النص الموازي في رواية " العمامة والقبعة "لصنع الله إبراهيم

                                                                                                      أ-خالد خينش

                                                                         جامعة عمار ثليجي الأغواط

   الملخص :

     يعتبر النص الموازي من مفاتيح قراءة النص الأدبي ،كونه يشرع أبواب القراءة وينير أفكار المتلقي برؤى تساعده في محاورة النص وكشف أسراره وسبر أغواره ، ومنه كانت هذه الدراسة لتتبع تقنية النص الموازي عند الروائي " صنع الله إبراهيم " في رواية " العمامة والقبعة " ، حيث توقفنا عند أنواعها وكيفية توظيفها ، وما أضافته من جمالية أدبية ، فابتداء من الغلاف أراد الكاتب أن يصدم متلقي الرواية بتلك العتبات النصية  ، التي تثير فيه الكثير من التساؤلات انطلاقا من العنوان إلى ملحقات الرواية ، حيث أوردها الكاتب ككلمات سرية ينبغي لمن يريد الدخول إلى عالم " العمامة والقبعة " أن يعرفها أولا ، ذلك أن هذه العتبات تصنع أفق الانتظار لدى القارئ ، وتذكي فضوله في الاطلاع على أحداث الرواية.

 

Abstract: the  parallel text is one of the key methods  to study a given literary text  as it leads to  a variety of interpretations  of the  reading text in addition to helping  the reader in understanding  the text and giving him insights  to deal with it. This study is devoted  to investigate this  technique  in Souna- Allah Ibrahim's  masterpiece  "The Turban and the  Hat" in addition to its main genres, the way they are employed and the artistic value  they add.  Starting by the novel's cover, the writer aimed at shocking  the reader  by  those thresholds scripts  which motivates  a series of questions  about the  title  coming to  the novel's  extensions  that are included by the writer  as implicit expressions  which  should be well understood by someone  who wants accessing  to the world of the novel.

 

 مقدمة

اهتمت الدراسات النقدية الحديثة بالنص الموازي واعتبرته مفتاح قراءة للنص الأدبي يجدر بمن يريد الولوج إلى حضرة النص ومحاورته عدم تجاهله ، « فقد اهتمت السيميائية الحديثة بدراسة الإطار الذي يحيط بالنص، كالعنوان، والإهداء، والرسومات التوضيحية، وافتتاحيات الفصول وغير ذلك من النصوص التي أُطلق عليها (النصوص الموازية)، والتي تقوم عليها بنايات النص ، ويأتي الدور المباشر  لدراسة العتبات متمثلاً في نقل مركز التلقي من النص إلى النص الموازي، وهو الأمر الذي عدته الدراسات النقدية الحديثة مفتاحًا مهمًا في دراسة النصوص المغلقة، حيث تجترح تلك العتبات نصًا صادمًا للمتلقي، له وميض التعريف بما يمكن أن تنطوي عليه مجاهل النص »[1] .

   و حدد " جيرار جنيت " «جملة من الضوابط كأسماء المؤلفين ، المقدمات ، الإهداءات ، العناوين المتخللة و الحوارات و الاستجوابات وغيرها ، باعتبارها عتبات لها سياقات توظيفية تاريخية ونصية ، و وظائف تأليفية تختزل جانبا مركزيا من منطق  الكتابة »[2] .

فالنص الموازي و يتمثل  في العنوان، العنوان الفرعي، العنوان الداخلي، الديباجات ، التذييلات، التنبيهات، التصدير، الحواشي الجانبية، الحواشي السفلية، الهوامش المذيلة للعمل، العبارة التوجيهية، الزخرفة، الأشرطة (تزيين يتخذ شكل حزام)، الرسوم، نوع الغلاف، وأنواع أخرى من إشارات الملاحق، والمخطوطات الذاتية والغيرية التي تزود النص بحواشٍ مختلفة وشرح رسمي وغير رسمي، ويشير الدكتور " جميل حمداوي" إلى أن للنص الموازي وظيفتين : وظيفة جمالية تتمثل في تزيين الكتاب وتنميقه، ووظيفة تداولية تكمن في استقطاب القارئ واستغوائه.

