سؤال الهوية من الوعي الجمعي إلى الذات الفردية الشاعرةpdf

د. أحمد زغب

أستاذ محاضر(أ)

جامعة الوادي

ملخص:

  تصور الهوية وتطوره من الوعي الجمعي إلى الشعر الذاتي  ، انطلاقا من الشواهد الشعرية للنوعين تبين انها لم تتطور، فالتعبير عن الهوية لا يختلف كثيرا بين الشعر الشعبي الذي يرتكز على الوعي الجمعي وبين الشعر الذاتي. فكلاهما يلوذ بالتراث والماضي المجيد أو يتباكى على الحاضر التعيس، أو يتغنى انطلاقا من مركزية إثنية.

Res

D'prés plusieurs exemples de la poésie orale et populaire , et la poésie élitique , qui se serve de l'arabe classique comme moyen d'expression; la conception de l'identité culturelle; n'a pas été évolué .. La poésie des deux partis renvoie au patrimoine, le passé glorieux ,ou se lamenter pour le présent misérable. ou exalter le soi à partir d'un ethnocentrisme     

عندما نتناول مسألة الهوية فإننا كثيرا ما لا نكترث بالهوية الذاتية للفرد بمعزل عن مجتمعه ، إنما تنصرف الأذهان مباشرة إلى الهوية الجماعية، فالمسألة تتعلق دوما ف بهوية الفرد في الإطار الاجتماعي، والسبب في ذلك أن الفرد لايكتسب هويته إلا من المجتمع الذي ينتمي إليه.

ونحن حين نتحدث عن الأدب ،فإنه لا وجود لأدب يغرد في المطلق متحرر من تأثير المجتمع فيه فالشاعر الأديب الذي يدعي أنه يكتب دون أن يكترث لمن يقرأ أو لا  يقرأ ما كتب إنما يغالط نفسه فعالم الخيال المشترك بين جميع البشر المتحرر من كل البيئات الاجتماعية لا وجود له لأن كل إنسان يستخدم للوصول إليه طريقا يمر حتما بوسطه وبيئته الاجتماعية والثقافية([1]).

وسؤال الهوية أشد ما يطرح عند الأزمات الكبرى التي تتعرض لها المجتمعات ، فعند كل صدمة او تصدع عميق أو صحوة قومية بسبب الخوف من التلاشي والضياع مثلما حدث للمجتمع العربي في مواقف تاريخية متفاوتة ومثلما يحدث اليوم في عصر العولمة([2]).

وعندما نطرح الخطاب الأدبي الشفاهي في مقابل الخطاب الكتابي ، فإن هذه المقارنة تطرح تساؤلا في مدى مشروعيتها.، فهل تصح المقارنة بين خطاب شعبي وآخر نخبوي؟ فالأول متهم بالغوغائية والسذاجة والضحالة الفكرية والتقليد الجماعي مقابل الصفوة وسعة الفكر والإبداع والأصالة والتميز.

   يقرر كثير من الباحثين أن الخطاب الشفاهي شديد الاتصال بسياقه الاجتماعي مندمج في الجماعة منسلخ عن ذاتية الفرد ، لذا فهو أكثر حيوية وارتباطا بالواقع بينما الخطاب الكتابي مستقل عن سياقه، يعمق مركزية الذات ويميل إلى تجريد الوقائع من سياقها الإنساني والاجتماعي([3]).

  وعلى هذا تكتسب المقارنة مشروعيتها، فالخطاب الشفاهي على هذا الأساس ألصق بالوعي الجمعي معبرا عن الضمير الجمعي مدافعا عن كيان الجماعة، ولايرى لنفسه وجودا إلا في كنف الجماعة فينطق بلسان حالها ويدافع عن مواقفها دفاعا مستميتا دون النظرة الموضوعية إلى تلك المواقف كما يصرح شاعر عربي قديم:

وهل انا من غرية إن غوت     غويت وإن ترشد غزية أرشد([4]).

أما المعرفة المكتوبة فهي منفصلة عن ذات الكاتب الذي يكون مجردا منها حياديا إزاءها، فالكتابي يتشاكل مع الفردي الذاتي بينما يتشاكل الشفاهي مع الجماعي الشعبي.

  ألا يحق لنا بعد ذلك أن نقارن بين الذات الجماعية في تعبيرها عن الهوية، وبين الذات الفردية التي لا تنهل من الثقافة الشعبية وحسب إنما تنهل من رصيدها الخاص.

