استراتيجية التفكيك بين مأزق الترجمة وانسيابية المفهوم

                                                                                       أسماء ياحي

 

   الملخص

 إن أول إشكالية تطفو على سطح التلقي العربي هي إشكالية المصطلح بما هو "مفتاح العلوم" ، فقد حظي مصطلح déconstruction بعديد الترجمات بوصفها عملة نقل وارتحال للمفاهيم،شأنه في ذلك شأن كل وافد غربي الأرض و النشأة،يدخل أبواب الثقافة العربية، فيحدث بلبلة وفوضى في أوساطها، فديريدا نفسة أكد على استحالة إيجاد ترجمة أو تعريف للتفكيك ليس لأنه غير قابل للترجمة لكنه مرتبط بمسألة غير القابل للترجمة إنه مرتبط باللغة ... فكل لغة حاملة لخصائصها ومن ثمة تعددت الترجمات العربية التي خلقت نوعا من الفوضى انعكس على المفهوم في حد ذاته الذي يتجاوز حدود اللغة ويجعل منها لعبة لابد من إتقانها فهو "أكثر من لغة".

resumé

Le premiér dilemme émerge sur la surface de la réception arabe,c'est la problématique du terme qui présente " la clée des science" , le terme de la "déconstruction" a eu des nombreuse des traduction, cette dernière est considérée   comme un principe du transfert et d'émigration des concepts comme tout ce qui vient de l'occident terre et naissance , et entre les portes de la culture arabe , suscitant des cacophonies et des chao dans ses milieux.Derrida lui-même a confirmé l'impossibilité de trouver une traduction ou un concept a la "déconstruction" ce n’ est pas  pour cette dernière est intraduisible , par ce qu' elle est liée a la question de la non-traduisible  c'est lié a la langue … chaque langue porte ses spécifiés , de ce départ les traduction arabe sont multiplié , qu'ont criée une chao qui est reflété sur le concept lui-même , qui dépasse les limites  de la langue et la rende un en jeux qui soit obligatoirement le métrise bien , la déconstruction est "plus d' un langue".

                                                     

        لعل أول ما يصطدم به أي باحث في محاولة منه لفهم أو مقاربة مفهوم التفكيك خيبة ويأس،فالدخول في نصوص دريدا هي مجازفة الدخول في متاهة. المخرج مدخل لمتاهات أخرى ينقطع فيها خيط ديدالوس*ويفقد معه الخريطة والمصباح ويضيع في دهاليزها المعتمة التي تبدو لا متناهية في عمقها،ولا تترك القارئ إلا وقد انتابه الحزن والسوداوية mèlancolique أو هي أشبه ما تكون بعمل اللذة  «تأتي هكذا إنها حضور من غير سؤال ووجود يعم كل شيء، دون  أن يتموضع في شيء، وليس شيء للذة أقتل من سؤال يستفسر عن موضوعها إنها هي، وإنها لتنكشف دائما من غير سؤال وسعادة الملتذ كالنور تأتي بقدح زناد الروح فلا يدركها إلا من تحرر من نفسه جسدا ودخل في نفسه نصا»(1) .

        فمن يشاء الدخول في نصوص دريدا فليترك ذاته ؛إذ إننا أمام نص غير مكتمل، نص مركب، نص معقد، يخفي ويضمر بقدر ما يظهر ويفصح ،نص منهك  مشرذم ؛إننا أمام كتابة لا تبتغي للوضوح سبيلا، كتابة ملغمة مبنى ومعنى ، بهذا يستحيل تقديم التفكيك وضرورة فعل ذلك في آن. 

أولا: التفكيك بين الترجمة والمفهوم

  1/-إشكالية المصطلح و التلقي العربي

             يلح الباحثون في مجال المصطلحية و النظرية النقدية المعاصرة على مدى أهمية المصطلح إذ يعد خلاصة العلوم ومفاتيحها و به تمتاز المعارف، فهو الحامل لدلالات الاتفاق و التوافق على ما اختلف عليه، و من ثمة فإنه يشكل لغة للتواصل و التفاهم ، يفهم بها الإنسان ذاته/ غيره ماضيا، يتواصل بها حاضرا، و يبني بها مستقبلا.

    كما لا يخفى أن لكل مصطلح منظومة معرفية نشأ فيها تعد، إطاره المرجعي الذي يسمح بفهمه وتحديد مسارات اشتغاله، وإن افتقار الوعي بمختلف هذه الأطر يفتح أبوابا من الغموض/ الإلغاز/ فوضى الترجمة وبالتالي لايمكن تلقيه لا فهما/ تأويلا ولا ممارسة/ تطبيقا .          

     إن التفكيك وليد بيئة معينة، تخلق فيها و تشرب من مشاربها، خاضع لخصوصياتها، موظف طبقا لمتطلباتها ومقتضياتها** وفق ما سماه جيل دلوز بـ "أرضنة المفاهيم " لذا ستكون عملية مقاربته أشبه ما يكون بالدخول في رمال متحركة.

   لقد حظي مصطلح التفكيك "Déconstruction" بعديد الترجمات _بما هي عملية نقل وارتحال للمفاهيم _ شأنه في ذلك شأن كل وافد غربي الأرض والنشأة يدخل أبواب ثقافة عربية _ لا تزال تبحث لها عن موطئ قدم في خضم هذه التحولات التي تشهدها الحركة الفكرية العالمية ـ من غير إذن ودون سابق إنذار فيحدث بلبلة و فوضى في أوساطها، فدريدا نفسه أكد على استحالة إيجاد ترجمة أو تعريف للتفكيك ليس لأنه «غير قابل للترجمة لكنه مرتبط بمسألة غير القابل للترجمة إنه مرتبط باللغة القومية ...في أثناء إجرائها الغيرية في ذاتها»(2) ومنه فكل لغة حاملة لخصائصها.

     لذا وباستحضار المصطلحات المترجمة التي حاولت مقاربة المفردة الدريدية، نجدها تتعدد بين "اللابناء" أو " النقد اللابنائي " عند شكري عزيز ماضي، حيث يقول «... إن اللابناءdéconstruction مفهوم يتصل بمكونات النص»(3)وفي موضع آخر، يرى أن التناص أهم تجل لما بعد البنيوية «وهو ينتمي إلى النقد اللابنائي déconstruction الذي عرف عندنا بالنقد التفكيكي »(4) .كما وضح يوئيل عزيز " التحليلية البنيوية "التي أشار إليها في هامش ترجمته لكتاب وليام راي ، ولم يشر إلى مترجمها لكنه فضل "التفكيكية" ترجمة لكلمة déconstruction(5)، هذه الترجمة أي "التحليلية البنيوية" تلتبس مع التحليل البنيوي للنصوص أو تغدو مجرد وصف له، أما تفضيله لـ "التفكيكية" يؤدي إلى الوقوع في إشكالية أخرى من خلال إضافة " ياء النسبة " للمصطلح المترجم، مما يضفي عليه صفة المذهبية والتطرف التي تقابل في اللغة الفرنسية اللاحقة "Ism"،كما أن المصطلح في أصله الاشتقاقي غير منته بها، إنما ينتهي باللاحقة "Ion" التي تدل على شكل من أشكال الحركة "action"كالأيونات "ION" التي تظل في حركة دائمة، و ما التفكيك إلا تقويض لكل مذهبية سلطوية تحد من حركة التفكير، وتقمع الاختلاف .

    إضافة إلى هذا نجد " التشريحية " *** التي تبناها الغذامي ، مدافعا عنها وداعيا إليها فبعد أن «تحيرت تعريب هذا المصطلح ولم أر أحدا من العرب تعرض له من قبل ( على حد اطلاعي ) وفكرت له                                                                                                                                   بكلمات مثل (النقض والفك ) ولكن وجدتهما يحملان دلالة سلبية تسيء إلى الفكرة ثم فكرت باستخدام كلمة (التحليلية ) من مصدر (حلﱠ) أي نقض ولكنني خشيت أن تلتبس مع (حلل) أي درس بالتفصيل واستقر رأيي أخيرا على كلمة التشريحية أو تشريح النص والمقصود بهذا الاتجاه هو تفكيك النص وإعادة بنائه وهذه وسيلة تفتح المجال للإبداع القرائي كي يتفاعل مع النص»(6).