وبذلك فهو خطاب مقصود من قبل المبدع، وهو المواجه للمتلقي قبل ولوج العمل الروائي، برسم انطباعا أوليا قد يثير أسئلة مسبقة تجيب عنها الرواية بعد القراءة ،  ومع احتفاء الدراسات الغربية بدراسة النص الموازي، تجدها قد أغفلت في الدراسات النقدية العربية الحديثة، مع أن المتصفح لكتب النقد العربي القديم في المشرق والأندلس يجد مصنفات تهتم بالنص الموازي، خاصة عند من عالجوا موضوع الكتابة والكتاب، وما يزال موضوع العتبات في الثقافة العربية القديمة في حاجة ماسة إلى من يسبر أغواره، ويعيد النظر في دراسته.

       فالنص الموازي تقنية جمالية يجتهد كل كاتب أن  يبدع فيها من أجل أن يضمن لعمله الرواج والتأثير ، فكيف وظّف " صنع الله إبراهيم " هذه التقنية ؟ وما علاقتها بمضمون الرواية ؟

 الغلاف لافتة نحو النص  :

         إن أول ما يواجهنا في أي عمل مطبوع هو الغلاف الخارجي، كلافتة تعريفية لما تحمله أوراقه، ولهذا فمن الطبيعي قبل العبور إلى النص الروائي في رواية   " العمامة والقبعة " أن نقف عند مكونات الغلاف الخارجي ، فالغلاف يعتبر أولى العتبات الضرورية للولوج إلى أعماق النص ، قصد استكناه مضمونه وأبعاده الفنية والإيديولوجية والجمالية ، كونه أول ما يواجه القارئ ، وهو عامل مساعد على قراءة وفهم الرواية على مستوى الدلالة والبناء والتشكيل و المقصدية[3].

 و يتشكل الغلاف في " رواية العمامة والقبعة " من لوحة عبارة عن صورة كبيرة قام بتصميمها الفنان " محيي الدين اللباد " انطلاقا من أعمال ثلاثة رسامين ، وبالتالي فنحن أمام تركيب لثلاثة مشاهد :

-       مشهد للفنان "بيير جينييه ":وفيه إمرأة شرقية في أحضان رجل شرقي توشك أن تفلت منه.

-   مشهد للفنان "سينيه" : صورة لبونابرت ، بوجه كاريكاتوري ، وهو بلباسه العسكري وهو يخفي إحدى يديه وراءه ، ويتحسس بالأخرى مابين رجليه.

-       مشهد للفنان " تارديو " إمرأة غربية بكامل أناقتها بلبس يستر كل جسدها.

       فاللوحة تظهر بعد التصميم المرأة الشرقية،وهي تتطلع بانبهار إلى المرأة الغربية ويد الرجل العربي بعمامته المميزة  متمسكة بها،كأنما تحاول أن تثنيها عن الانفلات ، فيما تبدو صورة نابلـيون بقبعته العسكرية  بارزة إلى الأمام وعلى كتفه الأيمن تستند امرأة غربية ترنو إلى الفضاء الرحب ، ويلف ذلك كله لون أزرق تخترقه نقاط بيضاء بين صورة المرأتين .

      وفي أعلى الصورة كتب اسم " صنع الله ابراهيم " بلون أبيض، وأسفله ورد عنوان الرواية     " العمامة والقبعة " باللون نفسه وبخط أكثر بروزا ، وبخط عمودي على اليسار ورد لفظ " رواية " دلالة على الجنس الأدبي لهذا العمل ، أما يمينا وبخط أقل سمكا وبلون أسود فقد ورد اسم دار النشر (  دار المستقبل العربي ).

       إن أهم عتبة يحويها الغلاف الخارجي هي اسم المؤلف الذي يعين العمل الأدبي ، ويخصصه ويمنحه قيمة أدبية ويسفره في المكان والزمان ، ويساعده على الترويج والاستهلاك ، ويجذب القارئ المتلقي ، ذلك أن تثبيت اسم المؤلف العائلي والشخصي يراد منه تخليده في ذاكرة القارئ ،  ويتصدر اسم " صنع الله إبراهيم " صفحة الغلاف بلون أبيض ، وبخط كتب به " نابليون بونابرت " بياناته أيام الحملة الفرنسية على مصر ، وفي ذلك إعلانا من المؤلف أنه يرسل بيانا للقارئ في شكل رواية .

       إن وضع اسم المؤلف أعلى الصفحة دلالة على امتلاك صاحب الاسم لهذا العمل من جهة ، ومن جهة أخرى علامة للقارئ على أن هذه الرواية لهذا الشخص المؤلف ، فيكون بذلك بمثابة الإغواء والإغراء للإطلاع على مضمونها ، بحكم أن القارئ مطلعا على إنتاجات سابقة للمؤلف ، أو دعوة للتعرف عليه إن لم يكن له سابق معرفة به.

