الظواهر الأدبية و مصطلحاتها النقدية

 

 

 

ابن السايح الأخضر

 

                                            جامعة الأغواط

 

 

 

 

 

Phénomènes littéraires et son terms critique 

 

 

 

Etudes littéraires contemporains ont soulevé un certain nombre de termes de trésorerie imposées par la dynamique de la connaissance et rapide des moyens de communication et d'ouverture à devenir ce grand nombre de termes urgent imposée par la nature du temps et de l'ouverture culturelle et variables climatiques regain de créativité et ses efforts et les développements dans tous les domaines de la littérature inlassables .

 

 

 

اثارت  الدراسات الادبية المعاصرة الكثير من المصطلحات  النقدية التي فرضها الزخم المعرفي ووسائل الاتصال السريعة  و أصبح الانفتاح على  هذا الكم الهائل من المصطلحات ضرورة ملحّة فرضتها طبيعة العصر و الانفتاح الثقافي المتجدّد  والمتغيّر بتغيّر الإبداع وحركته الدؤوبة والمستجدّة في جميع الحقول الأدبية .

 

ـ إن الأعمال الإبداعية شعرا كانت أو سردا تتجدّد بتجدّد  الزمان و المكان والبيئة و الثقافة ، ومن هنا كان لزاما  على المصطلحات  النقدية أن تساير  القدرة اللامحدودة  على تحولات الإبداع وتوجهاته المختلفة ، فالصورة الأدبية مثلا لم تبقى حكرا على التشبيه و الاستعارة  والكناية بل تدخّلت آليات جديدة  في ابتكار الصورة  كالإنزياح  والرمز و الرؤيا و التناص  ، والخروج  عن مألوف اللغة العادية  ، كما حلّت الإشارة  محل العبارة  و دخل فيما يسمّى الاقتصاد اللغوي  الذي يعتمد على تكثيف المعنى  ودلالاته الاحتمالية المضاعفة بأقل تكلفة من الألفاظ .

 

ففاعلية الصورة التي ظهرت مع الاعمال الإبداعية المعاصرة مزوّدة بطاقة ترميز عالية ، مكنتها من إنتاج الحركة في الداخل لا في الشكل الظاهر ، كما شحنتها بالتعدّد الدلالي الذي يساعد على التكيّف مع السّياقات المختلفة .

 

ـ إن هذه النقلة النوعية في بناء النص الأدبي المعاصر أصبح يتطلّب التعامل معه حمولة معرفية للمصطلحات النقدية التي تعتمد على تمثّلات النص ، واستيعاب تمفصلاته الدلالية ، أما الإستكانة إلى الخطاطة الجاهزة ، فهو قتل النص مثلما يقول سعيد بنكراد ،و قد أثبتت التجارب أن أكبر اشكالية تواجه النقد ، هو عملية الإسقاط بوابل من المصطلحات ، تعبّر في آخر المطاف عن التصحّر الفكري الذي يزحف بلا هوادة في جمع هذه المصطلحات وتكديسها في بحوث نظرية تفتقر إلى المرجعية والتشخيص من بين هذه المصطلحات الخطاب الأدبي  . 

 

فما هو الخطاب الأدبي ؟

 

وماهي الآليات الخاصة لتحليله ؟

 

أين تكمن أدبية النص ؟، وما هي خصائصها ومميزاتها ؟

 

 

 

