السيميائية و التناص ومفارقات التلقي

 

 أ.عيساني بلقاسم

 جامعة المدية

 

الملخص : 

يتوسّع مفهوم النص ليشمل الفنون غير اللغوية كالتصوير والموسيقى والرقص والنحت ، كما أن منطق التفكير التناصي ــ كتعريف موسّع ــ يبيح استبصار العلاقة بين نصّ لغوي وعمل فني ، مما يحوجنا إلى إعادة تعيين الفروقات بين الوظائف السيميائية للفنون اللغوية وغير اللغوية  مما يخرج علاقة التأثير والتأثر بينهما من البعد التناصي intertextuel إلى البعد التسيميائي intersémiotique ، فكيف يكتشف المتلقي تلك العلاقة ؟             المقال محاولة للولوج في مجال التعقيد العلائقي بين التناص والسيمياء ، والتأسيس لمصطلح جديد في هذا التخصص .

Résumé :

On ne peut restreindre le concept de texte à l’écrit et à la littérature , mais en élargissant ainsi la notion de texte aux formes d’arts , il faut faire la différence sémiotique entre le fonctionnement de l’art verbale et les arts non verbaux, ce qui rend difficile de considérer cette relation comme intertextuelle , mais plutôt intersémiotique , notre article essaye de savoir comment le lecteur peut apercevoir cette relation très complexe .      

 

في الدراسات التناصية ، وفي الملتقيات العلمية ، وفي أعداد المجلات المتخصصة والتي أولت التناص أهمية خاصة ، نجد كثيرا الإشارة التناصية تمتد إلى الفنون التصويرية وكيف اخذ رسامون عن سابقيهم وتأثر بعضهم ببعض سواء تعلّق الأمر بطريقة التصوير أو المواضيع المتناولة ، أو تطوير تقليد صُوَري نما عبر الأفراد والجماعات والأجيال، وغير ذلك من أنواع التأثير ، والأمر نفسه ينسحب على الأعمال الموسيقية ، فمتخصّصيها يعلمون حجم التعاطي المشترك لنوتات معيّنة أخذها سابق عن لاحق ، الخ من أنواع التعبير الفني كالنحت وغيره .. ، وهو أمر معروف لدى القائمين على هذه الفنون ولكنها معرفة تتداول لا نقول خفية ولكن لا يتم الإشارة إليها وكأن ذلك جزء من طبيعة العمل ، لأن أغلب الفنانين لا يجد الحاجة لتبرير تقليده لفنان سبقه أو لوحة تأثر بها ، حيث تطرح المقارنة نفسها بين لوحة ونص ، وكلاهما يتعرّض للقراءة والوصف النقدي الجمالي بالاستحسان أو الاستهجان ،والسؤال الذي يفرض نفسه أيضا هو : ألا تعتبر المقارنة بين عروض هذه  الفنون من حيث اعتبارها نصا مجرّد مجاز لغوي ومسمّيات في غير موضعها، وتحميلها ما لا تحتمل ؟ ، وهذا التجاوز ألا يعتبر في النهاية اجتهاد استعاري يتعارض مع دقة التنظير ؟