       واللون الأبيض الذي كتب به اسم المؤلف وسط لون السماء الأزرق المكتنف بالغيوم ، يظهره كشعاع برق يشق الظلمات ويضيء ما حوله من علامات بصرية و أيقونية .

         إن صورة الغلاف التي شكلها الفنان " محيي الدين اللباد " ، من أعمال الفنانين الفرنسيين الذين صاحبوا الحملة الفرنسية ، تثير فضول القارئ ، وتطرح أكثر من تساؤل ، عن مغزى الاستعانة برسوم من مرحلة زمنية معينة ، تمثل تاريخا للالتقاء بين الشرق والغرب  ، وبتشكيلها من فرنسيين فهل تحمل وجهة نظر  واحدة تتمثل في رؤية  الفرنسيين لتلك المرحلة  ؟ أم أنها تحمل رأيا محايدا ؟ و ما الهدف الذي أراد  " محيي الدين اللباد " أن يوصله للقارئ من خلال  هذا  التشكيل الفني بين ثلاث لوحات ؟ والسؤال الأهم ما علاقة ذلك كله بمضمون الرواية ؟

        إن محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة التي يطرحها الغلاف تتطلب منا أن نتفحص ما جاء في ثناياه وأن نحاور رسوماته ، بغية الوصول  إلى فهم رسالته  ، ولا يتأتى ذلك إلا بالولوج إلى أعماق النص الروائي والبحث عن الوشائج التي تربطه بالغلاف.

       فأول ما يواجه القارئ هو تلك الصورة التي ترمز لرجل غربي عسكري بوجه كاريكاتوري، والمرأة الغربية التي تتكئ على كتفه ، وقد أخذت هذه الصورة الحيز الأكبر من الغلاف  ، بينما أفرد جزء أقل للصورة التي تمثل الشرق ، كما أن الخطوط البيضاء المستقيمة التي وضعت تحت الرسومات  ووصلت نظر المرأتين ببعضهما ،  توضح أهمية  شخصيات الغلاف ، لتضع القارئ في قلب مضمون الرواية ، حول الصراع بين الشرق والغرب  في التواجد .

        ذلك الصراع بين مكوني الغلاف العمامة التي تمثل الشرق وما يحمل من مكونات وموروثات ، والقبعة التي تمثل الغرب الغازي ، إن الغلاف يظهر القبعة العسكرية لعسكري غربي ، وهي إشارة واضحة لمهمة الرجل العسكري ذو الوجه الكاريكاتوري ، فهل أراد الرسام بعدم إظهار الملامح لهذا الوجه ، بإيصال رسالة للقارئ مفادها أن الجسد الغربي دائما متربصا بالشرق وإن اختلفت الوجوه ، والقول بأن هناك ثابتا-هو البزة العسكرية الغربية وتعاملها مع المشرق - تمثله القبعة العسكرية الغربية ، ومتحولا هو الوجه الذي يرتديها .

        وتبدو المرأة الشرقية في الصورة  وهي  قد أظهرت بعض مفاتن جسدها ، و ترنو بإعجاب إلى صورة المرأة الغربية  كما يصفها  "الراوي  " من خلال إحدى شخصيات  الرواية  وهو الفرنسي " غاستون " : « المرأة عندنا سافرة وتدير شؤونها بنفسها » [4]،                                     فكأنها ملت أن ينظر إليها كجسد شبه عار – كما تظهره الصورة – للمتعة فقط ، بل أن يتعامل معها كعقل وفكر يحترم إنسانيتها ، فالرجل  صاحب العمامة الذي يحوطها بذراعيه يعوق حريتها وتوقها إلى التحرر و الانعتاق ، إنه يريدها أن تعيش في جلبابه  ولا تتعدى حدود عباءته كما يظهر في الصورة ، بعكس صاحب القبعة  ( الرجل العسكري ) ، الذي تتكئ على كتفه المرأة الغربية وهي  مطمئنة كونها اتخذته سندا وهي بكامل حريتها ، ولم تعد  بحاجة إلى إظهار مفاتنها لتجذبه إليها.