     وهو عينه ما ذهب إليه عبد المالك مرتاض في بعض من مؤلفاته إلى جانب التفكيكية قبل أن يتحول ويستقر على "التقويض"أو"نظرية التقويض" أو "التقويضية" مفضلا إياه على باقي المصطلحات لأن «أصل المعنى في فلسفة دريدا تقويض يعقبه بناء على أنقاضه في حين أن معنى التفكيك في اللغة العربية يقتضي عزل قطع جهاز أو بناء عن بعضها بعض دون إيذائها أو إصابتها بعطب كتفكيك قطع محرك أو أجزاء بندقية وهلم جرا... والخيمة في العربية تطنب إذا بنيت وتقوض إذا أسقطت أعمدتها وطويت ...»(7) ، وهي ذات الترجمة التي ارتضاها صاحبا دليل الناقد فـ« déconstruction التقويض هو المصطلح الذي أطلقه الفيلسوف الفرنسي المعاصر جاك دريدا على القراءة النقدية (المزدوجة) التي اتبعها في مهاجمته الفكر الغربي الماورائي منذ بداية هذا الفكر إلى يومنا هذا، وقد حاول بعضهم نقل هذا المصطلح إلى العربية تحت مسمى "التفكيك" لكن مثل هذه الترجمة لا تقترب من مفهوم دريدا حالها في هذا حال مصطلح التقويض على أن التقويض أقرب من التفكيك إلى مفهوم دريدا »(8) .

         من الملاحظ أن الاتفاق الظاهر بين مرتاض وصاحبا دليل الناقد في تفضيل التقويض على التفكيك ترجمة لمصطلح دريدا، يظهر في الآن ذاته تناقضا في المفهوم وفق قناعات كل طرف،حيث يجعله الطرف الأول تقويض يعقبه بناء وما التفكيك إلا عزل قطع أو أجزاء بعضها عن بعض كما وحاول إعطاءه الصبغة العربية، في حين ينفي الطرف الثاني أن يحمل التقويض صفة البناء بعد الهدم، فدريدا يصف الميتافيزيقا الغربية بأنها صرح/معمار يجب تقويضه، لأنه يتوافق والمعمار أما التفكيك فيناسب الجهاز وأن أي إعادة بناء ـ حسبهما ـ تعد « فكرا غائيا لا يختلف عن الفكر الذي يسعى دريدا إلى تقويضه»(9).

    إذا فالتقويض هو المصطلح الذي يكاد يقترب من مفهوم دريدا و استراتجيته،لأنه ينأى عن المفهوم السلبي الذي يحمله كل من التفكيك أو الهدم،لكن المصطلح الأكثر شيوعا في الأوساط الفكرية وتداولا بين عديد الباحثين في مختلف أطروحاتهم هو التفكيك.يقول كاظم جهاد «يقترح دريدا استراتجية في القراءة تقوم على التفكيك déconstruction ...[والذي يكون] بالتضاد مع مفاهيم «الأصل»و الهوية و الكلية يحرف كل شيء باتجاه الاختلاف»(10).

  كما استخدمه عبد العزيز حمودة في غير موضع من ثلاثيته، جاعلا من دريدا و استراتجيته ذلك المارد الذي لا يخلف وراءه إلا الخراب و الفوضى، عابثا بكل الضوابط و القوانين يستوي أمامه المقدس/ المدنس، الخير/ الشر، المعنى/ اللامعنى، فالتفكيك بمعنى ما «يقوم على رفض المذاهب السابقة و يخطئ كل المشاريع بل إنه في جوهره يقوم على رفض التقاليد و السلف التي يرى أنها تحجب المعنى وتكبته»(11)،حاله في هذا حال البنيوية عندما رفضت كل المشاريع السابقة لها.«لقد انطلق التفكيك كالثور الهائج في حانوت العاديات يحطم كل غال و ثمين أو مقدس...إن البنيوية والتفكيك انطلقا من رفض مشترك للمذاهب النقدية المعاصرة و السابقة نحو هدف واحد ـ على رغم اختلاف الوسائل التي اختارها كل منهماـ و هو تحقيق المعنى، وانتهيا إلى نفس المحطة النهائية، فالبنيويون فشلوا في تحقيق المعنى،و التفكيكيون نجحوا في تحقيق اللامعنى، لقد رفضوا كل شيء و لم يقدموا بديلا أو بدائل مقنعة»(12).ويضيف إن التفكيك يريد أن يحل «محل المذاهب النقدية السابقة باعتباره المشروع البديل»(13) .كأن حمودة يقر هنا بالمركزية التي يريد التفكيك خلخلتها،وهو إذ يفعل ذلك يكاد يقع في تناقض بين جعل التفكيك يقدم نفسه مشروعا بديلا للمذاهب النقدية السابقة،و أنه لم يأت بمفاهيم جديدة،أو يقدم بدائل لما تم خلخلته و تقويضه،أو أن يوضح مختلف الآليات المستخدمة في ذلك ،كما عده هرطقة لا تقدم لأي علم من العلوم أي شيء.

   بناء على هذا ألا يمكن القول أن هذه هي لعبة الاختلافات ،التي تقوض التمركز دون أن تتموضع فيه منصبة نفسها تمركزا جديدا،متجاوزة له دون تقديم بدائل، فاتحة بذلك باب الاحتمالات والقراءات، و إن كان التفكيك لا يخلو من ميتافيزيقاه الخاصة.

 كما فضل الدكتور يوسف وغليسي مصطلح التفكيك، احتكاما للمعيار التداولي على علاته وقصوره.وقدم في ذلك تحليلا لمصطلح déconstruction على طريقة التحليل اللساني للمفردة إذ قسمها إلى أربعة مقاطع(14) :

1- السابقة(dé): وهي سابقة لاتينية...تفيد النفي و الانتهاء والقطع  والتوقيف والتفكيك والنقض

2- كلمة  (con) :وهي كلمة...لا تخرج معانيها عن الربط والترابط والمعية(avec)

3- كلمة (struct) : بمعنى البناء .

4- اللاحقة (ion):و هي مماثلة للاحقة (tion)تدل كلتاهما على شكل من أشكال الحركة والنشاط(action)

وبتركيب دلالات هذه المقاطع المجزأة تدل كلمةdéconstruction على (حركة نقض ترابط البناء)، ويعد هذا التحليل محاولة لتقريب مفهوم التفكيك بشكل لساني أكثر منه ترجمة للمصطلح أو تقريبه مفهوما حاملا لعدة معطيات .

  و كما اعتمد محمد شوقي الزين ترجمة « التفكيك déconstruction كفلسفة استراتيجية stratégie و براعة و دهاء stratagème في فحص النصوص و الموضوعات يسعى إلى كسر منطق الثنائيات...»(15) وهو بهذا يبعد التفكيك عن فكرة الهدم بمعناه السلبي، أو فكرة البناء بعد الهدم بمعناها الشائع، إذ لا يحملهما كليهما البتة .فـ « التفكيك الذي يمارسه دريدا لا يعني مطلقا الهدم****...وإنما يتضمن أيضا فعل البناء (البناء بنمط مختلف) فهو بالأحرى تفكيك démontage وحدة ثابتة إلى عناصرها ووحداتها المؤسسة لها لمعرفة بنيتها ولمراقبة وظيفتها»(16).

