الإستراتيجية التربوية للتغيير الاجتماعي عند مالك بن نبيpdf

 

أ. فريـد بوبـيش- جامعة بسكرة     

 أ. دهيمي زينب- جامعة ورقلة-الجزائر

Malik ben Nabi believe that the crisis of human being of the Muslim world today (human post-civilization) is essentially a crisis of civilization, Since thegoal ofsocial change, according to him, is to achieve advancement in the Muslim community, and its integration into the movement of history, the Educational has the role of leadership in this process. This education based on educational strategy for social change, Whichpursuestwo ways: first, the knowledge of obstacles to change, and then filtered and removed. second, find out the agents of change, and work to consolidate. Which we will try to stand out in this study.

يعتقد مالك بن نبي أن أزمة إنسان العالم الإسلامي اليوم (إنسان ما بعد الحضارة) هي في جوهرها أزمة حضارة، ولما كانت الغاية من التغيير الاجتماعي عنده هي تحقيق النهوض في هذا المجتمع وإدماجه في حركة التاريخ، كان للتربية دور الريادة في هذا التغيير. والتربية التي ينشدها بن نبي، تستند إلى إستراتيجية تربوية للتغيير الاجتماعي، والمتمثلة في عملية التجديد التي تنتهج طريقتين هما: معرفة معوقات التغيير، ومن ثم تصفيتها وإزالتها. ثم معرفة عوامل التغيير، ومن ثم العمل على ترسيخها. وهو ما سنحاول الوقوف عليه في هذه الدراسة.

 تمهيد:

 لا تجد كاتبا أو مفكرا انشغل بقضايا الإصلاح والنهضة والتغيير في مجتمعه إلا وقد أشار إلى فكرة التربية ودورها في هذا التغيير، ذلك أن التربية في جوهرها ترتبط بالإنسان، بنموه وإعداده، وتأهيله للقيام بدور التغيير، لكونه العامل الأساسي أو المحدد الأول للتغيير (محمد أحمد موسى، 2002. ص144).

 وقد كان المفكر الجزائري مالك بن نبي، الذي انشغل بمشكلة الحضارة والتي أسس عليها مشروعه التغييري، فهو يعتقد أن أزمة إنسان العالم الإسلامي (إنسان ما بعد الحضارة) هي في جوهرها أزمة حضارة، ومن هذا المنطلق رأينا أن يكون التغيير الاجتماعي ومن مدخله التربوي عند مالك بن نبي محل دراستنا هذه، من خلال ما قدمه هذا المفكر من دراسات تخص التغيير الاجتماعي، حيث تصور آراؤه الواقع الاجتماعي على أنه قابل للتغيير، وتؤكد على الدور الوظيفي للإنسان وتدعوه للتغيير الذاتي، وإلى تغيير واقعه الاجتماعي المتخلف، ذلك أن أي محاولة للتغيير –في رأي بن نبي- ستكون عقيمة ما لم تبدأ من تغيير الإنسان، متمثلا بذلك المبدأ القرآني: »إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ » (الرعد: 11).

 فالفرد إذن هو أساس التغيير، أي أن التغيير الاجتماعي لا يقوم إلا ابتداء من هذه الحقيقة التربوية، أي لا يقوم على أساس من حقائق الجنس، أو عوامل السياسة بقدر ما يخضع لخصائص المجتمع الأخلاقية والجمالية والصناعية (مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، 1986. ص25). ومن خلال هذا المعنى يمكن إدراك ما تنطوي عليه المهمة التربوية في عملية التغيير الاجتماعي المطلوب، والذي يهدف عند مالك بن نبي إلى بناء حضارة.

 ومن منطلق هذه الأفكار لدى بن نبي التي تقدم رؤية تربوية لمشروع تغيير جذري للعودة بالمجتمعات الإسلامية إلى دورة حضارية جديدة، نتسائل نحن: فيمما تتمثل الإستراتيجية التربوية للتغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي؟

 أولا: الإستراتيجية التربوية للتغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي

 إن وضع إستراتيجية تربوية للتغيير الاجتماعي، يعني الاهتمام بالتخطيط، فالتغيير الذي يستند إلى التخطيط هو أكثر شمولا واتساعا وفعالية من التغيير العفوي أو التلقائي، فعملية التخطيط تكسب التربية قوة اجتماعية تجعلها محددا أساسيا للتغيير واتجاهه، لأنها تعمل على تعميق وزيادة سرعة التغيير.

 ولمّا كانت الغاية النهائية من التربية -عند مالك بن نبي- تكمن في خلق بديل اجتماعي وثقافي لما هو موجود، باعتبار أن ما هو موجود يكرس وضعية التخلف ويسجن الطاقات، فإن التربية التي يراها مالك بن نبي كفيلة بتحويل هذا الواقع المعيشي من حالته السكونية المتخلفة إلى حالة حركية متطورة تعتمد على إستراتيجية تربوية للتغيير الاجتماعي والتي تكمن في عملية التجديد التي تستند على بعدين أساسيين (مالك بن نبي، مشكلة الثقافة،1984. ص71) هما:

 1- معرفة معوقات التغيير ومن ثم تصفيتها وإزالتها، وهو ما يسميه مالك بن نبي بعملية التجديد السلبي، أي أنه تجديد يتم بطريقة سلبية تُحدث القطيعة مع رواسب وموروثات الماضي.