     فقد قدر للخطابات الأدبية الشفاهية أن تكون الوسيلة الوحيدة ،التي تمتلكها الجماعة الشعبية من أجل  إدراك العالم ونقل المعرف وتوجيه السلوك،وقد استطاع أن يقوم بهذا الدور عن طريق نظام من التجسيدات ذات الطابع الرمزي المستمدة من التراث الجماعي والمعبرة عن الواقع النفسي والاجتماعي ، وذلك عندما قوضت الصدمة الكبرى لثقافتنا بثقافة الآخر المؤسسة الرسمية([5] )وهكذا كانت الخطابات الشفاهية أشد صمودا وأقوى استماتة في دفاعها عن الهوية الثقافية  للمجتمع  في وجه الآخر .

   نتتبع أولا الخطابات الشفاهية بنوعيها السردي والشعري في تعبيرها عن الهوية، ثم نعرض نماذج للأدب المسمى فصيحا أو نخبويا لنرى إن كانت فروق جوهرية.

  فالمسرودات الشفاهية والمتمثلة في الحكايات العجيبة والخرافات الرمزية والمغازي عبرت عن الانتماء ،عن قيم الجماعة ودافعت عنها دفاعا مستميتا إزاء الغازي الأجنبي مجسّدة تلك الثنائيات الضدية بين الكفر والإيمان،الخير والشر،الظلم والعدل،الحق والباطل،....الخ.

   وقد لعبت المغازي  بصفة خاصة  دورا في تغذية الشعور القومي وإسناد معالم الهوية العربية الإسلامية، هذه المعالم التي كانت تأخذ في الاهتزاز ،بفعل الواقع الاستعماري للبلاد.

  ركزت هذه المغازي على مظاهر وحدة الجماعة الإسلامية إزاء الغازي وأسقطت الخلافات والعصبيات القبلية التي وسمت المغازي المدونة الموروثة عن القرون السابقة([6])

   أما في الشعر الشفاهي فقد تناول ما يلح على الشاعر إلحاحا مباشرا من واقع مجتمعه وبيئته المحلية والمشاكل المحيطة به في حدود تصوره وإدراكه لأسبابها([7]).

فحين يطرح الشاعر الشفاهي مسألة الهوية يبدؤها في حدود قبيلته، وربما محيطه الجهوي ثم يمضي تدريجيا إلى بطولات قومه في إطار الفخر فيصل إلى التاريخ المشترك الذي يجمعه يقبائل أخرى حتى يكاد يصل إلى التعبير عن الانتماء القومي، وإن بصورة غامضة. وكل ذلك في إطار عرض المفاخر والمآثر.

   يبدأ هذا الشاعر مثلا بالمآثر التقليدية من شجاعة ومروءة وكرم ويشيد بالتآلف بين أفراد القبيلة وغوثها المحتاجين وتبسطها في الكرم:

نْجع الحِجَّاجْ

رَحَلْ شَرَّقْ قَاصِدْ لِمْرَاجْ

عَنْ بَعْضَهْ عْزَازْ

عَاِتِي وْمَا يَقْبَلْشِي الذِّلّ

يْجِيهْ الْمِحْتَاجْ

يْجِي فَارَغْ يِدِّي بْلِحْمِلْ

رَجَلْ نَجْعْ الْعَطْرَةْ وُنْزَلْ...

    فالشاعر بلسان حال القبيلة لا يتجاوزها يشيد بخصالها، وحين يعبر عن الانتماء إلى القبيلة والقبيلة الكبرى (لرباع) والمنطقة التي سكنها منذ ستة قرون كما يقول ، وتاريخه في هذه المنطقة مرتبط بالقبائل المسماة في التاريخ قبائل بني هلال، وما ذلك يعبر عن حسرته ، على ماضيه المجيد بلسان القبائل العربية وماضي أمثاله من أهل المنطقة.:

شُوفْ الدُّنْيَا تْدُورْ وَاللهْ يَا رَاجِلْ     وْمَاذَا مِنْهَا نَاسْ وَاللهْ مَا بَالِي

نَا سُوفِي مْ الوَادْ غَنَّايْ وْشَاعِرْ حَجَّاجِي مِ لرْبَاعْ أْعْمَامِي وَاخْوَالِي

اسْهَلْنِي عَ التَّارِيخ نَا عِنْدِي مْنَزَّلْ وْعِنْدِي سِتّ قْرُونْ هَذَا مِنْزَالِي

وْكِي نِتْفَكَّرَ حَالْتِي وَاللّهْ نَهْبَلْ     وْمَاذَا مِنْهَا رْجَالْ رَاهِي كِي حَالِي

أَنْتَ بَدْوِي رَحَّالْ مَاكِشْ مِ الْمْدُنْ    وَاسْهَلْ عَ التَّارِيخْ تَلْقَاهْ هْلاَلِي

 ونلاحظ أن الشاعر عبر عن انتماء قبلي وإقليمي محلي ، ومع أن الأقليمية كما يقول التلي بن الشيخ ليست نقيضا للقومية ولا بديلا عنها، وإنما هي جزء من الروح القومية متمم لها ذلك أن هذه الروح الأقليمية ليست عن وعي ولا مناهضة للروح القومية والإنسانية إنما هي ناتجة عن أن الشاعر أسير واقع إقليمي لا يفرق بين الإقليمية والقومية كما يراها الدارسون والشعراء المدرسيون([8]).

