الترجمة ـ  التناص ـ التأويل

 عيساني بلقاسم  ــ جامعة المدية

ملخص :

ترتبط متعلقات التناص ارتباطا عضويا بالتلقي، فكيف يمكن دراسة الترجمة كإحدى تجلّيات التناص رغم اختلاف اللغة ومرجعياتها عند قارئ ثاني ينتمي إلى ذائقة ثقافية ونقدية غير التي ينتمي إليها الأول ؟ إذ أنّ الترجمة فعل قرائي يُحوج إلى التأويل خاصة حين يحتوي العمل على مجموعة تناصات يجتهد المترجم في إيصالها بأمانة، لكنه إذا تعذّر عليه ذلك يكتفي بالأثر التناصي، فما هي طرائق الترجمة لنقل العلاقات التناصية إلى لغة أخرى ؟، هذا البحث القصير إجابة عن ذاك السؤال .

 

Resumé

L’intertextualité joue un rôle essentiel dans la réception des textes traduits , mais la possibilité de traduire des intertextes étrangers avec exactitude est si restreinte , par conséquent ces intertextes sont remplacés par des relations intertextuelles analogues , ce qui ouvre le texte traduit à des possibilités d’interprétation qui varient selon les communautés culturelles dans la situation réceptrice , l’article essaye de décrire comment ces possibilités se mettent en action .

 

                    

 

 

 

 

 

 

توضيحات أولية

تعاقب النظريات الأدبية أثبت أن كل نص هو في الأصل تناص، مرتبط بنصوص سابقة عبر علائق عدّة ولكنها حاضرة بطريقة أو بأخرى فيه، ومنها يستمد دلالاته و قيمته ووظيفته، هذه العلاقات التناصية يمكن أن تتخذ تمظهرات مختلفة غير أنها معروفة ومحددة كالاستشهاد والتلميح والباروديا، لكنها يمكن أن تظهر أكثر حذقا وضمنية وعمومية، حيث نرجعها إلى فعل لغوي مرجعياته في بنى لسانية راسية ومثبتة، وكعمل أدبي يمتح من أعمال أدبية سابقة عليه تنتمي إلى أجناس أدبية شتى، فالتناص يفترض وجود تقليد لساني، أدبي أو ثقافي، وتراكم للأشكال الكتابية وتطبيقاتها، فحينما تقوم علاقة تناصية ما بتأسيس فعلها فإنها تخلق تقليدا ما تتبّعه أو تخرج عنه مما يحوّله إلى مرجعية طرائقية في إطار تراكم لساني لفنون القول وكيفياته، إضافة إلى أن متعلّقات التناص مرتبطة ارتباطا عضويا بالتلقي، فالقارئ لا ينبغي له فقط امتلاك معارف أدبية وثقافية تسمح له بالتعرّف على أمشاج النصوص التي بين يديه، بل عليه أن يمتلك القدرة على إعمال العقل النقدي لاستبصار تشكّل الدلالة للعلائق التناصية على مستوى النص وأيضا قياسا على موقع النص من تراكمية التقليد الكتابي عبر التناص، تقول سوزان ستيوارت واصفة هذا الأمر : " تحقّق التناص يرتكز على مجموع الشروط الاجتماعية والثقافية المتوفّرة لعملية التلقي، وهي التي يُستحضر بها الكم المعرفي والكفاءة القرائية عبر مجموع التقليد الكتابي " [1] فالترجمة تمثل إحدى تجلّيات التناص، وتتمظهر عبر عدّة أوجه : الأول : علاقة النص ( المعتزم ترجمته )باللغة الأجنبية، أي بالنصوص الأخرى من ذات اللغة أو من لغات أخرى،  الثاني : علاقة النص الأجنبي بترجمته المبنية على مبدأ  عنصر التكافؤ équivalence  ثالثا : علاقة النص المترجم بالنصوص الأخرى من ذات اللغة المترجم إليها أو من لغات أخرى .

من وجهة نظر القائمين على الترجمة لا تكون هذه الأوجه العلائقية الثلاث واضحة تماما كما يظهر لنا من التقسيم الإجرائي السابق، بل التداخل سمتها الأولى وبنوع من التعقيد يعكس مجمل مقدّرات الربح والخسارة الي مني بها النص المترجم على كافة الأصعدة على المستوى الخطي graphique، والصوتي phonique قبل المفرداتي والتركيبي  والأسلوبي وعلى مستوى الخطاب، فمن أجل استحداث شكل يميّز وجود التناص في النص الأجنبي ومن أجل الاحتفاظ بكل تكافؤاته الدلالية في نظيره المترجَم، يقوم المترجِم بإدخال بعد تناصّي وعلائق تناصية فيما يترجمه، ولكن هذه العلائق مختلفة عن الأصل لكونها مستمدة من الثقافة المترجم إليها، أي أنه يصوغ عباراته وهي تحمل آثارا من معطيات اللغة التي ينتقل إليها العمل حتى تعوّض العلائق التناصية الموجودة في اللغة المترجم منها  ولكن هذا المسعى قد يصطدم بمفارقة الأصول لأنه بتعويضه للأثر الأجنبي بآخر محلي يكون المترجم قد خاطر بالابتعاد عن الدلالات الأولى وضياعها في خضم كل تلك التبدّلات، فمسار تكوين العالم التناصي ذاته يضحى مختلفا بحكم أنه لا يمتح من نفس نصوص التناص الأجنبي مما يحتم تغييرات لسانية وثقافية .

فالخطة هذه في رؤيتنا للترجمة تحتم التطرّق لدور التأويل في عملية التخيّر التناصي لأنّ اختيارات المترجم نابعة من قناعاته القرائية والثقافية كون المترجم ذات تتشرّب المعرفة ثم تبثها من جديد عبر نقلها من لغة إلى أخرى، فهذا النقل ليس ميكانيكيا ولا يمكن أن يكون كذلك، أما إذا كانت النصوص ذات حمولة تناصّية فذلك ما يزيد الأمر تعقيدا لأن النصوص تصبح حاملة في بطنها لإحالات متشعّبة وبطرق شتى، وهذا ما يصعّب من مهمة الخيانة التي يقوم بها المترجم للنص الأصل سواء عبر الزيادة في الشرح أو التعديل أو تعويض آثار كتابية أخرى يفهمها المتلقي أكثر، وكل ذلك الاجتهاد ما هو سوى قدرة تأويلية تتجلّى، هذه القدرة تتصرّف في اللغة لنقل المعنى، ولكن هذه اللغة ليست محايدة وانتماؤها إلى تشكل ثقافي معيّن يؤثر بالضرورة على المترجم في محاولته المستميتة أن يكون قريبا قدر الإمكان من معاني النص الأصلي، فالتناص يستبدل علاقاته في الترجمة مما قد يضيّع عنصر التكافؤ بين النصين السابق واللاحق المنتميين إلى لغتين مختلفتين، فالعلاقات التناصية ـ في الترجمة ـ تقوم بتأسيس قاعدة التأويل الذي يصبح معه المعنى مجرّد احتمال مما يثير تساؤلات لا يتأتى سوى لقارئ متنفّذ معرفيا أن يجيب عليها، فالتأويل هنا ليس مجرّد معطى دلالي مرتبط بنصّه الأجنبي ولكنه ضبط لمعنى مخصوص في إطار نقلة حضارية وثقافية لا تؤمن مطبّاتها على مستوى واقعها اللساني والاجتماعي، فالقارئ تصله الترجمة دون علم بخلفياتها اللغوية في الضفة الآخرى، لكنها يجب أن تصاغ في قوالب لغوية خاضعة لمتطلّبات الوسط اللساني المحلي بما فيها طرائق التجاوز البلاغي وفنّياته، فإذا أخذنا قدرة اللغة غير المحدودة على المخاتلة ندرك الصعوبة التي يواجهها المترجم في مجمل خياراته التعبيرية على مستوى المفردات، والتركيب الجملي والتشكيل النصي في مجمله، مع ما تجرّه العبارات من آثار النصوص السابقة والتي لا تُفهم دون معرفتها كخلفية معرفية والتي يجب استبدالها من طرف المترجِم ببدائل تصنع من جديد هويّة النص المترجم دون أن يفقد الصلة بأصله .

