حديث النهايات العقل التواصلي بديلا عن العقل الأداتي

 

                                                                                                                     أ/ حياة ذيبون

                                                                                                                      جامعة سطيف

ملخص:

      يناقش الموضوع حالة الإفلاس التي وقع فيها المشروع الحداثي ماجعله عرضة للنقد والتفكيك من طرف أنصار الحداثة أنفسهم. فهاهي الحداثة التي أشاعت الفكر التنويري ونادت بالحرية والتقدم والعقلانية، تقع في نقيض ما دعت إليه، فالمعلن حداثة وتنوير وعقلانية والمبطن، قهر واستلاب ولا عقلانية...

      لأجل ذلك كان على الحداثة أن تصحح مسارها وتراجع مقولاتها، وتكشف عن ميكانزمات جديدة من داخلها. فهل سنشهد تحولات جذرية تقود العقل إلى فتوحات الحرية والتقدم؟ وهل ستكشف الحداثة عن عناوين جديدة  تصحح من خلالها مسارها ؟ وهل ستعلن الحداثة أخيرا عن نهاية العقلانية الأداتية وتكشف عن ميلاد عقلانية جديدة تحقق التواصل الذي غيبته العقلانية الأداتية ؟ إذا كان ذلك كذلك، هل تملك العقلانية التواصلية أن تتجاوز الآثار السلبية للعقلانية الأداتية ؟ وما هي الضمانات التي ستقدمها العقلانية التواصلية حتى تضمن فاعليتها في ذاتها؟

 

RESUME:

      Le sujet a mis en débat le projet la modernité qu’elle a été  achevé . ce qu’il a été amené au critique et au déconstruction par les partisantes de la modernité eux même .

on voit que la modernité qu’elle a propagé  la pensé de la lumière, elle a interpelé   la liberté ainsi que le développement et la rationalité paradoxale. Contre tout ce qu’elle a réclamé.

      LE dit revoit à la modernité et à la lumière par contre le non dit enveloppe le non rationalité .

      LA modernité doit rectifier sa destination . Elle reformule ces catégories. Elle découvre des nouvelles mécanismes , pouvons-  nous être témoins de transformations raciales qu’elle a même la raison vers conquêtes libérales ? découvre-t- elle des nouvelles titres ? annonce-t-elle la fin de la rationalité éfficace.     

 

 

 

تمهيد : حديث النهايات مأزق أم حل لمآزق العقل؟

      إن المتأمل في المشهد الفكري في نسخته الحديثة والمعاصرة، يشد انتباهه حالة  التحول المتسارع في المشاريع الفكرية المعاصرة والذي تترجمه بشكل جلي عبارة ( حديث النهايات/ البدايات ) فمن نهاية الإنسان والتاريخ إلى نهاية المثقف، ثم نهاية السياسة والجغرافيا... وكلها عناوين تعكس حالة  اللاثبات التي تشيع في الفكر المعاصر، حتى غدا حديث النهايات/ البدايات في الفكر المعاصر ملمحا بارزا يعكس دينامية الفكر وقدرته على تجاوز يقينياته وتخلصه أخيرا من وهم الحقيقة المطلقة. الأمر الذي جعل المشتغلين في حقل المعرفة المعاصرة يعلنون نهاية مرحلة اليقين المطلق.

      وقد لا نغالي إذا قلنا: إن مبدأ التجاوز أهم مكسب حازه التفكير البشري عبر مراحل تشكله، فمنذ عصر الأنوار أفاق العقل من أسطورة الحقيقة المطلقة وأخذ يعيد النظر في التراكمات المعرفية السابقة، منتقدا إياها ثائرا عليها. فكانت النتيجة فكرا مختلفا عن سابقه، متجاوزا له. وعلى هذا الدرب واصل العقل البشري مسيرته في بناء المعرفة، فهو لا يفتأ يعلن مشروعا فكريا ويستأنس به حتى يرتد عليه ويبشر بآخر مغاير. فهل يعد حديث النهايات / البدايات مأزقا وقع فيه العقل لأنه أشاع حالة الشك واللايقين في المعرفة  أم أنه حل لمآزق العقل ؟

      لقد كانت المعرفة هاجس الإنسان مذ أوكلت إليه مهمة عمار الأرض، حمله الخوف من المجهول على البحث المستمر في خفايا الكون، وفي كل مرحلة كان الإنسان- بفضل حيازته ملكة العقل- يؤسس لمعرفة جديدة ويميط اللثام عن خبايا العالم مفيدا في ذلك من خبراته القبلية ومؤسسا لخبرات جديدة في اللحظة نفسها فكان الإنسان مشدودا إلى الثبات مرة وإلى التحول مرات أخرى. وقد مكنه هذا الوضع من اعتماد مبدأين أساسيين في بناء معارفه هما: التراكم أولا والتجاوز ثانيا. فبفضل التراكم المعرفي يتأتى للإنسان تثبيت معارفه وبفضل التجاوز يفتح نافذته لمعارف جديدة. وبهذا، يتأتى للمعرفة تصحيح مسارها، وللعقل تجاوز أغلاطه.

      لهذا، نتوقع أن حديث النهايات/ البدايات يأتي حلا لمآزق العقل، ذلك أن العقل البشري في جوهره محدود ونسبي لهذا فهو بحاجة بين الفينة والأخرى إلى مراجعة مقولاته وإعادة النظر فيما تراكم عليه من مصنع العقلانية. فكل حقيقة قبلية معرضة للنقض من طرف حقيقة بعدية. ولا يخص هذا الوصف المعرفة الإنسانية، بل يتعداها إلى المعرفة العلمية، فكم هي كثيرة تلك الحقائق العلمية التي كنا نظنها إلى وقت قريب حقائق مطلقة إلا أن العلم كشف زيفها. لهذا فالعقل بحاجة دائما إلى عقل ثوري همه تحرير العقل من يقينياته الجاهزة وفرض نظام من البدائل.