        وفي المقابل فإن في  احتضان الرجل الشرقي للمرأة دلالة على الغيرة والخوف عليها ، فالصورة تظهر يدي الرجل الشرقي تحوطان بالمرأة كسور يدرأ عنها كل غريب ، إنه  يحاول أن يثنيها عن تقليد المرأة الغربية ، فهو يمنحها الحب الذي يعتقد  " نابليون "  : « أن الحب يضر بالفرد و المجتمع » [5]، وهو الذي لا تهمه المرأة بقدر ما تهمه ثروتها حيث «كان يبحث عن واحدة ثرية»[6].

       إن صورة الغلاف تبدو أكثر وضوحا عند قراءة الرواية ومحاولة وصل ما بينهما من وشائج ، فالرجل العسكري الغربي ليس إلا أحد عساكر  حملة فرنسا على مصر والشام  ، قد يكون نابليون ، أو أحد جنوده ، أما المرأة الغربية فقد تمثلها " بولين "  تلك التي حلمت أن تحملها علاقتها مع نابليون إلى المجد ، وأن تستند على كتفيه للجلوس معه على عرش فرنسا ، فقد  فرطت في عشيقها ( الراوي ) وهي تقول له : « هل تظن أني أترك نابليون  يستمتع بما وصل إليه من مجد وحده؟ » [7] ، أما المرأة العربية التي تحاول التملص من عباءة الرجل المعمم  فهي لا تعدو أن تكون إحدى نساء الشرق المنبهرات بالغرب  اللائي ارتمين في أحضان الفرنسيين  ، كما في هذا المقطع « دخل قبطان فرنسي برفقة امرأة من أولاد البلد المخلوعين، رماها عبد الظاهر بعيون نارية وقال: هي وأمثالها يستحقون القتل  »[8]، لكن هذا الإعجاب سرعان مازال ذلك  « إن النساء اللاتي درن مع الفرنساوية تحجبن و تنقبن عندما شاع أمر مجيء العثمانيين »[9].

        كما أن اللباس العسكري الوارد في الصورة يحمل دلالة الحرب والرغبة في السيطرة ، وإن كان لليد التي تتحسس  في أماكن حساسة من الجسم  مغزى آخر ، قد يتكشف أكثر في أحداث الرواية في علاقة " بونابرت " بالنساء .

       فصورة الغلاف عتبة من عتبات الرواية تمنح القارئ بعض العلامات عما يتضمنه نص الرواية، وتصنع عنده أفق الانتظار .

العنوان وتوجيه القراءة:

        أولت الدراسات السيميائية اهتماما واسعا بالعنوان في النصوص الأدبية  باعتباره علامة إجرائية ناجحة في مقاربة النص الأدبي بغية استقرائه وتأويله ، فتحدث " رومان ياكبسون " عن وظائف أساسية للعنوان هي: « المرجعية والإفهامية والتناصية »[10] ، أما  " جيرار جينات "  فيحددها بأربع وظائف هي : « الإغراء والإيحاء والوصف والتيقن وعنها تتفرع وظائف أخرى تبعا للجنس الأدبي »[11].

       ويرى "محمد مفتاح " : « أن العنوان يمدنا بزاد ثمين لتفكيك النص ودراسته ، ويقدم لنا معرفة كبرى لضبط انسجام النص وفهم ما غمض منه ، إذ هو المحور الذي يتوالد و يتناص ويعيد إنتاج نفسه »[12] ، فالعنوان يقوم بدور الوسيط بين القارئ والنص ، وهو ظاهرة فنية جمالية ولافتة إشهارية مثيرة للوجدان فهو بمثابة  عتبة للقراءة يلج منها القارئ إلى عالم النص ، ذلك أن  الكاتب لا يضع العنوان اعتباطا ، « إنه المفتاح الذي الإجرائي الذي يمدنا بمجموعة من المعاني التي تساعدنا في فك رموز النص وتسهيل مأمورية الدخول في أغواره وتشعباته الوعرة» [13] .

      و في " رواية العمامة والقبعة "  وضع مصمم الغلاف عنوان الرواية تحت صورة الغلاف مباشرة ، وقد كان أكثر بروزا من الأسماء الأخرى ، وتبدو " الواو " التي بين العمامة والقبعة بحجم أكبر من غيرها ، لتضع القارئ في حيرة وتساؤل عن طبيعة هذه العلاقة بين العمامة والقبعة ، فهل هي علاقة تباين ، أم تقابل ، أم تناقض ، أم اشتراك باعتبار  أن كلاهما غطاء للرأس ، هذه الحيرة هي التي تجعل رسم العنوان محفزا لقراءة النص الروائي ، حتى يفك رموزه ويدلي للقارئ بكل أسراره ، ويكشف من خلاله ما يخفيه من إشارات وعلامات .

