النص والخطاب بين المفهوم والاستعمال

إعداد : نصيرة لكحل

 -جامعة الجلفة –

 

 

Résumé :

la distinction entre « texte » et «discours» comme suit :

Le texte séparatif le discours et le discours réalise le texte, ou comme la définit le citrouille chercheur – marocain – :said yakatin

" Le discourt s’est un acte de production de langage et font résultat audio-visuelle ",  s’est un ensemble de construction organiser comprennent le discours.

 Ou d’une autre façon de dire le discours c’est l’énonce (thème) incorporé devon nous telle comme un acte par contre le texte est un sujet  l’énonce abstrait et supposé, mais le discours peut être un texte en cat d’action Alor dans ce cat le texte peut être le discours, et le discours peut être le texte.

 

 

مقدمة :

         إن التمييز بين  النص والخطاب يطرح إشكالاً كبيراً نظرا لتعدد الآراء واختلافها وكثرة التصورات وتضاربها ، مما يجعل البحث أمام صعوبة تأطيرها وفرزها ، وبالتالي تحليلها ومناقشتها وهذا مما يضيق به هذا المقام ، وعليه يمكن التعرض لأهم التصورات القائمة على ضبط التجليات والفروق بينهما  ، فهذه التصورات الموضوعة  للمناقشة والتحليل تتراوح بين الثقافة الأدبية الغربية والعربية وتمزج بين التراث وروح المعاصرة .

 طرح الإشكالية : لا تزال إشكالية  "النص" و"الخطاب" وعدم التفريق بينهما في الوسط النقدي العربي على الأقل إحدى أهم الإشكاليات التي لم تحل بعد بصورة نهائية ومقبولة تمكننا من الاستفادة مما أُنجز غربيا على صعيد هذين المفهومين المهمين ، بدليل ما نلمسه في الساحة النقدية والأدبية العربية من خلط منهجي بين هذين المفهومين وعدم وضوح الرؤية لحقيقة كل منهما ، مما أدى إلى عدم الدقة في استعمالهما في وعي كثير من الدارسين العرب مما جعلهما في الاستعمال العربي-بما في ذلك الدراسات الأكاديمية- متطابقين حينا ومتكاملين حينا ومتقاطعين حينا آخر ...إلخ ، وهذا الأمر انعكس سلبا على تعاطي الناشئة من الأكاديميين مع هذين المصطلحين فضلا عن عدم الوعي بأهميتهما على الصعيد المنهجي والإجرائي في تناول ما يتم تناوله من قضايا النقد والإبداع عموما .[1]

ومن الأسباب القوية التي أدت إلى ذلك الخلط هو استعمال المصطلحين في الدلالة على الإنتاج الأدبي عموما ، حيث تباينت مواقف  النقاد والدراسين في رصد طبيعة العلاقة بينهما تداخلا وتقاطعاً وتكاملاً ، وتلك الآراء تمحورت حول موقفين رئيسين هما :

- الموقف الأول : يقوم على عدم التمييز بين "النص" و"الخطاب" واستعمالهما بالمعنى نفسه أو للدلالة على شيء واحد وهو العمل الأدبي ، الذي ما فتئ أصحاب هذا الموقف يطلقون عليه –أي العمل الأدبي – تارةً مصطلح الخطاب وتارةً مصطلح النص ، ويمثل هذا الموقف بعض السرديين أمثال : جيرار جنيت (Gérard Génette )وتدوروف(tzetan todorov )...إلخ ، وهذا التصور قائم على عدة احتمالات تُظهر نقاط اتفاق بين النص والخطاب على أنها لا تطابق بينهما تطابقا تاما :

1/-أن كل من "النص" و"الخطاب" عبارة عن حدث يقع في الزمان والمكان ، فالنص حدث يقع في زمان ومكان معيين ، [2]إلا أننا نستطيع نظرياً أن نتحقق فكرياً من حدوث كل نص مكتوب ، والخطاب هو الآخر حدث ولكنه حدث اجتماعي وليس فردي ، ولكن لا يُعاد إنتاجه إعادة مطلقة مثله في ذلك مثل الحدث التاريخي ، والسبب في ذلك أن الوقائع اللالغوية متداخلة – المصاحبة لعملية إنتاج الخطاب –بالعلامات اللغوية ، وهي تضم خلجات الوجه والإيماءات ونبرة الصوت ...وهي من أفعال التأثير الأكثر تعذراً على النقل لأنها أقل قصدية.[3]  