 2- معرفة عوامل التغيير ومن ثم العمل على ترسيخها، وهو ما يسميه مالك بن نبي بالتجديد الإيجابي، الذي يقوم بوظيفة مد وتطعيم الثقافة بأفكار جديدة بناءة تصلها بالمستقبل وبالحياة الكريمة.

 ثانيا: معوقات التغيير الاجتماعي «سمات مجتمع ما بعد الحضارة (سلبياته)»

 يرى مالك بن نبي بأن مجتمع ما بعد الحضارة ( ما بعد الموحدين) هو مجتمع متفسخ، استولت عليه الجراثيم والأمراض وتكاثرت مع الزمان، فهو لم يعد يقدر على ردعها لأن جهازه المناعي قد انهار. ولما كان الهدف من التغيير الاجتماعي عنده هو بناء حضارة، فإن الهدف كي يتحقق عند إعادة بناء الحضارة يتضح في أن القضية في هذه الحالة ليست تبديل بناء حضاري ببناء حضاري، ولا هي قضية سد فراغ حضاري تعيشه شعوب العالم الإسلامي، وإنما هي تحديد الداء الذي يشكوا منه هذا العالم من منظوره التاريخي ليس إلا. (نورة خالد السعد، 1997. ص174).

 فهناك من رأى أن الأزمة سياسية تحتاج حلا سياسيا، فركز كل جهوده في التغيير والإصلاح السياسي، وهناك من رأى أنها أزمة أخلاقية تستلزم حلا أخلاقيا، وهناك من رأى أنها أزمة عقدية تستلزم إصلاح العقيدة. غير أن بن نبي انتقد هؤلاء جميعا، ذلك أنهم لم يحددوا بدقة مكمن الأزمة، فتوجهوا إلى عرض من أعراضها، في حين أن المرض يكمن في نفس المسلم وفي ثقافته الموروثة، كما هو كامن في سلوك المسلم وتصرفاته اليومية (بدران بن مسعود بن الحسن، 1999. ص47).

 فمالك بن نبي وبعد فحص منهجي دقيق لوضعية هذا المجتمع، وقف على هذه السلبيات في تعطيل حركة المجتمع، كما وقف على المواطن التي تتجلى فيها من حيث كونها معوقات للتغيير الاجتماعي المطلوب، يتوجب تصفيتها. ويمكن بيان هذه السلبيات على النحو التالي:

 1. على مستوى الفرد:

 1.1 علاقته بالدين:يرى مالك بن نبي أن تأثير الفكرة الدينية في مرحلة ما بعد الحضارة قد قل، فبعد أن كان الدين إشعاعا روحيا يُركب الإنسان والتراب والوقت تركيبا اجتماعيا، أصبح نزعة فردية فقد بها الإنسان الخارج من الحضارة رسالته التاريخية، فإنسان ما بعد الموحدين لم يفقد عقيدته، بل بالعكس بقي مسلما، ولكنه فقد التأثير الاجتماعي لعقيدته تبعا لذهاب الفاعلية الروحية لديه. فالدين لم يُلغ نهائيا من الحياة، وإنما فقد تأثيره الإيجابي الفاعل في خلق المبررات الكفيلة ببناء شخصية هذا الإنسان وتكييفه اجتماعيا.

 فالعلاقة بالدين إذن، تبقى موجودة ولكنها ليست هي تلك العلاقة التي يريدها الدين، إنها علاقة سلبية انحرفت عن مسارها الطبيعي، فشوهت صورة الدين وطبيعته، حيث أصبحت تغلب على حياة الناس القدرية وترقب المهدي المنتظر، والميل إلى التصوف من أجل الخلاص، واللجوء إلى أضرحة الأولياء والصالحين للتوسل إليهم وطلب المعجزات والخوارق منهم، وقصد الشيوخ ورجال الدين لكتابة الحروز بغية تحقيق أغراض لم يجتهد أصحابها لتحقيقها غالبا، وانتشار ظاهرة الزردة والدراويش وغيرها (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص31،30).

 ومهما يكن من تلك الحقيقة الإيمانية التي كان يسمعها هذا الإنسان في المسجد، فتهز لحظة تلقيها كيانه، وتوقظ في نفسه الإرادة والعزيمة النائمتين، هذه الحقيقة للأسف، لم يكن يقدر على اصطحابها معه إلى الشارع، بل كان يتركها عند عتبة باب المسجد بمجرد مغادرته له (مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، 2002. ص105).

 لذلك فالمجتمع الإسلامي اليوم، ترى فيه مسلمين ولا ترى فيه إسلاما، تسمع فيه صوت الأذان، وخطب الجمعة والعيدين، ولكن لا ترى فيه الدين كظاهرة اجتماعية، أو كواقع اجتماعي.

 2.1 علاقته بالفكرة:الفكر ركيزة هامة في حياة الشعوب، ودليل على حيويتها وتقدمها، أو على جمودها وتخلفها، وفي ميدانه تحسم نتائج مختلف أشكال الصراع، فمن ينتصر بأفكاره يضمن لنفسه الانتصار في جميع مجالات الحياة، وهذه القيمة للأفكار ليست بدعة. ذلك أن النشاط الهادف المثمر والعمل المنتج الفعال هما وليدا فكرة تترسخ في عقل صاحبها، فتضع للفعل حوافزه وترسم له أهدافه وتحدد له مسالكه ووسائله اللازمة، انطلاقا من المعطيات الواقعية التي تحيط به، وهذا حتى تجعل منه شيئا مقصودا ممكن التحقيق من غير هدر للجهد والمال والوقت.