         وفي رواية " العمامة والقبعة " يتكون العنوان من اسمين : العمامة ، القبعة ، تربطهما الواو العاطفة، مما يجعل القارئ يتساءل عن كنه هاته العلاقة بين العمامة والقبعة ، تلك الصدمة التي يجعله يبحث عن وظيفة الواو التي تتوسط بينهما ، هل هي للعطف أم للمعية أم للملابسة [14]، لعله يصل إلى فك ألغاز هذا العنوان ،واستكشاف أسرار العلاقة بين العمامة والقبعة .

        فمن الجانب النحوي نجد العنوان يتكون من مبتدأ ( العمامة ) وخبر محذوف ، وقد ورد هذا المبتدأ معرفة ، وكأنه بهدف التعيين والتحديد ، أما حذف الخبر فهو بدافع التعدد والتلميح ، ثم عطف هذا المبتدأ عل اسم معطوف هو القبعة وذلك بواسطة الواو التي تفيد مطلق الجمع بين الاسمين ، غير أن ورودها بذلك الرسم المختلف يفتح باب التأويل لقراءات متعددة.

       إن هذا الغموض الذي يكتنف معنى العنوان هو الذي يجعل القارئ يلجأ إلى النص الروائي لعله يجد ناصرا من خلاله يعينه على الفهم والتأويل ، فالعنوان  « يتضمن نظاماً معقداّ متشابكاً بإحالاته داخل النص..  فهو يربط الداخلي بالخارجي و الواقعي بالمتخيل ، كما أنه يتيح إمكانيات التأويل الذي ينبني على ثقافة المتلقي»[15] ، إن كلمة العمامة مرتبطة في الذهن العربي بالعروبة ،وبأهل العلم خاصة ، فهي من جهة تمثل العراقة والأصالة والانتماء ، ومن جهة أخرى اشتهر بها أهل العلم والفضل ، بينما يرتبط اسم القبعة بذلك الدخيل الغربي الوافد فالعرب لم تعرف القبعات إلا بعد مجيء المستعمر .

      ومن هنا يمكننا الولوج إلى النص لمعرفة هذه العمامة التي جاءت معرفة كما أوردها الكاتب في العنوان ، وكأنه يعني بها عمامة بعينها ، فهل يعني بها عمامة ذلك المملوك التي وصفها في الرواية بقوله : « عمامة ملفوفة حول طربوش طويل »[16]، أم هي عمامة أولاد البلد ، غير أنه بالإيغال في الرواية ندرك أن هناك عدة أنواع من العمائم ، تختلف ألوانها باختلاف الدين ، فصديق "الراوي "القبطي " حنا " « عاد مرتديا عمامة القبط سوداء اللون، كان ممنوعا على القبط واليهود لبس العمامة الخضراء أو الحمراء أو البيضاء »[17] ،فلون العمامة  كان علامة على انتماء المرء دينيا ، ولهذا أشار عليه « قلت غير العمامة، وضع واحدة  بيضاء » [18] ، فالعمامة هنا لم تعد مجرد غطاء للرأس فقط ، بل تقدم على أن لونها فاصلا بين الموت والحياة ، وعنوانا للملة و الانتماء .

       وقد تكون العمامة علامة على الرفعة وعلو المكانة ، يزداد احترام الناس لصاحبها بازدياد عظمها مثل عمامة " الشيخ الشرقاوي " الذي « تولى مشيخة الأزهر وكان أول ما فعله أنه أراد التعويض عن أيام الحرمان بالمبالغة في إثبات قدره فزاد في تكبير عمامته وتعظيمها حتى صار يضرب بها المثل »[19].

      وتظهر دلالة العمامة هنا على التعظيم ، كونها أمانا من الفقر وطريقا إلى العظمة في عيون العامة ، وهي تحمل في نفس الوقت دلالة أخرى تتمثل في الرياء والخداع تماما مثل  تلك العمامة التي ارتداها " نابليون " في

حضوره لحفل وفاء النيل ، التي جعلت " الراوي " في حالة  ذهول « لم أصدق عيني عندما تبينت ملابسه ، كان يرتدي قفطانا دمشقيا ،وعمامة غرست فيها ريشة إوزة » [20].