تناصّات النص الأجنبي :

مجموع العلاقات التناصية التي على المترجم إدراكها هي تلك المنسوجة سلفا في النص الأجنبي، إذ هي نادرا ما يعاد رسمها في كلّيتها عبر النص المترجم، لأن فعل الترجمة يفكّك السياق ويعيد إنتاجه، كون الاختلافات البنيوية بين اللغات بما فيها تلك المتشابهة أو التي تقتسم ملفوظات متقاربة بل وآليات تركيب متماثلة، تحتاج عند ترجمة نصوصها إلى تحريك سلسلة الدوال في انتظامها مما يؤثر على السياق، إذ في عملية النقل هذه تطرأ تغييرات على تشكيلتين مهمّتين على مستوى انتظام الدوال وأثره على تشكيل السياق : الأولى : ضمن نصّي intratextuel، أي مكوّن نصّي داخلي، والثانية : تناصّية تمتد إلى خارج النص عبر علائق مع النصوص الأخرى والتي تساهم بدورها في تشكيل الدلالة، لكن خاصة مع القراء الذين يتقاسمون مع النص الأجنبي نفس الأسس الثقافية، وحين نقول عنه أنه مكوّن نصّي فنعني بذلك قدرته على الانتقال من الدلالة signification إلى التدليل signifiance عبر مستويين للفهم لمن أدرك العلاقة التناصية ولمن لم يدركها، لأن القارئ المؤهّل للمستوى الأول يذهب بعيدا في عمق المعنى، وعمق المعنى هذا يتعرّض للخلخلة عند الترجمة مما يجعل متلقي النص المترجم لا يدرك أبدا الآفاق الدلالية التي أدركها قارئ النص الأصلي، وبذلك يتعذّر نقل العلاقات التناصية مع كامل المعنى إلى اللغة الأخرى وإلا اضطرّ المترجم إلى نقل كل التراث المشكّل للغة الأجنبية وهذا بالطبع يُعد ضربا من المستحيل، لكن إذا لجأ المترجم إلى التوضيحات الإضافية بتأشيره كل مرّة على علاقة تناصّية ما فإنه سيلاقي مشكلتين : الأولى تتحوّل ترجمته إلى تعليق أكثر منها ترجمة حقيقية، الثانية أنه سيلاقي رد فعل منفّر من متلقي الترجمة كون هذا الأخير سيشعر بالغربة لأنه محال على شواهد لا يعرفها ولم يدرك يوما أهمّيتها ولا ذاق متعتها الفنّية، وقد تصبح النصوص متشعّبة إلى درجة تفوق الاحتمال مكتظة بالإحالات، لكن إذا لجأ المترجم إلى تجاهل العلاقات النصّية في النص الأجنبي قد يقزّم المعنى دون أن يدري، فماذا يفعل إذن وكيف يتصرّف ؟

 تلك هي المشكلة الكبرى في ترجمة التناص من لغة إلى أخرى في الأعمال الإبداعية خصوصا، لأن الكلمات والعبارات الواردة في نصوص سابقة وينقلها النص الأجنبي في طيّاته تصبح عبارات ذات انتماء، أي اكتسبت هويات خاصة وتثير مشاعر معيّنة، وكل قارئ للنص الحالي يتذكّرها بمنطق مقارن بين سياقاتها السابقة والسياق الذي دخلت فيه اليوم، وهذا الإدراك في حد ذاته يخلق دلالة وطريقة ما في تلقي النص، كل هذا يضيع عند ترجمة ذلك النص دون علائقياته تلك والتي قد تبقى من خلال الترجمة كعبارات محايدة، وفرق كبير بين كلمات أعلنت انتماءاتها وكلمات محايدة، فالعبارت في تشكّلها تنبئ بجذور يصعب قطعها في الترجمة غير أن معانيها ستموت ولا يبقى منها سوى ظاهر دلالي مرتبط فقط بدوره في تشكيل نصي دون عمق ولا مرجعيات، هذا الكلام النظري يمكن البرهنة عليه تطبيقا من خلال ترجمات عديدة ومشهورة كلها تنبئ أن اختلافا كبيرا يطرأ على تمظهر المعنى عند نقله من لغة إلى أخرى، لكن يمكن للمترجم المتمكّن من اللغة المترجم إليها أن ينشئ تناصّات اخرى موازية لما ضاع من أصل المعنى ولكنه بذلك يكون بصدد عمل نعتبره منتميا إلى ما نسمّيه اصطلاحا بإعادة الكتابة réecriture وليس ترجمة لأنه بذلك يعيد خلق العبارة من رحم اللغة المترجم إليها ، ولكنه يستطيع اللجوء إلى مسمّيات وصيغ وصلت كملفوظ دال يقوم بتوصيف الآخر، هنا نكون بإزاء تقريب لصورة الآخر عندنا ولكنه عمل لا يرقى أبدا إلى استحضار الثقافة الوافدة في سياقاتها الأصلية تلك من خلال ترجمة نصّها، وكمثال تطبيقي لو كان في النص الأجنبي تناصّات مستمدّة من الإنجيل تدعو إلى قيمة دينية هل نوردها كما هي أم نعوّضها بنفس القيمة الدينية تكون مستمدة من القرآن الكريم لتحقيق التفاعل؟ لأن المقطع الإنجيلي قد كوّن دلالة لها كيفية محدّدة بحكم الصلة كعلاقة تناصّية ممزوجة بالمعاش اجتماعيا والمقتنع به ثقافيا وماذا نفعل إذا كان البعد التناصي على شكل تلميح َallusion ؟ هل نجتهد في مجمل تجلّياته لنوازيه كأثر عبر الترجمة ؟ حيث يمكننا إحداث نفس الأثر على المتلقي ولكن بدلالات مغايرة تماما للنص الأوّل، فهل العبرة بالأثر أم بالنقل الأمين للدلالات ؟

هذه الدلالات مرتبطة أيضا بمستويات الخطاب كنشاط اتصالي إن كان يصطبغ بصبغة معرفية أو بمسحة اجتماعية وهذا يجعل الملفوظ ذو مميّزات يمكن أن تُمحى من خلال الترجمة، فغالبية المترجمين يفترضون تحقيق حدا أدنى من التكافؤ الدلالي على مستوى المفردة والعبارة انطلاقا من التقابل القاموسي، لكن هذا الظن يرتكز على رؤية اتصالية ساذجة لأن الترجمة فعل يبتغي تحويلا دلاليا جذريا، فالنص الأجنبي لن يتعرض فقط لتفكيكات سياقيةdécontextualisation   بل إلى إعادة تسييق re-contextualisation، إذا اعتبرنا أن الترجمة هي إعادة كتابة في قوالب لغوية واضحة لدى المتلقي، وفي بنى وقيم ثقافية وتقاليد أدبية ومؤسسات اجتماعية مختلفة عن الأصول، فإعادة التسييق ترتكز على إعادة إنشاء شبكة علاقات تناصية جديدة مبنية على حيثيات التلقي، فالنص المترجم لا يخسر فقط متجلّياته الاجتماعية والثقافية في لغته الأصلية ولكنه يربح آفاق دلالية مترتّبة على متطلّبات استقباله، إذ سيصاغ من منطلق تأويلي بعد فهمه وهضمه وتفسيره ثم تبني احتمالات معيّنة في استيعابه وهذا يكسبه كل غنى الذات الناقلة باعتبار المترجم حامل لكل وشائج المعرفة المتوفّرة في اللغة المستقبلة على كل المستويات الاجتماعية والثقافية وغيرها، فيصبح النص المترجم نقطة حوار بين لغتين وثقافتين بل وحضارتين تلتقيان عبره تريد إحداهما فهم الأخرى من خلاله، والنتيجة نص مختلف عن الأول قد اكتسب هوية جديدة لا محالة، والتأويل نوعان : شكلي وموضوعاتي، الأول يبتغي المماثلة في الدلالة المبنية على ثنائية لفظية بيّنة أو يهتم بمفهوم أسلوبي concept de style، أو بملفوظات وتركيبات خاصة مرتبطة بالنوع ونموذج الخطاب، أما الثاني فيركّز على شفرة النص : التوجهات الفكرية والمعتقدات، ومجموع خطابي ذو توجه ما، وكيفيات الحجاج المعتمدة فيه، وهذه كلها ذات تمظهر تناصّي بيّن، تتقاطع في مكتوبها مع التعليق الذي يبتغي التوضيح وهي بذلك جزء من مجهود المترجم الذي يحاول خلق مناخ يتقبّل محليا الدلالات المقبلة من بعيد، لنتأمل ترجمة أعمال الفيلسوف ألتوسير إلى اللغة الإنجليزية حيث كان له تأثير كبير على مجمل النقاشات السياسية والثقافية الدائرة في بريطانيا بين 1960 و1970 م [2]، حيث تصرّح أحدى مترجمات نصوصه واصفة حصيلة عملها كنتيجة لإدراكها البعد التناصي في أعماله وكيف أنها تعاملت معها بطريقتها الخاصة بحيث أن ألتوسير قد اكتسب هويّته الفكرية من هذا التعامل الخاص عبر تكوين وشائج علائقية مع الثقافة الإنجليزية تحديدا مما يخلق صورة فكرية مختلفة عن تلك المتلقاة عنه في الثقافة الألمانية [3].