 فحينما نعرض آراء المنظرين نجد منها رأي بارت الذي برى كل تعبير مهما كانت طبيعته ووسائله نصا حيث " كل تطبيقات مفاهيمية دالة وذات مغزى يمكنها أن تتشكّل نصا ، الموسيقى والسينما .. الخ "[1]   ويؤكّد أنه " ليس لنا الحق في تحديد مفهوم النص وقصره على الكتابة والأدب فقط " [2] لكن هذا التوسيع لمفهوم النص يجر وراءه إشكاليات تعريفية لا تنتهي ، حيث يغفل ــ عن عمد ــ الاختلاف الواضح بين التعبير الذي أداته اللغة ، والتعبيرات غير اللغوية كاللوحة التصويرية والموسيقية والراقصة والمنحوتة ، حيث يغدو  مفهوم اللوحة متراوحا بين الحقيقة والمجاز من حيث تقارب وظائف هذه الأنواع وكيفية مقاربة المتلقي لها ، فالنص كما يعرّفه القاموس المتخصص " ووفقا لأعراف الكتابة الموروثة ــ إذ الإرث هنا يشكل القانون المؤطّر للمفهوم ـ هو تتابع لساني مقول أو مكتوب حيث تتشكل به وحدة اتصالية ولا يهم إن كانت على شكل جملة أو مجموعة جمل " [3] ، وتعرّفه مصادر أخرى ــ  من منظور لساني دائما ــ بأنه " تتمة لسانية مستقلة ــ شفهية أو كتابية ـ تشكّل وحدة تجريبية ــ من حيث هي ملفوظ مقترح ــ صادرة عن متلفظ واحد أو أكثر في وضعية اتصالية ، فالنصوص هي تجريب لساني " [4]، لذا ومن منظور الصرامة الإصطلاحية فقط نمتنع عن اعتبار لوحة رسم أو قطعة موسيقية نصا ، ولنفس السبب يصعب اعتبار الإحالة في نص على عمل فني غير لغوي تناصّا ، رغم أن منطق التفكير التناصي واستنادا للتعريفات الموسعة للتناص يبيح لنا استبصار العلاقة بين نص لغوي وعمل فني غير لغوي ، لكن ذلك يحتاج إلى إعادة تعيين الفروقات بين الوظائف السيميائية للفنون اللغوية وغير اللغوية ، فالفن اللغوي يمتلك خاصية متفرّدة دون الفنون الأخرى ، وهي البيان ، أما الفنون الأخرى فتعاني العجمة ، أي طرق بديلة للتعبير ، كالصورة ( في الرسم ) أي عن طريق الأيقونة سيميائيا ، والتي تُدرك ثم يتم تفسيرها بطرائق تأويلية وعبر اللغة في النهاية كون الفكر أداته اللغة ، وكذلك تفعل الكوريغرافيا ولكن عبر التجسيد والتجسيم للحدث وسردية متوالية الأحداث ، توظف الاختزال وتُخلصه إلى الترميز من خلال التكثيف ، ونجد النحت يختزل أحيانا منطق السّرد ، ليقول حاكيا بلسان المشاهد ، أي تحويل مشهد بصري إلى لغة حكائية ، أما الموسيقى فهي تستخدم الصوت المنسّق لتخاطب الشعور لتحدث أثرا نفسيا قد نسميه فرحا ونشوة وجذلا ، او حزنا وشفقة ، ولكن يتم الوعي بها فقط عندما نسمّيها ، أي حينما تتحوّل إلى دوال لغوية ، فكأنه تعبير من الدرجة الثانية يوازي الوضع اللغوي ، يمكن أن يلتحق به لكنه لا يمكن أبدا أن يعوّضه ، ولذلك نستعين أحيانا باللغة  للتغلب على عجمة الفنون غير اللغوية ، فنجد لكل قطعة موسيقية عنوانا ، وكذلك النحت والرسم وغيرها ...لكن قد نتلقى عملا فنّيا يبدو لنا ـ لأوّل وهلة ـ أنه لا يقول شيئا لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن لا مضمون له ، لكنه ذو بعد انفعالي عاطفي محرّك للشعور والمزاج أكثر منه فكري، لنستشف بعد ذلك أن تلك العناوين الموضوعة للمقاطع الموسيقية والأوبرا، وحضور النصوص عموما هي التي تقوم بدور تضليلي عن فحوى المسموع الجميل .

فالفن اللغوي ميزته توفّره على محتوى ، فالبديهية العقلية لها دور تصنيفي ، والتصنيف يستدعي التوصيف ، والتوصيف يتم عن طريق اللغة ، لكن اللغة لها امتياز ليس لغيرها وهو قدرتها على التعليق على بقية الفنون فتتحوّل إلى آلية وصفية وتعريفية لها، كما نرى في دراسات الفن وتاريخه ، كما أن الفن اللغوي يحتوي هذه الفنون ـ غير اللغوية ـ في نصوصه ، ورغم ذلك نستشف أن المفارقة السيميائية بينهما كبيرة ، لذلك نمتنع عن اعتبار العلاقات بينها تناصّية ولكنّها تسيميائية intersémiotiques، حيث نستعير المصطلح من ياكوبسون والذي يعرّفه كالتالي " تأويل العلامات اللسانية عبر أنظمة علامات غير لسانية " [5]، حيث تستطيع هذه الفنون أن تعكس قدرا من الأدبية لكن بوسائل أخرى غير اللغة خاصة حينما تبني خطابها على ثقافة المتلقي حيث تستدعي ألوان وخطوط صورة فنّية تصوّر كيف قتل داود جالوت [6] الزخم السردي في الكتب السماوية ، فالانطلاق من النص والرجوع إليه عبر فن غير لغوي يقيم علاقة تسيميائية كون التصوير لا يكتفي بالنقل ولكنه يقول من عندياته كلما مشفّرا يحتاج إلى مفاتيح شارحة له ليصبح كلاما مفهوما ، أو قد يكتفي بإحداث الأثر دون تسميّته ، وهنا يحق لنا أن نتساءل : ما الفرق بين متلقي يقرأ اللوحة بخلفية نصّية ( قرأ الإنجيل أو القرآن الكريم ) وآخر ليست له خلفية نصّية لما يشاهد ؟ ، فالأول اللوحة له أداة عبور من نص موجود في الذاكرة إلى نصه الخاص في تعليقه على اللوحة ، أي علاقة تناصّية تمر بجواز سفر تسيميائي ، بينما قد تكون اللوحة بالنسبة للثاني علاقة تسيميائية فقط لأنها : صورة ــ نص ، وليست : نص ــ صورة ــ نص . والعلاقة المثلّثة أغنى نظريا فقط لأنها تحتوي فن التصوير داخل اللغة وتخضعه لمنطقها ، ويمكن أن نعطي مثلا آخر يتمثل في لوحة دولاكروا " خيبة أمل دون خوان "[7] ليقرأ المتلقي اللوحة على ضوء نص لغوي سابق ، في عملية قرائية ملخّصها تحويل تسيميائي transposition intersémiotique ، وقد استعمل جورج موليني أيضا هذا المصطلح ، ولكن نقوم نحن بتحريفه ليقترب من مطابقة الصيغة الإجرائية لمصطلح التناص البديل الشرعي لمصطلح  " بين النصوصية " المترجم عن l’intertextualité لأن لفظ inter يعني " بين " كوسط جامع يفيد العلائقية ظاهرة أو باطنة ، فالتسيميائية مصطلح جديد يفيد دراسة العلائقية المتوافرة بين مجالات تنتمي إلى أنظمة سيميائية مختلفة، تحتوي على اتجاه علائقي متعاكس : تعليق الفن اللغوي على الفنون غير اللغوية ، أو أن الفنون غير اللغوية تؤشّر بعجمتها على نصوص فنّية لغوية لغوية ، والنوع الأخير لا يثير عادة اهتمام النقاد كثيرا ،