 ويركز مالك بن نبي، في معالجته لمشكلة الأفكار، على الدور الوظيفي للفكرة، أي على فعاليتها الاجتماعية، وليس على قيمتها الفلسفية المجردة، ففي منطق هذا العصر لا يكون إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العملي: فالأفكار تكون صحيحة إذا هي ضمنت النجاح (مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، 1988. ص111).

 وقد مكنته هذه الرؤية في تناول الأفكار من تبين قيمة الأفكار المتداولة وقياس فعاليتها في العالم الإسلامي الراهن، وبالتالي معرفة طبيعة العلاقة التي تربط مسلم اليوم بعالم الأفكار، حيث يؤكد بأن العلاقة التي تربط المسلم بعالم الأفكار في المجتمع الإسلامي الحالي، هي ذات طبيعة سلبية تؤكدها اللافعالية على أرض الواقع وذلك على كافة الأصعدة الأخلاقية والمادية على حد السواء (مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، 1988. ص159). ومرد ذلك _حسب بن نبي_ يعود إلى نوع الأفكار التي يتعامل معها إنسان ما بعد الحضارة، فابتعاد هذا الإنسان عن الأفكار الأساسية الأصلية وعدم قدرته على إدراك وبالتالي احترام علاقات الأفكار الضرورية القائمة بين مختلف المراتب الأخلاقية، المنطقية والتقنية، المتعلقة –على التوالي- بعالم الأشخاص، وعالم الأفكار وعالم الأشياء، والاتجاه في نفس الوقت إلى نضح الأفكار الميتة وامتصاص الأفكار القاتلة. هذا الفكر هو المسؤول عن عدم فعالية واستحالة النشاط أو عبثيته. هذا إذا علمنا بأن بن نبي يرى بأن أي فساد في علاقات الأفكار فيما بينها، لا بد أن يولد اضطرابا في الحياة الاجتماعية، وشذوذا في سلوك الأفراد، وخصوصا عندما تصل القطيعة مع النماذج إلى مداها الأقصى (مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، 1988. ص65).

 وهكذا فإنسان العالم الإسلامي اليوم لم تعد لديه الفكرة كوسيلة للنشاط الاجتماعي أو الاقتصادي وكشبكة عقلية يقوم عليها هذا النشاط، وهذا ما يشل أي عملية نحو التغيير والنهضة.

 3.1 علاقته بالشيء:أما عن العلاقة التي تربط مسلم اليوم بعالم الأشياء فتبرز مظاهرها السلبية – كما يرى بن نبي- في اعتماد المسلم اليوم على الاستهلاك دون الإنتاج. بل أن استهلاكه هذا لا يتقيد بحدود الحاجة ولا يقف عند مجال معين، بل إنه يعم مجالات الحياة كلها حتى الزراعية منها، ويتجاوزها إلى أشياء غير ضرورية، والتي غالبا ما تتنافى وقيم المجتمع الثقافية والأخلاقية، تتجاوزها إلى الكماليات والموضة التي أصبحت تتخذ كمقياس يدل على تحضر صاحبه. هذه النظرة إلى الأشياء وتقييمها من باب الكم وليس من باب الحاجة والمنفعة يسميها مالك بن نبي بالشيئية، ذلك أنه عندما يتمحور عالم الثقافة حول الأشياء تحتل هذه الأشياء القمة في سلم القيم وتتحول الأحكام النوعية خلسة إلى أحكام كمية من غير أن يشعر صاحب هذه الأحكام بانزلاقه نحو الشيئية، أي نحو تقييم كل الأمور بمقياس الأشياء (مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، 1988. ص79).

 وهكذا تتحول هذه النزعة في المجال الفكري إلى شكل من أشكال المادية والتكديسية، كما هي الحال أيضا في مناهج مدارسنا التي تغلب عليها النزعة التكديسية للمعلومات (علي القريشي، 1989. ص182).

 إذن فعوض أن يكون الشيء وسيلة في خدمة الإنسان، تحت تصرفه يوجهه حسب الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها، انعكست الآية عند الإنسان المسلم اليوم، وأصبح الشيء غاية تطلب لذاتها، ونتيجة ذلك كله، هي أن الشيء قد طغى على عقلية هذا الإنسان، وصار عالم الأشياء هو الذي يتحكم في إرادته ويوجه سلوكاته.

 4.1 علاقته بالعمل:يرى مالك بن نبي أن إنسان ما بعد الحضارة قد أضاع معنى العمل وقيمته، فأضاع معها تقييمه الحقيقي للشيء، أي تقديره للجهد المطلوب، والوسائل اللازمة، والوقت الضروري لإنجاز عمل ما. وقد انجر عن ذلك إصابة هذا الإنسان بذهاني( deux psychoses) (الاستحالة والسهولة)، ذهان الشيء المستحيل الذي يجعل الإنسان يحكم مسبقا ومن الوهلة الأولى بأن النشاط فوق مستوى الوسائل التي يملكها، مما يفضي به إلى الشلل التام، وذهان الشيء السهل الذي لا يستدعي منه بذل أي جهد. إنه الأمر الذي يستملي هذا الإنسان إلى الكسل، أو يقوده إلى النشاط الأعمى (مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ص87). كلا الأمرين هما من حالات الذهان الذي يقود النشاط إلى اللاجدوى، ففي كلتا الحالتين تتجسد في أعمال الإنسان سلبيات اللافعالية، والتواكل، وغياب الإرادة المفتقدة لمبررها. وخير موضح لهذه الصورة المتداولة بين الناس في أمثالنا الشعبية: حشيشة وطالبة معيشة، كاتبة، مقدرة، الله غالب، ما عندناش وما خصناش، راقدة وتاكل، ناكل القوت وننتظر الموت...الخ (مالك بن نبي، تأملات، 1988. ص44).