2/-كل من "النص" و"الخطاب" يهدف إلى إيصال معلومات ومعارف ونقل تجارب إلى المتلقي ( سامعا أو قارئا ) من خلال أن النص تواصلي وتفاعلي عبر قيام علاقات مختلفة بين أفراد المجتمع المختلفة ،[4] كما أن الخطاب عبارة عن فعل أو فاعلية تنشأ بين شخصين منتميين عضويا إلى المجتمع ، إذ أن الأصل في الخطاب أنه موجه إلى شخص بعينه وهو المخاطَب .

3/-اعتبار "النص" و"الخطاب" ينتميان إلى اللغة ، ذلك أنه إذا كان من الواجب بوجه عام التفريق بين إشارات تواصلية لغوية وإشارات تواصلية غير لغوية ، فإن النص والخطاب يفهمان قبل كل شيء بأنهما الجزء اللغوي من فعل التواصل ،[5]أي أنهما مؤلفان من اللغة وليسا صوراً فوتوغرافية أورسماً أو زياً أو غير ذلك ...[6]،  أي أنهما يتشكلان من اللغة المتواضع عليها بين الباث والمتلقي ، وذلك يجب أن يكون كلاهما على علم بمجموعة من الأنماط والعلاقات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية التي من خلالها تتم عملية الاتصال بينأفراد الجماعة اللغوية . [7]

4/-كل من "النص" و"الخطاب" يتميز بالانفتاح والانغلاق ، فالنص مغلق أي انغلاق سمته الأيقونية والكتابية التي لها بداية ونهاية ، منفتح أي أنه توالدي ليس منبثق من عدم وإنما متولد من أحداث تاريخية ولغوية وتتناسل منه أحداث لغوية أخرى ، كما أنه منفتح على القراءة في كل زمان ومكان .

 وبنية الخطاب مغلقة لكونها تتألف من عناصر مغلقة محدودة ومعلومة العدد، محددة الصورة بكيفية نهائية ، إذ تتألف من مخاطَب بعينه وخطاب بعينه لتحقيق غاية بعينها ، منفتح على الآخر في لحظة إنتاج الخطاب .[8]

5/- احتواء الخطاب والنص على دلالة المقاصد ، وهي من إنتاج المنتج وهي التي أرادها لتأدية الوظيفية التواصلية ، وهناك فرق بالنظر إلى مقاصد الخطاب العادي – مثلا –والخطاب الأدبي عند التحليل ، لأن الخطاب الأدبي لا يتوقف المحلل عند المقاصد لأن المقاصد قد تكون مرقاةً لما بعدها من التأويل . كالجانب الفني في القرآن الكريم جاء خدمةً للمقاصد.

-الموقف الثاني : يقوم على التمييز بين "النص" و"الخطاب" واستعمالهما للدلالة على معان وقيم نوعية مختلفة وذلك على اعتبار ومراعاة الجوانب المختلفة الآتية :

1/-مراعاة الدلالة اللغوية لكل من النص والخطاب .

2/-مراعاة الحجم.

3/-مراعاة الكتابة و القراءة.

4/-مراعاة السياق .

1/- الدلالة اللغوية :

-النص :  تعددت التعريفات التي شرحت النص ومدلولاته لغةً وفقا لما أوردته المعاجم العربية ك " لسان العرب " ، حيث أورد ابن منظور : النص رفعك الشيء ، نصّ الحديث ينصه نصاً : رفعه ، وكل ما أُظهر فقد نُص ، ووضع على المنصة : أي على غاية الفضيحة والشهرة والظهور (...) ومنه قول الفقهاء : نص القرآن ونص السنة أي ما دل ظاهر لفظهما عليه من الأحكام ، وانتص الشيء وانتصب أي استقام .[9]

-الخطاب : تشير المادة المعجمية لمادة " خطب " إلى عدد من المدلولات اللغوية ، فالخطب الأمر العظيم الذي تقع فيه المخاطبة (...) وخطب المرأة خِطبةً : طلب إلى وليها أن يزوجه منها ، والمخاطبة : مراجعة الكلام ، وفصل الخطاب : الحكم بالبينة ، أو النطق : ب " أما بعد " .[10]  