    إذا التفكيك خلخلة نظام فكرة /نص لمعرفة كيفية ترابطه واشتغاله والوقوف عند بنيته القلقة بعيدا عن كل نظرة متعالية ثابتة تدعى الفوقية و التمركزوامتلاك الحقيقة القارة، فهو دعوة إلى إعادة النظر وبناء تفكير جديد، تفكير يزيل،ويزيح مختلف الترسبات والإيديولوجيات التي تحد من حرية التفكير أو ما سماه هايدغر "صخب الكائن"، والذي يجعل المعنى متعاليا، ميتافيزيقيا أسطوريا، فهو استراتجية بناء ۥيبنى على الاختلاف /التعدد /التجاوز.

بمنطق تحليل المفردة للوصول إلى المفهوم حلل محمد شوقي الزين مصطلح التفكيك وفق المخطط

التالي(17):

 

 

Re-construction                                                          Dé-construction           

 

 

                                                                                       

                                                   

                            تكرار                         فعل يفيد العكس    لعبة النرد     قمع الخياطة     

                répétition                                                                                النص معناه

                                                     فعل التفكيك    لعب      نسيج tissu        النسيج                                   بارت

                                                                              احتمال      نص   texte        

البادئة «»منdéconstructionهي نص كنسيج ولعبة كاحتمال، لعبة المعنى والتعبير والإشارة...بالمعنى الجيولوجي للكلمة وجود طبقات stratesمترسبة ينبغي نحتها وإزالتها، وهي بالمعنى الإستراتيجي للكلمة أن هذه الطبقة هي طبقات  منسوجة و متشابكة  بحيث  يتعذر  الكشف  عن  « لحمة  النسيج » و«السلسلة »(18) .كما يضيف قائلا أن « النص إذن نسيج مركب من إشارات وتعبيرات ودلالات متداخلة تستدعي التفكيك والعزل،لفحص بنيتها وجذورها المتضاربة»(19) إذا كان ذلك كذلك، فالمعنى في النص يستحيل الإمساك به ودلالته تتحول إلى دلالات لانهائية، يتيه فيها الباحث وتتشعب به السبل، لا حل أمامه إلى الاستمتاع بالنبش والحفر، ولينتقل وقتئذ من البحث عن المعنى إلى البحث عن ظلال المعنى أو أشباحه، فالنص يفرض استراتيجيته التي يرتضيها للمراوغة والتمنع أمام القارئ الذي يأتيه حاملا لعدته وخبراته، يريد اختراقه وانتهاك حرمته، إلى أنه يصدم بنص هلامي يستحيل الإمساك به مما يزيده رغبة وإصرارا.

      إذا التفكيك نص، وهو في الآن ذاته ذلك الفعل الذي يدخل إلى بناء /نسيج النص tissuوفق لعبة/إستراتجيةstratégie/ عن طريق الدهاء والحنكةstratagéme  تولدها طبقات النصوص strates/لإنتاج احتمالات دلالية من المقول الظاهر الذييخفي أكثر مما يبين، وبالتالي يتحول التفكيك إلى " تفكيكيات "، هذا المصطلح الذي اعتمد طه عبد الرحمن مقابلا لـdéconstruction  لتبيان تعدد اتجاهاتها،فالتفكيكيات إجمالا عبارة عن « النظر في وجوه كتابة النصوص»(20) وهي ترجمة تحاول توضيح الاختلاف بين فقه الفلسفة  و الفلسفات الخطابية (التأويلات ، الحفريات، التفكيكات )، هذا الرأي له وجاهته لولا أن " التفكيكيات " جمع "تفكيكية" ـ وقد تمت الإشارة إلى ما يختلج هذا المصطلح من لبس ـ ولو جمع على "تفكيكات" لكان أفضل، إضافة إلى اختزاله لمبدأ التفكيك في إنتاج إجراءات ثابتة للنظر في وجوه كتابة النصوص إلا أن مبدأه تقويض التمركزات التي ترى الحقيقة/ المعنى بعين التعالي، وفضح لسلطتها وأنظمةتفكيرها دونما قواعد وإجراءات ثابتة منهجيةمنطلقا من اللامعنى/اللاحقيقة فـ « ليس التفكيك منهجا ولا يمكن تحويله إلى منهج خصوصا إذا ما أكدنا على الدلالة الإجرائية كذلك ليس يكفي القول إن التفكيك لا يمكن أن يختزل إلى أدوات منهجية أو إلى مجموعة من القواعد والإجراءات القابلة للنقل... »(21).     

      هكذا يبدو ما مدى التباين الموجود بين مختلف الترجمات/ التأويلات، الذي يصل حد التناقض؛ من الترجمة الحرفية إلى من يبحث عن مقابل في البيئة العربية كل ومكتسباته المعرفية.

فجاءت متعددة بين "اللابناء"،"النقد اللابنائي"،"التشريجية"،"التقويض"،"التقويضية"،"التفكيك"،"التفكيكية"،"التحليلية البنيوية"، ولكل مصطلح علة وقصور تتراوح بين صعوبة التصرف الاشتقاقي، وبين من تحمل دلالات سلبية، لتعبر في مجملها تعبر عن غياب الجهود الجماعية والمتخصصين في مجال المصطلحية من جهة، ومن جهة أخرى تعبر عن الطاقة الاستيعابية التي تتصف بها اللغة العربية في استضافتها لكل غريب، كما ينم عن وعي منهجي في ضرورة تشكيل وبلورة المصطلح الوافد وأرضنة ليسهل فيما بعد تداوله وممارسته .

     فالمصطلح يمر بثلاث مراحل حسب عبد السلام المسدي هي: مرحة النقل عن طريق الدخيل اللغوي وبقالب المعرب فهي مرحلة التقبل الجملي مبنى ومعنى اذ يقتحم المصطلح الغريب المجال الذهني السائد ويكون بذلك ضيفا على مخزونها القاموسي، وبقدر قربه من المتصورات الرائجة في المجال التداولي يسهل على اللغة استيعابه ضمن أحد حقولها الدلالية؛أما إن كان غير قادر على أن يتواءم مع الرصيد القائم أو حتى الاقتراب من بعض عناصره فإنه يبلغ في غربته الحد الأقصى وبين قبول ورفض يبقى هذا المصطلح يزاحم اللغة تدفعه، غريزة البقاء لأن الاستخدام والتداول يقلل من حدة غربته.(22)

     بذلك تكون اللغة قد استضافت الغريب وألبسته حلته بأن أبقت مدلوله ورفضت داله عندئذ يلج إلى مرحلة تالية مرحلة التفجير أي «تفجير المصطلح وفرقعته لفصل مدلوله عن داله استشعارا بزوال الغربة القائمة في البدء بين المتصور المدلول عليه والناطقين باللسان المتقبل مع بقاء هذه الغربة بينهم وبين اللفظ الدال على ذلك المدلول وتلتجئ اللغة في هذا المقام إلى عملية تحليلية يتفكك المفهوم الموحد بمقتضاها إلى أجزائه المكونة له فيقع التعويل على عبارة متعددة الكلمات فيها إطناب أدائي يسد خلل التوازن الذي طرأ بموجب انسحاب اللفظ الدال وبذلك تتخلى اللغة عن قانون الاقتصاد بما أن ناموسا أقوى قد تسلط عليها وهو قانون رفع اللبس الذي ترتهن به وظيفتها الإبلاغية »(23)

 ما إن يستقر أمر الصياغة اللغوية الجديدة ويرفع اللبس بشيوعها وتداولها حتى يدخل المصطلح مرحلة ثالثة وأخيرة هي مرحلة التجريد «وفيها يعمد العقل اللغوي بقدرته التأليفية إلى اشتقاق الصورة الذهنية المتفردة في غير إسهاب تحليلي فهذه المرتبة تتنزل ضمن حركة التدرج الاختزالي الذي

هو ثمرة تآزر اللغة والعقل والذي تعول فيه الظاهرة اللسانية على الطاقة الإيحائية وعلى القدرة التضمينية بصورة يصبح معها الجزء المذكور دالا على نفسه وعلى الأجزاء التي تم اختزالها ولذلك كثيرا ما يستقر من بين ألفاظ العبارة لفظ يحوصل مفاهيمها ليصبح هو المصطلح الدال بذاته على المجال الكلي وقد يحل لفظ آخر محل العبارة فيعوض مداليلها جميعا تلك إذن مراحل الترقي نحو صوغ المصطلح التأليفي: أولها تقبل ثم تفكيك ثم تجريد »(24)

      إذا ومن خلال هذه المراحل التي ينتقل عبرها كل وافد غريب في سبيل تأقلمه مع مستضيفه،نجد أن مصطلح déconstruction انتقل من الاستقبال المباشر لا عن طريق التعريب،إنما عن طريق الترجمة المباشرة "اللابناء"، "التفكيك"،"التفكيكية"،إلى مرحلة التفجير والفرقعة وذلك عن طريق تحليل المصطلح وتفكيكه إلى صيغ متعددة "التقويض"،"التشريحية"، "إستراتيجية التفكيك"، لكن يبقى المصطلح لما يدخل المرحلة الثالثة مرحلة التجريد.          