المصطلحات المتخصصة في العلوم الإنسانية تشكل في عمومها صلات تناصّية، إذ تحمل متعلّقات بالبحث العلمي الذي يحدّد ملفوظاته كمفاهيم تبتغي التطبيق في الدراسات والمناقشات، وتتطوّر وفقا للتوجّهات المنهجية وتنتشر دوليا وعبر كل اللغات من خلال الترجمة ومن خلال نقل الكلمة في حرفيّتها مع إخضاعها للبعد النحوي فيما يسمّى عندنا بتعريب المصطلح، هذه المصطلحات تُترجم في إطار مؤسّساتي بعيد عن مكان نشأتها، فسياق ترجمتها قد يدخل عليها دلالات إضافية عبر تأويل شكلي، فإذا كان النص الأجنبي ذاته مترجما تستعر حمّى العلاقات التناصّية المتعدّدة إلى درجة الحاجة إلى تحليل التوجّهات والعوامل المتحكّمة في وضع المصطلح لتكون الترجمة أقرب ما تكون إلى الدقّة واستجابة إلى المتطلّبات المنهجية فيها، فالمصطلحات في تراوح دائم بين الملفوظ العام والتقني المتخصص، والترجمة قد تخطئ طريقها بينهما حسب حصافة المترجم .

الأشكال التناصية المنجزة عبر الترجمة تؤثّر على فهم النص الأجنبي ونصوص الثقافة المترجم إليها،فالترجمة في حد ذاتها تناص باعتبارها صلة علائقية بين نصّين من لغتين مختلفتين وكإنتاج نصّي لنص سابق، سواء بالإشارة إليه بشكل متواتر أو بإعادة كتابته من خلال محاولة تشبّه بصورته الحرفية ونوع المفردة والتركيب، أو عبر النموذج الأسلوبي والخطاب،ورغم هذا فالترجمة إبداع نصّي أصيل لا يمكن أن تكون نسخ لهويّة سابقة، فبمجرّد تعرّف القارئ على تناصّات النص تبدو له ظاهرة يسمّيها دريدا " التحوّل الحربائي للمعنى " [4] حيث أن كل دال لغوي قد تتغيّر دلالته حيث يستطيع أن يقطع مع أيّ سياق، ويلتحق بسياقات أخرى  دون أي يعرف له نهاية أو حد، وهذه التحوّلات التي تطرأ تجعل التناصات المستجلبة والتناصات المستحدثة ليست فقط ذات طابع تأويلي بل تطرح إشكالات وتساؤلات حول مجموعة القيم المخلوقة بفعل الترجمة والتي على النقد تشريحها، بل وتساهم في صنع آفاق مؤسّساتية لإرساء تقاليد أدبية لرسوّ المعنى ضمن حاضنة ثقافية واجتماعية معيّنة، ولكن مع الحذر من جعل النص المترجم هو الدالة الوحيدة لفهم النص الأجنبي على أساس زعم المطابقة، بل يجب اعتبار النص المترجم مجرّد اجتهاد تأويلي نحو استحضار النص الأول، أي اعتباره مجرّد رؤية ضمن رؤى يمكن أن تطرأ مستقبلا

 ويمكن أن نقدّم أعمال الشاعر الأمريكي إيزرا باوند كمثال في محاولته  لتأسيس معنى شعري مترجم، إذ ولكي يستحضر الأجواء الشعرية الإيطالية ( اللغة المترجم منها ) نجده يقترب كثيرا من لغة الشعراء الإنجليز في القرن السادس عشر ليكون على خط موازي بين العصرين الذَين تبادلا التأثير من حيث التوجّهات الأدبية في الكتابة على نهج تقاليد معيّنة، فمنطق الخلق الفني لدى باوند هو استجلاب سياق يخرجه عن حاضره هو ليرجع مراحل سابقة بذاته الشاعرة التي ستعكس اهتمامات ذلك العصر مما يجعله أقرب إلى روح الشاعر الإيطالي المترجم له والذي عاش في تلك الفترة، لكن هل أفلح باوند في مسعاه لتجاهل عصره والحلول في تاريخ سابق ؟ وهذا السؤال جزء من الإشكاليات التي تحدّثنا عنها مسبّقا، والحقيقة أن ذلك أقرب إلى المستحيل لأن باوند أغفل ــ دون قصد ـ أن الترجمة نوع من التأويل، والتأويل رؤية تأتي من عمق الذات، فلا يمكنه إذن التنكّر لمجمل مكتسباته المعرفية المخزّنة في الشعور واللاشعور، ومن هنا كان باوند يسبح في ثلاث بدائل زمنية : زمن الشاعر الإيطالي، والاستعارة التاريخية التي لبس عباءتها، وعصره هو الذي تسرّب إلى تشكيله الشعري دون أن يدري، فجهده تمثّل في استدعاء عنصر تأويلي شكلي تمثل في كم قاموسي معيّن كملفوظ ساد القرن السادس عشر ولكنه لم يكن كافيا لطرد الذات الشاعرة التي تعيش عصرها، فجاءت ترجمته مصبوغة باهتمامات وخيالات بل وتقنيات تعبيرية معاصرة، فكتاباته مليئة بعلاقات تناصّية تمّحي فترة لتظهر أخرى في تخافت متدرّج يعكس قدرة النصوص على حمل علاقاتها التناصية معها أينما حلّت، ولكن استبدالات سياقاتها هو المتحكّم في ذلك التخافت سالف الذكر، إنّ السياق يمكن اعتباره أيضا درجات من درجات تكييف الكتابة، فشخصية باوند استحضرت عصرها من حيث الوضوح والتجلّي الذي كان غائبا جزئيا في الكتابة الشعرية الإنجليزية في القرن السادس عشر [5] غير أن أفكاره حول ترجمة التناص تبدو آراءا خاصة بمطبّق أكثر منها لمُنَظّر، لأنها تظهر التزامه العميق بحداثة رؤيته الشعرية، إضافة إلى فرضيته الساذجة بوجود نموذج لغوي اتصالي بسيط، كل ذلك منعه من استشراف آفاق تنظيرية تتجاوز تطبيقاته النصّية، ويمكن إلقاء الضوء على إمكانية توسيع المفاهيم انطلاقا من التطبيق من خلال كتاب فيليب ليويس حول كيفية قياس الآثار الدلالية المترتبة عن الترجمة [6] والتي يتحدث فيها عن توفيقية معيّنة ومعقّدة بين استعمال لغوي وظيفي اتصالي نفعي وبين آفاق تعبيرية تحتاج إلى تأويلية لا تضرب في كبد المغالاة، وهو إذ يأخذ بعين الاعتبار الفكر الدريدي ( نسبة إلى جاك دريدا )حول اللغة، فإنه يسائل المترجمين ويعاتب طرائقهم في تصيّد المعنى الرائج دون الاهتمام أكثر بنصّية اللغة، أي متاهاتها المخاتلة عبر سد الفرج الدلالية والتي غالبا ما تكون على شكل تلميحات إشارية لمنتج ثقافي يصعب القبض عليه بسهولة في اللغة المترجم إليها كونه يحوج إلى التصريح لغياب معرفته القبلية لدى المتلقي، فالمعنى المتجلي من التتابع الجملي يخفي خطّية دلالية أخرى لابد أن تظهر في النص المترجم فتقلّ نسبة الخيانة للنص الأصلي، ولكنه يقر أن هناك استدعاءات تناصية يصعب ترجمتها مما يتطلّب من المترجم جهدا خاصا لإحداث نفس الأثر عند المتلقي للنص المترجم، ويتم ذلك بما يسميه ليويس بالذوق اللغوي حين يخلق المترجم تناظرات دلالية هو مصدرها حتى ولو أحللناها كفهم تأويلي للنص الأصل، هي عملية تتعلق بالعقد التناصية  ( حين تعني العقدة إشكالية ) فالوفاء للنص الأصلي لا يكون بإيراد النصوص التي تغرّب الدلالة ولكنه الإخلاص للأثر الذي يمكن أن يصل إلى المتلقي [7]، علما أن ليويس يحذر في عملية الترجمة من الوفاء المبالغ فيه كما يحذر من التأويل المبالغ فيه، حيث نجد استحالة الأول في النصوص الفلسفية والإبداعية كما نستشف تهافت الثاني في النصوص الاتصالية، ولكن كل النصوص المترجمة تحمل في طياتها قدرا كبيرا أو صغيرا من التأويل والتسييق ( إعادة تشكيل سياق يناظر السياق الذي ورد فيه النص الأصل )، يتوقف ذلك على طبيعة النص دائما، ولكن ذاك القدر التأويلي هو دائما محل مساءلة وعدم اتفاق، أي أن الاجتهاد فيه ممكن كل حين لعدم قابليته للتحديد .