ومع ذلك يبقى الأدب دوما مصدر إلهام لجميع أشكال الفن الأخرى ، خاصة من حيث قدرته على تسخير القدرة السردية والحكي ، تتكئ الفنون الأخرى على تلك القدرة في وهم تسيميائي على مشاركته فيها ، كما نجد مثلا في سنفونية " الجن " Les Djinns " لسيزار فرانك والذي يحيل دون شك على قصيدة منشورة في ديوان " الشرقيات " لجوتة( 1829 )  هذه النصوص المشعّة والتي ألهمت أيضا كلود دو بوسي في تسطير سنفونية " استهلال لعشية في تعبّد إله الريف Le Prélude à l’apres-midi d’un faune ، وكذلك فعل فاسلاف كيجينسكي حينما استوحى منها كوريجرافيا : L’apres-midi d’un faune (1912)، وهي لوحات راقصة جمعت ثلاثة فنون في علاقة (intersémiotique) تسيميائية دالة ، وقد أخذ  دو بوسي من بودلير أيضا في سنفونيته المسماة " الأصوات والعطور تحوم في أجواء المساء "(1908) وذلك من قصيدة " إيقاعات المساء " من ديوان " أزهار الشر " (1861)، لكن الموسيقى في احتكاكها بالأدب تحتاج إلى تخيل كثيف لتذهب بعيدا في استثمار غنى الأدب اللامحدود ، فعادة يكون الانطلاق من عنوان أو مقولة لكن عبر التوسيع وارتياد لآفاق تخييلية لم تدر بخلد الشاعر أو الأديب ، وكذلك الأمر في النحت والرسم والتي تضم قدرا معتبرا من الأعمال المستوحاة من الإنجيل والتراث القديم عموما ، كما رأينا عند الرسام مانيت Manet في لوحته نانا Nana بعد أن ظهرت تباعا رواية متسلسلة بنفس العنوان لإيميل زولا .

لكن هناك فنون ننظر إلى ماهيتها التكوينية نظرة خاصة لأن التأثير بينها أعمق تسيميائيا، مثل الموسيقى التي يصحبها إنشاد ، كما نجد في الترانيم الدينية أو ألحان ليدة ( أغاني شعبية ألمانية) ، وكما نجد خاصة في الأوبرا ، حيث يمتزج في هذه الفنون الموسيقي مع اللساني في منطوق دلالي واحد مبتغى في أذن السامع ، ذلك ما قام به فرانز ليست Franz Liszt حينما استوحى في مقطوعته " كآبة " Tristesse قصيدة ألفريد دو موسيه الحاملة لنفس العنوان ، وفي الأوبرا تعكس أصوات الممثلين في المد والقطع والتفخيم والترقيق والرفع والخفض تلك الوحدة المعنوية المراد إيصالها إلى المشاهد السامع ، كل ذلك يعبّر عن بث تسيميائي غير قابل للتفكّك وأي انفصام بين هذه الأنظمة السيميائية يفصل عرى الأركان الفنّية التي تقوم عليها الأوبرا ، فالنص فيها يبث بكل حمولته وزخمه الفكري عبر بعده السردي الممثل على المسرح ، والموسيقى المصاحبة له والمثيرة لمزاجية خاصة لمن استشعرها هي أقرب إلى المثير الروحي الحامل لغوامض الذات من حيث قدرتها على الانفعال بالمتخيّل والمجنّح ، يطرحان في علاقتهما التبادلية تحدّيا توصيفيا للنقد الفني لا يمكنه الوصول فيه إلى أجوبة بإفرادهما الواحد تلو الآخر ، بل في تحليل أثرهما الممزوج مزجا عضويا رغم أنه بإمكانه فصلهما إجرائيا فقط لتوضيح الأثر الذي يخلّفانه في النفس الذوّاقة والتائقة دوما للاستمتاع بتلك القدرة الفنّية المتجاوزة لذاتها لأنها تمتح من عدة أنظمة سيميائية تختلف نوعا في طرائق الوصول .

نفس التنوّع نلمسه في فن الرّقص ، عبر اللوحات الكوريغرافية التي تتأرجح محتوياتها بين القول اللساني و التعابير الجسدية انطلاقا من تقاطيع الوجه في بث الإحساس بالحزن أو الفرح ، الدهشة أو الخوف إلى  القفز أو السكون العلو أو الانخفاض ، التقوقع أو الانطلاق .. كلها وضعيات جسدية تبث قولا لكن من خلال نظام سيميائي يتلبّس اللغة ولكنه لا يستخدم منطوقها .