  يعرف الخطاب الأدبي بأنه  خلق لغة من لغة ومعنى هذا أن الخطاب الأدبي يلد ويولد فهو مثل الكائن الحيّ الذي ينمو ويتطور ويحافظ على خصائصه الوراثية البيولوجية ويكتسب أشياء أخرى بفعل التلاقح فيؤثر ويتأثرّ، فالخطاب الأدبي، تشكيل جمالي، استوعب في حدثه اللساني الألفاظ والمعاني والأخيلة والصور والأفكار والرؤى فضلا عن واجهته المشكّلة له فهو الكيان المولود بعسر آلام الكتابة ليس من السهل تجاوزه دون الإمعان في ملامحه وتنّوعاته وتقاسيمه المكّونة له فهو يستهويك ويغريك دون أن يسمح لك بالولوج في داخله إلا بعد تدّبر وتفكير ورويّه ومشاركة في صنع المعنى ولا يتأتّى ذلك إلا بالوقوف عند كل كلمة وجملة وصورة، وأحيانا يذهب بخيالك بعيدا، والسبب يعود إلى طبيعة الخطاب الملغّم بتلك الخطوط والممرّات الضبابية التي يستعصى على هاو أن يلجها أو حتى يحّدد معالمها، لذا كان التوّقف في حضرة الخطاب الأدبي بسبب هو لاميته وعدم القدرة على الإمساك به، فهو كيان عائم في حقل الدلالات المتنوّعة التي تسبح فوق خطابات مختلفة  يغلب عليها الإنزياح والتلاقح مع خطابات أخرى، كما نلمس التنويع الصوتي على الخطاب حيث يمدّه أحيانا  بطول النفس حينما يكون ذلك لزاما وأحيانا أخرى كاتما لأنفاسه حينما تكون لحظة النهاية والاحتراق في اللامتناهي... وكيف توّزعت ألوانه لتصبغ النص بقعا انسيابية تظهر هنا لتختفي هناك ثّم ذلك المّد والجزر المترامي للمعاني حيث الانفتاح والانحسار، فأمام مرمى عينيك هذا الكيان ونفائسه تتراءى أحيانا ممكنة القطف وأحيانا أخرى، وكأن لسان حالها يقول ما أسذجك فدوني حاجز ألف المشاكسة... هذا هو الخطاب الأدبي الذي حدّده جاكبسون بقوله: "نص تغلبت فيه الوظيفة الشعرية للكلام "، وهو ما يفضي حتما إلى تحديد ماهية الأسلوب كونه الوظيفة المركزية المنظمّة والوظيفة الشعرية هي الصورة الفنية المبتكرة التي تساهم في صنعها وتكوينها عوامل كثيرة منها.  الأساليب التعبيرية المفعمة بالأساليب الحسّية التي تتجاوز في كثير من الأحيان الصور البيانية كالتشبيه والاستعارة والكناية وأنواع البلاغيات القديمة لتمتزج بالإيقاع والتصوير المّتصل بالإطار والتكوين حيث نلمس درجتي الكثافة والنوعية والتشّتت والتمزيق الرمزي لجسد الكلمات  والخروج عن مألوف اللغة العادية حيث الأسلوب الحيوي الذي يرتكز على تلك الحرارة الموّلدة بين المسافة النسبية بين الدّال والمدلول إضافة إلى المستويات اللغوية حيث ترتفع درجة الكثافة وتنخفض، إضافة إلى سلّم الدرجات الشعرية التي تجّسد درجة الكثافة والتشّتت ودرجة الإيقاع والتجريد، والتداخل البنيوي في تكوين شبكة الدلالة ومستويات الانحراف، ومعيار التعدّد في الصوت والصورة، ثمّ علاقة هذه العناصر ببعضها البعض وفق الطريقة الموزّعة آليا في صنع الخطاب، فالتجريد متّصل بالحّسية، ودرجة الحسّية متعلقة بدرجتي الإيقاع والنحوية والإيقاع متصل بظلال الكلمة ووقعها، ودرجة الكثافة متصلة بدرجة التشتت وهكذا...