 كل هذا يقود الإنسان إلى أن يفقد علاقته بأسس العمل المنتج التاريخي، أي بالتراب وبالوقت، فيصبح التراب وكل ما يرتبط به بورا لا قيمة له، ويصبح الوقت سائبا لا يفيد في شيء، اللهم إلا لإشباع رغبات ذاتية مؤقتة، وهكذا تنطبع هذه السلبية على أنا الفرد فتخلق عنده عقدا نفسية تصيّره صاغرا إلى مستهلك سلبي ومقلد أعمى (محمد بغداد باي، 2006. ص103) لكل ما تنتجه حضارة الغير، فتكون النتيجة في نهاية المطاف الرضوخ لسلطان تلك الحضارة فيصبح تابعا لها.

 5.1 علاقته بالمجتمع:إن الإنسان في بعده الفردي لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن المجتمع، والمجتمع لا تتشكل أسسه إلا بالتجمع الإنساني وتفاعل أفراده في محيط جغرافي معين، لذلك فإن ما يظهره الفرد من مواقف وسلوكات ينفذ إلى الحياة الاجتماعية، وإن ما ينتشر في المجتمع من نظام وانضباط، أو من فوضى وتيه، ينعكس على الفرد. ذلك أن العلاقة التي تربط بين انعكاسات الفرد وبين شبكة العلاقات في المجتمع « هي كونية تاريخية. إذ أن المجتمع يخلق الانعكاس الفردي، والانعكاس الفردي يقود تطوره» ( مالك بن نبي، ميلاد مجتمع. ص66).

 وفي تحليل مالك بن نبي لهذه العلاقة في مجتمع ما بعد الحضارة، وجد أن لوظيفته الاشتراطية التكيفية بالنسبة لانعكاسات الإنسان، أدى إلى التخلي عن الواجب والنزوع نحو الفردية واستفحالها، كما أدى في ذات الوقت إلى تحلل شبكة العلاقات الاجتماعية، وإلى انعدام تلك الشروط التي كان يتولد عنها العمل المشترك المنسجم والهادف، الذي من شأنه أن يضمن للمجتمع استمرار سيره والإبقاء على حركته التاريخية. ( مالك بن نبي، ميلاد مجتمع. ص44).

 معنى هذا أنه كلما زادت غلبة النزعة الذاتية على النزعة الاجتماعية، زاد تحلّل شبكة العلاقات ونقصت الفعالية الاجتماعية، وكلما نقص الدافع إلى العمل المشترك تقلصت الفعالية الاجتماعية وزاد النزوع نحو الفردية، فنزوع الإنسان المسلم اليوم نحو الفردانية يدل على تخليه عن التكليف الديني الأخلاقي المنوط به كفرد، كما يدل على تحلل شبكة العلاقات الاجتماعية وغياب الفعالية والعمل المشترك.

 2- على مستوى الثقافة:

 لقد تعرض مالك بن نبي في مختلف كتاباته لأهم السمات المرضية المنتشرة في الثقافة العربية الإسلامية الراهنة، ولانعكاساتها السلبية على سلوك الفرد وعلى نظام الحياة في المجتمع، المترتبة عن تحلل العالم الثقافي. ويمكن بيان هذه السمات على النحو التالي:

 1.2 التعــالم:كان لانشغال مالك بن نبي، في حقل الفكر والثقافة ما أتاح له من احتكاك وتعايش مع أجواء ومحيطات متنوعة الاتجاهات والمشارب، تولد عنده من هذه المعايشة نظرات ناقدة لأنماط ثقافية أخرى، منها ما يصطلح عليه التعالم، ويطلقه على النخبة في المجتمعين العربي والإسلامي. وهو عنده صفة مرضية تعني "الحرْفية في الثقافة"وادعاء العلم والمعرفة، ويرجع بن نبي بروز هذا الصنف من المتعالمين أو المتعاقلين إلى ثقافة النهضة العربية التي لم تنتج سوى حرفيين منبثين في صفوف شعب أمي. وهؤلاء المتعالمون كما يقول مالك بن نبي لم يُتقنوا العلم ليصيروه ضميرا فعالا، بل ليجعلوه آلة للعيش، وسلما يصعدون به إلى منصة البرلمان (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص90).

 ومن هذه المعاينة تأتّى لمالك بن نبي اعتبار ظاهرة التعالم هذه مرضا عضالا يستعصي علاجه، لأنه علم زائف لا ينتفع به، وهو بهذا المعنى جهل خطير ليس كجهل الأميين القابل للعلاج. وحقيقته أنه « جهل حجرته الحروف الأبجدية، ]فهو[ لا يُقوّم الأشياء بمعانيها ولا يفهم الكلمات بمراميها، وإنما بحسب حروفها، فهي تتساوى عنده إذا ما تساوت حروفها» (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص91).مما يعمل على الإبقاء على وضعية المجتمع المتقهقرة وتكريسها، وإجهاض أية فكرة عن النهضة والتغيير.