   لهذا نلاحظ في الشواهد السابقة عدم ذكر الانتماء العربي والإسلامي والوطني لأن السياق لا يطلب منه ذلك فليس هناك أغيار لهذا الانتماء، اما حين يتعلق الأمر بالموقف إزاء الآخر المختلف فالأمر مختلف.

    فعندما اصطدم المجتمع الجزائري بمحاولات الاستعمار الفرنسي طمس الهوية الثقافية للجزائريين ، قامت النخبة من قادة الإصلاح وناضلت من أجل الدفاع عن عناصر الهوية العربية الإسلامية ، واستجاب لها المواطن البسيط والشاعر الشفاهي على وجه الخصوص في مناطق مختلفة من الوطن يدافعون عن اللغة العربية والدين والتاريخ المشترك. يقول أحدهم:

تحيا الجزائر مجمولة تولي دولة عربية ما فيها لولا

 مصالي قايم بطبوله معاه فحوله بعلم أسلامي وهيلولة

جمعية لمه دزرو له وسمعو قوله جزائر حرة مقبوله

ويقول الشاعر نفسه في موضع آخر(الهادي جاب الله).

يا فريقيا خبريني        واش قال لسان حالك

ترجعش حرية ديني      استقلالنا راس مالك

مضى قرن بعد السنيني  حياة الشقا في قدا لك

واليوم حليت عيني      وساعت علي المسالك

جزايري تعرفيني         في التاريخ لي معارك.

 أما حين نعود إلى الكتابة الإبداعية للنخبة ومعالجتها لمسألة الانتماء والعلاقة بالآخر، فإننا نقف على معالجة موضوعية في السرد، محاولة نقد تصرفات الشباب الجزائري المثقف تجاه ثقافته من جهة وتجاه ثقافة الآخر من جهة أخرى.

 ففي رواية مأوى سان دولان للروائي عمر بن قينة، يقف الشاب الجزائري المتعلم من الآخر موقفين على طرفي نقيض؛ فإما متحلل متفسخ منسلخ عن هويته (شخصية عيشة - بولرباح) ، وإما موقف المتزمت الرافض للآخر(عبد الله) والذي يدعي التشبث بالمبادئ لكنه لا يكون صادقا مع نفسه كل الصدق، إذ قد تتعارض بعض هذه المبادئ أحيانا مع مصلحة عاجلة فيضطر لالتماس العذر لنفسه أو الفتوى أو المسوغ الأخلاقي من أجل تحقيق المصلحة ، كما تصور الرواية الشاب الجزائري في الغربة حائرا بين بريق زائف للثقافة الغربية وبين المصير المجهول الذي ينتظره.

   أما في الشعر  المسمى فصيحا ونعني به المكتوب بلغة معيارية من قبل النخبة المتعلمة الذين تمكنت منهم الكتابة، فإننا نجد اتجاهين يبدوان مختلفين متباعدين، لذلك نبحث فيما عن كان بينهما اختلاف جوهري في معالجة مسألة الانتماء.

   أما الاتجاه الأول فالشعر الحديث ذو النزعة الإصلاحية، وهنا نلاحظ أن القاسم المشترك هو التموقع من داخل الثقافة والتمترس بالدين والتفاخر بأمجاد الماضي والحث المباشر على إيقاظ الهمم ودفع النفوس للنهوض. والسبب في ذلك هو الاصطدام بثقافة الآخر التي تفرض من الخارج بالقوة ، وخوف الشاعر الجزائري مثله في ذلك مثل المواطن بصورة عامة على مقومات شخصيته من الذوبان الدين اللغة الثقافة...الخ.

    من هنا فليس ثمة فرق  بينه وبين الشاعر الشفاهي في كيفية التعبير عن الهوية إلا في درجة الوعي.فكلاهما يشيد بالانتماء ويفاخر بالماضي. يقول زكريا:

ملأت هذي العوالم عدلا         وسلاما ورحمة وأمانا

وأفاضت على النفوس شعاعا  ظل يكسو أرجاءها إيمانا

فأقرت رسالة الله في الأرض      وراحت تعلم الإنسانا([9])

كما قرر سحنون بأن العنصرين الأساسيين اللذين يحددان انتماء الجزائريين هما اللغة العربية والإسلام، وهما بمثابة الجناحين للطائر فلابد منهما من أجل النهوض.