          لتبقى قراءة شوقي الزين أقرب إلى الدلالة التي يؤديها فعل التفكيك من خلال البادئة «»التي تحدد دلالته إجرائيا،عمليا وفلسفيا، فيصبح إذ ذاك«إستراتيجيةstratégie  في  التعرية والغربلة و العزل وفق « إستراتجية stratagéme  أو حنكة أو مهارة  في  التحليل أو أداء  اللعبة  الفكرية  تستهدف الطبقة التحتية strate  أو بالأحرى الطبقات الملتحمة والمتشابكة، التفكيك بهذا المعنى هو سياسة وممارسة وفراسة»(25) ومنه يمكن ترجمة بـ "إستراتجية التفكيك" ووصفه بالإستراتجية لا يفرض البتة تقنيات محددة ومنهجية معينة،ۥتتبع للوصول إلى هدف معين،وإنما هذه الإستراتجية تفرضها المعطيات الآنية للنص في تفاعل  وحوار مع القارئ، وتعرية لكل المفاهيم الإيديولوجية الدغمائية وكل التصورات التقليدية السلطوية،ليكون بذلك المجال المفتوح الذي  ينتشل وينأى عن  كل فكر إحصائي تمثلي يتغيا الوصول إلى معرفة/حقيقة/معنى ثابتة أثناء دراسته للنصوص. إذا فهو لا يروم الوصول أو الوقوف عند معالم محددة أو حقيقية /معنى ثابت،بل حسبه إدراك كيفية اشتغال النصوص و قراءتها لإبراز الطرف الآخر/اللامعنى/اللاعقل/ الهامش بما هو المرآة التي يرى فيها المعنى /العقل/المركز عيوبه. كما يشير إلى ما هو مختلف فيما هو ظاهر وليس بظاهر تماما.

2-استراتيجية التفكيك بين الأصل الإيتيمولوجي وميتافيزيقا الترجمة:

          يعد الاهتمام بالدلالات السابقة أو السياق الذي ولد فيه المصطلح أمرًا بالغ الأهمية،فقد وضع لها أهل المعرفة إصطلاحا خاصا،بل وجعلوا منها علما مستقلا اصطلحوا على تسميته "إيتيمولوجيا"  "Etymologie"و الإيتيمولوجيا ذلك «العلم الذي ينظر في أصول المعاني وأزمانها وأطوارها أو إن شئت قلت تاريخها ولم يفت اللغويين العرب ولا علماء المسلمين الوعي بدور هذه الدلالة ووضعوا لها اسم "المعنى اللغوي"»(26)

    فلا يكاد أي مفكر/ قارئ ...يضع مدلولا اصطلاحيا لمفهوم ما ويجعل من هذا المفهوم مصطلحا، له إجرائية حتى يجبر على توسيع مجال أسئلته وإشكالاته التي يمكن أن تثبت هذه الإجرائية .هذا ما يجعل من المصطلح كائنا تداوليا خاضعا لضروب الإستعمال،التي يتدخل فيها التلقي بما هو إستراتيجية قرائية تريد إنتاجه اصطلاحا/مفهوما، دون تجريده من البنية اللفظية الخاصة التي جاء عليها، ولا من قرينة الاستعمال التي يتصل بها، أي دون تجريده من خصائصه "المعنوية القصدية" .

   فاقتران المفهوم باللفظ والمعنى الذي قصد إليه يورثه ما اصطلح عليه طه عبد الرحمن"الإنفهام التداولي" ومفاده «أن هذا المفهوم لا يكون كذلك حتى تقبل صيغته اللفظية أن يكون منفهما منها إذ لولا الإنفهام لما أمكن أن يأتي واضع المفهوم الفلسفي بفعل الإفهام ولا أن يأتي الموضوع له- أي المتلقي-بفعل الفهم كما أن اقتران هذا المفهوم بالاستعمال يورثه ما يمكن أن نسميه بخاصية "الانتساب" ومقتضاها أن هذا المفهوم لا يكون كذلك حتى يكون واضعه قد أتى فعل الاصطلاح عليه وفق مبادئ المجال التداولي الذي ينتسب إليه أو باختصار إن الأصل في المفهوم الفلسفي أن يكون منفهما من صورته اللفظية ومنتسبا إلى المجال التداولي... وبهذا يكون الانتساب التداولي شرطا في حصول الإنفهام من اللفظ فلا ينفهم المفهوم الفلسفي إلى ضمن مجال تداولي مخصوص »(27).

       لم يعثر على الأصل الاشتقاقي لمصطلح déconstruction إلا ما أورده دريدا في كتابه de la grammatologie،عندما فرضت هذه المفردة نفسها، إذ كان راغبا أن يكيف في مقاله، المفردة الهايدغرية destruktion  أو abben واللتان كانتا تدلان على عملية تمارس على البنية أو المعمار التقليدي للمفهومات المؤسسة للأنطولوجيا أو الميتافيزيقا الغربية غير أن destruction إنما تدل في الفرنسية على الهدم بما هو تصفية واختزال سلبي وربما كانت أقرب إلى demolition (الهدم) لدى نتشه مما إلى التفسير الهايدغري الذي كان يرغب دريدا في طرحه فراح يبحث عن الأصل الاشتقاقي للمفردة في قواميس اللغة الفرنسية فكان أن عثر عليها في قاموس lettré ليتريه وكانت مؤدياتها النحوية واللغوية والبلاغية مربوطة فيه بأداء "مكائني"28 :

Déconstruction /فعل التفكيك /مفردة نحوية، تشويش بناء كلمات عبارة. 

Déconstruire : 1- تفكيك أجزاء كل موحد، تفكيك قطع ماكنة لنقلها إلى مكان آخر .

                        2- مصطلح نحوي (...) تفكيك الأبيات وإحالتها شبيهة بالنثر عن طريق                 

                                  إلغاء الوزن .

                       3- se déconstruite التفكك والتخلع.. فقدان الشيء بنيته بمعنى أن اللغة قد بلغت كمالها           ثم تفككت وتحللت من تلقاء نفسها بفعل قانون التغير وحده الطبيعي في الفكر البشري.

ثم يضيف: déconstruction : فعل تفكيك أو حل أجزاء كل، تفكيك مبنى، تفكيك آلة.                           

في النحو: تغيير محل الكلمات التي تؤلف جملة في لغة أجنبية بخرق البناء النحوي لهذه اللغة و الاقتراب في الوقت ذاته من بناء اللغة الأم (للقائم بتفكيك الجملة). هذه المفردة تحدد ما يدعوه الكثير من النحاة بالبناء construction، حيث تنسجم الجمل لدى أي مؤلف و عبقرية لغته القومية في الوقت الذي يقوم به كل غريب بتفكيك هذه الجمل وفق عبقرية اللغة الأجنبية لفهم المؤلف و ترجمته، إذا فالعملية مزدوجة تفكيك بالنسبة للغة المؤلف و بناء بالنسبة للغة المترجم.

