافة الأجنبي التي يمثلها زوجها وأخوها، والتي ابتدأت تنسجم معها تدريجيا، وثقافة الأسلاف التي تملأ كل ثنايا وعيها. تقول الساردة لوالدتها: "إنها غريبة، حتى إنني ظللت أتفرس فيها دون إرادتي(....)إنني مرتبكة ومندهشة لوجودها بيننا...هذا أشبه بحلم، وحتى حين يراه المرء وهو يحلم يبدو غير حقيقي. وسرعان ما يزول، لأنه أبعد ما يكون عن الواقع(21).

     بمثل هذه الغرابة والاندهاش استقبلت " كواى لان" زوجة أخيها الأجنبية. لقد بدا لها وأنه يستحيل توافقها مع الأسرة الصينية.إنها مختلفة للغاية. وبالتالي فهي جسد غريب في كيان المجتمع الصيني، أو هي كالأعشاب الطفيلية التي تنمو وسط الزرع، ولا بد من استئصالها. دعونا ننظر الآن كيف صورت الساردة حياتها الزوجية في بداياتها الأولى. " ثم فكرت في زوجي وهو جالس إلى المائدة وحيدا في البيت الأجنبي، يرتدي ثيابه الغريبة، ويبدو غريبا في كل شيء. كيف يمكنني أن أتكيف وفق حياته؟ لا حاجة له بي. كان حلقي متيبسا بدموع لم أقو على ذرفها. كنت وحيدة أعاني غربة موحشة لم أعرفها وأنا بنت"(22).

      هذا التمزق النفسي وحالة الاغتراب الذي تعيشه "كواى لان" هو بسبب فقدان الألفة التي تشدها للمكان الذي آلت إليه، وبسبب الانسلاخ عن كل مقومات هويتها الاجتماعية والنفسية. لقد فقدت التواصل مع الشخص الذي تتقاسم معه بيتا لا يشبه البيوت التي ألفتها. وهي، ويا للمفارقة، لا تملك الانفصال عن هذا الجسم الغريب الذي هو زوجها بحكم أعراف المجتمع. لقد أصبح هذا الشخص القريب والغريب في اللحظة ذاتها يقاوم من خلالها موروثا ثقافيا صينيا بأدوات ثقافية امتحاها من ثقافته الغربية.

       بيد أن حالة الاغتراب التي كابدتها " كواى لان" في بداية حياتها الزوجية لم تعمر طويلا. لقد أجهدت نفسها، وبدوافع غير واعية أحيانا في الانسجام مع نمط حياة زوجها الغربية، دون أن تفقد روابطها نهائيا مع الثقافة الأم. "ففي المجتمعات البشرية، هناك قوى تعمل في الوقت نفسه في اتجاهين متعارضين: قوى تنمو نحو الحفاظ على الخصائص الذاتية، بل حتى على تعزيزها وتقويتها، وقوى تستعملها تجاه الالتقاء مع الآخر والتآلف معه"(23).

لقد تغيرت صورة الأجنبية في مخيلة " كواى لان" تدريجيا، ومن خلال عمليات ترويض دائبة، ومريرة. لقد أصبحت نظرتها للأجنبية أكثر تجردا من رواسبها النفسية، وأضحت مواقفها من ثقافة الأجنبي أقل تحيزا لانتمائها القومي. تقول "كواى لان"، وهي تعبر عن نقلة نوعية في موقفها من المرأة الغربية: "من المؤكد أنها ليست مثل نسائنا. إن كل حركة من جسمها حرة وغير مقيدة، ومفعمة بالحيوية والرشاقة. ونظرتها مباشرة وجريئة...لقد أحضرت معها صناديقها العديدة الممتلئة بالكتب...وتكتب في الأدب"(24).

     لقد أقرت باختلاف المرأة الأمريكية عن المرأة الصينية، كما أقرت بجمالها وبثقافتها، وتحررها، وهي في كل ذلك تختلف عن المرأة الصينية. لم تعد هاته الأخيرة هي الأفضل والأجمل والأرقى وجودا. فالقيم الحضارية والبشرية نسبية، تختلف باختلاف المنظور الثقافي الذي تُراقبُ من خلاله.

     لم تحافظ صورة الأجنبي، طيلة مسار الرواية على نمطيتها. فقد عرفت انزياحا نوعيا لافتا بفضل العناصر الأجنبية التي عرّضتها للتفكك والتحلل التدريجي. فزوج "كواى لان" الذي يقف موقفا سلبيا من الثقافة المحلية، يحمل صورة هوسية عن الغرب. ونجده بمجرد ما اقترن ب"كواى لان"، عمد إلى التشكيك في معتقداتها، وترميم صورة مغايرة عن الذات والآخر. يقول في حديثه  عن زوجة شقيقها الأمريكية: "كانت حياتها في بلادها حرة، وهي تشعر بنفسها مقيدة في هذه الحديقة الصغيرة  خلف تلك الأسوار المرتفعة"(25).