وإذا أجملنا دلالات العمامة في الرواية فإنها يمكن أن تكون كما يلي :

                                                العمامة

                                            غطاء للرأس

                                              الإنتماء إلى الشرق

                        

   عمامة للقبط واليهود                    عمامة للمسلمين

                       

        سوداء                        بيضاء         خضراء    حمراء

غير أن هذه الدلالة تتعدى إلى دلالة أكبر في رواية " العمامة والقبعة ":

                                                            العمامة

                    

                                         الخداع والتمويه            الموت /الحياة        البحث عن الجاه والعظمة

             

                                         عمامة بونابرت           لون العمامة     عمامة الشرقاوي       عمامة شيوخ  الأزهر                                                     أثناء  الحرب                                                                                                                                                                                                                                                        

       فالعمامة لم تقتصر دلالتها على كونها غطاء مميز للرأس لأهل المشرق فقط ، بل أن دلالتها اتسعت ووظفت بشكل أوسع كما رأينا من قبل ، في دلالتها على المكر والخداع ، والبحث عن الجاه والعظمة ، بل أن لونها  فارق بين الموت والحياة أحيانا ، في الوقت الذي تكون علامة للانتماء إلى الطرف الآخر  كما تبين في عمامة " حنا " القبطي .

         أما القبعة فقد ارتبطت دلالتها في الذهن العربي بذلك الوافد – غير المرحب به – من الغرب ، إنها رمز للمستعمر ، فالقبعة في رواية " العمامة والقبعة " لم تكن إلا علامة على الغزاة            « تبينت رؤوس الفرنساوية التي تغطيها قلانس غريبة الشكل ، ورأيت القادة يترجلون ، تقدمهم واحد منهم قصير القامة ضئيلها  ،  تبزغ من قلنسوته ثلاث ريشات كبيرة »[21]،تلك القبعة التي أراد لها الراوي أن تعلن تواجدها في مواجهة العمامة ،وتعلن أن « حانوت القبعات الفرنسية يحيط المواطنين علما بأنه أنشأ مصنعا للقبعات خلف مكتب البريد »[22] .

        فالإعلان يصرح أن القبعات فرنسية وإن كان الحانوت وسط القاهرة ، وهو مرسل إلى المواطنين المصريين الذين يرتدي أغلبهم العمائم باختلاف ألوانها ، فعلام تدل هذه الدعوة ؟ هل هي تحد للعمامة ؟ أم رمز على أن المستعمر قد ثبت قدمه على هذه الأرض ، وإعلانه هذا يدل على أن هاته الأرض تابعة لفرنسا ؟

        وهنا تبرز الثنائية الضدية بين العمامة القبعة ، وصراع الوجود وإثبات الذات بين الشرق الغرب  و الأصيل الدخيل ، و الموروث الوافد.

       وإذا كانت العمامة والقبعة تشتركان كلاهما في كونهما غطاء للرأس ، وكلا منهما تدل على الانتماء ، فإنهما دلالة تحملان تناقضا :

          العمامة   القبعة

          الشرق الغرب

         الأصيل الوافد

        الموروث الحضاري الغريب

        أهل البلد المستعمر

              إن عنوان رواية " العمامة والقبعة " يوجز ما في الرواية من علاقات متشابكة ، ويترك للقارئ متعة اكتشافها ، وفك شفراتها ، ويدفعه إلى مواجهة النص الروائي للظفر بكل أسراره وفهم خباياه وتأويلها .

التعيين الجنسي : 

 باتجاه عمودي رسم بالغلاف لفظ " رواية "[23] إشارة إلى الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه هذا العمل الأدبي، فما دلالاته ؟ وما دوره في توجيه القارئ ؟

       إن الإشارة إلى أن هذا العمل الأدبي ينتمي إلى جنس أدبي معين ،تحدد لدى القارئ آليات التلقي التي يستقبل من خلالها النص ، فكلمة " رواية " على الغلاف تثير في ذهن القارئ – انطلاقا من تجارب سابقة مع هذا الجنس الأدبي – أن بناء فنيا يعتمد آليات معينة يميز هذا الفن عن غيره من الفنون الأدبية الأخرى ، فالرواية لها خصائصها الفنية من مكان وزمان وشخصيات وأحداث وحوار...