     هذه الدلالات التي قدمها دريدا لمصطلحه،وإن سمحت بتوضيح استراتيجية العمل التفكيكي بسبب الوشائج العميقة لما أراد قوله، إلا أنها في نظره لا تمثل إلا نماذج و مناطق معينة من المعنى، لا ترقى إلى الطموح التفكيكي الأكثر جذرية؛ الذي لا يتجدد لا بنموذج(نموذج مكائني،ولا نموذج سيمنطيقي"علاماتي"،ولا حتى نموذج لغوي- نحوي)لأنه من المفروض يجب أن تخضع هي نفسها لاستنطاق تفكيكي.و إن ساعدت على التوضيح. فالتفكيك يتجاوز المعاني الاشتقاقية، السياقية إذ كما هو معروف أنه نشأ في ظل هيمنة البنيوية و كان يسير في ذات الاتجاه ما دامت مفردة التفكيك تحيل على البنيات «التي ليست ببساطة لا أفكارا ولا أشكالا ولا تركيبات ولا حتى أنساقا.كان التفكيك هو الآخر حركة بنيوية ...و ضد بنيوية»(29) في آن و هو يدين بجانب من نجاحه لهذا اللبس.

من ثمة فإن "استراتجية التفكيك" هي ذلك الـ(لا)مفهوم أو النص الواسع الذي يستحضر كل السياقات بما فيها الفلسفية والدينية، حيث لا يكاد يختلف جل الباحثين على أن استراتجية التفكيك لا تخلو من الحمولات الفلسفية و الدينية لاسيما اليهودية في نسختها القبالية.

       إذا و في ظل غياب الأصل الاشتقاقي لمفردة déconstruction تكون عملية نقله عن طريق التعريب أمرا في غاية الصعوبة، وفي الوقت نفسه فإن كل محاولة لترجمتها أو تعريفها تضاعف من صعوبة فهمها، إذ كيف لا يكون ذلك كذلك والترجمة نفسها خاضعة للاستنطاق التفكيكي، فدريدا لا يرى في الترجمة«حدثا ثانويا أو متفرعا بالقياس إلى لغة أصلية أو نص أصلي...هي مفردة قابلة أساسا للابدال بكلمة أخرى في سلسلة من البدائل و يمكن أن يتحقق هذا بين لغة و أخرى»(30).

     إن استراتجية التفكيك تخترق منطق الترجمة التقليدي الذي قوامه التمركز حول الكلمة/الصوت الذي تؤسسه الميتافيزيقا، التي تقوم على فكرة الأصل / التعالي، وتروم الوصول إلى النص الأصل /اللغة الأصل/اللغة الحق الذي يضم المعنى النهائي/ الواحد، عن طريق الترجمة أو الوساطة الشبيهة بالوسيط "هرمس" بما هو حلقة تواصلية حوارية بين عالم الآلهة و عالم البشر، هذه اللغة الكامنة في أعماق كل لسان و السابقة لكل وجود"فف البدء كانت كلمة" .وهي بذلك أي الميتافيزيقا تسعى إلى إلغاء تعدد الألسن و قهر سنة الاختلاف ، لتجد الترجمة نفسها إذ ذاك واقعة في شراك الإيديولوجيا/ الفكرانية لأن ما يغذيها أكثر حسب طه عبد الرحمن هو التصور السائد والاعتقاد الذي يرجع الترجمة إلى التأثير الديني المتمثل في أمرين اثنين: أحدهما "قصة برج بابل في التوراة" و الثاني " ترجمة الإنجيل"(31)

     فقصة برج بابل تعود إلى أن أولاد سام بن نوح نزلوا بعد الطوفان إلى أرضا بين النهرين، أقاموابها مدينة يزينها برج عال، أرادوا الاطلاع به على أسباب السماء، فعاقبهم الإله على ذلك بأن بلبل ألسنتهم فأضحوا لا يدركون مقاصدهم فيما بينهم، و غير مستبعد أن يكون استعمال الفعل"بلبل" في اللغة العربية الذي يعني "الوقوع في الاضطراب " مشتقا من اسم "بابل" مستندا إلى هذه القصة العجيبة.فتكون الحقيقة/ المعنى وفق هذه القصة مختلفة/متعددة، ليست ملكا للغة بعينها بل صارت مرتحلة بين اللغات المتباينة التي تمتاز بإظهار و حجب ما تشاء وفق ما تريد.

    أما ترجمة الإنجيل فيذكر بعض المؤرخين أن اللغة التي تكلم بها عيسى عليه السلام هي الآرامية و هي اللغة التي نزل بها الإنجيل ، لكن الأناجيل الأربعة المشهورة "متي"،" لوقا"،"مرقس"،"يوحنا" مكتوبة باللغة اليونانية ، ما يعني أن الترجمة قد تلقفت الإنجيل و لما يمضي قرن من الزمن على نزوله، بذلك تكون هذه النقول قد ألغت الأصل و احتلت مكانه، بل غدت هي النسخة الأصل التي يعتمد عليها في الترجمة.

          بهذا التصور الديني الذي ينزل الترجمة منزلة الوسيط / الرسول /الناقل الأمين، تضفي على النصوص الأصلية قداسة تضاهي قداسة النصوص الدينية؛ دورها الأساس تبليغ الرسالة/ المعنى بأمانة و دون تبديل أو تحريف.الأمر الذي يفترض النظرة القداسية ومنح الأفضلية للغة الأصل على لغة النقل«مما يسم الترجمة بالدونية و يرسخ في ذهنية المتلقي هذه الدونية، ومن هنا نشأت المفاهيم الخاطئة العديدة عن الترجمة ، منها أن الترجمة ليست عملية إبداعية مهما بذل فيها من إتقان و فنون و منها وصمها بالزوال مقابل بقاء الأصل و اعتبار المترجم أقل منزلة من المؤلف و غير ذلك من الاعتقادات التي تفقد ثقة المتلقي بالترجمة و المترجمين»(32)

    إذا، فكل عملية نقل أو تحويل عن طريق الترجمة، تبتعد عن النسخة الأصل هي في نظر الميتافيزيقا "خيانة". لكن كيف يمكن للترجمة الوصول إلى اللغة الحق من خلال الانتقال عبر مختلف اللغات وقوام اللغة الواحدة الاختلاف والتعدد؟،هل يمكن للغة أن تمنح ناصيتها بهذه السهولة التي تدعيها الميتافيزيقا؟ أليست اللغة هي التي تتكلم/تفكر من خلالنا؟ أليست هي بيت الوجود على حد تعبير هايدغر؛ بها تتم عملية الكشف/التحجب؟.إضافة إلى هذا ألا ينطوي كل نص على مجموعة نصوص؟ . وفق هذا المعطى لن يكون النص/اللغة حاملا لمعنى أصلي/أحادي ينبغي الوصول إليه فكل نص بما هو ترجمة/تأويل/كتابة ثانية يتجاوز الأصل/المركز/الصوت.

   بناء على هذا، فإن مفهوم الميتافيزيقا للترجمة قوﱢض لتغدو الترجمة حينئذ حوارا بين/في اللغات، ترقى لمستوى الكتابة الإبداعية تجاري بها النصوص الإبداعية الأولى «فالترجمة هي التي تنفخ الحياة في النصوص و تنقلها من ثقافة إلى أخرى و النص لا يحيا إلا لأنه قابل للترجمة و غير قابل للترجمة في الوقت ذاته، فإذا كان في الإمكان ترجمة نص ما ترجمة نهائية فإنه يموت، يموت كنص و كتابة»(33). ومن ثمة فإن مهمة المترجم هي أن يسمح للنص بأن يبقى و يدوم،ينمو و يتكاثر، إذ لولا الاختلاف -الذي تريد الميتافيزيقا إلغاءه- لما كانت الترجمة ضرورية و ممكنة،لذا يقترح دريدا إبدال مفهوم الترجمة بمفهوم التحويل transformation "تحويل لغة لأخرى ونص لآخر بطريقة جيدة"، بناء عليه فإنه لا يمكن للترجمة أن تقوم إلا كعمليات تحويل، تحويل القراءة/ الكتابة، تفكيك/إعادة بناء، لا أن تكون صورة طبق الأصل.

