pdfفضاء المدينة في رواية "ذاكرة الجسد"

شعرية التناص

فتيحة شفيري                            

جامعة امحمّد بوقرة بومرداس - الجزائر

الملخص:

تداخلت رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي تداخلا نصيا واضحا مع رواية "رصيف الأزهار لم يعد يُجيب" لمالك حداد، وقد تبيّن هذا خصوصا في فضاء المدينة، التي تجسدت في "قسنطينة" و"باريس"، ففيهما عاش البطل "خالد بن طوبال" حياةً الأمل والألم.

اختارت أحلام مستغانمي من الفضاء الأول "قسنطينة" عدة فضاءات جزئية، فكان البيت، والشوارع، والجبال، والثانوية، وهي الفضاءات الجزئية نفسها التي ذكرها مالك حداد، لكن الفرق بين الكاتبين أن أحلام قد أدخلت أحداثا زمنية جديدة إلى هذه الفضاءات لم تكن موجودة عند مالك حداد. واتفقت أحلام مع حداد في جعل باريس فضاء للإلهام والإبداع الفني، فخالد هو الرسّام المشهور في "ذاكرة الجسد"، وهو الشاعر والروائي المتمكن في "رصيف الأزهار". كان البيت هو الفضاء الجزئي المشترك في الروايتين، وأضافت أحلام فضاءات جزئية أخرى في روايتها، مثل فضاء المعرض، وفضاء المقهى، وحذفت في المقابل فضاءات وأحداثا تضمنتها رواية "رصيف الأزهار". وهذا الحذف والإضافة هو سمة أساسية في شعرية التناص، وهذا ما سوف نبينه في بحثنا هذا .

Résumé

Le roman « Mémoire de la chair » de Ahlam Mosteghanemi s’entremêle clairement d’un point de vue contextuel avec le roman de Malek Haddad «Le quai aux fleurs ne répond plus », ceci est évident en particulier dans l’espace des villes, à savoir « Constantine » et « Paris » où le héros « Khaled Ben Toubal » a passé sa vie d’espoir et de douleur.

De l’espace «Constantine», Mosteghanemi a choisi plusieurs sous-espaces, dont la maison, les rues, les montagnes, et le lycée, et ce sont les mêmes sous-espaces cités par Malek Haddad, néanmoins la différence entre les deux auteurs réside dans l’introduction par Mosteghanemi de nouvel événements temporels à ces espaces qui n’existaient pas chez Malek Haddad.

La ville de Paris était pour Khaled, le héros et célèbre peintre du roman «Mémoire de la chair», était un espace d’inspiration et d’ingéniosité artistique, elle était également inspiratrice du poète et romancier talentueux du roman « Le quai aux fleurs ne répond plus ».

La maison était le sous-espace commun dans les deux romans, mais Mosteghanemi a ajouté d’autres sous-espaces passés sous silence dans le roman de Haddad, tel que l’espace de la foire et l’espace de la cafétéria. Elle a en revanche supprimé des espaces et événements qui font partie du Roman de Haddad et cette suppression ou addition est une caractéristique fondamentale de l’intertextualité poétique.

حظيت رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي باهتمام النقاد والقرّاء من مختلف أقطار الوطن العربي، ومن الذين أُعجبوا بهذا العمل الروائي، الشاعر الكبير "نزار قباني" الذي قال عنها ((روايتها دوّختني، وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق))[1]، فقد استطاعت هذه الروائية تحطيم الزمن الكرونولوجي، إذ لا تراتبية زمنية في عملها هذا، وما هو موجود هو ذلك الزمن الدائري الذي يُشكل سمة روايات "تيار الوعي"((التي تعتمد إلى حد كبير على الحالات السيكولوجية، ومن ثمّ يسيطر على الرواية الزمن النفسي، وهو زمن غير منتظم))[2]، فلا يمكن الربط بين أزمنة الرواية المختلفة من ماضِ وحاضر ومستقبل إلا بإعادة قراءتها مرّات عديدة.

وكانت اللغة السردية في "ذاكرة الجسد" عاملا مؤثرا آخر، فقد بيّنت أحلام تمكنها الكبير من هذه اللغة التي جاءت شعرية في أغلبها، ذلك أن الروائية خاضت تجربة الشعر قبل أن تتجه إلى كتابة الرواية، فقدمت ثلاثة دواوين شعرية هي "على مرفأ الأيام" [3] ، و"الكتابة في لحظة عري"[4]، و" أكاذيب سمكة" [5]و" الكتابة في لحظة عري"، وقد أكد الشاعر نزار قباني السمة الشعرية التي طبعت رواية "ذاكرة الجسد" حين قال: ((ولو أن أحدا طلب منّي أن أُوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر .. لما ترددت لحظة واحدة))[6].