وبناء على هذه الخصائص يتهيأ ذهن المتلقي ويستعد ، لأنه يتوقع وجود  مثل هذه الآليات في بناء هذا العمل الأدبي .

        وفي " رواية العمامة والقبعة "  فإن كلمة " رواية " التي رسمت على الغلاف تضع حدا فاصلا بين ما يعتقده القارئ سيرة ذاتية أو مذكرات ، أو تأريخ لحقبة تاريخية معينة ، وبين الرواية كجنس أدبي ، فكلمة " رواية " توجز عدد الصفحات ( 333 ) التي ألفها الكاتب " صنع الله إبراهيم " في رواية " العمامة والقبعة " ، وتحدد انتماءها لجنس الرواية ، هذا التحديد الذي من شأنه أن يبعد كل الخيارات الأخرى التي من الممكن أن تطلق على هذا العمل الأدبي.

الصفحات الداخلية للغلاف :

         ورد في الصفحة الداخلية للغلاف  ذكر عنوان الرواية، واسم المؤلف ومعلومات عن دار  النشر ، وسنة النشر ، حيث تم ذكر العنوان ، ورقم الهاتف  ، ورقم الإيداع والرقم الدولي ، إن هذه المعلومات كلها تدل على ملكية الكاتب للنص الروائي ، وملكية الدار لحق النشر والتوزيع ، إنها تذكر بعقد أبرمه" صنع الله إبراهيم " مع دار المستقبل العربي ، وتؤكد عبارة " جميع الحقوق محفوظة " على ضرورة إحترام هذا العقد. وتبدو الصفحة  الثانية كإشارات مفتاحية تفسر رسم الخطوط التي كتبت على الغلاف ، حيث  كتب عليها: « تصميم الغلاف إهداء  إلى المؤلف من محيي الدين اللباد  »[24]، وفي هذا دلالة على أن تصميم الغلاف لم يكن من اقتراح الكاتب وموافقته فقط ، بل هو عبارة عن عقد بينه وبين الفنان الذي أهداه له ، وهو ما يفسر قصدية المصمم في اختيار الرسوم والحروف التي على الغلاف ، حيث يوضح بأن :« الرسوم على الغلاف مقتطفة من أعمال للرسامين الفرنسيين :سينيهsine، وبيير غيرينpierre guerin ، وتارديوtardieu،

حرفا الطباعة المستعملان على الغلاف : عنوان الرواية  حرف Gros Arabe، إسم المؤلف  Arabe Euclide»[25].

كما أن رسم العنوان واسم المؤلف قد كتبا بحروف منتقاة بعناية وهما  :  « الحرفان المعدنيان من تصميم وسبك الطباع المستعرب سافاري دو بريف ، سفير البندقية السابق لدى تركيا، وقد جرى استعمال الحرفين خلال الحملة الفرنسية على مصر في طباعة بيانات نابليون وأوامره الموجهة إلى المصريين ، الحرفان محفوظان في المطبعة الوطنية بباريس »[26]  ، فما هي الغاية من هذا التوضيح ؟

         إن هذه العبارة وردت كمفتاح للقراءة توجه القارئ باتجاه تأويل ما ، وتحاول أن تضعه في سياق معين فجملة  " جرى استعمال الحرفين خلال الحملة الفرنسية على مصر "، ترجع بالقارئ إلى سياق تاريخي معين ينبغي ألا يتجاهله وهو يحاول فك رموز الغلاف .

       و الإشارة إلى أن الصور هي لفنانين فرنسيين ، هي إيهام بالحياد من المصمم " محي الدين اللباد " ، وأن هذه الصور التي تشكل الغلاف- مثلها مثل الحروف التي كتبت بها العناوين التي عليه- قادمة من زمن آخر ، غير أن هذا الإيهام سرعان ما ينجلي إذا عرفنا أن " اللباد " قام بتركيب مقصود لهذه الصورة من الأعمال الثلاثة المذكورة ، وترك بصماته عليها ، ويدل لفظ " إهداء إلى المؤلف " على نوع من التواطؤ والاعتراف

على أهمية الرواية  من المانح ، ويدل القبول من المؤلف على الامتنان بهذا الاعتراف الذي جسده تصميم الغلاف باعتباره لافتة تضيء الطريق إلى النص الروائي .