 2.2 الذريـة (L'atomissme):ويعني بها مالك بن نبي عدم القدرة على إدراك الأشياء والأحداث في صورة كلية شاملة تربط بينها صلات، فيتم تناولها على الأساس كوحدات مجزأة ومنفصلة عن بعضها البعض، بعيدا عن وجود آية علاقات تجمعها. الأمر الذي يصبح معه إصدار أي حكم صحيح على الواقع مستحيلا، إذ تحول الذرية عندئذ بين العقل وبين تتبع الفكرة في حركتها المنطقية (مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، 1988. ص101،102).

 ويرى بن نبي أن هذه السمة أصبحت تميز الواقع الثقافي الراهن للعالم الإسلامي، حيث أصبح عقل المسلم اليوم لا يرى من المشاكل إلا تلك التي يستطيع لمسها فقط، إذ « أن طريقتنا في الفهم تعد... لمسية بدل أن تكون عقلية» (مالك بن نبي، القضايا الكبرى، 1991. ص126). وهكذا يضِيع الجهد والوقت والمال، فتتراكم على إثر ذلك المشاكل وتتعقد أكثر، وهو ما ينعكس بشكل سلبي على حياة المجتمع وأنشطته المتعددة.

 3.2 اللفــظية:تعني اللفظية الاستخدام الواسع للألفاظ الأدبية الرنانة والثرثرة في الحديث، وذلك على حساب الكلمة الدالة المعبرة التي تربط الفكرة التي تترجمها الألفاظ اللغوية بالواقع العملي وبالسلوك. هذه الظاهرة المرضية هي السمة التي يراها مالك بن نبي تطبع ثقافة مجتمع ما بعد الحضارة اليوم، لدرجة أُفرغت معها الكلمات من مضامينها، وصيرت اللغة أداة وهمية، بحيث لا تنبئ عن عمل ونشاط، وتصير مجرد ألفاظ مرصوفة، فيفقد بذلك الكلام قدسيته وعلاقته الجدلية مع الفكر والعمل، وقد كانت لهذه الظاهرة "اللفظية" نتائج مباشرة، إذ أصبحت أحكام الإنسان على الأشياء أحكام سطحية أضعفت قدرته علىالتقدير الصحيح للأمور (علي القريشي، 1989، ص174).

 فعلى صعيد الصحافة مثلا، لاحظ بن نبي بأنها تُغالي في تمجيد القادة والزعماء بما يفوق طبيعة البشر، كأن نطلق على أحدهم جملة من الألقاب والمواصفات في آن واحد «المجاهد، الكريم، العظيم، الجليل، الزعيم... الخ، ولا شك أن هذه مجرد ألقاب تفخيمية»          ( مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ص58).

 كما لاحظ بن نبي أيضا على مستوى المؤسسات التعليمية، أن المحاضر في الدرس كان يجهد نفسه في وصف إحدى النباتات من الكتاب، ولم يكلف نفسه عناء قطف نبتة ليقدمها صورة حية عن الموضوع الذي هو في صدد شرحه لطلابه. كما وجد أن الدروس الدينية التي تقدم في التغيير قد انحصر غرضها في الكلام من أجل الكلام. وذلك من خلال السعي إلى تأكيد الموضوع الذي يدور حوله الدرس بما وجد من أحاديث نبوية، وهذا على حساب الحقائق الحية، فكان الشيخ المشتهي للكلام يمطر المستمع السلبي بعبارات براقة وألفاظ ساحرة لا تمت للحياة العملية بصلة.

 والملاحظ في ثقافة هذا المجتمع اليوم، عبر قنواتها الإعلامية والدينية هو استفحال هذا المرض بحيث أصبحت هذه القنوات تلقن « الناس مفاهيم ومعايير دون أن تتحول مدلولاتها إلى أنماط سلوكية» (علي القريشي، 1989، ص176).

 4.2 الرومانسية:إن الرومانسية سمة مرضية تعاني منها ثقافة مجتمع ما بعد الحضارة، وكون الرومانسية مرض في نظر مالك بن نبي يعود إلى طغيان الخيال والخرافة وألوان البديع والبيان في الأعمال الفكرية، بما يقطع الصلة بالواقع المحسوس والمشكلات المطروحة على أرضه، وهو الأمر الذي يبطل دور الثقافة الإيجابي ويفقدها فاعليتها في تكييف الفرد وبناء المجتمع (علي القريشي، 1989، ص183).

 ويرى بن نبي أن انتشار النزعة الرومانسية في الثقافة العربية وسيطرتها عليها يعود إلى عجز هذه الثقافة عن مواجهة الواقع ومستحدثاته، فتلجأ إلى تغطية مواطن هذا العجز بأودية من البلاغة (مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ص60). إن الانغماس في محيط الطلاسم والخيال يجعل المجتمع – كما يقول بن نبي- في حالة من الابتعاد عن الواقع ومشاكله ويدفعه إلى ممارسة الأسلوب الخرافي في مواجهة القضايا، ولعل تداولنا لقصة ألف ليلة وليلة عبر الأجيال، إنما هو انعكاس لحالة اللامبالاة والسلبية في جونا الخلقي والاجتماعي (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص32).

 كما أن شيوع هذه السمة السلبية في ثقافة هذا المجتمع يزيد في مضاعفة الداء وتعميقه، فينجم عن ذلك مخلفات سلبية تظهر آثارها على مستوى الفرد والمجتمع معا، إذ يسْلب الوعي ويضعف الشعور بالمسؤولية، وتشيع الحرْفية والخيالية من دون أن يتم تقديم شيء ملموس لعملية التغيير.