ولم تؤثر " ذاكرة الجسد" في جمهور النقاد والقرّاء بعامل الزمن الدائري، أو اللغة الشعرية فقط، بل كذلك بفضل تداخلها مع رواية أخرى نالت شهرة كبيرة هي رواية "رصيف الأزهار لم يعد يجيب " للروائي القسنطيني المعروف باللغة الفرنسية "مالك حداد". وقد ساعدني على اكتشاف هذا التداخل بين "ذاكرة الجسد" و"رصيف الأزهار لم يعد يجيب" عاملان أساسيان، العامل الأول هو إهداء أحلام الذي جاء في الصفحة الأولى لروايتها "ذاكرة الجسد"، لمالكحداد، الذي مات "بسرطان صمته" حسب تعبيرها، لأنه رفض مواصلة الكتابة باللغة الفرنسية في ظل الجزائر المستقلة ((...ليصبح شهيد اللغة العربية، وأول كاتب يموت قهرا وعشقا لها))[7].  والعامل الثاني هو قراءاتي المتكررة للرواية، واكتشافي المرة بعد المرة لأوجه التعالقات النصية بين هذه الرواية ورواية "رصيف الأزهار..".

وجدير بالذكر في هذا الصدد أيضا تصريح الروائية ذاتها بأن علاقتها بمالك حداد لم تتأسس بعد وفاته كما يظن بعضهم، ولكنها تأسست في حياته، وذلك في فترة السبعينيات، حين كان على رأس اتحاد الكتّاب الجزائريين ، وكانت علاقة إعجاب متبادل بين الطرفين. تقول : ((التقيت مالك حداد في السبعينيات، تقاطعت خطاي به في اتحاد الكتّاب، وأنا في العشرين من العمر، وكم فرح بكاتبة ذات لغة عربية جميلة)) *.

وقد لمست من خلال قراءتي المتفحصة لروايتي أحلام ومالك حداد أنّ الكاتبين عاشا هاجس المدينة، فعددا فضاءاتها وتغيراتها الزمنية ، وقد ساعدهما فن الرواية في تصوير ذلك الهاجس، لأنه أقدر الأجناس الأدبية تعبيرا عن فضاءات المدينة. يقول جابر عصفور : ((لم يكن غير فن الرواية فنا يستطيع بمرونة شكله تجسيد تحوّلات العلاقة بين الطوائف والأجناس والأعراق البشرية، في فضاء المدينة الإحيائية المتحوّلة بدورها))[8]، فالمدينة إذن لم تبق مجرد مكان طوبوغرافي هندسي، بل هي، ووفقا لهذه المتغيرات الزمنية المرتبطة بالتعدد الفضائي، حياة نابضة، وانعكاس لصورة الفرد الذي يرغب في التواصل الدائم معها. يقول عبد الرحمن يطو : ((... ما نسعى إليه، هو الحديث عن المدينة كمكان تتلاشى فيه الأبعاد الهندسية والمعالم الطبوغرافية الحسيّة الخارجية لتتبلور في صورة حميمية وعاطفية))[9].

  ولأن أحلام تأثرت بمالك حداد، فقد اختارت أن تعالج فضاء المدينة مثلما عالجها هو، فكان فضاء "قسنطينة" و"باريس"، قسنطينة تمثل " الأنا"، وباريس  تمثل"الآخر" . ووفقا لهذا، سنحاول إبراز صورة هذين الفضاءين عند أحلام، كما سنبين طبيعة العلاقة التي أسسها البطل المحوري "خالد بن طوبال" مع فضاء الأنا، ثمّ مع فضاء الآخر، محاولين في ذلك تقصي ما أضافته أحلام لهذه العلاقة، وما حذفته منها.

وجدنا من خلال قراءتنا المتعددة لرواية "ذاكرة الجسد"، أن أحلام مستغانمي قد غيّرت من صورة المدينتين، ومنحتهما حياة أخرى، تأسست ماضيا وتواصلت حاضرا، لتبقي على انفتاحية زمنية مستقبلا، يعني هذا أن الروائية قد أضافت صورا لهذه الحياة لم نجدها عند مالك حداد، كما حذفت صورا أخرى كانت موجودة في "رصيف الأزهار". إن أحلام إذن قد أنشأت نصا ثانِيا جديدا، يندرج ضمن تعريف الناقد البِنوي "جيرار جينيت"، الذي اهتم بالتنظير لصورة النص الثاني وعرّفه على أنه: ((كل نص ينشأ من نص سابق عن طريق تحويل بسيط أو تحويل غير مباشر))[10].

قامت أحلام إذن بتحويل غير مباشر لنص مالك، لتؤكد بذلك أن عملها لم يكن قائما بذاته فهو كنص لاحق hypertexte ، قد ارتبط بصورة غير مباشرة بنص سابق hypotexte ، الذي حددناه بعمل مالك حداد "رصيف الأزهار". وعن طبيعة العلاقة الموجودة بين اللاحق والسابق يقول جينيت((إن النص اللاحق لا يذكر أبدا النص السابق، ولكن مع ذلك لا يمكن أن يوجد دونه))[11] ، ووفقا لهذا سنحاول رصد ما أضافته أحلام وما حذفته من نص رواية "رصيف الأزهار .."، لتكون البداية مع فضاء المدينة الأولى "قسنطينة" ، ثمّ ننتقل بعدها إلى فضاء المدينة الثانية " باريس".

 1_فضاء قسنطينة:  

ارتبط بطل "ذاكرة الجسد" بالمدينة الصخرة ارتباطا زمنيا مستمرا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا، فقد كانت هذه المدينة ذاكرته التي أسست وجوده حيث ((نجد قسنطينة حاضرة في كلّ شيء في البيت وفي الغرفة وفي المعرض، وعن طريق الفتاة الزائرة التي تسمى "حياة"، فهي تاريخه وذاكرته))[12]، ونسبة حضور المدينة الصخرة في عمل مستغانمي تتطابق مع نسبة حضورها في عمل حداد، لكن صورة هذا الحضور وكيفيته قد اختلفت في الروايتين، وسنحاول رصد ذلك من خلال الفضاءات الجزئية للمدينة الصخرة التي هي على التوالي: فضاء البيت، فضاء الشوارع، فضاء الجبال، وفضاء الثانوية. 