ومن خلال ما سبق يمكن القول أن المعجميين السابقين يميزان بين "النص" و"الخطاب" لغوياً   ف"النص" يدور حول:

-رفع الشيء وإظهاره وجعله بارزاً عما سواه، ونص كل شيء: منتهاه وأقصاه وغايته...إلخ

ويفهم من خلال هذا التعريف أن النص يرتبط بالرفع وهو يستلزم الظهور وبالتالي الإفهام وهو تجلي الفهم، وهذا يعني أن النص غير مرتبط بالوضوح دائما، ولكنه مرتبط بالإفهام، أي دلالة المقاصد وهي محمولة على الوجوب .

أما "الخطاب" فتشير مدلولاته المعجمية إلى:  

- الخطاب المواجهة بالكلام بين اثنين أو أكثر، الخطب: الشأن أو الأمر العظيم الذي تقع فيه المخاطبة ،  والمخاطبة : مراجعة الكلام ، وفصل الخطاب...إلخ.

فالخطاب هنا المراجعة ، فكأنه القدرة على إقناع المخاطَب ومواجهة الخصم ،وبالتالي في الخطاب قصدية التوجه وهذا لا يقتضي حضور المخاطَب فعلا ، وإنما يقتضي ذلك بالقوة على تقدير التوجه بالكلام إليه ، وإن تباعد الزمان والمكان .

ويحمل الخطاب في مدلوله اللغوي القدرة  على إيصال الكلام إلى ذهن المخاطب بأحسن العبارة وأفضلها بما يتواءم ومقاصد المتكلم ، وأكثر ما يكون في عظائم الأمور ، وملحظ آخر في مدلول الخطاب هو أن طرفيه لا يقفان على أرضية واحدة من التفكير والاعتقاد أم قد يكون بينهما شيء من الخلاف وعدم الاتفاق* ، وبهذا المعنى يسعى الخطاب إلى تأسيس معتقد أو بناء تصور أو حسم خلاف أو غير ذلك مما يستدعيه الاعتقاد أو الاجتماع .

وبالرغم من الاختلاف الواضح بين النص والخطاب في الدلالة اللغوية ، لكننا لا نستطيع الوصول إلى تحديد قاطع بمجرد إيراد الدلالة اللغوية ولا يجوز الاكتفاء بالتحديدات المباشرة في التفريق بينهما لأنها تقتصر على مراعاة مستوى واحد ، ولذلك سنتطرق لبعض الفروق الأخرى  :

2/-مراعاة الحجم:

        لقد اُستخدم مصطلح " الخطاب " لدى بعض الألسنين على اعتباره الوحدة اللغوية المكتملة التي تمتد فتشمل أكثر من جملة ، هذا ويكاد يجمع كل الباحثين الغربيين على ريادة هاريس (harris  ) في هذا المضمار ، حيث حاول توسيع حدود الموضوع اللساني الذي كان قد توقف عند الجملة فجعله يتعدها ليشمل الخطاب  بأكمله ، ولذلك عرّف الخطاب من منظور لساني بحت بأنه : " ملفوظ طويل أو عبارة عن متتالية من الجمل ".[11]

وتم اعتبار النص وحدة من الخطاب وبينهما علاقة قوية – في نظرهم – من خلال أن الخطاب عبارة عن مجموعة من النصوص ذات العلاقات المشتركة، أي أنه تتابع مترابط من صور الاستعمال النصي يمكن الرجوع إليه في وقت لاحق.[12]

وهذا الرأي يحتاج إلى بسط القول فيه لأنه ليس من الصواب اعتبار النص مجموعة من الجمل تجاورت مكونة للنص ، وأن الجملة مجموعة من الكلمات ، فالاعتداد بالوحدات المادية المباشرة يؤدي إلى الابتعاد عن الخصائص النوعية والوظائف الفنية للنص ، فإذا كانت الجملة وحدة نحوية فإن النص ليس وحدة نحوية أوسع أو مجرد جمل أو جملة كبرى بل هو وحدة من نوع مختلف إنه وحدة دلالية لها معنى يتجسد في شكل جمل ، وهذا يفسر علاقة النص بالجملة ، إذ هذه الأخيرة مجسدة – في بعض الأحيان - للوحدة الدلالية التي يشكلها النص في موقف اتصالي ما .