      ومع أننا نقر بأن التغير شرط ضروري؛ فالمشاريع الفكرية مثلها مثل الكائنات الحية، تولد، ثم تنمو وتزدهر وبعدها تتراجع ويخفت بريقها لتحل محلها أفكار جديدة، إلا أننا نشير إلى أن (( هذه المقولات حول النهايات والبعديات، لا تقرأ بصورة حرفية وساذجة، بوصفها قطيعات حاسمة وفاصلة بين أطوار من الوجود والعدم إذ الحاضر هو في النهاية ما قاد إليه الماضي، تماما كما أن المستقبل هو ما يمكن أن يقود إليه الحاضر[1] )) لهذا، فليس القصد من حديث النهايات/ البدايات القطيعة مع الماضي والتأسيس لحاضر لا يمت بصلة للماضي، كما أن نقد الفكر لا يعني (( تراجعا عن العقل ومكتسبات التنوير، بقدر ما هو انفتاح على المستبعد واللامعقول أو على المتغير والمجهول، أي على كل ما نفته الحداثة من فضائها، وجعلها تستنفد نفسها أو تبلغ مأزقها أو تشهد انفجاراتها [2] )) ولعل هذا القول يحملنا على إقامة حوار مع المشروع الحداثي لنتبين المستبعد فيه والمقصي والمهمش، ولنفتح نافذة على المغيب في الخطاب الحداثي. وحتى يتحقق ذلك ، ينبغي   (( النظر إلى العقل نظرة تفكيكية حتى نتمكن من تمثل أوجهه المختلفة، وفهم الأسباب العميقة التي أدت بالعقل – في المرحلة المعاصرة تمديدا- إلى السقوط في براثن اللاعقلانية [3] ))

      لأجل ذلك، يحاول البحث النبش في واحد من مآزق الحداثة وهو التعقيل الأداتي، ثم النظر في نظام البدائل الذي ستقدمه الحداثة لأجل تجاوز هذا المأزق. أي أن البحث سيشتغل على العقل التواصلي كبديل عن العقل الأداتي. فبعد النقد الذي وجه للحداثة جراء تكريسها الدوغمائية الأداتية، يلوح في الأفق مشروع بديل تمثل ((في العقل التواصلي الذي ينشط على تفعيل فعل التواصل ويرفض اختزال الظواهر وتبسيطها ويمارس دورا في اللعبة المعرفية تخص إمكانية تحقق الوجود من خلال انتشار فعل التواصل وتحقيق الحوار بين الأنا ( الفكر) والآخر ( العقلاني ) بمعنى أن هذا العقل هو محاولة للخروج من فلسفة الذات إلى فلسفة الحوار [4] )) فهل سنشهد ثورة تواصلية تختزل الممارسات القبلية وتبشر بعقلانية مختلفة؟  وما هي البدائل التي قدمها العقل التواصلي ؟

خطاب القيم في الفكر الحداثي

      الحداثة طريقة في التفكير، تقوم على الثورة على يقينيات الفكر بهدف تجديده ، لا تخضع للتحديد الزماني والمكاني، لهذا لا يمكن أن نحدد لها بداية بدأت منها أو نهاية تركن إليها، وقد ارتبطت الحداثة أكثر ما ارتبطت بعصر التنوير في التاريخ الأوروبي ، وهو عصر العلم والثورة على منطق الكنيسة مع أعلام الفلسفة التجريبية. فبفضل الجهود العلمية لكل من فرانسيس بيكون وغاليلو وجون لوك ودفيد هيوم، ودع العقل الغربي مرحلة العمى والظلام والقهر، كما استطاع العقل البشري تجاوز التفسير الأسطوري اللاهوتي للعالم - الذي فرضته الكنيسة ردحا من الزمن – وسن العلم التجريبي منطقا جديدا للمعرفة. وأخذ الاحتفاء بالآلة التي حلت محل الإنسان.

      وقد حققت ثورة العلم على الكنيسة فضاء من الحرية أضحت معه (( الطبيعة كتابا مفتوحا، بل كتاب الكتب الذي سيحل محل الكتاب المقدس، فغدت والحال هذه، أشكالا هندسية وحسابية يمكن الوقوف بوساطة التجربة والملاحظة عند عناصرها الجزئية وعلاقاتها الداخلية [5] )) وغاية إنسان عصر التنوير أن يمتلك الطبيعة ويصبح سيدا عليها بمعرفة أسرارها ومجاهيلها وخفاياها.

      وقد عمق العقل الغربي حداثته التجريبية بحداثة عقلية نصبت العقل إله الحقيقة دون حاجة إلى استعانة العقل بما هو خارجه . ضنا منه أن العقل أعدل قسمة بين الناس، وأنه معيار اليقين ، لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه. فغدت الحقائق تستند إلى روح الاستدلال والقياس والبرهان....وبالغ إنسان الحداثة في العقلانية ناسيا أو متناسيا ذلك الجانب المهم في الإنسان. ألا وهو جانب الروح.  فهل حقق هذا العقل حرية الإنسان الأوروبي المزعومة ؟ هل أعادت الحداثة  للذات الغربية قيمتها المسلوبة منها بفعل الإقصاء الذي مارسته الكنيسة عليها ؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون وهما سرعان ما تفيق منه الذات الغربية .ثم وهل سيؤول العقل إلى اللاعقلانية ؟