 وعلى العموم فإن الترجمة تجلب معها معاني جديدة وقيما مختلفة لا مناص منها، وذلك يتم حتى بين اللغات ذات الأصل الواحد كذات الانتماء الأوروبي، وذلك لاتساع الموروث الثقافي وخصوصيته في كل لسان، فهل يعني هذا أن المترجم عليه أن يراوح منجزه بين إعادة الكتابة والتحويل الكيفي فيما يشبه الاقتباس، أي نقل فحوى النصوص المتناص معها في النص الأول بطريقته الخاصة ليتحوّل إلى ملفوظ يأخذ بعين الاعتبار مجمل المعطيات الثقافية والاجتماعية، بحيث تظهر تلك الترجمة مقبولة في الوعاء اللغوي الجديد بل وتثير حماسة القراء كون العناصر التي تثير غرائبيتها قد زالت بفضل المترجم الذي احتاط حينما أحلّها محل الجمالي البعيد عن هجنة اللغة المستهجنة عند متلقي ذواقة، بفضل اختيار المثال الشبيه والمناظر، الذي ساقه المترجم من البيئة الثقافية المترجم إليها، ولكن هذا الخيار قد لا يكون الوحيد في حالة كان المتلقي واسع الثقافة، لأن القارئ المتطلّع للترجمة يفترض فيه معرفة قبلية لبعض الأعلام ليستطيع السير في غابة المعارف مستنيرا ببعض علامات الطريق، ومن هنا قد لا تكون الرموز الثقافية للغة المترجم منها غريبة عنه، ففي هذه الحالة يسهل على المترجم نقل المعنى بتجلياته المعقدة لأنه ناقل لسيرورة ثقافية يعرف القارئ بعض جزئياتها، أي أن العمق التناصي في متناوله، فالمشكلة الكبرى تكمن في القراء الجاهلين بكل معطيات المشهد الثقافي الذي تتم الترجمة منه، مما يستدعي ضرورة التعريف بالقاعدة التناصية التي تكوّن العمل الذي يُترجم، فتضحى بذلك عملية الترجمة ذات حمولة شديدة الثقل إذا أراد المترجم أن تكون شديدة الوضوح، فمن غير المعقول أن يحيل العمل على مجهول نصي، لذلك يمكن دراسة جدوى الترجمة وتثمينها عن طريق دراسة عملية التلقي والذي تدخل فيه عوامل عدّة كونه عملية اتصالية فيها مرسل ورسالة ومتلقيها ومستويات هذا التلقي الذي يرهن فحوى الرسالة، لهذا يبقى المتلقي مثار كل الأسئلة، فهل تكون بذلك ترجمة التناص واجبة، أم جائزة فقط بتلبية المتلقي لشروط ثقافية ومعرفية معيّنة ؟ أم هناك طرائق أخرى لإيصال المعنى المتشابك بخيوط تناصية ضاربة في عمق الانتماء الثقافي للغة المترجم منها ؟.

 فالتناص يجعل من الترجمة ميدان تطبيقي تجريبي وموضوع دراسة لتتساءل هذه الترجمة عن أدواتها وأهدافها وطرائقها وتخيّراتها بل ودراسة اختلافاتها، في ظل غياب منهج واضح لنقل طبقات المعنى المترسبة في ثنايا النصوص، إضافة إلى التساؤل حول قدرتها على إيصال المميزات الأسلوبية والخطابية لهذا الكاتب أو ذاك، فالترجمة سباق للسيطرة على ثراء اللغة وقدرتها غير المحدودة على المخاتلة والتجاوز، فالكثير من المترجمين يحوّل الجزئية التناصية من تناص متجذر في النسيج النصي إلى تقديم représentation عبر الإحالة، وهذا تشويه أكثر منه تعريف لجذور النص المترجم، فالتناص يحتل دورا في غاية الأهمية عند تلقي الترجمة ولكن الإحاطة به وبالأثر الذي يحدثه والطمع في نقل كل ذلك هو أقرب إلى المستحيل منه إلى الإمكان، فكأن الذي يحاول ذلك يريد أن يختزل تاريخ لغة كامل في نص، وهذا مما لا يُدرَك، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله حسب القاعدة الفقهية المعروفة لتكون قاعدة منهجية هنا، ولكن التعويض عبر النظائر كما أسلفنا يساهم في إيجاد زخم تناصي من صلب اللغة المترجم إليها، هذا يحد من عطاء اللغة المترجم منها ولكنه يحافظ على فلسفة الرؤية المشكلة للدلالة وكيفيات صنعها حينما تنتقل إلى التدليل باعتباره الهدف المنشود من الإبداع عموما، فالتناص كحكم عام يعقّد الترجمة ويجعلها أكثر صعوبة بل ويحدث بؤر تبعث على الحيرة ولكنه في نفس الوقت يغنيها تماما ويعمّق دلالاتها ويكسبها إشعاعا يستحيل دونه، والإشعاع المتحدث عنه هنا يلجئ إلى التأويل لأنه كلما عمق المعنى كلما استغلقت مجاهيله فيحتاج فتحها إلى آراء عدة، فالترجمة أحوج ما تحتاج اليوم إلى التنظير لمجمل التطبيقات في عالم الترجمة لاستخراج منهج مرن يهدي السبيل كلَّ من تصدّى لها .