1-1 فضاء البيت:

جاء هذا الفضاء في صورة استرجاعية اتضحت معالمها في العملين معا، حيث قام البطل خالد باسترجاع ذكرياته عن هذا الفضاء الحميمي الذي هو البيت، وبهذا يتأكد فعلا ما ذهب إليه "غاستون باشلار" حين قال : ((بفضل المنزل يستقر العديد من ذكرياتنا))[13].

وقد استأنس البطلان باستحضار ذكرياتهما عن البيت العائلي، إذ شكّل حضور الأم  المعنوي عند بطل "ذاكرة الجسد" راحة نفسية كبيرة من حالة التوتر التي عاشها جرّاء عودته الإجبارية إلى قسنطينة لحضور عرس حبيبته حياة : ((هاأنا أسكن ذاكرتي وأنا أسكن هذا البيت، أكاد أرى ذيل "كندورة" (أمّا) العنابي يمر هنا، ويروح ويجيء بذلك الحضور السري للأمومة))[14]. هي تلك الراحة النفسية التي عرفها أيضا بطل "رصيف الأزهار" عند معايشته مرة أخرى الأيام الهنيئة التي جمعته بزوجته وريدة، وأطفاله الصغار: ((بالأمس كان لي منزل، وكنت أعيش هانئا في منزلي، وكان ذلك المنزل ملكي أنا))[15]، وما استرجاع صورة البيت الحميمية  هذه  إلا تأكيد لما ذهب إليه باشلار حين قال: ((المنزل الأصلي موجود فينا))[16].

 وقد رغب بطل العملين في التواصل الإيجابي مع حاضر المدينة مثلما تواصل من قبل مع ماضيها، وهذا من خلال تكثيف الارتباط النفسي بهذا الحاضر،  فإذا عرف بطل أحلام مستغانمي هذا التواصل ماديا من خلال انتقاله الفعلي لبيته العائلي، فإن انتقال بطل مالك حداد إليه كان انتقالا معنويا، فالبطل الأوّل كان فرحا بالمسامرات الليلية التي كانت تجمعه بأخيه الأصغر حسان، كما كان يسعد بحركية أولاد أخيه التي لا تهدأ : ((كان لوجودي في ذلك البيت العائلي الذي أعرفه ويعرفني، تأثير على نفسيتي في تلك الأيام، لقد كنت أعود إليه كلّ ليلة، وكأنني أصعد نحو دهاليز طفولتي البعيدة، لأصبح جنينا من جديد))[17].

وإذا كان بطل مستغانمي قد عرف عن قرب لحظات السعادة فإن بطل حداد قد تخيل استمرارها في بيته العائلي، ولجوء هذه الشخصية للخيال إنما هو هروب من حالة الإحباط النفسي التي كان يعيشها في منفاه الباريسي بسبب أخبار القتل والموت التي كانت تصل إليه من وطنه الجزائر الذي كان تحت نير الاستعمار الفرنسي : ((... بينما هذا أُلقي عليه القبض، وذاك عُذب، وذاك لم يعد يُسمع عنه خبر))[18]، ومن أحلام اليقظة هذه أن الأولاد نائمون في هناء، وأن وريدة زوجته كعادتها تقوم  برعايتهم : ((لك الحمد يا إلهي، الدار يشّع فيها جو من الدفء الناعم، والأطفال نائمون))[19].

لكن ما يُميز هذه الشخصية عند مالك حداد هو أنها، وعلى الرغم من انغلاقها المباشر على ذاتها وعلى العالم الخارجي، إلا أنها حققت تواصلا مع العالم، وهذا ما لم نجده عند أحلام مستغانمي التي حذفت علاقة خالد بالعالم الخارجي، وبدلا من ذلك جعلت بطلها منغلقا على ذاته أكثر، ويتطابق هذا وما ذهب إليه جيرار جنيت حين يقول : ((لا يمكن أن نختصر دون أن نحذف، ولا يمكن أن نتوسع دون أن نضيف))[20].

لقد ارتبطت عودة بطل أحلام النهائية بتغيرات سلبية كبيرة:

أولا خسارته النهائية لـ"حياة" الحبيبة التي كانت تمثل له الوطن بعد زواجها من (سي...) أحد ممثلي المجتمع  القسنطيني الجديد : ((أراك لأوّل مرة، بعد أشهر الغيبة تلك، تمرّين قريبة وبعيدة، كنجمة هاربة... مثقلة الأثواب والخطى، وسط الزغاريد ودقات البندير))[21].

ثانياخسارته لأخيه حسان الذي اغتيل في مظاهرات 1988 بالجزائر العاصمة : ((مات، ولا حب له سوى الفرقاني ... وأم كلثوم... وصوت عبد الباسط عبد الصمد، ولا حلم له سوى الحصول على جواز سفر للحج وثلاجة))[22].