 

  نتيجة لهذا يقول تودوروف عن الخطاب بأنه "خطاب انقطعت الشفافية عنه معتبرا أن الحدث اللسّاني العادي هو خطاب شفّاف نرى من خلاله معناه، ولا نكاد نراه هو في ذاته فهو منفذ بلوّري لا يقوم حاجزا أمام أشعّة البصر، بينما يتميز منه الخطاب الأدبي بكونه ثخنا غير شفّاف يستو قفك هو نفسه قبل أن يمكنك من عبوره أو اختراقه، فهو حاجز بّلوري طلي صورا ونقوشا وألوانا فصدّ أشعة البصر أن تتجاوزه. ومن هنا طرحت البنية السطحية والعميقه للخطاب الأدبي أّيا كان نوعه، و طبيعة هذه البنية المعبّرة عن أعماق النص وخفاياه، هذه البنية التي تنعكس في مخّيلة  المتلّقي حيث يشارك في بلورتها وصنعها مستعينا بما يملك من معرفة وآليات تسمح له بالولوج في داخل النص وإعادة صنعه وهذا مالا نجده في الأعمال التراثية القديمة حيث كانت الغاية تبرر الوسيلةّ وتعتمد على الطريقة الإخبارية التواصلية التي تكتفي بالتبليغ حتى وإن استعانت ببعض ضروب البلاغة التي لا تخرج أو تتجاوز التشبيه والاستعارة والكناية وبعض أسلوب المجاز والصنعة اللفظية، وهذا ما جعل العقاد والمازني وجماعة الديوان أن تقف موقفا معارضا من الشعر الكلاسيكي الذي سموه، بشعر الشكل أو طلاء الأظافر لأنه لا يتجاوز السطح وإنما يعتمد على التشبيه، تشبيه شيء بشيء. لوجود صورة مشتركة بينهما. مثل قول أحد الشعراء:

 

أنت شمس والملوك كواكب   ........   إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

 

   فالصورة الفنية هنا لا تتجاوز التشبيه، هنا يعتمد على أشياء حسية مجسدة في أرض الواقع أي على أشياء مرئية مرتبطة بالطبيعة وهذا ما ألفه الخطاب الشعري منذ العصر الجاهلي إلى العصر العباسي في أزهر عصور العربية أي الاعتماد على الصورة الفنية المجسدة في البلاغيات القديمة أو الإيقاع الذي لا يتجاوز البحور الشعرية التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي.

 

  وفي هذا الصدد نحن لا ننقص من قيمتها أو محتواها الفكري ولكن نقول أن الخطاب في تلك الفترة وظيفة إخبارية تبليغية تواصلية توظف اللغة توظيفا مباشرا لا تشغل الفكر أو العقل في فهم الصورة ودلالتها، وحتى وإن ابتكر الشاعر فهو لا يتجاوز الاستعارة وهي تشبيه حذف أحد ركنيه مثل قول أحدهم.

 

            بكت لؤلؤا رطبا ففاضت مدامعي        عقيقا فصار الكل في نحرها عقدا

 

ومن هنا نجد مبررا لما قاله العقاد حين شبهه بطلاء الأظافر الذي لا يتجاوز الشكل ودعا إلى خطاب يصل إلى الجوهر ويتناول العمق وفق رؤية نقدية كاشفة تستعين بوسائل فنية جديدة فرضتها طبيعة العصر وما وصلت إليه العلوم المستحدثة في علم النفس والاجتماع وعلوم اللسان.

 

ـ إن التعامل مع الخطاب يقودنا حتما إلى التعامل مع النص وسياقه هذا التعامل الذي يبدأ من الكلمة فالجملة فالسياق ككل، لأن البحث عن دلالة الخطاب من داخله تتجاوز تلك الدراسات البسيطة التي تعتمد على المضمون وتنسى السياق النصي والثقافي والاجتماعي.

 

ـ بإيجاز نقول أن الخطاب مهما كان نوعه وشكله لا ينطق من العدم وإنما من خطابات أخرى تتفاعل فيما بينها مولدة نصا ونصا موازيا له يثمّن العملية الإبداعية وفق رؤية تجمع بين الكلمة والصورة والجملة والسياق والإيقاع والصدى والظل. أي نلمس تعدّد الشفرات في طبيعة الخطاب وطبيعة كل دلالة والشفرة المناسبة لها، لأن الخطاب هو بناء لا نتوصل إليه إلا بالامتلاء في مجالات المعرفة بكل أشكالها وأنواعها.