ملحقات الرواية :

 أفرد الكاتب أربع صفحات للإشارة إلى المصادر التاريخية التي استقى منها أحداث روايته (من الصفحة 329إلى الصفحة233 ) ، ومن بينها تاريخ الجبرتي " عجائب الآثار في التراجم والأخبار " ومجلدات " وصف مصر " التي وضعها علماء الحملة ، ودراسة الأمريكي    " ج . كريستوفر هيرالد " المعنونة بـ " نابليون في مصر " ، ولا ينسى الكاتب أن يذكر نهايات أبطاله الحقيقية حيث يقول عن " بولين " أنها تزوجت مرتين ، ثم امتهنت التجارة  بين باريس والبرازيل ، وكتبت روايتين ،  قبل أن تستقر بباريس «وعاشت حتى شارفت نهاية العقد التاسع من عمرها»[27] ، وكذلك يذكر نهاية " المعلم يعقوب" ، ثم نهاية  " الشيخ الجبرتي "  «‏وعاش عبد الرحمن الجبرتي حتى سن السبعين  ، وأدرك العشرين سنة الأولى من حكم محمد عل ، وكف بصره بعد أن فقد ابنه خليل في حادثة غامضة تردد أنها من تدبير محمد على نفسه »[28].

     والكاتب بهذه الإضافة يبوح بمرجعية عمله الأدبي ويعلن عن تناصيته مع أعمال سابقة ، وإذا كان يعطي معلومات تاريخية عن بعض الأسماء لشخصيات في روايته ، فإن البطل /الراوي الذي أوكل له مهمة السرد نيابة عنه  يمارس سلطة الإيهام بواقعية أحداث الرواية ، مما يفتح بابا للتساؤل عن طبيعة هذا العمل الأدبي الذي ألفه " صنع الله إبراهيم " ومدى ارتباطه بالواقع والتاريخ .

        كما أن المؤلف ذكر أخيرا من يدين لهم بالوفاء في إنجاز هذا العمل ، وهو إن كان يدل على الاعتراف بالجميل لمن مده بالمساعدة ، إلا أنه تواضع من أديب كبير شهد له الجميع بالإبداع والتميز في العمل الروائي .

 

 

 

 

 

الإحالات:

 



[1]معجب العدواني، تشكيل المكان وظلال العتبات، النادي الأدبي الثقافي، جدة، الطبعة الأولى، 1423هـ/2002م.ص 13.

[2]عبد الفتاح الحجمري ، عتبات النص : البنية والدلالة ، شركة الرابطة ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1، 1996 ، ص16-17.

[3]  جميل حمداوي ، السيميوطيقا والعنونة ، مجلة عالم الفكر ،الكويت ،  مج 25، ع 23 ، يناير مارس ، 1997 ، ص 90.

[4]صنع الله إبراهيم ، العمامة والقبعة ، دار المستقبل العربي ، مصر ،  2008،  ص 183.

[5]المصدر نفسه ، ص 205 .

[6]المصدر نفسه ، ص 205 .

[7]  المصدر نفسه ، ص 219.

[8]  المصدر نفسه ، ص 48.

[9]المصدر نفسه ، ص 234 .

[10]  دليلة مرسلي وآخرون ، مدخل إلى التحليل البنوي للنصوص، دار الحداثة  ، بيروت 1958، ص 44.

[11]  عبد الله الغذامي ، الخطيئة والتكفير ،منشورات النادي الثقافي ،جدة ،السعودية ، ط1، 1985 ، ص 263.

[12]محمد مفتاح ، دينامية النص ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 1987، ص 72 .

[13]جميل حمداوي ، م .س ، ص 90.

[14]ينظر : تمام حسان ، الخلاصة النحوية ، عالم الكتب ،ط1 ، 2000، ص 75،77.

[15]معجب العدواني ، ، م س ، ص  25 .

[16]صنع الله إبراهيم ، المصدر السابق ، ص 6.

[17]المصدر نفسه ، ص 25.

[18]المصدر نفسه ، ص 26.

[19]  المصدر نفسه ، ص 64.

[20]المصدر السابق ، ص 40.

[21]  المصدر السابق ، ص 23.

[22]المصدر نفسه ، ص 98.

[23]  ينظر غلاف الرواية.

[24]ينظر الصفحة الأولى بعد غلاف الرواية .

[25]  المصدر السابق ، ص ن.

[26]المصدر نفسه ، ص ن.

[27]صنع الله إبراهيم ، المصدر السابق ،  ص 331.

[28]المصدر ن ، ص ن.