ولقد وجدنا مثل هذه التغيرات السلبية عند بطل مالك حداد لكن دون أن ترتبط بعودته إلى البيت العائلي، ومن هذه التغيرات خيانة "وريدة" له، زوجته الحبيبة، مع أحد ضباط الجيش الفرنسي، وقد عرف البطل حكاية هذه الخيانة مصادفة، بعد أن تصفح إحدى الجرائد التي أحضرتها له "كاترين"، زوجة صديق طفولته المحامي "سيمون كاج". وعوضا أن يواصل طريقه إلى مقاطعة "بروفانس" لزيارة صديقه قرر أن يضع حدا لحياته، بأن يرمي نفسه من القطار الذي كان منطلقا إلى تلك المقاطعة.

إذن، فالتغيرات التي عرفها بطل مستغانمي كانت بقدر سلبيتها بقدر ما عززت عرى التواصل بينه وبين فضاء البيت، في حين أن التغيرات التي حدثت لبطل حداد، قد جعلته ينفصل عن بيته العائلي بشكل مفاجئ.

وإذا ركزنا على الجانب الوصفي للبيت العائلي، فإننا نقول بأن أحلام مستغانمي قد سارت على خطى مالك حداد عندما اهتمت بوصف هذا الفضاء وصفا تعبيريا، مبتعدة عن الوصف التصنيفي، فهذا الفضاء بالنسبة لبطل أحلام كان فضاء نفسيا، عكس من خلاله خالد مشاعره المرتبطة بصدق مع الأم في حياتها ثم بعد مماتها، ومع حسان في صغره وفي كبره، ومع أطفال أخيه فيما بعد. وهنا يجب أن نشير إلى أن أحلام وعلى لسان بطلها، قد لمّحت إلى اتساع البيت العائلي، فقد بدا لنا أن عدد الغرف بهذا الفضاء كان كبيرا وغير محدود، إضافة إلى ذلك فهو عتيق : ((تمنيت لو طلبت من عتيقة أن تضع لي في المستقبل فراشا على الأرض، تماما كما تفعل مع أولادها الذين ينامون في الغرف الأخرى على فراش أرضي مشترك يوحي بالدفء))[23]. أما بالنسبة إلى مالك حداد فلم تتشكل عنده صورة الوصف المادي للبيت العائلي، ولو بشكل غير مباشر، إذ لم نصل إلى معرفة ما إذا كان هذا الفضاء الجزئي واسعا أم ضيّقا.

1-2 فضاء الشوارع:   

لم تختلف أحلام عن مالك في جعل أحياء وشوارع المدينة الصخرة فضاء للثورة والنضال، لكن هذه الصورة لم تكن متطابقة عند كليهما، فقد ارتبطت عند أحلام بزمنية محددة هي الماضي فقط، بينما عرفت عند مالك فترتين زمنيتين متعاقبتين هما الماضي والحاضر.

من هذا الماضي الثوري اهتمت مؤلفة "ذاكرة الجسد" أولا برصد علاقة بطلها بأحداث الثامن ماي 1945، حيث كان مشاركا فعّالا فيها، لتكون النتيجة دخوله سجن "الكديا" في سن صغيرة : ((اليوم.. عندما أذكر تلك التجربة، تبدو لي لكثافتها ودهشتها وكأنها أطول ممّا كانت، رغم أنه لم تدم بالنسبة لي سوى ستة أشهر فقط قضيتها هناك، قبل أن يطلق سراحي أنا واثنين آخرين لصغر سننا))[24]. هذه المشاركة في تلك المظاهرات لم يعرفها بطل "رصيف الأزهار"، ليربطنا المؤلف بما بعد هذه الأحداث من خلال رصد جو الحزن الذي لفّ المدينة : ((.. وكانت البلاد تداوي بمشقة جروحها ممّا أصابها في الربيع الدامي))[25].

وإذا حذفت أحلام من روايتها سرد ما وقع بعد مظاهرات الثامن ماي 1945، فقد قامت بحذف حدث آخر شكل اهتماما كبيرا لدى مالك حداد، هو تلك الصداقة البريئة التي تأسست بين خالد بن طوبال وبين سيمون كاج، فقد كانا شابين يافعين جمعهما حبّ الشِعر ونظمه، وقد أراد حداد من خلال هذه الصورة تحقيق توأمة روحية بين الطرفين، بل بين بلدين هما الجزائر وفرنسا، وهو ما يعكس البعد الإنساني الذي ميز المؤلف في كل أعماله الإبداعية.

إذن، فقد قامت أحلام بتوظيف تقنِيتين أساسيتين في روايتها، الأولى: التوسع الموضوعاتي عندما ركزت على أحداث الثامن ماي، وارتباط البطل المباشر بها، والثانية: حذف ما أعقب مظاهرات الثامن ماي من أحداث مختلفة موجودة في عمل مالك حداد، ومنها صداقة خالد مع سيمون، وقد بيّنت المؤلفة من خلال هذا الحذف أنه لا يمكن أن تتأسس علاقة بين بلدين أحدهما يحتل الآخر، ويعمل على إلغاء قيمه وثوابته، إنه رفض للاستعمار كوجود، لتُحذف بذلك النظرة الإنسانية التي عبر عنها مؤلف "رصيف الأزهار".