 5.2 الفخر والمديح:يكون الفخر والمديح في نظر مالك بن نبي انحرافا مرضيا، عندما يتجاوزان الحدود الموضوعية الاعتدالية، ويتخذان كآلية دفاعية، تحركها عقدة الدونية، ضد ثقافة الآخر المهيمن. ذلك أن النخبة المثقفة في مجتمع ما بعد الحضارة - كما يرى بن نبي- قد أصيبت بهذا المرض العضال، الذي أفقدها فاعليتها وأبعدها عن مواجهة المشاكل الحقيقية، واستدراك مواطن النقص والقصور فيها بكل نزاهة وموضوعية. فحين اتجهت الثقافة إلى امتداح الماضي، أصبحت ثقافة أثرية، ولا يتجه العمل الفكري فيها إلى الأمام، بل ينتكس إلى الوراء، حيث أصبح العقل المسلم يعيش حالة اجترار فكري لمنقولات أثرية تقادم بها العهد، ولم تعد في عدد من عناصرها صالحة في وقتنا الحاضر (سعيد إسماعيل علي، 2004. ص52).

 وبذلك نجد أن الإنسان المسلم اليوم يتجه « إلى الاتكاء على مخدة التراث فيروح في سبات عميق، لا يحس بما حوله ومن حوله، من المتغيرات، وما يحيط به من تحديات...وبقدر اعتزازنا وفخرنا بتراث أمتنا وتاريخها المجيد، إلا أنه لا يضفي التغني به علينا هالة من شرف، ولا نوعا من تقديم، ولا شيئا من حضارة، طالما بقينا نعيش على أطلاله، ونتخذه تكأة نجلس عليها في ساحات الفخر البالي، والحماس المتهرئ، ومواقع التراخي، والاستسلام لأحلام الماضي، واليأس المريح» ( محمود محمد سفر، 1989. ص47،48).

 بالإضافة إلى أن الإنسان المسلم اليوم عندما يبني استنتاجه القياسي "إننا كاملون" انطلاقا من مقدمتي "الإسلام دين كامل" و"إننا مسلمون"، فإن هذه الحقيقة النظرية المجردة عند مالك بن نبي تُفقد إرادة الفرد للعمل الجدي الدؤوب، لأنها لم تتصل بصورتها العملية المجسدة على أرض الواقع لتصبح حقيقة كاملة فاعلة ومؤثرة تُلهم الإنسان. وهكذا تكون الحقيقة الموضوعية أسيرة المدح والفخر اللامجديين اللذين يتسببان في عرقلة فعل التغيير، وحتى التفكير فيه.

 6.2 الجدال والتبرير:يعتبر الجدال والتبرير كذلك من أبرز سمات ثقافة عصر ما بعد الحضارة، ويُقصد بالجدال الكلام الكثير السفسطائي الذي لا يقود لشيء ذي قيمة يحتاج إليه هذا المجتمع كي ينهض، ويقصد بالتبرير محاولة البحث المضني عن الحجج والبراهين لغرض إفحام الغير، وإثبات حقائق إسلامية لا حاجة بها غالبا، والتي لا تفيد في تغيير الواقع المتردي في شيء.

 فالمجادل لا يبحث عن حقائق وإنما عن براهين، ولا يستمع المجادل إلى محدثه، بل يغرقه في طوفان من الكلام. كما أن المثقف يهتم بالدفاع عن المجتمع وتبريره عوض تحويله، ودونما أي محاولة للتغيير. ولقد ظلت هذه النزعة تسود ثقافتنا بشكل عطل تحويل العمل الثقافي إلى عمل مخطط وتصميم يبلور مذهبا في التغيير الاجتماعي. ومن جهة أخرى، يرى بن نبي بأن شيوع مثل هذه الأساليب في أوساط النخبة المثقفة قد حال دون تحقيق مشروع نهضوي ثقافي فعلي، على الرغم من الجهود المبذولة في هذا السبيل.

 7.2 الاضطراب الفكري والسلوكي:إن الاضطراب الفكري والسلوكي سلبية أخرى في ثقافة مجتمع ما بعد الحضارة، ذلك أن المنتج المادي والثقافي للغرب الذي يشمل انتشاره المجتمع العربي والإسلامي، قد أوقع هذا المجتمع في حالات من الاضطراب الفكري والسلوكي، فالتوق نحو الموروث أو المستحدث في الثقافة العربية والإسلامية الراهنة بدلا من أن يتحول – كما يقول بن نبي- إلى صيغة تخدم منهجية التغيير فإنه أوجد تناقضا وتقاطبا مزدوجا (Polarisation) (مالك بن نبي، فكرة كمنويلث إسلامي، 2000. ص25)، أخذت تعكسه من جانب بعض الاتجاهات الثقافية في موقف يرمي إلى الحفاظ على القديم وإن كان ميتا، كما تعكسه من جانب آخر بعض الاتجاهات الثقافية الأخرى في موقف يرمي إلى استنبات الأفكار الأجنبية حتى وإن كانت قاتلة، وتلك هي ظاهرة الأفكار الميتة والأفكار القاتلة.

 إن هذان الموقفان المتعارضان، في المجتمع الواحد يعبران عن حالة اضطراب أخلاقي وانشطار سلوكي، وعن لا تناغم ثقافي في هذا المجتمع، ويُرجع بن نبي سبب ذلك إلى غياب الوعي بعمق المشكلة وخطورتها، مشكلة التعصب للماضي والاستعارة الحرْفية لثقافة الغالب، وإلى عدم القدرة على النقد والتحليل والتركيب والتكييف (مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ص79).