الترجمة الذاتية :

إذا كان هناك على المستوى الإبداعي السيرة الذاتية، فكذلك نجد الترجمة الذاتية، وهي أن يقوم الكاتب بترجمة نصوصه من لغة إلى أخرى بنفسه، فالفارق الحاصل مع الترجمة العادية أن الأولى يقوم بها ذات الشخص فلا يمكن اتهامه أنه لم يفهم نصه الأول أو أنه قد يشتط في التأويل، فيتم بذلك تحييد كل إشكاليات سوء الفهم، فإلى أي مدى تكون النصوص المترجم متطابقة ؟ وإن اختلفت إلى ما يعود اختلافها في التعبير ؟ إلى طبيعة اللغة أم إلى أمور أخرى ؟

 وللوصول إلى الأجوبة يلزمنا مثالا تطبيقيا نقيس عليه، وقد وجدناه في مصنّف لنانسي هوستن والذي كتبَتْه تعلقا بذكرى سامويل بيكيت [8]،حيث نقوم ــ بمنطق تأويلي ــ بمساءلة هذه الترجمة لكن ــ دائما ــ في إطار العلاقة مع التناص، حيث تعتبر الترجمة الذاتية محط اهتمام موضوعاتي لنظرية الأدب، وكذلك علم الترجمة la traductologie ، والفلسفة التأويلية المعاصرة، كونها تمثل إمكانية تمكّن الفكر المقارن من إدراك الفرق بينها وبين الترجمة العادية، ومناقشة مفهوم العمل الأصيل وترجمته، فإذا كانت الأخيرة لنفس المؤلف فأيّهما الأصل وأيّهما الفرع، أي أيّهما المترجم ؟ كما يطرح هذا النوع من النصوص إشكالية أيهما يمثل الهوية أو الغيرية l’altérité، وقد عرف الأدب مبدعين عدة عُرفوا بالترجمة الذاتية مثل فلاديمير نابوكوف وجوليان غرين، إضافة إلى بيكيت وهوستن حيث تعكس كتاباتهم موضوعات متقاربة مثل إشكالات الاشتغال على اللغة والمنفى والإحساس بالغربة باعتبارهم ذوات تتميّز بازدواج الأنا المثقفة، وتبعا لهذا الوجود اكتسبت هذه الأنا لغتين لكل شيء، بل إن سحر الأمكنة يمثل لها تمزّقا داخليا لأن المكان محدد للهوية والانتماء، وباعتبار الذات القائلة اقتسمها حيّزان لا محالة، لا يدري صاحبها إلى أيّهما أقرب،فالانتماء اللغوي هو بالضرورة انتماء حضاري، فالمؤلف مزدوج اللغة هو أكيد في مكان ما بينهما، لذلك تحاول هوستن في كتابها المرقوم باللغة الفرنسية والإنجليزية معا الاقتراب من روح بيكيت، بل ونجد آثار كتاباته وأسلوبه في ما خطّته يدها، ولكن أي الروايتين كانت أقرب إلى روحها ( إذا صحّ أن تكون اللغة رواية أي طريقة حكي )، وتثير هذه الترجمة إشكالية احتواء المتناص والتماهي معه في حالة تعلّق نصي وعاطفي من منظور إعجاب وتعبّد، فهل تتخلى الذات المبدعة عن قناعاتها الكتابية حين ترتبط بأعمال تكون مثلها الأعلى كون بول ريكور يأخذ بهذا الاحتمال كتنظير يحاول أن يستخدمه تحليليا لإثبات تأثير التناص وسلطانه الواسع وهل يشترط فيه ــ لكي يكون له هذا التأثير العارم ــ أن ينتمي إلى نفس اللغة أم يمكنه ذلك عبر الترجمة ؟ فلا تأويل في نظره دون تقمّص المكتوب السابق،  فإذا كان الفهم الحالي وليد أنساق قبْلية تدخل في إطار تقاليد تاريخية تعيّن أشكال الخطاب، فإن فهم النص لدى المترجم ينطلق من وضعية النص ذاته، أي الوعي بمتطلّبات سياقه ليتم احتواء المعنى وتجريده من حيثياته الأجنبية، فالمسعى دائم لامتلاك المعنى بالقفز على الخصوصيات الثقافية في طرائق التعبير، فهل هناك إمكانية توافق تحليلي بين التناص والتأويلية الفلسفية l’herméneutique philosophique ؟

حيث نبدأ من مقال مارك أنجينو [9] في تحققه لظهور المصطلح وذيوعه كحقل مفاهيمي إذ يعلن أن مصطلح التناص يفلت من كل تحديد ويعتبره آلية مفاهيمية بالإضافة إلى راية ايبستيمولوجية تنبئ عن حقل إحالي un champs de référence، ويمكننا التساؤل لماذا علينا في هذا الموضع التحليلي التوفيق بين التناص والتأويل ؟ وهذا لأن الأول يستدعي دلالات تقتضي التأويل من طرف قارئ عارف، فالقراءة والتأويل وجهان لعملة واحدة، وينعدم وجود التناص في حالة عدم إدراك القارئ له، وبين الوجود والعدم ترتفع مسافة تأويلية تصنع الفارق بين القراء، فإذا كانت الترجمة الذاتية ليس لها وضع مفاهيمي قار على مستوى التنظير الأدبي حيث تتراوح بين كونها إبداع أصيل أو ترجمة، فهي أيضا خاضعة لذلك التراوح سالف الذكر، وكون النص الأول والثاني ملكية واحدة لمؤلف واحد تتضاءل القدرة على الحديث عن تأويل، فهل يمكن تصنيف الترجمة الذاتية كتناص ضمنصّي intratextualité ؟ إذ هو " العلاقات المتعددة التي تنعقد بين نصوص لنفس المؤلف " [10]  ولكن التعريف سكت عن لغة النصوص إن كانت واحدة أم متعدّدة .. لذلك من يجترح ترجمة بنفسه لنصوصه ذاتها هل يصح أن نعتبره وسيطا بين دلالتين خطهما قلمه ؟ أو أنه يفاوضه أسلوبه ــ زيادة أو نقصان ــ في لغة أخرى ؟ أي هل يحاور نفسه أم يتجرّد منها انطلاقا من نص يجب أن ينسى ــ حين ترجمته ــ أنه نصّه ؟ كون النص مدار حواري حي يبحث عن جدّة المعنى بتحيينه، بينما التأويل ينطلق إلى صنع المعنى من عناصر شكلية تؤثث أفق النص، فهل يصح إذن أن نقارن في هذه الحالة بين كتابتين إبداعيتين، أم بين نص وترجمته ونبحث فيه كقراء لنستخرج عناصر بنائية تحدد لغة النص المدروس الأولى؟ وهل يصح أن نقول : هناك لغة أم ولغة منفى، الأولى موروثة والثانية متعلَّمة ؟ أم أنه يمكن لأحد ما أن يجعل من لغتين على قدم المساواة عنده ؟ ولا نتحدث هنا عن الإتقان ــ وهو ممكن ومعروف ــ ولكن عن القدرة على بث المشاعر والأفكار الأكثر حميمية عبر لغتين أو أكثر .. شلاير ماخر في كتابه : المناهج المختلفة للترجمة Des différentes méthodes du traduire  قام بتعيين الأسس الموضوعية لكيفية الترجمة وفي ذات الوقت بتعيين ركائز الهيرمينوطيقية المعاصرة انطلاقا من الفهم المنبثق من التأويل، فكل الكتابات ــ حين نقوم بتعويم التصنيفات في نشاط ذهني معرفي ــ تصبح ترجمة وإبداع في نفس الوقت لأن التعرف على المعنى هو نشاط مرتبط بالوجود ذاته ورؤيتنا حول الذات من خلال اللغة كما يرى هايدغر، فالتوصيف الفينومونولوجي للدائرة الهيرومينوطيقية أوضح طبيعة الفهم كمشروع وجودي، بينما اتخذ غادامير الترجمة كعنوان تجريبي لكيفيات استيعاب الأنساق المفاهيمية وترتيبها في الذهن، ويوضحها بول ريكور " حيث أن كلامنا، وتفكيرنا، يعنيان دوما أننا نترجم ــ بالمعنى الواسع للكلمة ــ تماما كما نتكلم مع أنفسنا في حوار مونولوجي أوحينما نتلمّح آثار أقوال الآخرين فينا، فإذا كان الأمر كذلك فهويّتنا ــ التي تعني مسارا تاريخيا جمعيا وشخصيا ــ تمر حتما بعمل ضخم ولا ينتهي من ترجمات من كل نوع موازية لتطوّر الأحداث في حياتنا " [11] .