أما السينما ، الفن الحديث المسيطر على الساحة الفنّية فقد كان منذ النشأة وثيق الاتصال بالأدب ، فالروايات التي حوّلت إلى أفلام ومسلسلات لا تعد ولا تحصى ، فالعلاقة تسيميائية بين المرئي والمسموع الذي يعني حضور الملفوظ اللساني في المشهد السينمائي إضافة إلى المسموع الموسيقي ، فسردية اللغة ظهرت في تواؤم متخيّر مع تصوير متلاحق يتتبّع الحدث ليخاطب متلقيا أصبحنا نسمّيه متفرّجا بعد أن كنا نسميه قارئا ، شغوف بالتخييل فيجاريه حد المستحيل ، بل يتعمّقه حيث يخلق واقعا موازيا أسماه الواقع الافتراضي ، ونسمي عملية تحويل الأثر من الأدب إلى السينما بالتهيئة  l’adaptation ، حيث قد يتم الخروج عن النص المكتوب والتصرّف فيه عبر عملية الإخراج تصرّفا بعيدا أو طفيفا ، كما أن الإخراج يحتكر الرؤية حيث أن الممثل يجسّد الشخصية وبالتالي يلغي أي تصوّر آخر لها ، بينما الوصف اللغوي الروائي يتيح قدرة ما لتصوّر يتميّز بنوع من الحرية يضيّقها الإخراج إلى درجة التلاشي .. فإذا وصفت الرواية منظرا طبيعيا قد يتبدّى لقارئها عدة أشكال صورية للمنظر ، أما السينما فإنها تقترح نموذجا أوحدا غير قابل للزحزحة مستعمرا كل آفاق الإدراك لأنه يُرى بينما النص اللغوي تحيل المفردة فيه على مدركات عدة مستوحاة من النماذج المنظورة لكل قارئ ، ففي السينما المخرج يفرض رؤيته للأشياء ، فإذا كان التخييل كثيفا فهو على المستوى الكمي أما التخييل الكيفي فمستقرّه اللغة .

كما أن هناك نوع آخر من العلاقات التسيميائية وهو التأثير والتأثر بين عجمة الوسائل الفنّية المختلفة مثل الرسم والموسيقى ، وهي آليات فنّية تباعد الملفوظ اللغوي ولكنها تمتح من بعضها في التزود بالفكرة وتطويرها ، فهناك مقاطع موسيقية مستوحاة من لوحات مشهورات كما فعل الموسيقي موسورغسكي Moussorgski في مقطوعات بيانو أطلق عليها اسم " لوحات معرض Tableaux d’une exposition  ( 1874 ) يستعرض توصيفيا ــ على مستوى موسيقي ــ اللوحات الفنية العشر المعروضة إهداءا إلى روح صديقه المتوفي فيكتور هارتمان ، وكذلك الأمر مع سارج نيج Serge Nigg الذي ألّف " سنفونية جيروم بوش Jérome Bosch symphonie المستوحاة من ثلاثية الرسام الهولندي والتي أطلق عليها اسمه، والمعنونة حديقة المتع الأرضية Le jardin des délices terrestres ، والعكس من ذلك من حيث وجهة التأثر والتأثير ، رسم الفنان اوغست فون بريزن August Von Briesen مجموعة من اللوحات استوحاها من السنفونية الثامنة لبيتهوفن ، لكن الوجهة الغالبة لعملية التأثر تكون لصالح الأدب عموما إذ عادة ما يكون مصدر إلهام الرسامين والموسيقيين ، وقد يحصل الأمر بين الكوريغرافيا والرسم ، وقد تتنوع التأثرات والعلاقات التسيميائية وتتعقّد بين فنون عدة في وقت واحد إذ في الكوريغرافيا تحضر الموسيقى والرقص والأدب والرسم ( كديكور ) والنحت كمعالم دالة ، وهذه لتصنع انسجاما إجماليا بينها عادة ما تُختار بعناية تبتغي التوافق في الرؤية والإضافة الدالة لتخاطب في المتلقي الحي أمامها كل ذاكرته وثقافته القبلية صانعة بذلك الإخراج متعة التعرّف ، ولا تتطلّب هذه المتعة فقط المعرفة ولكن الذوق أيضا ونوعا من الذكاء الفني والاجتماعي ، كما نجد في كوريغرافيا جيري كيليان Jiri Kylian والتي يقوم فيها الممثلون  بحركات بطيئة مصحوبة بموسيقى وتهدف إلى الترميز في محاولة لنسخ أوضاع فنّية مرسومة لكن دائما عبر الإحالة على معلوم من تراث التصوير الفني العالمي ، وهذا النوع من المشاهدات والذي يتم بتجاوز الملفوظ يثير أحيانا الشك في يقينية تفسيره وبالتالي تأويله ، ليتحوّل المشاهد إلى قدرة حدسية في الإدراك يستوعب في متعة دون الادعاء بأنه فهم هذا المعنى أو ذاك ، فاستخدام لغة الحواس هنا يصبح حاجة ملحة لعدم الشعور بالعبثية ، لهذا تضحى المحاولات النقدية والتي تبتغي فرض منطق واحد لتوجّهات الاستيعاب غير مفيدة، هذا إن لم تكن قد فقدت زمام الرؤية الصحيحة لاختلاف أنظمة التصوّر والإدراك والإحساس والفهم .