             هكذا يؤكد دريدا و من خلال استراتيجيته أن التفكيك يخترق منطق الترجمة التقليدي، حيث ينتمي لما لا يقبل الترجمة، هذا لايعني أن إمكانية مقاربته مستحيلة، إنما ما لا يقبل الترجمة هو الذي يعرض نفسه باستمرار على الترجمة؛ أي ما يفتأ يترجم، و هو بهذا يتجاوز العلاقة الثنائية التي كانت تفرضها الترجمة بين اللغة المترجم منها/ الأصل/ المركز و اللغة المترجم إليها / الفرع/ الهامش، ليضع مفهوما إبداعيا جديدا يقوم على الاختلاف / البقاء ذلك أن المعنى المنقول لابد و أن يأتي بالجديد للغة الناقلة، فكل لغة تمد الأخرى بما تفقده، آنئذ يستحيل تحديد مكانه؛ بما أن النص نفسه يتجاوز المقامات و الترجمات، حتى إنه لا وجود في نهاية المطاف إلا لسلسلة من المعاني لا تنقطع حلقاتها و لا ينتهي طولها إذ لا فرق فيها بين ما للنقول و ما للأصول(34)، لأن قوام اللغة الاخـ(ت)ـلاف الذي يضفي عليها صفة الاستمرارية.

   -3التفكيك أكثر من لغة:

        إن تعريف مصطلح/ منهج ما بما هو مفتاح لدخول عالمه و فهم آلياته و سبر أغواره لأمر يصعب، لكن الأصعب منه إيجاد تعريف أو مفهوم لما يستحيل ضبطه في اللغة الواحدة، هذا هو حال استراتجية التفكيك déconstruction .

    ففي دراسة قام بها جون غراندن ـ في محولة إيجاد أرضية مشتركة بين التأويل و التفكيك ـ حلل تعريف دريدا للتفكيك، بالرغم من أنه أي دريدا ليس الصديق الأمثل للتعريفات و التحديدات و تطيره من كل ما يتعلق بالقطع و الفصل، إلا أنه لم يتردد في تقديم تعريف موجز، اقتصادي، مستفز يروم به المخاتلة/المخادعة؛ فهو تعريف يقول كل شيء بامتناعه عن قول أي شيء. تلمس من خلاله لعبة اللغة التي يمارسها بإتقان و دهاء. فما تعريف دريدا للتفكيك ذاك؟!: « إنه أكثر من لغة». «plus d’un langue»(35) بهذا يكون قد وضع مفاجأة انفلت بها من دغمائيةالفكر و انغلاقه، و مختلف التناقضات التي يقع فيها كل منهج مانحا بذلك لاستراتيجيته فسحة للتجاوز؛تجاوز ذاتها وغيرها في الوقت آن.كما أكد أيضا على الإمكانيات/الاحتمالات التي تمنحها اللغة في الإظهار و الإخفاء.

    فالتفكيك إجرائيا يتميز بكونه سياسة وفراسة،مناهضا لكل سلطة  متعالية للحقيقة/ المعنى، ذلك لأنه أي المعنى، مضمر،منطوي بين ثنيات اللغة/النص. لا يمكن إدراكه،حيث يسمح بملامسة آثاره أو ظلاله دون إمكانية الإمساك به، فهو فلوت، مرتحل، منتشر داخل فجوات النصوص، مثله في ذلك مثل الضوء أو النور الذي يمكن من رؤية الأشياء دون القدرة على رؤيته هو أو الإمساك به أو إدراك ماهيته.

     من هنا، فإن تعريف دريدا للتفكيك أقرب إلى اللاتعريف؛ فكل ما يتضمنه غموض  وتيه في هذه " الكتابة الغرائبية " التي يمارسها كما سماها- الدكتور عمر مهيبل-في/على اللغة وباللغة.لذا حاول جون غراندن انطلاقا من منظور تأويليته، إظهار مختلف الإمكانات الدلالية التي تحـ(ت)ـملها العبارة الرمزية المتضمنة في هذا التعبير. من خلال لعبة اللغة والعبارة الفسيفسائية "أكثر من""plus de " حاول غراندن إزالة بعض اللبس والغموض الذي يلف هذا التعريف المفخخ حيث أن:(36)

أ- plus de :  قد تعني التكثير أو المضاعفة كأن نقول " بأكبر عدد ممكن "en plus grand nombre "وعليه فإن هذه الصيغة تفرض بداهة أن تكون هناك أكثر من لغة واحدة، لسبر أغوار الشيء واستفاء كينونته فلغة واحدة لا تكفي بل لابد من وجود لغات متعددة، متنوعة.أليست هذه دعوة صريحة للتعدد /التبعثر/الانفتاح على الغيرية وتجاوزا لحدود اللغة الواحدة؟. لكن التعددية  قد تؤول إلى عدوانية أو صراع ،إن في اللغة الواحدة أو بين عديد اللغات.لأنه كان بإمكانه أن يجمع لغة على لغات، مع ذلك أصر على لغة المفرد بدل صيغة الجمع ليوسع دائرة الاحتمال.

ب- الترجمة الثانية التي تحتملها plus de "لاشيء مطلقا"؛ إذ إنها تنطوي على النفي أي "إنه أكثر من مجرد لغة"،فبالإمكان الاستغناء عن هذه اللغة التي تملك القدرة على المراوغة والتقنع، تظهر بقدر ما تخفي، تبسط بقدر ما تعقد، فهي تمثل المثال الأسمى للازدواجية، تقول الشيء بقول نقيضه.بالتالي الالتفات إلى خلخلة منطق اللغة وبديهياتها وإكراهاتها وعدم الثقة في خطاباتها السلطوية/الظاهرة /المقولة، حيث يمكن الاستغناء عنها بتعبيرات الإنصات،الفراسة،الحنكة؛ أي الانصات إلى اللامقول أو الكلام عن طريق الصمت، إنها لمفارقة أن نستخدم اللغة للدلالة على عجزها ونقصها، مقابل أن نصف الصمت كظاهرة متضمنة في اللغة عبر اللغة أو في الكلام.

     ألا تحمل اللغة هنا طابع الانغلاق تستدرج به الفرد إلى فضاءات،شبكات أشبه ما تكون بشبكة  العنكبوت التي تلف فريستها داخل نسيجها؟ «...أي أنها ترتب ما يقال ويعبر عنها داخل قواعد وأنساق وتركيبات وبناءات، وما لا يمكن التعبير عنه يفلت من قبضة اللغة ليصبح كينونة صامتة ومستقلة يمكن التماسته بطرق أخرى غير الخطاب في منطوقيته وبداهته»(37)،بتعبير آخر تحجب اللغة اللامقول في المقول كما يحجب العقل اللاعقل، المعنى اللامعنى،لينسل التفكيك من خلال تلك الفجوات ويقوم بعمليات تقويض/خلخلة/ زحزحة للعقل اللغوي وينفتح على اللغة التي تسكن كل ذات،ويبحث عما أخفته اللغة في اللغة عن طريق اللغة، هذا ما يفضي إلى الاحتمال الثالث .

 ج- الاحتمال الثالث لهذه العبارة هو حسن الإنصات إلى مايجري داخل اللغة، ذلك أن الكلمة تقول دائما شيئا آخر غير الذي قالته، حيث تخزﱢن إمكانات لا يمكن إظهارها إلا عن طريق التأويل/القراءة/ التفكيك، أي أن اللغة لا تستنفذ إرادة التعبير/القول لتظل أشياء كثيرة طي الكتمان.