فالدين والفصحى هما الأوائل والأواخر

 مهما تآخينا وقامت بيننا أقوى الأواصر

وهما جناحانا وهل بسوى الجناح يطير طائر

ولا أرى فرقا كبيرا في الطرح بين بيت سحنون السابق الذكر وقول شاعر شعبي يسوق المعاني نفسها لكن بلغة محكية تتناسب وبساطة الفكرة

الله يصون الحالة نتحزموا بالدين يا رجالة

التعريب لنا والتفرنس لا لا واللي انحرف عن الشريعة يخسر

نفخر بيها هي لغة الكتاب من ينفيها

لسان العرب واسع يجلجل بيها فيها معاني كبار لاتتحصر([10])

وأما الاتجاه الثاني فالشعر المعاصر ذو النزعة التجديدية في الأشكال والمضامين فإن الواقع العربي أملى على الشعراء تذمرا وسخطا من الوضع الذي آلت إليه هوية المواطن العربي إزاء الآخر.

     من ذلك أن أحلام مستغانمي تستبدل الهوية العربية التي كانت لدى الشفاهيين  والإصلاحيين  مدعاة  للفخر ، بالحلية المسمومة التي لبسها  الأمير الطريد امرؤ القيس بسبب وثوقه بالأجنبي (القيصر) ثم تعلن أن لا أمل في الفارس الذي تأتي به مراكب الزمن لينقذ الهوية الضائعة.

لا سيف في اليمن

لا فارسا تأتي به مراكب الزمن

والعم والأخوال والجيران تحولوا غلمان

قم غنني ياأيها الأمير من عصور

أبحث في المدائن وأجمع السراب في المداخن

أسأل كل جيفة

أين بنو أسد

لا نبض في قلوبنا

أتيتكم أسأل عن أحد

لكن فرعون هنا

لا يمنح الحياة للرجال

يا ضيعة الرجال

قم أيها الأمير

فعندما تحركت عواطف الجيران

والقيصر البطل

قد هزه التذكار والحنين

أقسم أن يهدي لنا أحدث ما حيك من حلل.([11]).

   فالتاريخ ينساب من بين أيدينا ونحن ننتظر المفاجآت دون أن نحاول تمثل أحداث التاريخ والاستفادة منها، ونستمر في البكائيات التي تشبه بكائيات أبي البقاء الرندي كلما حلت بنا نكبة جديدة.

وبجانب نزعة التذمر والبكاء ، نجد نزعة أخرى لا تختلف كثيرا عنها لدى الشفاهيين إلا في مستوى التعبير ، وهي الأثنية المركزية التي لا تكتفي بالفخر والإشادة بالذات ، إنما تضيف إليها اعتبار الثقافة العربية الإسلامية معيارا يقاس عليه ما لدى الآخرين ومن ثم تنديده بالآخر لاختلافه عن المعيار، من ذلك تعيير الآخر لاختلافه عن ثقافة الشاعر:

رعي الجمال خير من رعي الخنازير

ونحن رعاة الجمال فمرحى

رعاة أطلوا أضاءوا الو جودا

وهل كان رعي الخنازير إلا

لمن صد دوما صدودا بعيدا([12])

كما تشيد بالنحن وتصب اللعنات على الآخر كما في آية الحزن المبين للمشري بن خليفة :

وهذه يدي بيضاء سلسبيل

وأيديهم موت جنون

تبت يداهم

تبت يدا الجرح السليل.

سيرميهم القلب بحجارة من سجيل([13])

وكما في قول المثردي:

تاج اللغات حروف الله ما يئست

أمة الطهر – حضارة الماء

هم الغزاة - هم المغول حضارة النار عاثت

فالأصل نحن وهذا القول خاتمتي

ومجمل القول إن التعبير الشعري عن الهوية عند الكتابيين المعبرين عن ذات فردية ،لا يختلف من حيث الجوهر عنه لدى الشفاهيين،المعبرين عن وعي جمعي إلا في مستوى التعبير،كإسقاط صور من التراث على الواقع أو توظيف رموز فنية أما في المضمون،فلا يعدو كونه تباكيا على الماضي المجيد أو تمترسا داخل الإثنية المركزية ورمي الآخر بوابل الشتائم.

 

 

 



الهوامش:

[1]- سعد ضاوي علم الاجتماع الأدبي

[2]- عبد الإله النبهان

[3]- والتر اونج الشفاهية والكتابية

[4]-البت للشاعر الجاهلي دريد بن الصمة الحماسة ج1/ص337

[5]-عبد الحميد بورايو البطل الملحمي والبطل الضحية في الأدب الشفوي الجزائري

[6]المرجع نفسه ص72،73

[7]- التلي بن الشيخ منطلقالت التفكير ص15

[8]-  التلي بن الشيخ المرجع السابق

[9]- اللهب المقدس ص 177

[10]- الهادي جاب الله ص

[11]- أحلام مستغانمي ديدان على مرفأ الأيام ص73

[12]- بوبكر مراد قصة الفارس المستقيل ص 11

[13]- المشري بن خليفة سين ص 26