وهذا ما يجعل النص غير قابل للتحجيم لأنه مبني من إرجاعات وأصداء ومن مراجع ثقافية قد تكون غامضة أو غير قابلة للرصد ، والنص كوحدة دلالية قد يتجسد في جملة واحدة وفي أقل من جملة أحيانا ، كما هو الحال في التنبيهات والعناوين والإعلانات التي تتكون غالباً من مجرد حرف واسم : مثل للبيع ، لا للتدخين ...وغيرها ، وبالتالي لا يوجد حد معين لطول النص فقد يكون – أيضا - كتابا بأكمله كما هو الحال في الرواية والمسرحية وغيرها ، فالنص  لا يتكون من مجرد جمل متتابعة وليس المقصود بتجاوز حد الجملة تجاوز الحد الشكلي أو الحجمي ، وإنما المقصود بهذا تجاوز ذلك إلى مستويات أعم وأشمل كالمستوى الدلالي والموضوعي والسياقي والتواصلي ...إلخ ،[13]والخطاب هو الآخر ليس محدداً بالكم ، يطول ويقصر بحسب مقتضى الحال ، وبحسب المقام ، وكما يصلح أن يكون جملة ، قد يكون كتاباً في عدد من المجلدات إلى غيرها من الخطابات الروائية التي تقع في عدد من الأجزاء ، [14]بل أن هناك من اعتبر كلمة  "نار" خطاب وذلك لتوفر شروط الخطاب وكأنه قال : ياأيها الناس أنذركم بالنار ...إلخ ،   وهذا يدل على أن الخطاب ليس له كم محدداً تحديداً صارماً 

3/-الكتابة والقراءة  : الخطاب تنتجه اللغة الشفوية بينما النصوص تنتجها الكتابة وكل منهما يتحدد بمرجعية القنوات التي يستعملها ، فالخطاب محدود بالقناة النطقية يبن المتكلم والسامع ، وعليه فإن ديمومته مرتبطة بهما لا يتجاوزهما ، أما النص فإنه يستعمل نظاماً خطيا وعليه فإن ديمومته رئيسة في الزمان والمكان .

وعليه إن ارتباط مفهوم النص بالكتابة والخطاب بالتلفظ مستوحى من نظرية دوسوسير في اللغة والكلام ، واللغة عنده مجموع كلي متكامل كامن ليس في عقل واحد بل عقول جميع الأفراد الناطقين بلسان معين ، والكلام هوفعل كلامي ملموس ونشاط شخصي مراقب يمكن ملاحظته من خلال كلام الأفراد وكتاباتهم  ، وهذا المفهوم مطابق لما جاء به تشومسكي في الكفاءة والأداء، فالكفاءة في نظره هي المعرفة اللغوية الباطنية للفرد والأداء هو الاستعمال الفعلي للغة في المواقف الحقيقية ،[15]  فالنص كلام إلا إنه يصدر عن ذاتيته النصية* التي عملت على أداءه والكلام آخر غير نصي هو كلام أيضا إلا أنه خطاب شفوي عمل الشخص على أداءه وإنجازه .

لكن في الثقافة الأدبية العربية لم يرتبط مفهوم النص فيها بالكلام ، كما هو الحال عند الغرب لأنها ثقافة شفهية – في بدايتها – تعتمد على السماع ولم تعرف الكتابة بشكل رسمي إلا مع تدوين القرآن الكريم ، ولما كان القرآن الكريم مكتوباً فهم السلف من المفسرين وغيرهم أن الكتابة تمثل مجموع الطرق الانتاجية والتحويلية للمكتوب ، ولذلك لم ينظروا إليها على أنها تثبيت للقول وإنما نظروا إليها على أنها إنتاج .