فالنشاط الهيرمينوطيقي يتبلور كمدخل حواري مع نص يراد تحيينه حيث نخلّص هذا الأخير من مسافة عازلة تحول دون امتلاكه، فالحوار الهيرمينوطيقي يشمل أيضا الترجمة والتي تمثل الإجابة على السؤال الذي أثاره المترجم وهو يجترح المعنى من النص الأصل، هذه الإجابة ذاتها هي منبت السؤال الذي يثيره القارئ ــ متأوّلا ــ ويجتهد في توفير الإجابة له، فغادامير يؤكد أن كل نص ــ وبالتالي كل ترجمة ــ إنما يقرأ على خلفية معرفة قبلية، أي قراءة محضرة أسسها سلفا، بحكم التقاليد الأدبية التي تجعل ما هو آت يصب في قوالب موروثة تصنع بعض دلالاته، فالثقافة والتاريخ يصنعا أفق انتظار وترقّب فيما يمكن أن نسميه سياقا مرتبط بهما ارتباطا عضويا،  علما أن العنصرين المذكورين لهما ارتباط عضوي بالحيز الذي خلقهما، ويصبح أفق الانتظار بهذا الشكل لغة في حد ذاته يتم من خلاله التخاطب،في إطار تقاليد أدبية تشكلت مع التطور الأدبي، إذن التقاء المجموعة المشكّلة لعملية الاستيعاب ( المؤلف ـ المتلقي ـ التقاليد الأدبية ....) هو ما يسمّيه غادامير " اندماج الآفاق " fusion d’horisons في التقاء مع مفهوم كريستيفا :الكلمة الأدبية mot littéraire والتي تعني التقاء لمساحات نصّية في حوارية شاملة مع سياق ثقافي مثبت كآليات استقبال للدلالات تلتقي لديه طرائق التفكير وكيفيات التعبير.

 فالترجمة الذاتية من أكثر الأشكال الكتابية تعقيدا، لأنها تطرح قضية الهوية والانتماء للنص، وهذه إشكالية تأويلية وتناصية في ذات الوقت، حيث البحث الدائم عن توجهات المعنى من خلال ترصّد ذكي للتأشير العلاماتي في اللغة، وذلك لتلافي سوء الفهم العدو الأول للتأويل، فالترجمة الذاتية نتاج مؤلف واحد ولا سبيل إلى القول أن المؤلف أساء ترجمة نفسه فقط لأنه كتب بلغة أخرى، ليبقى التساؤل عن سلطة هذه اللغة الأخرى، وعن تناصاتها الغالبة، فمثل هذا النوع من التأليف صادر عن ذات واحدة وبالتالي جرّد التأويلية من همّها الأكبر : انتقال المعنى من ذات عارفة إلى أخرى يصطدم بعوائق الفهم من بينها قدرة اللغة على الإبانة ومدى أهليتها لذلك، فنحن نمتلك اللغة، ثم نصنفها إلى كلامي وكلامك ونصي ونصّك، بقي كيف تفهمني وأفهمك، وحين يستغلق المعنى ويتأبى نلجأ إلى التأويل، لكن النص الصادر بلغتين مختلفتين من مؤلف واحد لا يمر بهذا المسار، فاللغة تعبّر عن المعنى بنوع من الألفة، ونفس المعنى يرد في لغة أخرى أكثر وضوحا ونصاعة، يثير الدهشة لأنه إعادة تشكيل لأفق دلالي بترتيبات لغوية مغايرة، وهنا تكمن الجدة، فالمنطق المقارن يتأتى كآلية تحليلية إضافية، فانتقال المعنى من شخص إلى آخر ــ حتى داخل اللغة الواحدة ــ يشكل عبئا تأويليا يتطلّب عدة عناصر مكوّنة تلتقي لتشكّله، فلماذا يحاول مؤلّف ما إعادة كتابة نصّه بلغة أخرى ؟، نطرح التساؤل من منظور دلالي بحت غاضين النظر عن البواعث السوسيولوجية وطموحات الوصول إلى جمهور أكبر في لغات أخرى، تلخص نانسي هوستن هذا المسعى وكأنه محاولة لاستبدال هوية ثقافية بأخرى لكن بشكل استعاري فقط، فهي تصف منفاها الجغرافي واللغوي في فرنسا قائلة : " أن تسكن أرضا أخرى، وتوجد لنفسك جذور أخرى، لتخلق لنفسك تاريخا مغايرا بحيث يصبح ما ألفته غريبا وما استغربته أليفا،وليس ذلك سوى محاولة لتجديد الرؤى [12]، هذا الولوع بتغريب الذات حين يتجسّد كتابيا يصبح مسافة اتصالية يصعب قطعها أحيانا، فالنص في رأي بول ريكور هو نموذج لهذه المسافة، فقرب المعنى يحتاج إلى تآلف تاريخي معه حتى يتحوّل إلى جزء من الذات القائلة، بينما يعلن غادامير أنه " لا يوجد أكثر غرائبية من المكتوب والذي يستدعي فهمه بشكل متواصل " [13]

 فكل مفهوم هو أليف بينما يتلبّس بالغرابة كل ما غاب عنا فهمه، والصراع بين الحالتين هو الذي يصنع موقفنا من النص، فوصفنا له هو إعادة إخراج له من منظور القارئ دائما، لكن من يضمن أن العناصر غير المفهومة لم تتعرض إلى تأويل جزافي غير مرتكز على أسس، فكاتبة مثل نانسي هوستن كيف نقرأها  كمترجمة  أم كمؤلفة ؟ وهل نقارب نصّها بغاياته الدلالية أم كمنبع للمعاني ؟ لأنه كما يجزم شلاير ماخر أن القراءة تكون بذهاب المتلقي اتجاه النص أو تقديم النص إلى قارئه من خلال الترجمة وبالتالي يكون النص من سعى إلى القارئ، لكن ما العمل إذا كان المؤلف هو ذاته المترجم ؟ والمنهج الأولى هو رصد ما يمكن اعتباره تغريبا لمألوف التسميات، فاللغة الأم هي الأقرب إلى الحميميات الوصفية بينما الترجمة تكون أقرب إلى التقديم العقلاني في تدوير لمألوف الكلام الموروث، ويحتاج التمييز بين الحالتين إلى ذائقة فنّية عالية في مقاربة النصوص، فنانسي هوستن التي اتخذناها مثالا هنا هي كاتبة في المقام الأول مهما كانت لغتها لأنها تصدر في لغتها عن تنويع لساني أصيل ولم تترجم معانيها، ولكنها كانت تتخيّر اللغة التي تستجيب أكثر لهواجسها، فالمقاربة هنا هي غيرها عند من أدرك معاني في لسان مغاير وأراد تحويلها، هوستن تدعو قارئها لقراءة نفس الكتاب بلغتين ليستمتع بقدرة أي منهما على نقل المعنى دون اعتبار أيهما الأصل، فكتابها يعفّي على آثار هويّة نصوصها، ولكنها تدرك روح اللغتين حيث أنها تورد مقاطع نصّية تتقمّص روح اللغة من حيث تفاؤلية الطرح أو تشاؤميته حسب طبع أهل تلك اللغة، وهذا التفريق يصنع النكهة الخاصة للترجمة الذاتية  لأنها تراعي الهوية الأسلوبية هي المؤمنة بحركية المعنى وإمكانية هجرته للطرف الآخر ولكن الذات هي موحدة لا تزدوج غير أنها تنتهج أكثر الطرق لعبا باللغة وذلك بحثا عن التنويع والجديد .