هكذا فإن مختلف الدلالات التي يحـ(ت)ـملها (لا)تعريف دريدا لاستراتيجية التفكيك من خلال هذه التأويلات الثلاث تتعدد بين "المعاني المتعددة " وليدة التعددية اللغوية،" المعاني المتشظية" من خلال التمرد ضد اللغة،" المعاني المجازية " عبر تعلم فن الإصغاء إلى اللامقول.

      هذه المفاهيم الثلاث لا تشكل تنافرا فيما بينها بقدر ما تشكل كلا متداخلا، مؤكدة بذلك استحالة القبض على المعنى فهو متعدد، مشتت، مختف داخل لغة النصوص، وما السعي وراءه إلا شعور بالألم الذي تسببه اللغة لمتكلميها أو ما سماه جون غراندن "المعاناة اللغوية " لأن ما يتركب في نسقها من عبارات ومنطوقات لا يستنفد إرادة القول والتعبير،فلا يبقى لها إذ ذاك إلا الاختلاف مع ما أرادت قوله أو التعبير عنه، من ثمة يصبح التفكيك ـ والحال هذه ـ فك لبنية اللغة واشتغال على المعنى/ الحقيقة و فضح سلطته وتحكماته للكشف عما يمارسه الكلام من حجب و خداع و مصادرة . فالكلام بما هو ظاهر اللغة تظهر من خلاله سلطة الصوت وتمركزه، به تتمثل الذات نفسها وترى أنها الأحق بامتلاك الحقيقة/المعنى ليتم بذلك إقصاء الآخر/اللامعنى وتغييبه، وطمس فكر الاختلاف.

     لذا حاول دريدا توجيه ضربات لتقويض هذا التمركز من الداخل الذي يتصف به الفكر الغربي، بما هو المركز المتطور الذي يرى في نفسه الوصي، بيده الأمر، مقابل الهامش المتخلف الذي لا حول له ولا قوة. ولا يكون ذلك إلا عن طريق اللغة فهي منفاه التي تسحب منه سلطة وسطوته جاعلة منه كائنا غريبا فـ « اللغة التي تبحث بها عن اللسان في بعده الثقافي أو الأنطولوجي هي لغة بدون أصل وبدون فرع لغة كسياق محايد أو أرضية افتراضية ووهمية تشغلها كل ذات ناطقة على سبيل الحلول والتمركز »(38) ،بذلك لا يبقى للغرب العقلاني ما يفاخر به أمام نزعة التفكيك الداعية إلى التعدد/التشتت/الاختلاف، بتعبير آخر التفكيك هو (الـ)ـمعنى المتعدد، المتشظي، المجازي ،أما التحديد والضبط ما هو إلا نزعة إنسانية تبحث لها عن استقرار أو تمركز سلطوي وسط منطق الاختلاف الحاصل في الوجود،المجافي للاستقرار والاطمئنان؛فالإنسان رحلة بحث لما تنتهي .

        تأسيسا على ما سبق، إن كانت اللغة بقدر ما تركب أنساقها وتثبت قواعدها بطريقة منطقية قوامها الحضور فإنها تأسس من جانب آخر إلى الاغتراب فيها/الغياب/"المعانات اللغوية" هذه المعانات التي عاشها/ مارسها دريدا داخل اللغة، حاول أن  ينقلها  من خلال  كتابه " أحادية الآخر  اللغوية" " de l’autre le monolinguisme"والذي أخذ شكل سيرة ذاتية أو شكلا من أشكال الحوار أقرب ما يكون إلى المنولوج (الحوار مع الذات). هذا الكتاب يعد منعطفا هاما في سيرته الفكرية والفلسفية يسميها عمر مهيبل"باللحظة النوستالجية "،حيث انتقل في بحثه من أقاليم اللغة إلى أقانيم الهوية لأنه التائه المشتت: جزائري المولد (اللاوطن) فرنسي الإقامة (اللالغة) يهودي الديانة (اللادين). ترى هذا هو ما دفع " بكاهن التفكيك " لأن يقول "نعم، أنا لا أملك إلا لغة واحدة ومع ذلك فهي ليست لغتي" "oui, je n’ai qu’ une langue or ce n’est pas la mienne" باحثا عن هويته/كينونته التي لم يجدها، ليتخذ فيما بعد اللغة مسكنا له.

      قد يكون الأمر كذلك لو اكتفى بالجزء الأول من قوله« أنا لا أملك إلا لغة واحدة » لكنه وبإبداع القارئ خط اتجاها آخر،من خلال هذه اللغة التي يتحداها أو يملكها وهي في الوقت نفسه لغة الآخر التي فرضها تعليما ومحاكاة؛ أي أنها أتت من الخارج، هذا الخارج ارتدى لبوس الداخل، وقتئذ يتم امتلاكها والتماهي معها أو بالأحرى إتقانها والتلاعب بها، لتغدو اللغة إذ ذاك مستضيف كل غريب لأنها بلا هوية محددة، فلا وجود للغة صافية فهي دائما متناصة ؛أي أن كل لغة مشحونة بطاقة التناص لإنتاج المعنى الذي ينسل بين شقوقها تاركا آثارا تدل عليه حضورا/غيابا ،فالتناص قدر اللغة كينونة .

        بهذه النظرة الجديدة المختلفة التي قدم بها دريدا التفكيك ومن خلاله فلسفة اللغة يكون قد توجه إلى الاشتغال في المواطن الهشة من التفكير/اللغة/الذات/ المعنى حيث لا وجود للكوجيتو/السلطة.فمثلما كانت حفريات فوكو هي كشف عما يتوارى في نظام الكلمات والأشياء وتسليط الضوء على المناطق المعتمة في العقل، ومن قبله نتشة، هايدغر... عمل التفكيك على إعادة ما هو متوارى في مقبرة النص عن طريق الكتابة/ الاختلاف/ الأثر بما هي إمكانية المستحيل  im-possible.

 

 

                   

الهوامش

*ديدالوس مخترع إغريقي في أسطورة يونانية ،قام باختراع متاهة بطلب من ملك قبرص لسجن ولده المسخ (نصف ثور نصف إنسان ) "مينوس"  هذه المتاهة لايمكن الخروج منها إلا عن طريق خيط يربط إلى صخرة خارجها . ينظر: عبد العزيز حمودة ،الخروج من التيه، ص ص29، 30.

(1)رولان بارت،لذة النص،تر.منذر عياشي.مركز الإنماء الحضاري.حلب.سوريا.ط2. 2002. ص7.

**هذا ما أثبتته التحولات التي شهدتها النظرية النقدية المعاصرة ، فالتفكيك مثلا لم يكن بدعا حيث يعد نتاجا طبيعيا لتطور العقل الغربي الذي كان يلفظ كل مشروع وهو حامل لنواة تفكيكه بدءا من فلسفة الشك والعدمية( نتشه ) وقبله مشروع كانط ( نقد العقل ) ،مشروع سوسير اللساني الذي يقوم على مفهوم الاختلاف ، فلسفة هايدغر في تقويض الميتافيزيقا الغربية وتجاوزها ... هذا ما جعل حمودة يقر أن الحداثة الغربية وما بعدها تتكئ على أصول فلسفية أسهمت في إخراجها مشاريع نقدية ، من ثم أي عملية نقل لها خارج بيئتها المعرفية يوقع متبنيها في تناقض ويعطي مثالا على ذلك بالحداثة العربية التي وقعت في فخ الإلغاز والضبابية لأنها تبنت مشاريع دون وعي بجذورها وخلفياتها المعرفية ما أدى بكثير من الدارسين إلى الوقوع في فخ الإسقاطات (البحث عما يقابل كل ما هو غربي في التراث العربي ) . لاريب أن هذا الرأي له وجاهته لأنه يتحاشى الوقوع في ثقافة المطابقة لكن رفض كل ما هو غربي ووصفه بالتيه والفوضى سيؤدي إلى التقوقع على الذات وحصر تفكيرها، لذا يجب إخضاع كل المشاريع للدراسة والنقد والتمحيص لإزالة كل فكر متعالي هذا ما حاول دريدا تطبيقه من خلال استراتيجيته وما دعا إليه عبد الله إبراهيم في مشروعه "المطابقة و الاختلاف".