بالمقابل نجد فنونا غير لغوية متضمنة في أعمال أدبية مثل الرواية والشعر والمسرح ، لكن في التحليل التسيميائي نحن بإزاء تقويل الفنون غير اللغوية ملفوظا لغويا ، أي تدخل كمكوّن نصي لكنها تكون في خدمة بنية النص الكبرى أو ما يسميه لوران جيني النص المركز المتحكم  le texte centreur، إذن هناك عملية تحويل transpostion لوظيفة هذه الفنون ، ولهذا يمكن أن نقول أن التسيميائية تشكّل حالة خاصة أو شكل من أشكال التناص ، فإذا اعتبرنا التقعير la mise en abyme تقنية تناصية ، فإن هذه الفنون غير اللغوية يمكن أن توظف كتقعير داخل النص الأدبي وبالتالي تثير التفكير حول ملفوظ النص ذاته ، ولا تذكر هذه الفنون كشاهد citation لأن الشاهد لا يكون إلا جزئية نصّية ، ولكن كإحالة référence ، ففي الروايات تكون التفاصيل والإحالات على أعمال فنية علامة على واقعية الرواية ، أنظر إلى المقتطع التالي من رواية لإيميل زولا  : عائلة كوبو عرّجت مع ضيوفها على متحف اللوفر لتلافي التعرّض لزخات مطر رعدي " جرفيز علّق على موضوع لوحة نوص دو كانا Noces de Cana وتساءل عن موضوعها ، بل صبّ جام غضبه على عدم ذكر موضوع اللوحات أسفلها ، لكن كوبو توقّف أمام الجوكيندا والتي وجد شبها لها في إحدى عمّاته ، لكن بوش وبيبي لا قرياد وقفا هازئين ومن طرف خفي أشارا إلى النساء العاريات المعروضات على اللوحات بشكل فاضح على مرأى ومسمع الكل ، أفخاذ أنتيوب خاصة أصابتهما بهزة أرجفتهما ، وفي آخر الرواق استرعا انتباههما غودرون وفمه الفاره ويدا المرأة على بطنه وعيناهما على المطلق في فراغ سحيق ، في قبالة العذراء لمورييو " [8].

فالنص السابق متخم بإحالات تتعلّق بلوحات وأعمال منحوتة موجودة بالفعل في متحف اللوفر ، ولكن لا يوجد وصف تحليلي للأعمال ذاتها ، وهنا لا تتحقق التسيميائية بقدر ما يتحقق التناص الضعيف وفق مفهوم لوران جيني ، وهو نوع من التلميح يدرك أبعاد دلالاته كاملة من زار متحف اللوفر واطّلع على محتوياته فتكون الإحالة على معلوم ، أما إذا كانت الإحالة على مجهول فالدلالة ناقصة بالضرورة وقد تنعدم تماما كون الملفوظ المحال عليه لا يعني شيئا للمتلقي ..ولكن التناص يكون واضحا للعيان حينما يحاول النص المركزي تحويل أنظمة الفنون المختلفة عنه سيميائيا إلى موصوفات لغوية ، وذلك بتوظيف تقنيات بلاغية معيّنة مثل l’ecphrasis والتي يعرّفها جورج موليني بأنها وصف الأعمال الفنّية ،حيث تتعلّق تقليديا بتتبّع تفصيلي للأعمال الفنّية في الرسم توصيفا وتقديما ، ولكنها قد تصلح لتتبّع الفنون الأخرى  مثل الموسيقى لأن l’ecphrasis تحل إشكالية اختلاف الفنون من حيث طبيعتها التكوينية وماهيتها الوظيفية ، " إذ تحيل على أسئلة أساسية حساسة ومحيّرة متعلّقة بالخطاب : ما يتعلّق بالعرض la représentation والميميزياء la mimésis وهما من أساسيات المفاهيم الأرسطية ، حيث يحتل الوصف وظيفة أساسية في عملية السّرد العارض لحادثة ما ، ومن الوساطات الممكنة لهذه الوظيفة نجد نماذج مشفّرة للخطاب الواصف لذلك العرض ( عادة ما تكون لوحة مرسومة أو نموذج زخرفي هندسي أو نحت أو تحف فنّية وذهبية  l’orfèvrerie أو زخرفة الزرابي فيتحوّل العرض إلى استمتاع فني بالتحفة المعروضة كممارسة فنّية مكتشفة، ويتحوّل هو ذاته ــ أي المادة الواصفة ــ إلى ظاهرة قرائية متعلّقة بنظام سيميائي ورمزي مختلف عن النظام اللغوي " [9]، إذنl’ecphrasis  ، ــ زيادة في الشرح ــ تتمثل في وصف دقيق ومفصّل يتعلق بأثر فني ما حقيقيا كان أو متخيّلا وعادة ما ترد في قالب حكائي .