 وترى نانسي هوستن أن الغريب عن اللغة يتحسس أكثر لدقائقها حين ينتهجها أداة كتابة، فحين تترجم تلجأ أحيانا إلى أقوال مشهورة من اللغة المترجم إليها سواء وردت في نصوص مقدسة أو أمثال أو كتب لأدباء تعوض به مأثورات اللغة الأخرى وكأنها بذلك تخاطب المتلقي بذاكرته الجمعية وتراثه الأقرب إليه، أي توظف تناصا تراه يعكس ما تريد قوله حتى ولو كان غير دقيق في التعبير عن الحالة اللغوية الأخرى .. بشرط أن يكون هذا التناص ينتمي إلى الذائقة المستهدفة بالكتابة لأن إشعاعه يعوّض جملة المعاني المضيعة من عدم نقل نفس الأمثلة، فتناصّاتها من الإنجليزية نجد منها : بن جونسون، أندرو مارفال، وليم شكسبير، وليم بلاك، أما الفرنسية فنجد منها : أرثور رامبو، أوجين يونسكو، جيرتراد شتاين، وأسماء شخوص معيّنة من أعمال فرانز كافكا، أما فرجينيا وولف، وصامويل بيكيت فمن اللغتين معا، كما تستحضر أعمالها السابقة كنوع من التناص الذاتي، ولا تتردد في تعويض شاهد شهير بآخر شهير مثله من اللغة الموازية باعتباره أقرب إلى قلب القارئ ومعرفته، فهي تتعاور كتابتَها لغتان، وهذا التناوب الكتابي يجعلها مجبرة للرجوع إلى كل فصل مكتوب لترجمته إلى اللغة الأخرى لتصبح الترجمة مراجعة تبتغي رقي الكتابة، حيث تكتشف بها النقائص في الإخراج السردي، وتصلح بها تشنّجات الأسلبة، وتتلافى بها الإعادات غير المفيدة.

 وقد كانت حياة نانسي هوستن نموذجا لهذا التعدد اللغوي المقدّر لها منذ الطفولة، هي التي ولدت في كندا، تخلّت عنها أمها في السادسة من العمر لصالح أبيها الذي تزوج بألمانية وهاجر معها إلى ألمانيا، فتعرّفت نانسي إلى لغة كانت تجهل عنها كل شيء، درست بجامعة سارة لورنس بنيويورك، ثم أتمّت دراستها في باريس تحت إشراف رولان بارت، واستقرّت هناك برفقة زوجها تزفتان تودوروف الناقد الشهير، فيصعب في هذه الحالة الحديث عن اللغة الأم للكاتبة، حيث ولدت مع لغة وتبنّتها لغة أخرى ودرست بلغة ثالثة حد التشبّع مما يجعل غربة اللغة لديها ألفة، والعكس صحيح، لتحل بها ثلاث هويّات تقاسم المأكل والمشرب والتفكير والتعبير، أي الحياة، " في 1986، كتبت نصا حول المنفى أيقض في ذاتي الحنين إلى وطني الأول حيث وجدتني لا أتحدث ولا أغني لابنتي أغاني بالإنجليزية فهمت حينها بأنني فقدت جزءا من طفولتي حيث حرمت نفسي ليس فقط من تركة فنّية ولكن أيضا من إحساس خاص يربطني بالمكان، استعدته بكتابتي لرواية " نشيد السهول " Cantique des plaines  التي خططتها في كندا، باللغة الإنجليزية أولا، أعقبَتْها ترجمتُها بعد ردح، نضج الكاتبة في داخلي على مستوى التخييل ارتبط عضويا مع هذه الإستعادة اللغوية مع اللسان الأصل " [14] بينما تسمي اللغة الفرنسية بالأم التخييلية،حيث قضت سباتا بين حناياها مدة خمسة عشر سنة، ولكن حنينها لأوّل منزل لا زال يقض مضجعها إلى أن رجعت إلى الكتابة بها، لذا كانت تخرج كل رواية جديدة بلغتين عبر مخطوطين متزامنين،، وحين نالت جائزة "الحاكم العام الكندي " تعالى اللغط عن كونها مُنحت لترجمة وليس إلى النص الأصل لصعوبة التمييز، وإنما كان ذلك بسبب الوضعية الخاصة جدا للترجمة الذاتية العصيّة على التصنيف .

لا وجود للأنا دون لغة ناطقة بها، فالانتماء اللغوي قدر إنساني، وحينما يغيّر المرء موقعه الجغرافي المرتبط بواقع لغوي ما يظهر ذلك على لسانه، ومن ذاك نشأ التهجين اللغوي والتفاعل بين الألسن، أي سياقات جديدة إضافة إلى السياقات الكلاسيكية المعروفة المرتبطة بالماضي التليد للغة، فالمنفى ومتعلّقاته موصول دوما بعالم اللغة والهوية، لذا تتساءل نانسي هوستن دوما : من أنا ؟، فأناها متفرّعة تفرّعا لغويا، فالترجمة الذاتية مرتبطة بالانتماء اللغوي كهوية ثقافية فهي ترى أنها ترزح تحت نير لسانيات مقسّمة فيما يشبه الانفصام، وهي بعد عشر سنوات من الغربة الوجودية واللغوية لا زالت لم تصل إلى إزدواجية لغوية تامة، ولكنها في ازدواج أحادي اللغة، أي تمزّق لغوي أو منفى ينتابه ذهاب وإياب، فالذي يعرف لغة يعرف ثقافة وانتماءا حضاريا، فهو بينهما يتأرجح، وهذه المسافة الثقافية هي مصدر عذاب لمن أراد تجاوزها كونها مفازة تحتاج إلى زاد معرفي لقطعها، وهل التأويل غير رسم نقاط تعرّف لها، عبر رسم يتعمّق جيولوجيا النصوص ويعمل على انكماش مساحة تيهان المعنى؟ فالترجمة الذاتية هي إذن تأويل يتم بنفس الجهد والنّصَب، " لأنه عبر الامتلاك ينتهي تأويل النص، وعند تأويل الذات لموضوع ما يصبح مفهوما أكثر، أي يضحى مفهوما بشكل مغاير، أو تتوضح بداية فهمه، هذه النهاية لذكاء النص مستوعبا في ذكاء الذات ليست أكثر من تفكير فلسفي نعتته أكثر من مرة بالتفكير التجسيدي réflexion concrète فمن جهة : فهم الذات يمر عبر الفهم غير المباشر للرموز الثقافية التي تصنع وتطوّر أدواته المعرفية وتنمّيها، ومن جهة أخرى فهم النص ليس غاية في حد ذاته، ولكنه مسبار لعلاقة الذات بموضوعها، فمعرفة " نحن " أو " أنا " شديدة الصلة بمعرفة معنى في نص " [15] .

 فالكتابة هي ما يتعبّد به الكاتب بغية الإيغال في غابة الذات المتشعّبة التي تصبو إلى فهم مكوّناتها، إذ إن الترجمة الذاتية هي ما يتم بها تقليب ما كُتب على وجوهه، فالنص يعطي كما يأخذ، أي فعله تجاذبي، ليس فقط أداة لممارسة تجارب الفهم عليه، ولكنه قد يساعد من قارَبَه على فهم آليات التفكير لديه والكيفية التي يتم بها هذا الفهم ذاته، فتوسيع الفهم يتم بتوظيف منطق الغيرية l’altérité في فهم الذات، وهذا ما تقوم به الترجمة الذاتية كونها تتعامل مع النص وكأنه من نتاج الغير، لأن المدى الذي يصل إليه المعنى دائما يسبق صاحبه، فهي تزن كل مثال وكل مقطع نصي بنظيره وما يثيره لدى المترجم الذاتي من أحاسيس وذكريات مرتبطة بتنشئة المعنى في أصوله الأولى مما يؤسس المتن الثاني بموجبات تهيئته على وجه التأكيد أنه المعنى المطلوب، وكأن الترجمة الذاتية وعي مركّب بمتطلّبات الكتابة، وتشعر مؤدّيها أنه غير مصاب بشيزوفرينيا ثقافية، وإنما هي ذاتها التي أنتجت هذا النص أو ذاك، المترجم الذاتي على علم بكل درجات الدائرة الهيرمونيطيقية  على مستوى السياق والتقاليد الأدبية السارية في جينيالوجيا النص والحركة الديالكتيكية بين النص والكلمات المشكّلة له، وهذه الدوائر تتّسع باستمرار كون فهم النص لا يعرف نهاية في إطار التأويل التناصي وفي الترجمة الذاتية أيضا، خاصة وأنها تعزف على وتر أفق الانتظار المعروف، لأنه كما يقرّر التأويليون لا أحد يفهم من أول وهلة ما لا يتوقّع، فأفق الانتظار وتوجّساته وتوقّعاته تساعد وتمهّد لعملية الفهم حين يقبل الذهن على مألوف من المعنى .  