ولكن اعتبار أن الفرق بين "النص" و"الخطاب" قائم على أساس الكتابة أمر يحتاج إلى نظر ، ذلك أننا نجد أنفسنا إزاء عدد لا يحصى من الخطابات اليومية التي تمتد من الكلام الموجه إلى شخص بعينه إلى الخطابات المكتوبة التي يُعاد إنتاجها فتصبح شفوية[16] مثلا :

-خطبة ل علي بن أبي طالب ، تعتبر خطاباً لأنها كانت شفهية لحظة إنتاجها ، أصبحت نصاً لأنها حفظت في الكتب ، وفي الأخير قد تُصبح خطاباً إذا أُعيد الاستشهاد بها في خطبة أخرى.

ويمكن القول أننا إذا اعتبرنا النص كلام  تثبته الكتابة ، فهو إذا كلام كان بالإمكان قوله بالطبع لأننا نكتبه لا لعدم القدرة على ذلك ، ولكن السياق فرض ذلك ، فالتثبيت بواسطة الكتابة لا يجعل من الكلام نصاً ولا يُعفي من اعتبار كون النص في مراحله المختلفة خطاباً كالاستشهاد بالأمثال والحكم والأشعار ...إلخ .

4/-المستوى المرجعي : يتميز "النص" عن "الخطاب" في وعي كثير من الدارسين أن مرجع الخطاب خارجي مقامي، يتجلى هذا الأخير في شبكة العلاقات القائمة بالقوة أو الفعل بين أطراف العملية التخاطبية  ، أما مرجع النص فداخلي نصي أو نصوصي مقالي .[17]

ويُفهم من خلال هذا أن الخطاب يفترض وجود السامع الذي يتلقى الخطاب ، بينما يتوجه النص إلى متلقٍ غائب يتلقاه –أي النص – عن طريق عينيه  قراءةً ، أي أن الخطاب نشاط تواصلي يعتمد أولا وقبل كل شيء على اللغة المنطوقة ، بينما النص مدونة مكتوبة ، والخطاب لا يتجاوز سامعه إلى غيره لأنه مرتبط بلحظة إنتاجه ، بينما النص له ديمومة الكتابة فهو يُقرأ في كل زمان ومكان .

يبقى هذا الرأي صائبا في بعض جوانبه ، من خلال أن الخطاب يفترض وجود المخاطَب بحضرة الخطاب بحيث لا يمكن اعتبار المقامات الفردية التي يُمارس فيها الكلام خطابات مثل : القراءة بالصوت المرتفع وتقييد المواعيد أو المناجاة (وهي حوار الشخص مع ذاته)  ...إلخ ، حيث أن هذه المقامات وأشباهها يعوزها الطابع الاجتماعي ، حتى أن هذه المقاطع الكلامية تصلح أن تسمى مواقف فردية لا مقامات اجتماعية ، ولكن لا يمكن ربط الخطاب بالتلفظ والنص بالكتابة كشرط قاطع لأن النص قد يكون خطاباً ، والنص خطاباً  ، ويظهر هذا من خلال المثال الآتي :

المسرحية مثلا: باعتبارها تُمثل على خشبة المسرح يُفترض أنها – من هذا المنظور نصاً وخطاباً في آن معا وذلك من خلال :

-المسرحية خطابا :-من خلال وجود شخصيات وممثلين مشاركين في الحدث – إن وُجد – ومن خلال مخاطبة إحدى الشخصيات لشخصية أخرى .

-ومن خلال وجود مستمعين ومتفرجين وهم بمثابة المخاطَب الفعلي لهذه المسرحية .

-المسرحية نصا : من خلال أنها أُنتجت في البداية كلاما مدون على الورق .

-من خلال تدوينها وتعرضها للقراءة والتحليل والنقد، خاصة إذا كانت على شهرة عالية.

 ومن خلال اعتبار سياق النص مقالي وسياق الخطاب ومقامي يمكن القول إن السياق نوعان :

-السياق الصغير: ويُقصد به البيئة اللغوية المصاحبة للنص ، أو يقصد به أسلوبيا الكيفيات التي تتفاعل بها الكلمات فيبرز بعضها بعضا ويؤثر بعضها في بعض وهذا هو المقال ، وينضوي تحته السياق المعجمي والسياق الصرفي ، فتكون الكلمة –مثلا- في سياقها الصرفي حمّالة أوجه وهناك سياق التركيب ( كالجملة وشبه جملة ...إلخ ).