ولم ترصد أحلام رصدا دقيقا المتغيرات الحياتية التي عرفها هذا الفضاء في ظل الثورة التحريرية، بل عبّرت عن ذلك بصفة عامة، فشحذ الهمم، والإيمان بالوطن كانت السمة النضالية للناس في تلك الفترة، ومنهم خالد الذي قرر الالتحاق بالجبل لتكريس مفهوم الجماعة التي كان عليها مهمة تحقيق الاستقلال للبلد المحتَل.

وعمومية هذا الفضاء في هذه الفترة عند مستغانمي، تقابلها خصوصيته عند مالك حداد، حيث سرد لنا ذلك التطور الذي عرفته علاقة خالد بسيمون، وكان الصديقان قد انفصلا عن بعضهما لأن الآخر(سيمون) قد غادر الجزائر نتيجة اندلاع الثورة التحريرية.

ولم ترتبط أحلام بالزمن الماضي فقط، وهي تعالج هذا الفضاء الجزئي، بل اهتمت برصد متغيراته في الزمن الحاضر، وتحديدا في فترة الثمانينيات، ففي هذه الفترة الزمنية الهامة من عمر الاستقلال، تغيرت صورة المدينة، لتظهر إلى السطح قيم جديدة لم تُعرف من قبل، منحها الفرد حياة ووجودا : ((المدينة نمط حياة، والإنسان سلوك مكاني. إن المدينة خطاب سوسيو ثقافي لا يخلو من دلالات ظاهرية، تؤسس لهوية الجماعة البشرية التي تأهله في علاقتها بوعي المكان))[26].

وقد أخذت هذه الفترة الزمنية مساحة نصية هامة في "ذاكرة الجسد"، لم يعرفها عمل مالك حداد، ذلك أن حاضر السرد في "رصيف الأزهار" ارتبط بفترة الخمسينيات التي عكست قيما معينة، أهمها حب الوطن، والإخلاص له حتى الموت، وما قامت به أحلام هو إضافة نوعية، ساعدت على تغيير ملامح صورة المدينة التي جاءت في عمل مالك حداد، ذلك أن ((النص اللاحق عندما يُغير العالم الزمكاني للنص السابق، فإنه يعمل على تقريب وتجسيد هذا العالم))[27]. فأحلام قربت لنا العالم الجديد الذي كان سلبيا في معظمه، وقد أخذت هذه الصورة مرحلتين زمنيتين، الأولى شكلتها بداية الثمانينيات، عندما ضيّع خالد الوطن(حياة) بزواجها من(سي...)، فرأى حينها أن كل من كان يؤمن بالقيم الإيجابية كالوفاء والإخلاص قد خسر نفسه عندما باعها لـ(سي...) وجماعته. ومن أهم هذه الشخصيات التي جسدت هذا الانتقال القيمي، "سي الشريف" عم حياة، ورفيق خالد في الكفاح المسلح، ذلك الذي قبل تزويج ابنة أخيه من أحد مؤسسي المجتمع الجديد : ((كان سي الشريف يدري أنه يقوم بصفقة قذرة، وأنه يبيع بزواجك اسم أخيه، وأحد كبار شهدائنا مقابل منصب وصفقات أخرى))[28].

كان خالد في هذه المرحلة الزمنية ينتقل يوميا إلى شوارع قسنطينة الضيّقة،محاولا التخلص من الضغط النفسي الكبير الذي ولّده اقتراب عرس حياة. والملاحظ أن أحلام لم تركز على شارع بعينه، بل كان وصفها  لهذا الفضاء الجزئي وصفا عاما : ((..لا تركز على شارع دون آخر، فهي متشابهة، تختلط  فيها أصوات الباعة، ولا فرق هنا بين أن تمشي أو تجلس أو تتوقف، فهذه الشوارع كلها تدور في حلقة مفرغة))[29].

وقد رصد البطل من خلال انتقاله هذا صورة الناس، حيث يتزاحمون في هذه الشوارع، مسرعين في خطاهم، قابلين بتلك التناقضات التي تزخر بها مدينتهم التي تضيع مابين الجوع الجسدي وبين الصفاء الروحي الذي تعلنه أصوات المآذن : ((...كما تصف الكاتبة كثرة المآذن وما يقابلها من صحون هوائية تقدم لك أكثر من طريقة لممارسة الهوى، وكأن هذه المدينة ترغبك في الشيء ثم تمنعك بنفس القوة، فهي مدينة المتناقضات))[30].

وإذا ارتبط خالد بشوارع المدينة في المرحلة الزمنية الأولى، فإن الأمر لم يكن كذلك في المرحلة الزمنية الثانية، التي جسدتها أحداث 1988، ليتواصل البطل مع هذه الشوارع بصورة غير مباشرة، فقد كان يطل على جزء منها من خلال نافذة بيته العائلي، ذلك أن حادثة اغتيال أخيه الأصغر أجبرته على البقاء في البيت، تاركا لأفكاره العنان من أجل كتابة روايته عن أناه الذاكرة، عن حياة( الوطن)، وعن زياد الشاعر الفلسطيني الذي يمثل الذات المنفية، وعن كل الذين عرفهم في حياته النضالية أو حياته الثقافية بالمدينتين المتناقضتين: قسنطينة وباريس.

إذن فقد عكس لنا بقاء البطل في فضاء البيت، نظرته السوداوية لحاضر المدينة، ولمستقبلها كذلك : ((بين أوّل رصاصة وآخر رصاصة تغيرت الصدور، تغيرت الأهداف.. وتغير الوطن، ولذا سيكون الغد يوما للحزن مدفوع الأجر مسبقا))[31].