 

  هذه المعرفة حققتها الثورة المعلوماتية في عصر العولمة والزخم المعرفي المتواصل الذي يرتبط بالخطاب ارتباطا وثيقا سواء على مستوى الأشكال والأنماط المختلفة أو على مستوى الرؤية الفكرية والمحتوى المعرفي الذي يربط بين أنماط التفكير وطرائق عيش الإنسان وأشكال الكتابة. وقد تفطّن الأوائل إلى السياق وسمّوه النظم كما يدعوه عبد القاهر الجرجاني فاللغة لها نظامها في تركيب الجملة على أساس الترتيب النحوي الذي يربط بين المبتدأ والخبر الفعل والفاعل والمفعول به ويصّر نظام اللغة على هذا المسار.

 

   وقد أشار الجاحظ إلى ما يشبه هذا القول حين لمّح إلى قضية اللفظ والمعنى، لكن ما يلاحظ على القدماء اعتمادهم على العامل اللغوي في تحليل الخطاب الأدبي وتذوقهم له وفق معايير بلاغية معروفة لا تتجاوز المعنى المطروق لكن منجزات العلوم الإنسانية والتجريبية وخاصّة اللسانية فرضت نوعا آخر من التعامل مع الخطاب وفق إجراءات جديدة تعتمد على التشريح الكلّي لجسد الخطاب الذي يبدأ من أصغر وحدة وهي الصوت لينتقل إلى المعجم اللغوي والصرفي ثمّ علاقة هذه الوحدات ببعضها البعض والمتأمل للخطاب الأدبي أّيا كان نوعه شعرا أو نثرا يجده رسما بالكلمات أي خلق لغة من لغة موجودة بالفعل ولو نظرنا إلى الخطاب الشعري المعاصر نجده يوظّف العلوم الإنسانية الأخرى من تاريخ وفلسفة واجتماع للبحث عن الذات ومساءلة الآخر وأصبح يملك النص الشعري بدل الطابع الغنائي المألوف الذي كان لا يخرج عن المدح أو الفخر أو الهجاء إلى خطاب يملك سلطة فكرية مرجعية هي سلطة التغير والكشف والتأثير ومن ثمّ الخلق والتثوير والإبداع، أي أن الخطاب الشعري المعاصر أعاد النظر في القيم والمعايير والأحكام والمناهج وخرج من تخوم جنسه الأدبي إلى موقع فكري نقدي، اخترق الكثير من القضايا و الموضوعات التي كانت من صميم العلوم الإنسانية وأصبح الخطاب الشعري المعاصر يمثل مركز تصادم الأفكار والتيارات والتجارب وانتقل النص من بنيته السطحية  المباشرة في نقل المعنى إلى نص قابل لجميع التأويلات والمحمولات، وأصبح لنص الشعري دوما في ساحة التمرد على سلطة الإيديولوجيات المتعارف عليها وتسلح بهذه المعايير والنظريات الجديدة المتولدة من الزخم المعرفي الذي أنتجه العصر الراهن واقتحم تلك الأبراج التي كانت متعالية وبمنجاة من أسئلة الحداثة وأصبح الخطاب الشعري يستجوب حول المواقف المصيرية من الكون والزمان ومعضلات الوجود، وأضاء الكثير من الجوانب الكونية والإنسانية، ودخل الشعر في نقد تصويري للوضع الراهن، ومن هنا بدأ يتداخل الوزن بالنثر وأصبح متنه يحمل طابع الرؤيا التي توحد الإنسان بالكون ،وبدأ مشروعه في إعادة قراءة الماضي وإسقاط  الحاضر على الماضي، وتحوّلت القصيدة إلى حيّز للتفجرات وملتقى مسارات وأنهار جوفية من دلالات المتداخلة وبلغ الجرف اللغوي والاشتقاق وتقليب الأصول مبلغا متزامنا مع تقليب، الأحوال في العالم العربي، حيث اختلطت المواقف السياسية بالفنية، وتحوّل التراث بحمولته الثقافية والمعرفية والتاريخية بالأنا وأصبح الأنا يقابل مفهوم الآخر بما يملك من حضارة وثقافه (الأنا والآخر) هي محل الصراع في الخطاب العربي المعاصر.