 التناص في ترجمة الجهاز العناويني ومشهور القول :

إذا كان في كل لغة أقوال وصيغ نصّية مشهورة تمتد من نصوصها المقدّسة إلى آثار كبار أدبائها إضافة إلى أمثالها وحِكَمِها، فإن الإشكالية تنصبّ رأسا حين تكون مستوعبة بشكل واضح في العنوان أو من خلال التلميح ليتوجّب على المترجم حينها أن يعكس فضل المعنى المتولّد من التناص في اللغة الأخرى المترجم إليها، وقد تعالت نداءات لتأليف قواميس مزدوجة اللغة لهذه الصيغ المشهورات، أي قاموس شواهد، وخير مثال لذلك في اللغة العربية أبيات المتنبي التي جابت الآفاق حتى جرت مجرى الأمثال، ولا تثبّت لذاتها وإنما بعدد توظيفاتها في المتون الروائية والشعرية المعاصرة والمقالات المنشورة، وفي ما توفّر فيه حد أدنى من الأدبية في النصوص إجمالا، ولكن المحاولة قد تتهافت لصعوبة حصر ما يمثل ثقافتين كاملتين في قاموس واحد، إضافة إلى تشعّبات إمكانيات التناص إذ هو يتحوّل بأشكال لا تحصى وكأن من يتصدّى لعمل كهذا عليه أن يتنبّأ أيّ صيغ ستكون أكثر استعمالا وذاك من الصعب بمكان، لأن حمولات العبارة التناصّية تتفاوت كثافاتها ومساحاتها، ولكننا سنركّز خاصة على ترجمة العناوين الحاملة لبعد تناصي كونها تسبق المتن وتنبئ به كنص ثان باعتبار العنوان نصا أوّلا، وقدرة العنوان على اختزال المسكوت عنه خاصة فيما تعلّق بالتلميح إلى المشتهرات في ثقافة الآخر، وما تحمله هذه الثقافة من خصوصية التعبير عن المعنى، فكيف تعكس الترجمة ذلك القدر الحاد من السخرية، أو تلك اللمحة من إحداث الشهقة الفنّية، أو ذلك القدر من الاستمتاع الفني الذي نجده في الأمثال مثلا من حيث الصياغة، إنها ديناميكية دلالية تدِقُّ العبارة لتستطيع حملها، وقد يرى البعض في ترجمة الأمثال خاصة حينما ترد عنوانا أن نعوّضها بأمثال مناظرة من اللغة المستقبلة، لكن الإشكالية في توفّرها لاختلاف الشعوب في الرؤى والتوظيف اللغوي، فنحن إذا  فعلنا ذلك نكون بتعويض مثل بمثل، أي تعويض تناصي وليس ترجمة بالمفهوم التقليدي، غير أن البعد الترجمي لا يغيب كون البحث عن مَثل بديل في اللغة المقابلة هو اختيار في الترجمة، فكأن العبارة المزمع ترجمتها تتأقلم مع آفاق اللغة المستقبلة،وتتحوّل في تمظهرها لتصل إلى غايتها،كون التساؤل ينصب على حجم الاستفادة الدلالية من تناص ما وهل يمكن نقل تلك الاستفادة إلى اللغة الأخرى، كما أن العناوين قد تحتوي محسّنات بديعية ذات تشكّلات خاصة كيف السبيل إلى ترجمتها ؟ فالتوافقات الصوتية في أواخر الجمل من جنس السجع تعكس دلالة صوتية ما ولابد لتنعكس في اللغة الاخرى أن يتم التصرّف في كيفية إخراجها، مع الاحتفاظ بالحمولة التناصية إن وجدت ولو كرجع صدى، فإذا شعر القارئ من باب التعرّف غير الواضح أن العبارة تذكّره بمقروء ما أو تخلق لديه الحافز لقراءة عمل ما تكون بذلك العبارة التناصية قد حقّقت هدفها، فالأمثال تحمل أيضا تكرارا لمسمّيات وتركّز على أفعال بعينها، ولكن تكرارها وظيفي، بينما قد يبدو التكرار ذاته إذا أعيد في الترجمة ثقيلا ممجوجا وغير مناسب، وبالتالي يُطرح التساؤل : ما هي عناصر التناسب التي يجب الحفاظ عليها وكيف ؟ والكيف هنا أكثر أهمية لأنه المحدد الدائم لما يجب تثبيته خطا على ورقة الترجمة .

 والجواب أن الذوق في الترجمة هو المحدد لكيفية صياغة العبارة، هذه القدرة هي التي ترتّب لنفسها الكيفيات دون مقاييس ولا قواعد، تتأتّى من خلال الممارسة والثقافة العالية والتمكّن من اللغة وأساليبها المخاتلة، لأن الذهن الذي يمارس فعل الترجمة هو عقل مقارن يوازن دوما بين مقروئه ومكتوبه، يعي أمانة الحفاظ على المعنى ولكن له الشجاعة الكافية ليقترح صيغ تخون اللغة الأولى لأنه أدرى بأن تلك الخيانة هي التي توصل المعنى ــ الأقرب إلى الأصل ــ إلى المتلقّي، فالترجمة غير متعلّقة دوما بعبارات بعينها ولكن أيضا بما توحي به الأجواء النصّية التي أنشئت لغرض تفاعلي ما، فالهدف من الترجمة هي ممارسة نفس التأثير النصي، أي تكريس سلطة النص .

 

 

 



[1]ــ Stewart  Susan . The Pickpocket . A Study in Tradition and Allusion . MLN            85 . 1980 . p 1151

[2] ــ Easthope antony. British post-structuralism . since 1968 .Routledge .                1988 .  p 68 .

[3] ــ  Kate Soper . The freudian Slip . Psychoanalysis and Textual Criticism .                New Left Books . London . 1976 . p 32

[4] ــ J . Derrida . Evénement- signature - contexte . Marges de la philosophie .           Les Editions de Minuit . Paris . 1993 . p 381        

[5] ــ Pound Ezra . Guido’s Relations . p 92 in Venuti Lawrence  .                                The   Translator’s Invisibility . Routledge . London . 1995 . p 123       

[6] ــ Lewis Philip . The Measure of translation effects . Routledge . New York            .2004 

[7]  ــ Lewis Philip . The Measure of translation effects p 262 . 263

[8] ــ  Huston nancy . Limbes / Limbo :un hommage à Samuel Beckett édition             bilingue . Actes Sud . 1998 . 

[9]  ــ Angenot Marc . l’intertextualité . Revue des sciences humaines. N 189 . p            121 . 135 .   

[10] ــ Fitch Brian T .L’intratextualité interlinguistique de Beckett . Textes .                  Toronto. 1983 . p 85 .

[11] ــ Jervolino Dominico. Paul Ricœur.Une herméneutique de la condition                 humaine . Editions Ellipses . Paris . 2002 . p 42 . 43 .          

[12] ــ  Huston Nancy . Désirs et réalités . Actes Sud. Paris . 1995 . p 203

[13] ــ  Gadamer Hans Georg. Vérité et méthode . Seuil . Paris . 1976 . p 93

[14] ــ  Pascale Sardin . Nancy Husten . Exil à la frontière des langues. Artois                 Presses Université.  2001 . p 15 . 16 

[15]  ــ Ricœur Paul  . Du texte à l’action . Essais d’herméneutique 2 . Seuil .                  Paris . 1986 . p 152 .