-السياق الكبير: ويتمثل في جملة المعطيات التي يستحضرها القارئ وهو يتلقى النص بموجب مخزونه الثقافي والاجتماعي .[18] أو هو مجموع الأشخاص التي تصاحب المقال سلباً وإيجاباً ثم العلاقات الاجتماعية والظروف المختلفة في نطاق الزمان والمكان .[19] وهو ما يستعمله مختلف الباحثين مطابقاً لمفهوم المقام .

وبالتالي جعل المقال مرتبط بالنص والمقام مرتبط بالخطاب ، يمكن الاعتراض عليه من خلال القول :

أن فهم النص – في أغلب الأحيان – بدون مقام لا يمكن لأن النص المنقول إلينا مقطوعاً من سياقه ومجرداً عن ذكر أحوال إنشائه وأسبابه يجعل منه – أي ذلك النص – نصاً غفلاً وبالتالي لا يمكن الاعتماد على عنصر المقال وحده في فهم النص، [20] حيث يجمع الدراسون على أن المقامية تتعلق بمناسبة النص للموقف ، ويُفهم النص في ضوء تلك المناسبة وهي تتضمن العوامل التي تجعل النص مرتبطاً بموقف سائد يمكن استرجاعه ، مثلا : النص القرآني أردك المفسرون والبلاغيون أهمية المقام في فهمه ، حيث فسّروا الآيات في ضوء مناسبتها للموقف .[21] على أنه يمكن الفصل بين النص وسياقه وهو افتراض ناتج عن نوع خاص من النصوص كبعض النصوص الأدبية ومعلوم أنها نصوص يغيب فيها السياق

أو يغيبها مؤلفيها تغييباً مقصوداً ، [22] ثم المقام يبقى ثابتاً والقراءات هي التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة وبتغير القراء وبتغير مفاهيم الحياة وهي تتغير أخيرا ، لأن اللغة طاقة خلاّقة والنص المُعبّر عنها يبني نموذجه ويلغيه في آن ، أو يقول شيئا ويعني شيئا آخر .

كما أن السياق المقالي مهم لفهم الخطاب لأن الخطاب القابل للفهم والتأويل هو الخطاب القابل لأن يوضع في سياقه ، مثلاً  : كثيراً ما يكون المتلقي أمام خطاب بسيط للغاية من حيث لغته ولكنه قد يتضمن قرائن ( ضمائر أو ظروف ) تجعله غامضا غير مفهوم دون الإحاطة بسياقه ، ومن ثم فإن للسياق المقالي دوراً فعالاً في تواصلية الخطاب وفي انسجامه بالأساس ، [23] كما أن تأويل الخطاب لا يتسنّى فهمه إلا بوضعه في سياقه التواصلي زماناً ومكاناً ومشاركين فيه أي مقاما ، يتحدد دور الأول في أن الكلمة لا يتحدد معناها إلا بعلاقاتها مع الكلمات الأخرى في السلسلة الكلامية ، ويبرز الثاني أوجه التغيرات التي تصيب المدلولات باختلاف المواقف التي تستخدم فيها الكلمات* .[24]

تركيب : يمكن التمييز بين "النص" و"الخطاب" باعتبار الأول بناء نظري والثاني مصطلح يطلق على كل كلام يخضع للملاحظة والمشاهدة على وجوده ، ويمكن اعتبار العلاقة بين النص والخطاب على النحو الآتي : النص يشّكل الخطاب والخطاب يحقق النص ، أو كما يرى سعيد يقطين –باحث مغربي –من أن الخطاب هو فعل الإنتاج اللفظي ، ونتيجته المسموعة والمرئية ، بينما النص هو محموع البنيات النسقية التي تتضمن الخطاب وتستوعبه أو بتعبير آخر الخطاب هو الموضوع المجسد أمامنا كفعل ،أما النص فهو الموضوع المجرد والمفترض ،أو الخطاب هو النص في حالة الفعل ،[25]  بالتالي قد يصبح النص خطاباً والنص يصبح خطاباً ، وهذا ما يجعل بعض النصوص العليا من الشعر والأمثال والحكم السائدة إضافة إلى خصوصيتها تحمل من الناحية الدلالية تشابهاً أو تطابقاً مع مواقف أخرى ، ولهذا تُضرب أو تورد للاستشهاد بها  فتصبح خطاباً ، لأن المستشهد –مثلا- بالمثل قطعاً لا يُسمع نفسه بل يقصد مخاطباً بعينه ، ولذلك يمكن التوفيق بين نص أو خطاب  ذائع الشهرة انقضى مقامه الأصلي الذي قيل فيه ، وبين مقام مشابه وكلما قوي التناسب بين المقال الشهير والمقام الطارئ كان ذلك من حسن الاستشهاد . [26]