 

   وقد عملت وسائل  الاتصال  السريعة على هجرة النصوص وتلاقحها، كما شحنت الرموز الأسطورية بدلالات معاصرة مفارقة لدلالاتها القديمة ،وتحول الخطاب الأدبي عموما إلى وسيلة من وسائل بناء العالم بالتصور المبدع وبالبعد عن المباشرة السياسية التي أعطته سلطة جمالية تذوقية وإذا بحثنا عن آليات تحليل  الخطاب الشعري فقد نجده مجسدا في بعض الدوال المتنوعة كالدال الإيقاع بتفريعاته والدال المعجمي، والدال الصوري، وقد تفاعلت جميع هذه الدوال في بناء نص شعري له ما يميزه، حيث عرف النص بانزياحاته الأسلوبية الفكرية، وظهر مصطلح التناص أو التداخل النصي، وأصبح الخطاب حوارا بين كتابات متعدّدة.

 

و" التداخل النصي أو الحوارية لدى باختين سمة الفن الرفيع". ونتيجة لهذا أعتبر باختين الخطاب السردي أو الرواية بأنها الفن الأعلى لأنها تتميز  بالحوارية أكثر من غيرها لذا تعتبر جل الخطابات قائمة على التداخل والتفاعل بين أصوات وأساليب وخطابات تعبّر على التفاعل والتداخل والتعدد داخل العمل الفني الواحد.

 

  والمتفحّص للإجراءات النقدية الجديدة في تحليل الخطاب يلمس مصطلح "التداخل النصي" أو ما يسمى "التناص" الذي  يمثّل آلية تكّون الرؤية باستدخال عناصر العالم إستدخالا بنائيا إنتاجيا توليديا ينتج بفضلها تصورات ودلالات جديدة مفارقة لدلالاتها القديمة، فإذا كان التاريخ يحضر في الكثير من الخطابات الشعرية الجديدة فإنّه يتّحول إلى صورة ونقوش ورؤى تتقابل وتتجاوب، وبالتالي نجد في الخطابات المعاصر توظيفا للتراث بكلّ ما يحمل في بناء تصوّر لحاضر جديد أي رؤية جديدة ،لولادة جديدة. هذا ما يؤكد أن الخطاب لا يوجد إلا مع خطاب آخر معه أو ضده، فالخطاب لا ينطلق من العدم وإنما من خطابات أخرى امتزجت كيميائيا لتصنع معنى جديدا هذا ما يجعل المهتم بتحليل الخطاب أن يرصد المنابع ليحدّد التفاعلات المنتجة للدلالة الجديدة ومن ثمّ وصف وتحليل البنيات الشعرية وعملها في بناء الدلالة النصيّة وما تملكه القصيدة وتظهره من صلة بمراجعها. يعتبر جزء لا ينفصل عن بنيتها وحركتها. إن الآليات المعتمدة في تحليل الخطاب الآن تستمد إجراءاتها العلمية بما أفرزته العلوم الحديثة بمختلف أشكالها وأنواعها وأصبحت تتعامل مع النص على أنه جسد حي تتحسس نبضه في الباطن والظاهر، وترهف السمع لما يوحيه في صوته وصمته. فالمرحلة الأولى وصفية ظاهرا تيه تتقصّى تشكّلات النص وتتبّع الإشارات اللغوية والظواهر الأسلوبية.