من أمثلة ذلك ما قرأناه من شعر مالارميه في قصيدته " تذكرة إلى ويستلار " [10]، حيث يقدم وصفا دقيقا لإحدى لوحات ويستلار مركّزا على تفاصيل راقصة في حركتها وما ترتديه كأنك تراها لتتحول اللغة الشعرية إلى أداة تستغرق ذاتها في تحويل المنطوق والمقروء إلى مرئي فني، فتحتل اللوحة غائية تجعل من اللغة الشعرية أمرا ثانويا ، أي أن اللغة هنا تعوض عدسة الكاميرا وتلعب دورها في ظل غيابها في زمن ملارميه ، من هنا يمكن أن نقول أن اللغة تلعب وظيفة غير وظيفتها ، في تحويل لوظائف الحواس أيضا ، تخاطب عبر القراءة لتقول للمتلقي شاهد الصورة التي تكاد تنطق، وهي محاولة توصيل الأثر الفني البصري دون الالتفات إلى جمالية اللغة رغم أن اللغة في حد ذاتها لا تخرج عن بعدها الفني الجمالي .

الموسيقى بالمقارنة مع اللوحة الفنية ليس لها ذاك الجانب التصويري ، لذلك لا يمكن نقل ما تقوله بثا سمعيا كما تُنقل تفاصيل لوحة فنّية ، فتقف اللغة عاجزة عن البيان في هذا الحقل ، ولكنها يمكن أن تكون عاملا مساعدا على الفهم ومقاربة الدلالة المتخفية في قالب من الأنغام والأصوات منظومة ، كأن تتم تسمية قطعة موسيقية بعناوين لغوية لإكسابها هوية ما توحي بتوجّهها العاطفي والفكري ، أي أنها تتأبى على التفاصيل الوصفية كما رأينا في رواية " الغريق " [11] وهي رواية ناطقة بالهم الموسيقي الذي يحرّكها لأن أبطالها وكل تصرّفاتهم وفضاءاتهم تنسب إلى الموسيقى ولكننا لا نجد توصيفا ذا معنى يفتت القطعة الموسيقية إلى مجموعة معاني رغم أن بعض الشخصيات تغير من سلوكاتها بسبب تأثر بقطعة موسيقة مما يجعل فهم الرواية لا يكتمل إلا بسماع هذه القطعة ، ولا يغني وصفها عن سماعها ، وهذا يعكس اختلاف الآراء في إمكانية حصر المعاني التي يثيرها مقطع موسيقي ما ، لأن هذا الوصف سيكون بمثابة نوع من التأويل القرائي للنصوص المكتوبة كون ردود أفعال المستمعين لنفس المقطع الموسيقي متباينة ولا يمكن توحيدها لأن معطيات التلقي ليست واحدة من حيث المزاج والثقافة والاستعداد .. الخ من العوامل التي لها أحيانا الدور الحاسم في تشكيل الذوق السماعي للمتلقي .

فإذا كانت العلاقة التسيميائية هي نقل لمحتوى ما إلى الأفق اللغوي ، ما هو الفرق بينها وبين الترجمة من لغة إلى أخرى ؟ ، لأن النقل آنف الذكر تكون نتيجته لا محالة زوائد ونواقص في المعنى ، ونجاح النقلة الدلالية تكمن في قدرة المترجم من الوقوف الصائب على ما يُثبت وما يترك ويُهمل ، فإذا كان العمل المنقول ينتمي إلى فن السينما فعليه تقسيم الشريط إلى مشاهد تتباين أهمّيتها من حيث دورها في حمل الفكرة الكبرى للفيلم فيما يشبه مفهوم النص المسيطر le texte dominant لدى لوران جيني ، ولكن التخيّر ليس سهلا باعتبار الخليط المنقول مؤثرا على سير الدلالة المشهدي في الفن السمعي البصري مثل الصور والأصوات والموسيقى المصاحبة وكلها دوال تقول ما لايقال بواسطة اللغة ، ولا بد حفاظا على أمانة نقل روح العمل من الإشارة إلى أثرها النافذ في العمل ، وعند التعرض إلى الحوار نكون بإزاء تحويل أسلوبي وتقنية تلخيصية لها شروطها الخاصة لكي تكون ناجحة ، فالعلاقة التسيميائية أصعب وأعقد من العلاقة التناصية ، رغم أن الثانية لها تعقيداتها أيضا ولكنها ليست من نفس طبيعة الأولى ، فالسينما تحتوي على حوارات بين شخصيات متعددة ، وفضاءات محددة لها تواجد فيزيائي واقعي ، والأصوات المشكّلة للحيز الطبيعي كزقزقة العصافير وخرير المياه وهدير الامواج والصناعي كأصوات السيارات والطائرات والآلات ... الخ ، إضافة إلى المرافقة الموسيقية والتركيب والفصل والوصل بين المشاهد ، والإضاءة والألوان وموقع أخذ الصور بين القرب والبعد ، والأهم من ذلك ، اختيار الممثل كوجه واقعي له أثر على تعلق المشاهد بالفيلم وما يمثله هذا الممثل من كاريزما مما يفسّر غلاء أسعار التمثيل في الصناعات السينمائية ، فالممثل قد يحتكر الاهتمام فتتركّز عليه الأنظار من حسن الأداء ، وهذه المعطيات كلها تساهم في إيصال المعنى المتدفق من مسارب مختلفة .