      يطالعنا الفكر الحديث بتصور جديد للإنسان وللعالم والقيم، كانت نتيجته ذلك التحول الجذري الذي مس المرتكزات الأساسية للإنسان وقد بلغ هذا التحول مداه حتى غدا (( من السهولة بمكان إدراك أن عصرنا هو عصر ميلاد وتحول إلى مرحلة جديدة، حيث نجد أن الفكر قد قطع صلته بما كان سائدا في مستوى الوجود وفي مستوى التمثل أيضا وهو يستعد لرميه في أعماق الماضي وبناء تصور جديد للعالم[6] ))

      وأول ملمح من ملامح هذا التحول نستشفه جليا في ذلك التغيير الجذري الذي مس قيمة الإنسان وقداسته  فبعد أن كان الإنسان ذلك الكائن السماوي المقدس، الذي يملك الحقيقة بفضل حيازته العقل، والذي يحمل رسالة عمار الأرض، نجده يفقد قداسته مع أول ثورة فكرية للقرن التاسع عشر، بظهور كتاب أصل الأنواع لداروين هذا الكتاب الذي أفرغ الإنسان من كل انتماء ديني وتاريخي وحضاري وجعل منه مجرد ثدي متطور من سلالة أقدم من فصيلة الرئيسيات. وتوالت بعدها الصدمات الفكرية التي مست جوهر الإنسان وعبثت بآخر مقدساته، إذ نجد كانط بفلسفته المثالية يفصل بين الدين والعقل عند الإنسان ويقيم فلسفته الأخلاقية على المثالية العقلانية بدل الدين. يليه نيتشه بقتله الإله وتنصيب القوة إلها جديدا، ليصير مصير الإنسان بيده، شعاره فلسفة القوة، وانتظار ميلاد الإنسان الأعلى. وأخيرا وليس آخرا، يفاجئنا عالم النفس فرويد بصدمة جديدة مفادها أن الإنسان لا يعي كل سلوكاته، فهناك جانب لا شعوري في الإنسان يوجهه ويحكم جانبا كبيرا من تصرفاته وسلوكاته.[7]

       لقد كانت هذه الأفكار بمثابة منعرج في تاريخ الفكر البشري، بحيث أضحى العقل يثور بين الفينة والأخرى على ثوابته، وينزاح عن مقولاته، فأضحى الشك أهم سمة للعقل في نسخته الحديثة (( وفي هذه الحالة لا تعود الحياة الإنسانية سوى مدار لعب...نظرا لعدم وجود قيمة عليا موجهة للعمل [8] )) ما أدى للشك في كل يقين موضوعي، فلا وجود لشيء مقدس وآخر مدنس، أو قيمة صحيحة وأخرى خاطئة، فكل القيم مقدسة مدنسة في آن وكلها صحيحة خاطئة في آن (( فإذا كنا لا نؤمن بشيء، وإذا لم يكن هناك معنى لأي شيء وإذا كنا لا نستطيع تأكيد أية قيمة، أصبح كل شيء ممكنا، ولا أهمية لأي شيء. لا يعود هناك إذن ما يؤيد وما ينافي [9]  ))

      إن المتأمل في المشهد الحداثي الغربي يلحظ المفارقة العجيبة بين المقول المعلن والمتحقق الواقعي فالمعلن تنوير وحرية والواقع تيه ويأس وعبثية وعدمية وسوداوية. فالإنسان لم يعد ذلك الكائن السماوي المقدس، ولم يعد يحمل قيمته في ذاته. وكأن قدر هذا العقل أن يتخبط في نظام من البدائل لا يسمن ولا يغني من جوع. يحطم أصناما لينصب أخرى جديدة تزيد في ضياعه وغربته. وإذا كان الفيلسوف الألماني كانط قد أقر أن الدين لا يجب أن يكون حجر عثرة أمام العقل، فإن المقابل أن المغالاة في استخدام العقل سيؤدي حتما إلى المساس بالدين الذي يعد أهم أساس يحفظ للإنسان توازنه.

العقل الأداتي مأزقا

      العقلانية مبحث متجذر في الفلسفة وأصل أصيل فيها، فالفلسفة- ومنذ بواكيرها الأولى- جعلت العقل والعقلانية أولى اهتماماتها. والعقلانية بدورها كانت وما تزال مبحثا ديناميا. لأن العقل في حراك دائم يسير في حركة لولبية نجهل نهايتها. فهو لا يفتأ يعلن عن افتراضاته حتى يثور عليها. ويعلن عن أخرى ... وهكذا . فمن العقلانية اللاهوتية التي ارتبطت بالكنيسة إلى العقلانية التنويرية التي ارتبطت بعصر الأنوار، فالعقلانية الأداتية التي كانت نتيجة من نتائج  التكنولوجيا والابتكارات التقنية. هذه الأخيرة التي توسم فيها الإنسان الخير العميم لأنها في ظنه العتبة التي سيدخل بها صرح الكونية والعالمية . فهل حققت العقلانية الأداتية للإنسان الحرية والتقدم الذي ظل يلهث بحثا عنهما؟

      إن البحث في هذا السؤال سيقودنا حتما إلى مساءلة المشروع الحداثي الذي تسبب في تكريس العقلانية الأداتية. هذه الأخيرة التي غيرت وجه العالم بما حققته من ثورة تقنية ومعلوماتية لا قبل للعقل بها. ومع أن إنسان الحداثة حفل في بداية الأمر بهذا الوضع الجديد، وكان شبه موقن بأن الأداتية هي الفردوس التي ظل العقل يهيم بحثا عنها، إلا أن الواقع قد كسر هذه المسلمة، بل وأثبت نقيضها. فإذا كانت العقلانية الأداتية في جانبها التقني قد فتحت للإنسان فضاءات جديدة للحياة، فإنها شكلت بالمقابل مأزقا في الفكر وخيبة جديدة تضاف إلى سابقاتها.