1-3 فضاء الجبال: 

انتقل البطل إلى هذا الفضاء انتقالا ذهنيا، لكن صورة هذا الانتقال قد اختلفت في الروايتين، فكان انتقالا استرجاعيا واقعيا عند بطل "ذاكرة الجسد"، ذلك أن خالد في هذه الرواية قد تواصل بشكل مباشر مع هذا الفضاء، أما الانتقال الذهني الذي جسده بطل "رصيف الأزهار" فكان انتقالا افتراضيا، مرتبطا بشخصية معينة هي وريدة، لتكون صورة تواصل البطل بهذا الفضاء الثوري تواصلا غير مباشر.

نقول إن أحلام مستغانمي قامت بتحويل كبير لهذه العلاقة، فمن الصورة المباشرة إلى الصورة غير المباشرة، فقد أصبح خالد قريبا من هذا الفضاء، معايشا له بعد أن كان بعيدا عنه في عمل مالك حداد. إنه الارتباط الروحي والجسدي مقابل الارتباط الروحي فقط.

2- فضاء باريس: 

كانت قسنطينة ذلك الفضاء الذي أجهض حلم البطل خالد، فهو عند أحلام لم يستطع تحقيق النصر وإخراج المستعمر من مدينته ووطنه، والسبب بتر ذراعه الأيسر في حرب التحرير، أما عند مالك فهو لم يعرف تلك السعادة التي تمنى أن يعيشها مع زوجته وحبيبته وريدة لمطاردة المستعمر له بسبب أشعاره الثورية.

وإذا لم يُمارس البطل في فضاء قسنطينة وجوده وإرادته، فإنه في فضاء باريس حقق ذلك الوجود وتلك الإرادة، من خلال ممارسته لفعل الإبداع، فخالد أحلام دخل غمار الرسم، أما خالد مالك فقد اقتحم عالم الكتابة الروائية. إن فضاء الآخر حسب أحد النقاد هو ((مكان للحرية ومصدر للتغيير))[32].

والملاحظ أن هذا الفضاء الجديد لم يمنع خالد بأن يرتبط بمدينته الأم، فقد جعلها خالد أحلام حاضرة في أغلب رسوماته، إذ قرّب الناس هناك من أهم معالمها المتمثلة في أحد أشهر جسورها وهو جسر "سيدي راشد"، بينما خلّد خالد مالك مدينته في تلك الرواية التي قرر فيها مواجهة الحرب الدائرة في وطنه بأن يدعو إلى التعايش السلمي بين الأنا والآخر. وقد ارتبط خالد وهو في باريس بفضاءات متنوعة، من بينها فضاء المنزل، وفضاء المعرض، وفضاء المكتب.

2-1 فضاء المنزل:

جعلت أحلام مستغانمي بطلها يعيش في سكن خاص به، في أحد أرقى أحياء باريس، ويطل على نهر "السين"، في حين كان بطل حداد مقيما بنزل من الدرجة الثانية في العاصمة الفرنسية، في غرفة أقل إضاءة، وأفقر أثاثا. وعلى الرغم من هذا الاختلاف في هذا النوع من الفضاء، فقد قام البطل بالدور نفسه في العملين، إنه فضاء للإبداع، ففيه رسم بطل أحلام أجمل لوحاته، خصوصا تلك التي اتخذت من قنطرة "سيدي راشد" موضوعا لها، وفي هذا الفضاء بدأ بطل مالك روايته الجديدة، ففيه بدأ هذا العمل، وفيه أنهاه.

 وعلى الرغم من أن المنزل كان فضاء للإبداع، إلا أنه لم يُحقق الاستقرار النفسي لبطل العملين، الذي راح يجّد في البحث عنه من خلال انتهاج طرق مختلفة، فخالد في "ذاكرة الجسد" عاش أولا علاقة جسدية مع "كاترين"، الشابة الفرنسية الجميلة التي عشقته في السر، واحتقرت ذاكرته في العلن : ((...وأعترف أني مُدين لكاترين بكثير من اكتشافاتي، فلا شيء كان يجمعني بهذه المرأة في النهاية سوى شهوتنا المشتركة، وحبّنا المشترك للفن))[33]، لينتقل بعدها إلى علاقة روحية جمعته بحياة، ابنة سي الطاهر، قائده الثوري، وكذلك بزياد الشاعر الفلسطيني الثائر.

وقد بحث خالد "رصيف الأزهار" أيضا عن الاستقرار النفسي المفقود، ولتحقيقه راح يتواصل مع منزل صديقه المحامي سيمون كاج، وبالتحديد مع أسرة هذا المحامي المتكوّنة من الزوجة "مونيك" ومن الصغيرة "نيكول"، وفي تواصله هذا رفض تأسيس علاقة جسدية مع مونيك، على الرغم من محاولة هذه المرأة الشقراء استمالته جسديا : ((إن عقله لا يسمح له بقبول فكرة التواطؤ، أو التفكير المسبق في ارتكاب الذنوب، أما مونيك فلم تتأثر لكلامه، واكتفت بالابتسام))[34]، وإذا رفض خالد التواصل الجسدي مع مونيك، فقد سعى إلى تأسيس تواصل روحي مع سيمون، وكذلك مع الطفلة نيكول.