كما أن تقنية العرض لمحتوى المعروض تختلف علائقيا حسب الوسيلة التي نتخذها توصيلا  والمنطق المقارن بين نص أدبي وفيلم سينمائي يبقى آلية إفهام ذات جدوى ، فالنص الأدبي في عرضه لرسالة من شخصية إلى آخرى نجد الراوي يثبتها كتابة ، أما على مستوى الوسيلة البصرية فالممثلة تفتح الرسالة وتقرأ نصفها بينما يُعرض نصفها الثاني عبر مشاهد من خلال الفلاش باك لأن الرسالة كانت بصدد سرد ذكريات قديمة في قالب عتابي من حبيب سابق ، كما أن المخرج يمكنه تجاوز ما سكت عنه النص الأدبي بإثبات مؤثرات صوتية لم ترد في الرواية التي أُخذ منها الفيلم ، فنقل المحتوى من نص أدبي إلى وسيلة سمعية بصرية يتأتى بتفتيت الأول وتقسيم أجزائه والتصرّف فيه عبر عدة بدائل ومع ذلك لا يمكن اتهام العمل أنه خرج عن النص الأصلي لأن العلاقة التسيميائية تسمح له بذلك ، فهل يعني هذا أن التعالق بين أنظمة سيميائية متعدّدة هو بذاته نوع من التأويل كون المستهلك للخطاب النصّي يستوعب المعنى ثم يعبر عنه بوسيلة توصيل أخرى غير اللغة ، ولكن الأمر يتم دوما من خلال فهم خاص للفرد وقدرته على الاستيعاب .

يحضرنا هنا مثال يتّسم بخصوصية مائزة ، يتمثل في تحويل العمل الأدبي واستبدال وجهة الخطاب من الكبار إلى الصغار ، حيث يتم انتخاب وحدات دلالية بعينها مع إعادة الصياغة في استخدام لغة الحلم واستحضار عوالم وفضاءات تتسم بالخوارق والبطولات والنهايات السعيدة ذات العبرة والحكمة ، وهذا الانتقال بالنص وإخراجه إلى عوالم غير التي خلق لها هو من قبيل التحويل عبر سيميائي[12] لأن أدوات الفهم ليست نفسها ، رغم أن إخراج العمل يتم عبر اللغة ولكنها لغة خاصة بفئة معينة .

إن العلاقة عبر سيميائية تخلط أوراق من بدا له وهما أنها مرتبة في ذهن كلاسيكي يكتقي باستيعاب مظاهر الأشياء وفقا لمقولة فرانز كافكا " الكُتّاب يرسمون ، والرسامون يكتبون "  والتبادل لوظائف الحس هذا يتم دون علمنا في مقررات كثيرة لتجليات المحسوسات بين مضمر منها وظاهر لأن طرائق الفهم تتنوّع وتتداخل من منظور وظيفي ، فالفنون التصويرية تؤثر على فن الكلمة ، لأن الرواية التي تنقل حوادث عصرها تنقل بالضرورة محتويات فنون أخرى ، وهذا سيتدعي تحديد الفروقات السيميولوجية .

فروكاردو الذي نظّر للسيميولوجية يدرك أن العلامات المكتوبة تعود للمقروء بينما السينما مثلا تعود للتمظهرات البصرية والتفاوت بينهما أن الأولى صورة ذهنية تتشكل بداية من رموز تتمثل في صورة خطية للحروف بينما الثانية مدركة ابتداءا كصور تجسيدية ولو لمتخيّل ، فالكتابة عبارة عن شفرة مفتاحها في يد من تعلّمها وإلا هي مجرّد أصوات وخزعبلات خطية بينما قد نكتفي فهما أو تأويلا بمجرّد عرض الصور السينمائية في تتابعها المشهدي ، كما قد يحضر السمعي البصري في العمل السردي كمكون نصي وسياقي معا ، وكذلك حضور الفنون الجميلة بشكل عام ، وتلاحظ هذه الظاهرة خاصة لدى مؤلفين بدأوا حياتهم بدراسة الفن كما هو الأمر عند فرانز كافكا ، فنجد لديهم هوس خاص بالتصوير يؤطّر الرؤية السردية سواء كانوا على وعي بذلك أم لا ، وهذا الأمر شكّل تداخلا عبر سيميائي ملفت في ثنايا نصوصهم ، يظهر ذلك في تواتر الذّكر المكثف لأعمال رسامين وتوصيفها المفصل وحكي شبه تفصيلي لفيلم مشاهَد ، فكيف نقل الروائي هذه العوالم التي تختلف نوعا عن الفن اللغوي ؟ ، حين نجد مثلا ومن بداية السرد إلى منتهاه في فصل روائي كامل تركيزا على شخوص يسترعي انتباهها ألوان اليخوت الراسية وأطوالها ، والفلل وأحجامها والطرقات واتّساعها والساحات المنظور إليها كمساحات، وهندسة الأبنية ، واتساع فجوة المرئي عند عرض صورة المصاعد واختلاف تكويناتها ، والألحان وما تثيره من تراقص للأجساد ، ويتم هذا الوصف عموديا وأفقيا في ظل خنق شبه كلّي لصوت الداخل النفسي ، فإن عُرض فيكون ذلك عبر تمظهره ، كتابة إلى السيناريو أقرب لأنها تتجاوز الانفعال عند الشخوص من حيث هو انفعال ولكن تركز على نتائجه الحدثية ، فأنت تقرأ كأنك ترى، في مفارقة واضحة حين ترى وكأنك تقرأ ، فالآراء تستعرض من خلال حوار تصحبه إشارات الأيدي وحركات جسمية مثل تقاطيع الوجه المعبّرة عن حالات نفسية متغايرة ، وهذا يعكس مفهوم الغائية الفنية المطلوبة من النص الأدبي الذي يتحول في أكثر الأحيان إلى عمل سينمائي أو تلفزيوني بجرّد حصوله على شهرة ما ، والشهرة محط أنظار كل المؤلفين الأمر الذي يُفهم به هذا التحول في منظور الغاية الفنية وأثرها على طريقة صياغة العبارة الأدبية ، ويمكن أن يُتخذ الأدب الأمريكي المعاصر مثالا على هذا التوجّه ، مما يشكل انفتاحا للسرد على الفنون الأخرى التي تغتني به وتُغنيه، في نوع من المنافسة بينهما ولكنها ديناميكية ومتسارعة بغية التأثير في المتلقي .