 

الإحالات :

[1]- ينظر: عبد الواسع الحميري ، الخطاب والنص ( المفهوم ، العلاقة ، السلطة ) ، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،  بيروت ، لبنان ، ط1 ، 2008 م ، ص 05 .

2 - ينظر: محمد مفتاح ، تحليل الخطاب الشعري ( استراتجية التناص ) ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء المغرب ، ط2 ، 1986 م ، ص 120 .

3- ينظر : بول ريكور ، نظرية التأويل ( الخطاب وفائض المعنى ) ، ترحمة : سعيد الغانمي ، المركز الثقافي العربي ، المغرب ، ط2 ، 2006م ، ص 46.

4- ينظر : محمد مفتاح ، المرجع نفسه ، ص 120 .

5- ينظر : عبد الواسع الحميري ، المرجع السابق ، ص 120 .

6- ينظر : محمد مفتاح ، المرجع السابق ، ص 120 .

7- ينظر: نواري سعودي أ بو زيد ، الخطاب الأدبي من النشأة إلى التلقي ، مكتبة الآداب ، القاهرة مصر ، ط 1 ، 2005 م ، ص 15 .

8- ينظر : عبد الواسع الحميري ، المرجع السابق ، ص 178 .

9- ينظر : ابن منظور ، لسان العرب ، مكتبة دار المعارف  ، القاهرة ، دط ، 1979 م ، ج 13 ، مادة ( نص) ، ص 97-98 .

 10- ينظر: محمد الباشا ، الكافي ( معجم عربي حديث ) شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ، بيروت ، دط ، 1992 ، ص 414 .

 11- ينظر : سعيد يقطين ، تحليل الخطاب الروائي ( الزمن ، السرد ، التبئير )، المركز الثقافي العربي ، المغرب ، دط ، دت ، ص 17 .

12- ينظر: روبرت دي بوجراند ، النص والخطاب والإجراء ، ترجمة : تمام حسان ، عالم الكتب ، ط1، 1998 م، ص 01 .

13- ينظر : أحمد محمد عبد الراضي ، نحو النص بين الأصالة والحداثة ، مكتبة الثقافة الدينية ، القاهرة ، مصر ، ط1 ، 2008 م ، ص 57.

14- ينظر : عبد القادر شرشار ، تحليل الخطاب الأدبي وقضايا النص ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، دط ، 2006 م ، ص 43 .

15- ينظر: أحمد مومن ،اللسانيات ( النشأة والتطور ) ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، دط ، دت، ص123 ، 124 ،210.

16- ينظر: سعيد يقطين ، تحليل الخطاب الروائي ، ص 19 .

17- ينظر: عبد الواسع الحميري، المرجع السابق ،ص 175 .

18- ينظر: ردة الله بن ضيف الله الطلحي ، دلالة السياق ، جامعة أم القرى ، السعودية ، ط1 ، 1423 م ، ص 54 .

19- ينظر: ردة الله بن ضيف الله الطلحي ، المرجع السابق ، ص 592 .

20- ينظر : ردة الله بن ضيف الله الطلحي ، المرجع السابق ، ص 576.

21- ينظر: أحمد محمد عبد الراضي ، المرجع السابق ، ص 96 .

22-ينظر : محمد الشاوش ، أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية ، جامعة منوبة ، تونس ، ط 1 ، 2001 م ، ص 117 .

23- ينظر : محمد الشاوش ، المرجع السابق ، ص 165 .

24- ينظر : محمد الشاوش ، المرجع السابق ، ص 70.

25-  ينظر : سعيد يقطين ، انفتاح النص الروائي ( النص والسياق ) ، المركز الثقافي العربي ، المغرب ، ط2 ، 2001 م ، ص 16 .

26- ينظر : ردة الله بن ضيف الطلحي ، المرجع السابق ، ص 593.