 

   أما المرحلة الثانية فتستند في التأويل إلى العلاقة بين الدال والمدلول، وتتوخّى العثور على المنجز الإبداعي بمعرفة جديدة تتيح اكتشاف دلالة الأشياء والكون عبر النص وخلاله،   فالبنية اللغوية والتعبيرية للقصيدة الحديثة تتسم بالاحتمالية والتعدد، وإذا كان النص الإبداعي بهذه الاحتمالية لا يقدر النص الواصف أو اللغة النقدية المحيطة أن تدّعي لنفسها نهائية النتائج. فالخطاب الشعري المعاصر بفعل الحمولات المعرفية المكثفة جعل للنص بناء لغوي معقّد يسمح للنصوص الأخرى والأصوات بالنقود إلى الداخل كما ينعدم فيها المدخل والمنتهى، وتنزل هكذا كسيل مفاجئ متحررة من كل شيء، وتشحن فيها الإشارات بدلالات مشحونة بالمدلولات التي لا تستطيع القبض عليها فتحول النص إلى جسد هلامي تستطيع تشكيله لاتجاهات عدةّ ،كما تفرض على القارئ جهدا لإعادة الأجزاء المبعثرة وإعادة ترتيبها وبهذا الجهد تجد القارئ نفسه قد أحيا النص مرة ثانية. 

 

فالخطاب الأدبي هو خلق وإبداع، وبناء في داخل النص، يعمل على تفجير اللغة بكل ما تحمل من دلالة مرجعية وثقافية وحضارية ويكون منها رموزا لأشياء غائبة وحاضرة  تقبع داخل النص وإذا أردنا بعث التراث العربي وإحيائه وابتكار طريقة جديدة في التعامل معه، فلا يكون في نسخه وإعادته كما هو، وإنما بعثه في ثوب جديد نلمسه في التناص حيث يتلاقح نص قديم مع نص جديد ويبقى الماضي متزامنا مع الحاضر في اتجاه المستقبل.

 

   ولذا فالوسائل الكفيلة بتشريح الخطاب تتمثل في جميع الإجراءات المعرفية التي تساعدنا في استقراء النص وتتبع جزئياته ونستعين في هذا بكل المعدات المعرفية التي أنتجتها العلوم الحديثة إضافة إلى معرفتنا الأخرى من نحو وصرف وبلاغة ولسانيات ومعرفة الأصوات إضافة إلى الإجراءات النقدية الأخرى وما أفرزته الأسلوبية وعلوم اللسان. فالخطاب الأدبي هو جسد حي، لابد أن نرهف السمع وندقق النظر في شكله ومظهره وأعماقه ونتحسس  قلبه النابض ونفسر إشاراته ورموزه، فنقابل بين دلالاته ونستقرئ نسيجه النصُي ونتتبع الحركة والصوت والإيقاع واللفظ والمفردة وقوة المدّ والدفع، وصعود النص وهبوطه المفاجئ ثم البحث عن قلب النص الجاذب للدلالات ثم البحث عن استحضار الأزمنة وتشابك الأحداث، ثم نقسّم النص إلى مقاطع تبعا للنواة الدلالية الجاذبة للكل، ونتتبع المحاور ثم نمعن النظر في النسيج البنائي، والامتداد والتلاحم والانفتاح والانغلاق، والبحث عن الدلالة الاحتمالية الهاربة.

 

ـ وبهذه الطريقة نتمكّن من معرفة أنظمة النص وولادته الفنّية، ولحظة الإصابة المباغتة للجرعة الفنية المثيرة التي يتقبلها المتلقّي ويتفاعل معها ويتأثر ويؤثر ومن هنا نلمس القراءة المغذيّة المنتجة التي تعبّر عن تلاقح النصوص وهجرتها وتقاطعها وبعثها من جديد وهكذا هي العملية الإبداعية.