 8.2 القابلية للاستعمار:يستمد مالك بن نبي مفهوم القابلية للاستعمار من المناخ الثقافي والاجتماعي في مجتمع الانحطاط أو ما بعد التحضر، كما يظهره جليا واقع المجتمعات المستعمرة، وكما يظهره واقع الفرد في نفسيته أو سلوكه المتصف بالسلبية والاستسلام. فمثلا بالنسبة للمجتمع الإسلامي هناك فرق بين ما هو عائد إلى الاستعمار، وما هو عائد إلى القابلية للاستعمار. فكون المسلم غير حائز على جميع الوسائل التي يريدها لتنمية شخصيته وتحقيق مواهبه، ذلك هو الاستعمار، وأما أن لا يفكر المسلم في استخدام ما تحت يده من وسائل استخداما مؤثرا، وفي بذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته، حتى بالوسائل المتاحة، وأما أن لا يستخدم وقته فيستسلم، فتلك هي القابلية للاستعمار (مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ص96).

 وبتتبع هذه الظاهرة نجد أنها ترجع في جذورها إلى انكفاف القيم المقدسة الأصلية عن إشراط وتكييف الطاقة الحيوية للإنسان، وتسلل الأفكار المخذولة إلى السلوكات واندماجها فيها، وتحلل شبكة العلاقات الاجتماعية، وانتشار الفردانية، وفساد روابط العالم الثقافي، وانعدام الفعالية، وطغيان الشيء. كل هذه الأمور وتفاعلاتها السلبية عبر الأزمنة أصبحت تميز حقبة تاريخية في حياة المجتمع الإسلامي تمتد إلى وقتنا الحاضر.

 وحتى المجتمعات الإسلامية المعاصرة التي استطاعت أن تلقي بالكيان الاستعماري خارج أراضيها، ما تزال امتدادا لأوضاع عصر ما بعد الموحدين (ما بعد الحضارة الاسلامية)، ذلك أن ظاهرة الاستعمار التي تعرضت لها معظم المجتمعات الإسلامية لم تكن لتحدث لو لم تكن هناك قابلية للاستعمار في البنية الاجتماعية للمجتمع، وفي ذهنية إنسان ما بعد الموحدين وعقله (مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ص95). فها هو الاستعمار يعود إليها اليوم في شكله المقنع الجديد، ليتحكم في مصيرها إيديولوجيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا، وقد يلجأ هذا الاستعمار إلى أن يعود بشكله السابق كما هو حادث اليوم في الكثير من البلدان الاسلامية والعربية تحت غطاء نشر الديمقراطية أو ما يسمى بالربيع العربي.

 وبذلك يمكن القول بأنه ما دامت أوضاع هذه المجتمعات لم تتغير في جوهرها، فإنها ما تزال في حكم القابلية للاستعمار. فـ « فهذه الاعتبارات هي التي انتهت بالباحثة سلوى بن جديد، في دراسة لها حول "مفهوم التبعية عند مالك بن نبي" إلى اعتبار أن نفس المضامين التي كانت تعطي لمصطلح القابلية للاستعمار مدلوله ما زالت قائمة اليوم بهذه المجتمعات، وهو الأمر الذي جعلها تستبدل مصطلح "القابلية للاستعمار" بمصطلح "القابلية للتبعية La Dépendabilité»(محمد بغداد باي، التربية والحضارة. ص129).

 فالقابلية للاستعمار« باعتبارها عاملا مكبحا لكل جهد اجتماعي، توضح عدم تأهيل الإنسان المسلم لتشييد حضارة، فهي تشكل أمامه سدّا يمنعه من دخول التاريخ واندفاعه فيه من جديد، هذا التاريخ الذي أُقصي منه منذ سقوط دولة الموحدين. إن هذه القابلية هي التي طبعت على نفسية الفرد اللافعالية، وحددت السمة العامة للسلوكات والثقافة والأفكار في المجتمع. إنها تشبه المرض الذي يعرض المجتمع إلى الاستعمار تماما كنقص المناعة الذي يعرض جسم الإنسان لأخبث الأمراض. فكل الإشارات البارزة التي تجعل المجتمع في وضعية سابقة على الاستعمار (استعماره) توجد هنا مجتمعة. وباختصار، فإن القابلية للاستعمار هي التي قدمت الشعوب المغلوبة على أمرها غنيمة سهلة للاستعمار» (محمد بغداد باي، التربية والحضارة. ص127).

 وعليه يمكن القول: أن وقوف مالك بن نبي عند هذه السمات والنظر إليها كظواهر سلبية، وآفات مرضية كان نتيجة شيوعها واستفحالها لدرجة أصبحت معها هذه السمات تشكل جزءا لا يتجزأ من التركيبة النفسية والثقافية لمجتمع ما بعد الحضاري، وهذا ما يشهد عليه واقع هذا المجتمع اليوم، كما أن هذه السمات مجتمعة تتداخل وتتفاعل فيما بينها سلبا، بحيث يصعب بيان السبب فيها من النتيجة.