لاحظنا أن خالد في العملين قد قصد تأسيس التواصل الروحي، فراح في "ذاكرة الجسد"، يقترب من حياة، ليكون أهم شخص في حياتها بعد والدها القائد سي الطاهر، وراح يربطها بذاكرته التاريخية والنضالية، ثم برسوماته عن مدينة الجسور، وقد نجح فعلا في تحقيق هذا الارتباط بينه وبين حياة، إلا أن ذلك الارتباط كان مؤقتا، فتلك الحبيبة قررت مغادرة عالمه المثالي لتعيش في عالم مادي، وترتبط بأحد مؤسسيه المدعو(سي...)، وهذا ما اتضح عندما اتصلت به لتدعوه إلى عرسها : ((أنا لا أرتبط به..أنا أهرب إليه فقط من ذاكرة لم تعد تصلح للسكن، بعد ما أثثتها بالأحلام المستحيلة والخيبات المتتالية))[35].

وكان زياد طرفا مساعدا آخر في تحقيق استقرار خالد النفسي، فقد أضفى هذا الشاعر الثائر على منزل البطل بباريس نوعا من الحيوية : ((كان زياد يُشبه المدن التي مرّ بها، كان يُشبه كل من أُحب، فيه شيء من بوشكين، من السيّاب، من الحلاج، .. من غسان كنفاني.. ومن لوركا))[36]، وهذا الحضور المتميز لزياد لم يسمح لخالد بالاقتران باستقرار نفسي مطلق، ذلك أن هذا الشاعر قد مكث مدة يسيرة في منزل البطل، ليعود للاختفاء كالعادة، تاركا خالد يُعاني مرارة الوحدة، بل وقد ازدادت هذه الوحدة حدة عندما قتل زياد : ((مات زياد، وهاهو خبر نعيه يقفز مصادفة من مربع صغير في جريدة إلى العين.. ثمّ إلى القلب.. فيتوقف الزمن))[37].

راح خالد "رصيف الأزهار" يقترب هو الآخر من أطراف مساعدة، اعتقد إلى حين أنها طوق نجاته من الوحدة القاتلة التي عرفها وهو بعيد عن وريدة وأولاده، فعمل على  تعزيز علاقته بسيمون من خلال استفزازه لذاكرة صديقه، فقد كانا طالبين بإحدى ثانويات قسنطينة، وكانا يرددان الشعر سوية، ويتجولان في أزقة قسنطينة الضيّقة، لكن خالد أضاع استقراره النفسي الموهوم عندما رفض سيمون العيش في عالم الذاكرة، فالأوضاع تغيرت، وصديق الطفولة لم يبق على صورته السابقة : ((وحلّقت فوق حي رصيف الأزهار سحب الكآبة والحزن، وتلاشت الذكريات، وفترت علاقات الود والصداقة بينهما، وانقطع حديثهما عن الأحياء العتيقة، وعن المدينة الثائرة، والروابي الحالمة))[38].

وتتقابل نيكول الصغيرة مع زياد في تأسيس حميمية نفسية خاصة، فكما اقترب الشاعر الثائر من بطل "ذاكرة الجسد"، اقتربت تلك الصغيرة من بطل "رصيف الأزهار" الذي قام بدور الأب الحنون، المهتم بأولاده وأحلامهم، فقد أحضر لها دمية ترتدي ملابس جزائرية، كما سرد عليها قصة "السنجاب الصغير".

2-2- فضاء معرض الرسم/ فضاء المكتب:

جعلت أحلام من المعرض فضاء لتبيين قدرة خالد الإبداعية، بعد أن احتضن فضاء المكتب في "رصيف الأزهار" هذه القدرة الإبداعية، فالناس في الفضاءين قد تعرفوا على عمل البطل ونشاطه، فتقربوا منه وأحبوه، فهو في عمل أحلام ذلك الرسام الذي استقطب الزوار إلى لوحاته، وشد انتباههم إليها، وهو في عمل مالك ذلك الصحفي النشيط في جريدة الآخر، الذي يُدافع في مقالاته عن الإنسان الحر، الرافض للحرب وتبعاتها.

وكما ارتبط بطل أحلام بالوطن في فضاء المعرض، فإن بطل مالك قد ارتبط به في فضاء المكتب، لكن صورة هذا الارتباط قد اختلفت في العملين، فكان أولا حضور حياة اللامنتظر في فضاء المعرض، هذا الحضور الذي وثّق من علاقة خالد بمدينته ووطنه، فخالد وحياة حملا معا ذاكرة مشتركة، فهي رمز للمدينة الحاضرة/الغائبة في سوارها التقليدي، وهو الوطن الجريح في صورة يده المبتورة :

((رفعت عيني نحوك لأوّل مرّة،

تقاطعت نظراتنا في نصف نظرة،

كنت تتأملين ذراعي الناقصة، وأتأمل سوارا بيدك

كان كلانا يحمل ذاكرته فوقه..))[39] .

وإذا كان حضور حياة قد ساعد خالد في توثيق علاقته بالمدينة والوطن، فقد كان قدوم سي الشريف وسي مصطفى، رفيقي خالد في الكفاح المسلح، دافعا آخر ليرتبط البطل بفضاء الأنا، وإن رفض في قرارة نفسه هذا الارتباط الإجباري : ((كان سي مصطفى صديقا مشتركا لي ولسي شريف منذ أيام التحرير، كان يومها بشهامة وأخلاق نضالية عالية، ثمّ تلاشى تدريجيا رصيده عندي))[40].