 لقد قضت العقلانية الأداتية على جانب الابتكار والإبداع في الإنسان كما عمقت فيه نزعة حب الثروة (( ولهذا العقل- أي عقل الثروة- خطورة كبيرة في سياق التقدم المعرفي والثقافي. لأنه يستخدم منفذا لبرامج توجيهية محكمة طبقا لمقدار ارتفاع المؤشر المالي. وهو بهذه الصورة سيسلك منافذ شتى من قمع وكبت واستبداد وقتل للحريات. في سبيل الوصول إلى ما حدد له في تلك البرامج التوجيهية التي تقتضي كون الإنتاجية ومردوداتها هي الغاية في ذاتها حتى وإن كانت على حساب إنسانية الفرد، أو الأخلاق والقيم [10] ))

      وبهذا، وقعت العقلانية الأداتية في براثن اللاعقلانية، فضلا عن تراجع قيمة الإنسان المؤنسن وميلاد الإنسان ذي البعد الواحد. وهنا نتساءل عن جدوى فلسفة الأنوار وعن جدوى عقلانية القرن الثامن عشر     إذا كانت نتائجها خلق وسائل جديدة لاستعباد الإنسان والحد من حريته؟

      لقد جر الإيمان المطلق بفاعلية العقل والمبالغة في استعماله إلى ويلات وخيبات لا تعد ولا تحصى وهاهو إنسان الحداثة يتجرعها الواحدة تلوى الأخرى. ونشير هاهنا أننا لا نوجه أصابع الاتهام إلى العقل     أو إلى التنوير، بل إلى المبالغة في التعقيل التي قادت إلى مآزق فكرية ووجودية عبثت بجوهر الإنسان وماهيته. فلا عجب إذن أن تفقد الحداثة مصداقيتها، ولا عجب أن تستحيل المشاريع المتعلقة بالتنوير والتقدم والحرية والأنسنة حكايا نتداولها كلما شدنا الحنين إلى الخلق الأول. لتبقى هذه الحكايا ذكرى جميلة عن وواقع مستحيل. لكن بمجرد أن نفيق يواجهنا الواقع بكل تأزماته . ذلك أن الإنسان أصبح (( بالنسبة للعقل الأداتي والتقنية شيئا ثابتا وكميا، يفتقر إلى إمكانياته الخاصة، وقد لجأ هذا العقل إلى فرض المقولات الكمية على الواقع، وإخضاع جميع الوقائع والظواهر للقوانين الشكلية والقواعد القياسية، ليتسنى له التحكم بالوقائع من جهة، وليعمل على الحفاظ على بقاء الذات وهيمنتها وتفوقها من جهة أخرى، ويقود هذا التوجه إلى سقوط العقل الأداتي في اللازمنية واللاتاريخية، والسقوط في نوع من النسبية المعرفية، والأخلاقية الجمالية[11] ))

      هذا ما يحملنا على القول: إن المشروع الحداثي أعلن إفلاسه أخيرا لأنه ببساطة قضى على الجانب الروحي في الإنسان وغيب القيم واحتفى بالمادة، لهذا كان لزاما على أنصار الحداثة أنفسهم أن يضعوا الحداثة على طاولة النقد والتشريح. فالعقل الأداتي - في مجال العلم والتكنولوجيا والعقل الموضوعي - في مجال العقلانية -  قادا الإنسان الأوروبي إلى إشكالات فكرية ووجودية لا تقل خطورة عن تلك التي رسختها الكنيسة حيث أضحى الإنسان مفرغا من جانبه الروحي(( ذلك أن العقل الأداتي عقل براغماتي يتلخص همه الوحيد في إنتاج النجاح، أو على الأقل ما يساعد على الوصول إلى ذلك دونما اكتراث بمضمون ما ينتجه أو بقيمته [12] )) فهل قدر الإنسان الأوروبي أن يعيش التيه الفكري والضياع الروحي؟

      لقد أوقع عقل الحداثة العقل في مطب، فالعقل نفسه أخرج من عباءته اللاعقل ، والعقل الذي نادى بقيمة الإنسان هو نفسه من أفرغ الإنسان من محتواه الروحي، فهل يعيش العقل مرحلة تحطيم ذاتي (( تجعلنا نتساءل كيف تحولت هذه الآلة العظيمة – التي أنتجت فلسفة كانط وفلسفة التنوير وغيرها – في الوقت الراهن إلى مجرد آلة صماء ، عاجزة عن الفهم وعن النقد الموضوعي للواقع وللمجتمع في آن واحد ، فلا هو ارتقى بالواقع إلى مستوى العقلنة، ولا هو حافظ على معناه التقليدي الذاتي، من هنا اختلت المعادلة بين العقل والواقع  بين العقل والذات المفكرة [13] )) لكن هل تجعلنا خيبة الأمل التي تجرعها إنسان الحداثة نعرض صفحا عن العقل التنويري ونعلن القطيعة معه؟ يجيبنا علي حرب عن هذا السؤال قائلا: (( إن نقد العقل التنويري لا يعني التراجع عن العقلانية والاستنارة، على ما يفكر بسذاجة مقلدو الحداثة والمعترضون على إخضاعها للنقد، أي الحارسون لضعفهم والمتشبثون بقصورهم العقلي، وإنما يعني استخراج إمكانيات جديدة للتفكير، بالانفتاح على ما كان مستبعدا أو مجهولا من جوانب الحياة ومناطق الوجود، وبصورة تتيح صياغة عقلانيات جديدة تتسع لما ضاقت به العقلانيات الحديثة [14] )) إذن فالعقل في نسخته الأداتية فقد وظيفته التقليدية وعجز على النهوض بمشروع الحداثة  فهل سيراجع العقل مقولاته ويخرج من عباءته عقلا نيرا مسؤولا ؟