 

  فالخطاب الأدبي هو أشبه بجسد عضوي له طابعه وشكله ووظيفته وقوته ومكامن الضعف فيه كما له مناعة خاصة يستجيب للعلاج بأدوية لا تصلح مع جسد آخر، مثله مثل الخطاب الأدبي فكّل خطاب يمتلك مفاتيح لا نجدها في غيرها من الخطابات الأخرى نظرا للتحولات التي تطرأ على النص في أبعاده الزما نية والمكانية والمادية والمعنوية حيث تتحوّل المقاطع البنائية إلى مؤّشرات رمزية تومئ بالدلالة وتطرح له رؤية وحلا.

 

هنا يتحول المتلقي إلى صانع للإشارة وقارئ لها ومشارك في معناها بعد أن بحث عن ما وراء هذه الكلمة  خلف الستائر الضبابية.

 

ـ أما الخطاب السردي فطريقة تحليله تنبع من مكوناته وخصائصه يقول تودوروف "يبدو أن اتفاقا عامّا قد تمّ في التحليل السردي للوقوف على ثلاثة مقاييس:الزمن والرؤية والطريقة ". وإذا بحثنا عن الأنماط السردية في تراثنا العربي نجد النموذج الحكائي المعروف في ألف ليلة وليله أو النمط القصصي في القرآن الكريم، أو ما كتبه الجاحظ في كتابه البخلاء أو مقامات بديع الزمان الهمذاني.. حدثنا عيسى بن هشام قال:.....

 

  لكن هذه الأعمال يغلب عليها الطابع الحكائي الذي يسير في خط تتابعي مستقيم أساسه التدرج الزمني، أما الرواية أو القصة بمفهومها الحديث فلم يألفها الأدب العربي إلاّ في العصر الحديث إثر احتكاك الشرق بالغرب وأوّل رواية ظهرت هي رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل ثمّ تلتها مجموعة الروايات منه (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم ثم بحقبة زمنية معينة نجد (الحي اللاتيني) لسهيل إدريس.

 

  وكانت هذه الروايات أقرب إلى السيرة الذاتية أو تكاد تكون أشبه بتقرير، لكن الرواية الفنية الناضجة ظهرت مع رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) الطيب صالح وهي الرواية الناضجة فنيا، سواء من حيث البناء الفني أو تقنيات السرد. والمتأمل لما ورد في هذه الرواية يلمس قدرة صاحبها على تمرّسه في فن الكتابة وتمكنه من تقنيات الوصف وشدّ انتباه القارئ من صفحات الأول للنص ومهارته في استخدام الحواس من بصر وشّم ولمس كما كانت له القدرة في النفاذ إلى أعماق الأشياء وولوجه في لب القضية وجوهرها فهو يعالج مشكل الصراع بين الشرق والغرب مثلما عالجته الروايات السابقة لكن ما يلاحظ على الطيب صالح رؤيته النقدية الكاشفة لحقائق الأشياء إذ عبّر عن اغتراب الإنسان العربي والانفصام الموجود في شخصيته من خلال شخصيته المحورية مصطفى سعيد حين بقي في بيت ينقسم إلى اثنين نصفه شرقي والنصف الآخر غربي أو من خلال النهاية المجسدة لشخصية الراوي حين أراد العبور والسباحة من الضفة الجنوبية لواد النيل متجها إلى شماله  فوصل إلى نقطة الوسط حيث شعر بالتعب والعياء فلا هو استطاع العودة إلى جنوبه ولا هو استطاع أن يعبر إلى الشمال وانتهت الرواية بالنجدة، النجدة.   على هذه الصيحة الفزعة ينغلق الموسم والبطل الراوي موشك على الغرق في النهر ـ نهر التاريخ وهو في منتصف الطريق بين ضفة الجنوب وضفة الشمال شاطئ القدم وشاطئ الحداثة، ساحل الحضارة العربية وساحل التمدن الأوربي فلا يستطيع المضي إلى الأمام ولا يستطيع العودة إلى الوراء.