(2)  لغات و تفكيكات في الثقافة العربية، لقاء الرباط مع جاك دريدا.تر.عبد الكريم الشرقاوي.دار توبقال.ط1. 1998. ص222.                         

(3) شكري عزيز ماضي ،من إشكاليات النقد العربي الجديد، المؤسسة العربية للدراسة، الأردن .ط1. 1997 .ص174.

(4) المرجع نفسه ، ص 167 .

(5) وليام راي، المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية .تر.يوئيل عزيز يوسف.دار المأمون.بغداد.دط.1988.ص9. الهامش.

 *** تقوم تشريحية الغذامي ممارسة على ما أسماه " تفسير الشعر بالشعر"، حيث يتم إدماج كل قصيدة في سياقها العام والخاص، والذي يعد مجموعة شفرات يدخل من خلالها القارئ إلى النص، فيفكك إذ ذاك النصوص إلى وحدات ؛ يسمي الناقد كل وحدة مكتملة بنائيا ودلاليا (جملة)؛ وهي تختلف عن الجملة الشعرية أو الجملة النحوية، إذ تعد أصغر وحدة أدبية وتمثل (صوتيم)النص. وتطبيقا لهذا قام بدراسة أبيات لدريد بن صمة وتوقف عند بيتها :         

                                             وما أنا إلا من غزية إن غوت      ***غويت وإن ترشد غزية أرشد

لتحول معنى البيت في ظل تلك القراءة من معنى يدل على العصبية القبلية والتطرف إلى معنى يدل على قمة الحرية والديمقراطية، و بذلك يكون قد أحيا النص بإعادته إلى سياقه بعد أن كان حبيس المركزية القرائية الأحادية المهيمنة . لكن تشريحيته تبتعد – باعترافه – عن إستراتيجية دريدا، التي تقوم على محاولة نقض منطق العمل المدروس، وفي الوقت الذي تقترب من تفكيكية بارت القائمة على النقض من أجل البناء، والمنتهية إلى علاقة حب بين القارئ والنص.بدليل أنه غالبا ما يستعمل المصطلحات الديريدية مفرغة من محتواها الاصطلاحي فقد عدﱠ مثلا مفهوم الأثر la trace تلك القيمة الجمالية التي تجري خلفها النصوص أي (سحر البيان) الذي يؤثر في النفس. وهذا المفهوم مخالف تماما لمفهوم دريدا فهو ما يدل على الشيء وغيابه في آن أو هو الخط والمحو لكشف ما هو هامش في النص والذي سيأتي بيانه في حينه .ينظر:عبد الله الغذامي ،الخطيئة والتكفير ،من البنيوية إلى التشريحية . المركز الثقافي العربي . الدار البيضاء .المغرب ـ بيروت .لبنان .ط6. 2006.            

(6)  المرجع نفسه. ص48. الهامش. 

(7) عبد المالك مرتاض،نظرية القراءة ، تأسيس للنظرية العامة للقراءة الأدبية، دار الغرب. وهران.ط1. 2003. ص26.

(8)ميجان الرويلي ،سعد البازعي،دليل الناقد الأدبي، إضاءة لأكثر من خمسين تيارا ومصطلحا نقديا معاصرا. المركز الثقافي العربي.بيروت ط4 . 2005. ص107.

(9) المرجع نفسه،ص108.

(10) جاك دريدا، الكتابة والاختلاف،تر.كاظم جهاد.دار توبقال للنشر.المغرب.ط1. 1988. ص27.

(11)عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة،من البنيوية إلى التفكيكية. سلسلة عالم المعرفة. الكويت . 1998. ص165.

(12) المرجع نفسه،ص10.

(13)المرجع نفسه، ص165.

(14) يوسف وغليسي ، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، منشورات الاختلاف. الجزائر.ط1. 2008. ص350.

(15) محمد شوقي الزين ،تأويلات وتفكيكات،فصول في الفكر الغربي المعاصر. المركز الثقافي العربي.بيروت. ط1. 2002. ص189.

 **** يرى غادامير أن دريدا قد أخطأ في فهم المفردة التي وظفها هايدغر في نقد العقل الغربي الميتافيزيقي،حيث اعتقد أي دريدا أن كلمة destruktion تعني الهدم و النقض،لكن في اللغة الألمانية الهدم هوzerstörung  أما struktion   تعني تفكيك وحدة إلى عناصرها يليها التركيب و بالتالي فقد أخذها على أنها هدم بلا قيد أو شرط .ينظر: غادامير، الهيرمينوطيقا في بدايتها، تر.جون غراندن.ص170. نقلا عن.محمد شوقي الزين، الازاحة والإحتمال،صفائح نقدية في الفلسفة الغربية.منشورات الاختلاف.الجزائر.الدار العربية للعلوم ناشرون.لبنان.ط1. 2008.ص315.  لكن لو أخذ المفردة كما هي لقابلت في الفرنسيةdestruction  التي تعني الهدم وهي تقابل démolition عند نتشه وبما أن المفردة الهايدغرية تعني البناء بعد التفكيك فهي تقابل في الفرنسية déconstruction  .

(16) محمد شوقي الزين، الإزاحة والاحتمال.ص315.

(17) محمد شوقي الزين،تأويلات وتفكيكات، ص190.

(18) المرجع نفسه. الصفحة نفسها.

(19) المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(20) طه عبد الرحمن،فقه الفلسفة، الفلسفة والترجمة. ج1. المركز الثقافي العربي. بيروت.لبنان.ط2. 2000. ص42.

(21)عادل عبد الله،التفكيكية، إرادة الاختلاف وسلطة العقل، دار الحصاد للنشر والتوزيع.دمشق.سوريا.ط1. 2005. ص115.

(22) عبد السلام المسدي،المصطلح النقدي. مؤسسة عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع.تونس. 1994.ص ص48، 49.

(23) المرجع نفسه،ص49.

(24) المرجع نفسه.ص50.

(25) محمد شوقي الزين ،تأويلات وتفكيكات،ص236.

(26)  طه عبد الرحمن،فقه الفلسفة. القول الفلسفي. كتاب المفهوم والتأثيل. المركز الثقافي العربي بيروت.لبنان. ط3. 2008.  ص.135.

(27) المرجع نفسه، ص ص 120، 121.

(28) ينظر: جاك دريدا، الكتابة و الاختلاف،ص57- 59.

(29) المرجع نفسه،ص59.

(30) المرجع نفسه،ص63.

(31) ينظر: طه عبد الرحمن، الترجمة و الفلسفة،ص61.

(32) عمر كوش، أقلمة المفاهيم، ص112.

(33) عبد السلام بنعبد العالي،في الترجمة.تر. كمال التومي.دار توبقال.الدار البيضاء.المغرب.ط1. 2006. ص21.

(34) ينظر: طه عبد الرحمن، الفلسفة والترجمة،ص 112 و ما بعدها. 

(35) جونغراندن، المنعرج الهيرمينوطيقي للفينومينولوجيا.تر.عمر مهيبل .منشورات الاختلاف. الجزائر. الدار العربية للعلوم  ناشرون. الجزائر. ط1. 2007. ص 166.

(36) المرجع نفسه، ص  167-170.

(37) محمد شوقي الزين، الإزاحة والاحتمال، ص 141.

(38) المرجع نفسه ،ص142.