العقل التواصلي بديلا

أ‌-        مدرسة فرانكفورت وآلية النقد

      ينتمي هابرماس لمدرسة فرانكفورت النقدية، ويعد أحد روادها البارزين ، وقد أضحت مدرسة فرانكفورت – بفضل جهود أعلامها – محط اهتمام عديد الباحثين الذين راحوا يتتبعون عن كثب مؤلفات روادها ، نظرا لما اتسمت به من جدة في طرح مشكلات المعرفة  ومساهمتها في وضع لبنة أساسية لفكر ما بعد الحداثة. ولم يقتصر جهد رواد المدرسة على حقل معرفي دون آخر، فكانت اهتماماتهم شاملة لجميع التخصصات إيمانا منهم بأن أسطورة المفاضلة بين العلوم لا تجدي نفعا.

       وقد شكلت مدرسة فرانكفورت علامة فارقة في العقلانية الغربية بقراءة مشروع الحداثة وإبداء موقف منه. و نقد الأنظمة المهيمنة على الثقافة الغربية ، واتخذت من النقد منهجا لها فاصطلح على نظريتها   النظرية النقدية التي تنماز عن النظرية بمعناها التقليدي. ونتيجة للادعاءات المتوالية حول نهاية الفلسفة وعجزها عن التغيير. رأى رواد المدرسة ضرورة الكشف عن ميكانزمات جديدة للفلسفة تضمن لها المحافظة على مكانتها بين العلوم، (( ومن أهم هذه الميكانزمات...نجد مفهوم النقد الذي تسعى الفلسفة من خلاله إلى تجديد منهجيتها المستخدمة في نقد معطيات العلوم المعاصرة نقدا تحليليا عقلانيا، ليصير هذا المفهوم ذاته مفهوما فلسفيا أصيلا مهمته العمل على تجديد دورة حياة الإنسان المعاصر، بخاصة وأن واقعه يطرح صورة قاتمة لكائن محاصر بتناقضات الذات والهوية، وإرهاقات الحياة اليومية وصعوباتها القاتلة.[15] ))

    وانطلاقا من آلية النقد التي تبناها أعلام مدرسة فرانكفورت، يأتي عمل هابرماس محاولة لبحث إشكاليات الحداثة ونقد العقل الأداتي الذي كرس مظاهر التقنية والتقدم الصناعي، حيث يرى هذا الفيلسوف أن العقل الأداتي بتكريسه لمظاهر التقنية والتقدم الصناعي، يكون قد قضى على إنسانية الإنسان ، فالتقنية أضرت الإنسان أكثر مما نفعته ولا أدل على ذلك من مظاهر الاغتراب في (( المجتمعات الرأسمالية والصناعية القائمة على الشمولية والعقلانية التقنية التي تتباهى بسيطرتها، بل بتملكها للطبيعة، إلا أن نتيجتها المباشرة كانت تشييء الإنسان وتقييده والحد من تطلعاته في الحياة الحرة المبدعة السعيدة [16] )) فالتقنية وفق ما ذهب إليه هابرماس أخلت بالفعل التواصلي السليم المبني على التشارك والحوار بين الذوات، وأحلت محله التواصل التقني الذي شوه إنسانية الإنسان وعبث بالجانب الروحي فيه، وقضى على روح الإبداع عنده، وزاد رأس المال في اتساع الهوة بين أفراد المجتمع الغربي، وتقلص العلاقات الإنسانية حد التجمد. وشاعت النزعة الذاتية بدل روح الحوار والتواصل. وهنا تكمن المفارقة، ففي زمن لا نهائية وسائل الاتصال، نلاحظ انعدام التواصل وما هال هابرماس من كل هذا أن التقنية لا تعد حالة عرضية سرعان ما يتجاوزها العصر، بل إن خطرها في تزايد مستمر(( بتعزيز السيطرة المفروضة على الأفراد العاملين بالخصوص، إذ ونتيجة للضغط الممارس على هذه الطبقة بدأ موقفها يتراخى ولم تعد تمثل ذلك النقيض الحي للمجتمع الصناعي...ذلك أن التقنية تسعى بشكل دؤوب إلى خلق إنسان جديد، هو إنسان البعد الواحد: إنسان يمثل الاستهلاك الاستفزازي حده الأقصى حتى ليصير شعاره "" أنا أستهلك إذن أنا موجود"" [17] ))

      وقد هال هابرماس ما وصل إليه إنسان المجتمع الصناعي من ضياع، وشتات ونزعة ذاتية، وأمراض اجتماعية وفكرية ووجودية لا تعد ولا تحصى، فدعا إلى عقلانية جديدة تروم الحوار والتواصل بين الذوات وتعيد للإنسان إنسانيته الضائعة.

ب‌-     : تداخل الفلسفي والاجتماعي في المشروع التواصلي

      تأتي أفكار هابرماس مبشرة بمرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة، ففي كتابه: نظرية الفعل التواصلي يؤسس هابرماس لعقلانية جديدة اصطلح عليها العقلانية التواصلية والتسمية تنبئ بالهدف المتوخى من فلسفة هابرماس، فبعد وقوفه على مآزق العقل الأداتي، نجده يتجاوزه إلى عقل تواصلي ينشد التواصل بين الذوات هدفا. وتأتي محاولة هابرماس في إرساء دعائم مشروع تواصلي/ تذاوتي تكملة لمحاولات سابقة. فالتواصل كان ولا يزال (( يشكل هاجسا نظريا وفكريا راهنا، بل إن راهنيته في صيرورة لا متوقفة، لأن أساليب وقنوات التبادل الإنساني تتجدد باستمرار لا سيما في زمن الثورة التكنولوجية التي جعلت من العالم قرية تلتقي فيها كل الأجناس وتتواصل فيها كل الثقافات واللغات والتجارب. لذلك فإن التواصل لا يمكن حصر تحركاته داخل مجالات اللغة باعتبار أن الزمن المعاصر خلق وساطات وقنوات كثيرة توفر للإنسان إمكانيات تواصلية لا حصر لها وتسعفه من إنتاج زمنيته الخاصة [18] ))