نستشف ذلك في الواقع الثقافي الأوروبي والأمريكي حين يتوزّع اهتمام المتلقين بين الأفلام وقراءة الكتب والذهاب إلى المسرح حتى تتقطّع أنفاسهم بفعل ترويج الأعمال المنتسبة لهذه الحقول الثقافية عن طريق الدعاية ، فهل العلاقة عبر سيميائية المكتشفة هي التي تسهّل كل هذا التفاعل المحموم ؟ ، وما أثر هذا التداخل على التصنيف النوعي للأدب ؟ وهل نتبنى مفهوم بارت حول المشاعية النصّية ونظام الشذرات les fragments ؟ وما هو نظام القراءة في الكتب التي تشفّع نصوصها برسومات رسمها المؤلف ذاته ليجد المتلقي نفسه أمام مقروء l’aspect lisible متبوع بمنظور l’aspect visible أو العكس ؟ وما أثر أحدهما على الآخر في إيصال المعنى ؟ فقد اشتهر في عيون الدارسين أن الأول يوضح الدلالة بينما الثاني يعرضها ، ولكنه عرض يتراوح بين الوضوح الشديد والغموض الذي يلجئ إلى التأويل ، فحينما تُعرض صورة لذاتها ليس الأمر كما تُعرض صورة ذات أفق رمزي ، بينما تستطيع الكتابة توضيح المقاصد بالتفسير والتبرير وحتى التأويل يُستجلب عبر حجاج عقلي غرضه الإقناع بالتتبّع والتفصيل ، فالكتابة تستطيع أن تقدم الشرح بينما تبقى الصورة عاجزة تنتظر من يلبسها معنى ما خاصة إذا كانت تحتوي أبعادا دلالية تتجاوز المتعارف عليه بصريا .

فالغاية الآن هي إيجاد حوار بين هذه الوسائط كلها ، وتوصيف ما تتفرّد به كل وسيلة إيصال دلالية ، هذا الحوار يستوجبه الوجود المكثف للسمعي البصري في حياتنا والذي يزداد تعاظما كلما ازداد دور التكنولوجيا في الحصول على المعرفة ، وبحكم التثاقف بين الأمم واللغات في عالم أضحى قرية صغيرة ، حيث يتعرف المرء على المختلف والآخر في كل مناحي الحياة : آثاره الأدبية ، فنونه في الرسم والرقص والتصوير والموسيقى والسينما، وتعرض كلها وجهة نظر الآخر العقائدية والاجتماعية والفكرية ، مما يجعل القدرة على فك طلاسم التشفير الفني ضرورة قصوى تصنع الفرق بين المثقف والأمي بالمفهوم الجديد ، ولا يتم ذلك دون وعي عبر سيميائي أو تسيميائي حسب تأسيسنا للمصطلح .

 

 

 

 

 

 



[1] ــ Théorie du texte  . Roland Barthes  . Encyclopaedia Universalis . p  373 .

[2] ــ Théorie du texte . p 373 . 

[3] ــ  Nouveau Dictionnaire encyclopédique des sciences du language . Oswald Ducrot . Jean Marie Schaeffer . Seuil . Paris . 1995 . p 494         

[4] ــ   Sens et Textualité . François Rastier . Hachette . Paris . 1989 . p 281 .

[5] ــ Essais de linguistique générale . Minuit. Collection double.Paris. 1963. P 79

[6] ــ صورة موجودة في متحف اللوفر بباريس .

[7] ــ Le Naufrage de Don Juan

[8] ــ L’Assommoir . Emile Zola . Le Livre de poche . Paris . p 125 .

[9] ــ Dictionnaire de rhétorique . Georges Molinié .Le livre de poche . 1992 . p 121 .

[10] ــ poesies . Stéphane Mallarmé . Gallimard . Paris . p85

[11] ــ Le Naufragé . Thomas Bernhard . Gallimard . Paris . 1986 .

[12] ــ مصطلح رديف لمصطلح سابق أثبتناه بلفظ : التسيميائية ، وقد  يكون له بديلا  وإن كنا نفضل الثاني لكونه من لفظ واحدة احتراما لوظائف المصطلح .