 

  والمتأمّل لما ورد في الرواية، يلمس البنية العميقة للنص كما يلمس سلطة الخطاب على قارئه فبمجرّد الأسطر الأولى يذهب بك الكاتب بعيدا إلى عوالم شتى تذهب بخيالك كما تذهب بعقلك. والخطاب الروائي يختلف عن النمط الحكائي ،فالحكاية تسير في خط مستقيم بينما الخطاب الروائي يتلاعب بالزمان والمكان وزمن السرد.....

 

  فالرواية عادة تبدأ من حيث تنتهي الحكاية وإجراءاتها النقدية في التحليل مستمدّة من بنيتها وتكوينها. فالأنماط الزمنية للسرد في الرواية متعددة الأشكال والألوان فنجد السرد اللاحق والسرد السابق والسرد المتزامن مثلما نجد السرد المتداخل، كما يلجأ الكاتب إلى تسريع زمن السرد بالاعتماد على الإيجاز والحذف والخلاصة وأحيانا يجد نفسه في حاجة إلى تبطيء زمن السرد بالوصف والحوار، ولكل كاتب روائي تقنياته الخاصة في استخدام هذه التقنيات المتعارف عليها في الخطاب الروائي، أما التحليل فلا يخرج عن هذه المناهج النقدية الحديثة المتمثلة في البنيوية والتفكيكية والسميائية، ولكل كاتب روائي آلياته الخاصة في بناء الخطاب الروائي سواء من حيث تواتر الشخصيات ومراتبها السردية في النص أو في بنائها الداخلي ووظائفها السردية أو من حيث علاقة السارد بشخصياته أو في اعتماده على الأشكال السردية المتّبعة حيث نجد السرد بضمير الغائب أو السرد بضمير المتكلم أو ضمير المخاطب وكذلك في طريقة التعامل مع الضمائر كما يبقى المكان الشغل الشاغل للرواية المعاصرة التي نقلت المكان من مجرّد حيّز جامد إلى المكان الذي يسكن الإنسان ويمتزج بالأفكار ويترك حفرياته على الشخصية في سلوكها وثقافتها ويبقى الخطاب الروائي المعاصر مركز استقطاب الجميع نظرا لشموليته وقدرته على الكشف والاستكشاف في معرفة الذات والآخر ومحاورتها كما يعتبر الخطاب الروائي مرتعا خصبا لتلاقح الذوات وحوار الحضارات وتفاعل الخطابات ويبقى الخطاب الروائي الشغل الشاغل للكثير من الأدباء والنقاد والكتاب تبعا لتنوع المقاربات المتأثرة بمقولات المناهج الجديدة....

 

 

 

---------------------

 

هوامش:

 

- 1 ينظر..نورالدين السد/ الأسلوبية وتحليل الخطاب/الجزء الثاني/دار همومه/ص11/نقلا عن رومان جاكبسون..اللسانيات العامه ص30..31

 

 2ينظر ترجمة عبد السلام المسدي..الأسلوبية والأسلوب..ص 116

 

3 ينظر/أسيمة درويش/مسار التحولات/دار الآداب بيروت/ ص 55

 

4 ينظر خالدة سعيد / الحداثة أو عقدة جلجاميش/مجلة مواقف العدد 51 و52 بيروت 1984 ص 41

 

 5أسيمة درويش/مسار التحولات/دار الآداب/ ص78

 

6 ودوروف/مفهوم الأدب/ ترجمة منذر عياشي ط1 النادي الأدبي الثقافي بجدة.1990السعودية ص15

 

7 ينظر موسم الهجرة إلى الشمال/الطيب صالح

 

 8ينظر رواية موسم الهجرة إلى الشمال تعليق/توفيق بكار/ص9