      لكن، قبل الخوض في نظرية الفاعلية التواصلية عند هابرماس، شد انتباهنا الموسوعية المعرفية التي تميز بها هذا الفيلسوف، فحتى يقيم دعائم نظريته في التواصل نجده يستعين بأكثر من علم وأكثر من تخصص فحق أن نسم فكره بالموسوعي. ويأتي هذا الفعل تتويجا وتتمة لما كان قد باشر به رواد مدرسة فرانكفورت فكما أشرنا في موضع سابق، سعت المدرسة إلى تجديد السؤال الفلسفي بربطه بالفعل النقدي. وقد جاء جهد هابرماس حلقة وصل مع هذا التراث فما كان منه إلا أن عمل على ((  استثمار البعد الفلسفي الكامن في العلوم الاجتماعية وتدعيم النظر الفلسفي النقدي بنتائج هذه العلوم [19] )) سعيا منه إلى إحلال التضافر بين العلوم وإذابة الحواجز بين التخصصات  بحيث لم يعد الحديث عن استقلالية العلوم بعضها عن بعض أو المفاضلة بين علم وآخر يجدي نفعا، لأن المعارف تتداخل ويفيد بعضها من بعض. وهو ما يعكسه المشروع التواصلي عند الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس ، الذي أسس دعائم نظريته التواصلية على الدمج   بين الفلسفة وفروع المعرفة الاجتماعية من اللسانيات وعلم الاجتماع وعلم النفس ... وغاية هابرماس من وراء    هذا هو الجمع بين الميتافيزيقي والدنيوي في زمن كثرت فيه الحكايات عن مأزق الفلسفة وتعالت فيه الأصوات مبشرة بنهاية التفكير الفلسفيإذ (( من بين المشاكل التي تواجه الفلسفة هو أنه في الوقت الذي امتلكت       فيه العلوم التجريبية والإنسانية موضوعاتها بقيت الفلسفة بدون موضوع، ذلك أن القول بأن الفلسفة هي تساؤل   عن الإنسان والمجتمع والطبيعة والتاريخ قول لا يصمد أمام الملاحظة، لأن للإنسان علومه وللمجتمع علومه وللطبيعة علومها وللتاريخ مباحثه. ماذا بقي إذن للفلسفة؟ هل صفة التساؤل وحدها كافية لنعت تفكير ما بأنه فلسفي؟ أم أن الفلسفة تفترض إضافة إلى شرط السؤال، مقاييس أخرى تتفرد بها؟ [20] ))

      يرى هابرماس أن الفلسفة لن تستعيد عافيتها إلا بتخليها عن إرثها النخبوي وانخراطها في  لعبة الحياة ولن يتأتى لها ذلك إلا إذا مدت صلات القرابة بينها وبين المجتمع حتى تشارك في فحصه وإعادة تشكيله، وفي معادلة شبيهة بمعادلات المنطق يطالعنا هابرماس برؤية جديدة تجمع الميتافيزيقي بالدنيوي((فالفلسفة تقتضي القوة في وصف الواقع وتحليله، وعلم الاجتماع يحيل هذه القوة في التفكير على الواقع وتربطه به، لأنه لا حاجة بنا إلى فكر لا يعتمد الواقع كمنطلق له، أما بخصوص اللسانيات وعلم النفس فيشتغلان على اللغة بوصفها الوسيط الرمزي بامتياز الأمر الذي من شأنه تعزيز قدرات الفرد في الكشف عن مكامن العطب والزيف في ذاته وفي الآخر[21]  )) وبهذا يساهم هابرماس في التأسيس لفلسفة وضعية تمتد جذورها في المجتمع، تقارب الظواهر الاجتماعية وتتفاعل مع الإنسان في حالاته التواصلية اليومية .وإذا كانت الفلسفة تؤسس للمفهوم، فإننا لا نتبين صلاحيته إلا إذا عرضناه على الواقع، وهنا يأتي دور علم الاجتماع الذي يحول المفاهيم النظرية إلى أدوات إجرائية في فحص الواقع . لكن السؤال الجدير بالطرح هو هل سيؤسس هابرماس تواصليته على المفهوم التقليدي للغة الذي يحصر اللغة في سجن التراكيب النحوية والتركيبية والدلالية؟ و هل سيظل مدلول اللغة محصورا في البيان والوصف والتخييل؟ وكيف سيؤول الخطاب في المشروع التواصلي عند هابرماس؟

ج- الكفاية التواصلية بديلا عن الكفاية اللغوية

      كان الاهتمام باللغة اهتماما عرضيا يقتصر على الأبعاد الصوتية والصرفية والدلالية والتركيبية، لا يتجاوز حدود الجملة، وحتى ينهض هابرماس بمشروعه التواصلي أضفى على اللغة طابعا تداوليا جعل منها  ظاهرة خطابية وتواصلية واجتماعية ترتبط بالبعد التداولي البراغماتي الاستعمالي.