     تتلقى "كواى لان" هذا الموقف بمنتهى الغرابة والدهشة. لقد كانت ترى أن حياة قومها عصرية تماما وخالية من القيود. وهكذا، تعلمنا التجارب وحياة الشعوب والأمم أن أحكام القيمة تتميز بالنسبية المطلقة. فما هو جميل لدى الرجل الأبيض يبدو شنيعا لدى الرجل الملون. وما هو حرية وكرامة لدى المرأة الصينية يُعتبر قيدا وعبودية واستلابا لدى المرأة الغربية. لقد بدأت "كواى لان" تتغير بفعل التواصل مع الآخر والتثاقف الحتمي معه، في عملية تاريخية أبدية. يقول زوج "كواى لان" مبديا موقفا إيجابيا تجاه المرأة الغربية: "وهاته النسوة الإيجابيات، بعضهن يشبه النجم الأبيض في جمالهن، وعيون صافية، وأجساد متحررة. أذرعهن تلك العارية الجميلة. ويمكنني أن أقول إنهن متحررات كتحرر الشمس والرياح(26).

     إن مقولة الأخلاق نسبية، ولا تخضع إلى مقاييس موضوعية أو عقلانية بنفس القدر من الدقة والمعيارية لدى كل البشر. فإذا كان الصيني العادي يرى في لباس الغربية عريا وتسيبا أخلاقيا، فإن الغربي يرى في ذلك تحريرا للجسد من القهر الذي كان يعاني منه بفعل الهيمنة الكنسية على الحريات الفردية في القرون الوسطى

تركيب:

     يعيش الموجود البشري في تفاعل مستمر ودائب مع غيره من الموجودات البشرية. بعبارة أخرى، فإن الوجود البشري هو وجود مع آخرين. إنه وجود جماعي. ومن هنا فإن عزلة مجتمع عن بقية المجتمعات، بدعوى المحافظة على الهوية الحضارية، أمر قابل للدحض. وذلك يعني أن الحياة الثقافية لأي قومية، لا يمكنها بحال من الأحوال أن تعتزل ما يحيط بها من ثقافات مغايرة. فالأفكار كائنات مهاجرة لا توقفها الجدران العازلة. كما أن العزلة بالنسبة لأية ثقافة تؤدي حتما إلى موتها وزوالها بفعل تجاوز البشر لها. إن عجلة التاريخ دائبة الحركة لا تتوقف، ولا تني تتغير وتنزاح بحثا عن أشكال أكثر تناسبا مع عناصر الحياة المادية المتجددة باتجاه منظومة عالمية للأفكار والفلسفات، وأنماط الحياة المتفاعلة مع الكل المركب الذي هو الحضارة الإنسانية، عبر الهجرات والحروب والرحلات ومختلف أشكال التواصل والتفاعل بين البشر.

الهوامش:

1- تزفيتان تودوروف،روح الأنوار.  تر حافظ قويعة. دار محمد علي للنشر، صفاقص-تونس  2007.ص 138

2- ادواردسعيد، الاستشراق والمعرفة، ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1981..ص 72.

3- هيجل، محاضرات في فلسفة التاريخ، ج2، ترجمة وتقديم وتعليق د. إمام عبد الفتاح إمام، دار الثقافة والنشر والتوزيع، القاهرة. 1986. ص 64.

4- المرجع نفسه،  مقدمة المترجم، ص 51-52.

5-  بيرل باك، رياح الشرق رياح الغرب"ترجمة وتقديم د.غبريال وهبة الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.ط.1،2000

6-  لوكليرك جيرار، الانثروبولوجيا والاستعمار، تر كتورة جورج، مطابع شركة تكنويوس الحديثة، 1972، ص 148.

7- هيجل،محاضرات في فلسفة التاريخ، ص 69-70.

8-  فريديريك هيجل، مرجع سابق، ص 69

9- هيجل ، مرجع سابق، ص 69.

10- لوكلوك جيرار، العولمة الثقافية، تر جورج كتورة دار الآداب بيروت 2008.ص 387.

11-  المصدر نفسه ص 249.  

12- كلود ليفي ستروس، ص 160.

13- فريديريك هيجل، مرجع سابق، ص 69

14- هيجل ، مرجع سابق، ص 69

15- لوكلوك جيرار، العولمة الثقافية، تر جورج كتورة دار الآداب بيروت 2008.ص 387.

16- الرواية، ص 43 .

17- الرواية ص 65-66.

 18- كلود ليفي شتروس ص167

19- الرواية، ص 138

20- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.

21-  المصدر، نفسه،  الصفحة نفسها.

22- الرواية، ص 63

23- كلود ليفي شتروس، مرجع سابق، ص 164.

الرواية، ص 168 24-

25-  الرواية،170.

26-  الرواية، ص 144.

·       المصادر:

1-باك بيرل، رياح الشرق رياح الغرب، تر. د. غبريال وهبة، الدار المصرية اللبنانية.ط 1، 2000.

·       المراجع:

1-تيزفيتان تودوروف، روح الأنوار،دار محمد علي للنشر- صفاقس،تونس 2007.

2-سعيد ادوارد، الاستشراق والمعرفة، تر كمال أبو ديب.مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت.

3-شتراوس ليفي كلود،مقالات في الأناسة، اختارها ونقلها إلى العربية د.حسن قبيسي. دار التنوير2008.

4-لوكليرك جيرار، العولمة والثقافة، تر جورج كتورة.دار الآداب، بيروت لبنان 2008.

5-هيجل فريديريك، محاضرات في فلسفة التاريخ،تر د. إمام عبد الفتاح إمام دار الثقافة للنشر والتوزيع القاهرة 1966.