وإذا رغب خالد أحلام في الارتباط بمدينته ووطنه، من خلال حضور حياة الإيجابي، فإن خالد مالك لم يرغب في ذلك، لأنه أراد الهروب من تلك الأخبار التي تحمل آلاما نفسية كبيرة له، فهو يرفض الحرب الجارية في بلده، وسبب الرفض أنه يتمتع بحس إنساني يجعله يحبذ السلام على الحرب، والأُخوة على العدالة.

ما يُمكن قوله كخلاصة في الأخير، أن أحلام مستغانمي في "ذاكرة الجسد" قد حافظت على الحضور المكثف لمدينة قسنطينة، مثلما كان عليه الحال عند مالك حداد في "رصيف الأزهار"، وجاء هذا الحضور المكثف للفضاء العام في فضاء الأنا وفي فضاء الآخر.

ولم يكن خالد البطل الوحيد الذي ارتبط بالمدينة الصخرة، فقد جاء بعد مالك وأحلام كتاب آخرون، أسسوا لأبطالهم علاقات مع المدينة الصخرة، فكان رشيد في "نجمة" لكاتب ياسين، والشيخ عبد المجيد بوالأرواح في "الزلزال" للطاهر وطار، وكمال العطار في "جسر للبوح وآخر للحنين" لزهور ونيسي، ولويزا والي في "مزاج مراهقة" لفضيلة الفاروق، وعبلة في "ليل الأصول" لنور الدين سعدي، وكل بطل رأى فضاء مدينته قسنطينة بنظرة خاصة، مغايرة لنظرة الآخرين، مما جعل قسنطينة مصدر إلهام لا ينضب لهؤلاء الكتاب ، وجعل فضاء قسنطينة فضاء شاعريا متجددا ، غنيا بالرؤى والصور والألوان المتعددة .  

الهوامش:



[1]- نزار قباني: ظهر غلاف ذاكرة الجسد، دار الآداب، لبنان، ط 27، 2011

[2]- عبد الرحمن مبروك: بناء الزمن في الرواية المعاصرة، رواية تيار الوعي نموذجا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1998، ص 102

[3] صدر عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر سنة 1972.

[4] وهو من نوع الشعر المنثور ، صدر عن "دار الآداب" ببيروت سنة 1976.

[5] صدر عن شركة "موفم " للنشر بالجزائر سنة 1993.

[6]- نزار قباني: ظهر غلاف " ذاكرة الجسد"

[7]- أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد، ص5 .

* كان لي لقاء بأحلام مستغانمي بتاريخ 15/7/1999 ، عقب تسجيلها لحصة " أهل الكتاب" التي كان ينشطها الدكتور واسيني الأعرج بالتلفزة الجزائرية، وكان لنا حوار في موضوعات شتى، ومنها موضوع علاقتها بمالك حداد.

[8]- جابر عصفور: الرواية والاستنارة، دار الصدى للصحافة و النشر والتوزيع، دبي، الإمارات العربية المتحدة، 2011، ص 27

[9]- عبد الرحمن يطو: صورة المدينة وشكلنة الوعي الجمعي، مجلة اللغة والأدب، جامعة الجزائر، ع18 ، نوفمبر 2008  ص 77

[10] - Gérard Genette palimpsestes, édition du seuil, paris, 1982, p 14  

[11]- ibid. p 12

[12]- الأخضر بن السايح: سطوة المكان وشعرية القص في رواية ذاكرة الجسد، دراسة في تقنيات السرد،عالم الكتب الحديث.الأردن، 2011، ص14

13- Gaston Bachelard : la poétique d’espace, presse universitaire deFrance,decembre1984,p27

[14]- ذاكرة الجسد: ص 288

[15]- مالك حداد: رصيف الأزهار لم يعد يجيب، ترجمة حنفي بن عيسى، المطبوعات الوطنية الجزائرية، 1965 ، ص 82

[16]  - la p poétique de l’espace, p 32

[17]- ذاكرة الجسد ص 298

[18]- رصيف الأزهار لم يعد يجيب: ص 105

[19]- نفسه ص 150

[20] -palimpsestes:   p 298

[21]- ذاكرة الجسد: ص 353

[22]- نفسه ص 394

[23]- نفسه ص 299

[24]- نفسه ص 31

[25]- رصيف الأزهار لم يعد يجيب: ص 9

[26]- عبد الرحمن بن يطو: هوية المدينة وشكلنة الوعي الجمعي، ص 89/90

[27] - palimpsestes:  p 351

[28]-  ذاكرة الجسد : ص 272

[29]- الأخضر بن السايح: سطوة المكان وشعرية القص، ص 140

[30] نفسه: ص 141

[31]- ذاكرة الجسد: ص 24

[32]- عبد الله أبو هيف: أزمة الذات في الرواية العربية، مجلة عالم الفكر، العدد4، 1996، ص257

[33]- ذاكرة الجسد: ص 77

[34]- رصيف الأزهار: ص 24

[35]- ذاكرة الجسد: ص 276

37-نفسه ص 195

[37]- نفسه ص 274

[38] - رصيف الأزهار: ص 86

[39]- ذاكرة الجسد: ص 53

[40] - نفسه ص 81