وحتى تتحقق لنظرية الفاعلية التواصلية غايتها في إحلال مبدأ التواصل بين الذوات، يفيد هابرماس من العطاءات الفكرية واللسانية والفلسفية لكل من شارلز موريس، والفيلسوف الألماني فريجه وفتجنشتين          و رودولف كارناب، آرل أوتو آبل وغيرهم. ونشير أن هابرماس استفاد من هذا التراث بقدر ما أفاد. من خلال تلك الإضافة الفذة في علوم اللغة. فإذا كانت اللسانيات التقليدية حصرت اللغة في تلك المقاربات المعجمية والدلالية والتركيبية...، فإن هابرماس تجاوز هذا التقليد. إذ عني بدراسة البعد التداولي للخطابات سعيا منه إلى إرساء دعائم مشروعه في التواصل.

فهابرماس رفض النظرة الجزئية للغة التي فصلت اللغة عن وظائفها المعرفية والتواصلية وسعى إلى الكشف عن البعد التداولي للغة. من هنا تلعب اللغة في مشروع هابرماس التواصلي دور (( الوسيط الرمزي للنفاذ إلى أعراض الأمراض الاجتماعية وتحقيق التواصل والحوار الذي ينطلق من الذات إلى التذاوت، لأن اللسانيات باعتبارها تجعل من اللغة موضوعا لتأملاتها ليست مجرد قواعد نحوية تحكم المفردات وآلية الجمل، إنما تكفل التواصل عبر الحوارية وتسهل الوصول إلى حقائق متفاهم بشأنها بين الناس وتخرج عن كونها حاملة لأخبار أو ناقلة لأفكار، فالتواصل فيها يفوق الاتصال، فكل الأطراف فيها أي أطراف المحاورة تجني تبادل الرمز وتستعرض الحياة بأسلوب متفاعل وستكون النتيجة في الأخير هي تحقيق آليات الاندماج والتواصل في المجتمع، باللجوء إلى الشروط العقلانية والأخلاقية التي تجعل من الحوار ممكنا، فهو الضرورة المرحلية للإنسان في مجالات حياته المتنوعة في البيت والعمل ومع النفس ومع الغير[22] ))

فهابرماس يسعى إلى الوصول إلى حوار وتواصل طبيعي يعود بالإنسان إلى طبيعته الأولى. فمن خلال نموذج التواصل يسعى هابرماس إلى بعث النموذج الإنساني الأول، حيث كان التواصل طبيعيا لا يحتاج إلى وسائط  فوحدها اللغة وسيطا .وكأني به يريد أن يعيد للإنسان إنسانيته المفقودة التي عبثت بها التقنية والمادية. من خلال التفاعل اللغوي الإيجابي بين جميع الذوات. ومن ثم فالتواصل تصنعه جميع الذوات دون إقصاء أو تهميش. ودون ضغط أحد الطرفين على الآخر. لكن هل تكفي الكفاية التواصلية وحدها في إنجاح التواصل المثالي الذي  دعا إليه هابرماس؟

د- الأخلاق رهان العقل التواصلي

      يفترض هابرماس شرطا آخر لنجاح مشروعه التواصلي هو العنصر الأخلاقي. فحتى يكون التواصل سليما، يجب أن يكون أساسه أخلاقيا. وعليه يفترض هابرماس بدءا وجود اتفاق بين المشاركين في عملية التواصل. والاتفاق (( يعني بأن الأشخاص المعنيين يقبلون صلاحية معرفة ما، أي قدرتها على الإلزام     التذاوتي [23] )) فحتى يصل التواصل إلى غايته المنشودة يفترض هابرماس وجود معرفة مشتركة متفق حول صدقها بين الأطراف المتواصلة والتي بفضلها يحصل الاتفاق. ونشير ههنا أن الاتفاق يحصل بعيدا عن أسلوب التأثير لأن التأثير يعني أن أحد الأطراف في العملية التواصلية سيمارس ضغطا معنويا على طرف آخر، وهذا مناف للمبدأ الأخلاقي. أما الاتفاق فمصدره القناعة والرضا والقبول بين جميع الأطراف دون ضغط أو فرض .

وبالإضافة إلى مصطلح الاتفاق، يدعم هابرماس  مشروعه التواصلي بمصطلح آخر هو التفاهم. فالمتحدث مطالب (( بحقيقة الملفوظات أو القضايا من حيث الوجود، وبدقة الأفعال المنظمة بطريقة مشروعة وبسياقها المعياري وبصدق تمظهرات التجارب الذاتية [24] )) وكما هو مبين في القول، فإن شروط التواصل محكومة ومضبوطة بعنصر الأخلاق. فالأخلاق هي البؤرة المهيمنة في المشروع التواصلي الهابرماسي وكل العناصر مشدودة إليها. فإذا أراد القائم على التواصل خلق نوع من التفاهم، يشترط أن يكون ملفوظه صحيحا، وفعله دقيقا وصالحا – فالعلاقة تلازمية. فكلما كان الملفوظ صحيحا ترتب عليه فعل دقيق –

وبهذا، استطاع هابرماس أن يقيم مزاوجة بين عالم اللغة وعالم الموجودات، فكلما كانت اللغة صادقة ودقيقة كلما تحقق التعايش بين الذوات على أرض الواقع (( إذن فمقولة الفعل التواصلي تحقق تفاعلا رمزيا، هذا التفاعل يكون حسب معايير صالحة إلزاميا تحدد توقعات سلوكات متبادلة يجب أن تفهم ويعترف بها من قبل ذاتين فاعلتين على أقل تقدير، والمعايير الاجتماعية تزداد قوة من خلال التوافقات على معناها بتموضع في التواصل عبر اللغة المتبادلة، في حين تتعلق صلاحية القواعد التقنية والاستراتيجيات بصلاحية القضايا الصحيحة تجريبيا والدقيقة تحليليا، أما صلاحية المعايير الاجتماعية فهي تتأس فقط في مشاركة التفاهم حول المقاصد. وتتأكد عبر الاعتراف العام بالالتزامات [25] ))

      هي دعوة إذن من الفيلسوف وعالم الاجتماع المعاصر يورغن هابرماس إلى إحلال ثقافة الحوار والتعايش والتواصل بين جميع الفئات والطوائف، في عصر كثرت فيه الطائفية والطبقية، وتباين الإيديولوجيات. فما أحوجنا إذن إلى فكر مختلف يؤمن بالكونية والعالمية ويجعل الحوار سلوكا اجتماعيا يوميا ونمط معيشة وطريقة تفكير.

      ونجاح التواصل متوقف أولا وأخيرا على الذات الفاعلة، فكلما استوفت شروط التواصل بالشكل الذي دعا إليه هابرماس في نظريته في الفعل التواصلي، تحقق التواصل الإيجابي .   

خاتمة:

      ختاما نقول:إن الفكر النير والرؤية الثاقبة التي تميز بها فكر هابرماس خوله نقد مشروع الحداثة وتصحيح مساره، وفرض نظام من البدائل في الخطاب الفلسفي المعاصر ينشد الحوار والتواصل بين جميع الذوات والطوائف.

      لقد عمل هابرماس على نقد العقلانية الأداتية التي غالت في التقنية والتقدم الصناعي على حساب إنسانية الإنسان، وبالمقابل أحل العقلانية التواصلية مشروعا بديلا في مزاوجة عقلانية متبصرة تجمع التأمل الفلسفي المجرد والتحليل السوسيولوجي التجريبي .

      وبرغم أن عديد القراءات التي خص بها المشروع التواصلي عند هابرماس بصفة خاصة وفكر مدرسة فرانكفورت بصفة عامة، ترجع السبب في دعوة هؤلاء إلى تجاوز الحداثة والدعوة إلى التواصل، إلى الأصل اليهودي لأغلب فلاسفة فرانكفورت، فبالنظر إلى حياة التشتت والاغتراب الروحي التي عاشها اليهودي سارعت عديد القراءات إلى الربط بين النتاج الفكري والانتماء العرقي لرواد مدرسة فرانكفورت. ضنا منها أن نتاجهم الفكري ما هو إلا ردة فعل عن حياة اجتماعية مريرة. انطلاقا من مقولة : فقدان الشيء واقعا يؤدي إلى استحضاره كتابة .

      ومهما يكن من أمر انتمائهم العرقي، فإن الأكيد أن مدرسة فرانكفورت استطاعت أن تقدم للفكر المعاصر فتوحات على صعيد التأمل الفلسفي والمسح السوسيولوجي وأن نظرية التواصل لها الفضل الكبير في دعوة العقول إلى العودة إلى الأخلاق. فما أحوجنا إذن إلى فكر مختلف يؤمن بالكونية والعالمية ويجعل الحوار سلوكا اجتماعيا يوميا ونمط معيشة وطريقة تفكير....



[1] - علي حرب: حديث النهايات فتوحات العولمة ومأزق الهوية، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط2،2004، ص 167

[2] - المرجع نفسه، ص168.

[3] - عمر مهيبل : من النسق إلى الذات ، منشورات الاختلاف/ الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر/ بيروت، ط1، 1428ه- 2007م، ص 115

[4] - عبد الله إبراهيم: المركزية الغربية إشكالية التكون والتمركز حول الذات ، سلسلة المطابقة والاختلاف (1) ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ط1،1997، ص 385

[5] - عبد الغني بارة : إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر مقاربة حوارية في الأصول المعرفية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1 2005، ص 49

[6]- عمر مهيبل : من النسق إلى الذات ، ص 129 .

[7] - ينظر: سفيان زدادقة : الحقيقة والسراب قراءة في البعد الصوفي عند أدونيس مرجعا وممارسة، ، منشورات الاختلاف الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر/ لبنان، ط1، 1429ه- 2008م، ص 27

[8] - ألبير كامو: الإنسان المتمرد، ترجمة نهاد رضا، منشورات عويدات، بيروت، ط3، 1983، ص10

[9] - المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

[10] - محمد رمضان بسطاويسي: علم الجمال لدى مدرسة فرانكفورت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ط1، بيروت 1998، ص 15، نقلا عن محمد سالم سعد الله: مدرسة فرانكفورت النظرية النقدية وفلسفة النص،مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية ، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية ، سطيف ، ع 09 ، 2009 ، ص 167

[11] -  محمد سالم سعد الله: مدرسة فرانكفورت النظرية النقدية وفلسفة النص،مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية ، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية ، سطيف ، ع 09  2009 ، ، ص 168

[12] -  عمر مهيبل : من النسق إلى الذات ،ص 115

[13] - المرجع نفسه، ص 119 .

[14] - علي حرب: حديث النهايات فتوحات العولمة ومأزق الهوية، ص ص 182، 183

[15] - عمر مهيبل : من النسق إلى الذات ، ص142

[16] - المرجع نفسه، ص 120.

[17] - المرجع نفسه، ص 143

[18] - محمد نور الدين أفاية: الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، أفريقيا الشرق، المغرب، ط2، 1998، ص 181

[19] - المرجع نفسه، ص 48

[20] - المرجع نفسه، ص 19

[21] - عبد الرزاق بلعقروز : تحولات الفكر الفلسفي المعاصر، منشورات الاختلاف/ الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر/ بيروت، ط1، 1430ه- 2009م، ص 80

[22] - المرجع نفسه، ص96 .

[23] -  p 416. Habermas (J) : Logique des sciences sociales نقلا عن محمد نور الدين أفاية: الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، ص 185

[24]- المصدر السابق، ص430، نقلا عن المرجع السابق، ص 188

[25]- عبد الرزاق بلعقروز : تحولات الفكر الفلسفي المعاصر، ص 101