 وإجمالا، فإن هذه السمات على الرغم من أنها تعبر عن واقع ثقافي اجتماعي عام شاخص، فقد فيه الفرد والمجتمع معا المقومات الأساسية للبناء الحضاري، فانعكست صورته على هذا الواقع الاجتماعي المتخلف الذي يزداد تفاقما يوما بعد يوم. إلا أن ذلك لا ينفي إمكانية التغيير عند مالك بن نبي. فهو يمنح إنسان ما بعد الحضارة إمكانية التغيير والتحرك في اتجاه التاريخ من جديد دون توقف، وذلك من منطلق المبدأ القرآني (أي تغيير ما بالنفس)، وهذا ما يبين بأن تلك السمات السلبية « ليست بالمرة سمات طبيعية ملازمة للإنسان المسلم لا تنفك عنه حتى وإن كانت تطبع تفكيره وسلوكاته اليوم. إن الأمر يتعلق بواقع متخلف ينبغي تغييره» (محمد بغداد باي، 2006، ص136).

 ثالثا: عوامل التغيير الاجتماعي ( الأبعاد التربوية للتغيير ):

 إن هذه العوامل هي عبارة عن مفاهيم وصيغ تربوية طرحها مالك بن نبي كموجهات لعمليات إعادة البناء الاجتماعي، في ضوء التصورات البنائية العامة لديه. وما يميز هذه العوامل أنها في جملتها ذات صلة بالواقع الحياتي للمجتمعات الإسلامية، موجهة مباشرة إلى الإنسان المسلم في مختلف أبعاده: الروحية، والنفسية، والسلوكية، والاجتماعية، والعقلية، والأخلاقية، والجمالية، والفكرية، والمفاهيمية. بغرض خلق شروط الفعالية عنده لكي يكون جديرا بحمل رسالة التغيير، باعتباره مادة التغيير الأساسية ووسيلتها وهدفها في نفس الوقت.

 ويمكن بيان هذه العوامل التي يراها بن نبي كفيلة بإحداث التغيير الاجتماعي المطلوب إذا ما استطاعت التربية أن تتبناها في برنامجها الثقافي، كما يلي:

 1. غرس المبدأ الأخلاقي وتكوين الصلات الاجتماعية:يرى عند مالك بن نبي أن عالم الأفكار وعالم الأشياء لا وجود لها إلا بوجود عالم الأشخاص، وإن عالم شبكة العلاقات الاجتماعية متوقف على الحالة التي هو عليها عالم الأشخاص، فما تمزقت شبكة العلاقات الاجتماعية في العالم الإسلامي اليوم إلا لانهيار عالم الأشخاص فيه. لهذا كان لا بد من إعادة تشكيل عالم الأشخاص لأنه يمثل القاعدة الصلبة التي ينطلق منها كل عمل تاريخي مشترك. ذلك أن عالم الأشخاص تعبر عنه شبكة العلاقات الاجتماعية في وسط ثقافي ما. وبقدر ما تكون هذه الشبكة متصلة بمبرراتها الروحية تكون قوة تماسك خيوطها، لأن العلاقة الاجتماعية هي ظل العلاقة الروحية، ويكون بذلك مردود النشاط المشترك مرتفعًا، ولتحقيق هذا الهدف نجد أن بن نبي يركز على عملية تكييف الإنسان المسلم اجتماعيا بطريقة تجعل من كل تصرفاته وانعكاساته تتوافق مع النزعة الاجتماعية ولا تتعارض معها. وذلك عن طريق إحياء سلطة الضمير لدى هذا الإنسان، التي يعكسها الالتزام الأخلاقي والسلوكات المسؤولة، وإيصالهابالمثل العليا لتوجيه عمله نحو غايات سامية تعلو على درجة النوع لترتبط برسالة اجتماعية تليق بمكانته كإنسان، إذ أنها تساهم في تقدم النوع الإنساني (مالك بن نبي، ميلاد مجتمع. ص57 ص70).

 إذ يؤكد مالك بن نبي أن فعالية المجتمعات تزيد أو تنقص بقدر ما يزيد فيها تأثير المبدأ الأخلاقي أو ينقص، فإن موقفها إزاء المشكلات محددة بذلك المبدأ الذي يكون الشرط الأساسي لأفعالها، حيث ينظم فيها علاقات الأشخاص تنظيما يناسب المصلحة العامة (مالك بن نبي، تأملات. ص26). فالفرد كوحدة أساسية في شبكة العلاقات الاجتماعية، لا يمارس فاعليته دون تنشئته طبقا للأهداف الخاصة بالمجتمع وعلى النحو الذي يحول بدائيته إلى حالة التفاعل مع قيم الجماعة.

 2. غرس المبدأ الجمالي وتكوين الذوق العام للمجتمع:تنتشر في المجال الثقافي لكل مجتمع مجموعة من الأفكار والأصوات والأشكال والحركات والروائح... الخ، وكل هذه المظاهر يتمثلها الإنسان في ذاتيته شعوريا أو لا شعوريا، فتؤثر عليه سلبا أو إيجابا. وإن هذه المظاهر لن يتأتى لها تحقيق التأثير الإيجابي على الإنسان وخياله وأفكاره وسلوكاته وأذواقه، ما لم تظهر على صورة ما من الجمال. إذ أنه « لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، لأن لمنظرها القبيح في النفس خيال أقبح» (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص97)، إذ أنه غالبا ما تبوء مشاريعنا بالفشل، وتنتهي جهودنا إلى حطام نظرا لغياب البعد الجمالي فيها.

 ولا يتصور البعض أن التذوق الجمالي ينصب فقط على مظاهر ترف وبذخ مما يحتاج إلى مال وفير، الجمهرة الكبرى من الناس لا تملكه بما فيها فاخر الثياب والأثاث، والأبنية الفخمة من فيلات وقصور، والسيارات ذات الطراز الرفيع... الخ، ونحن نؤكد هنا أن ذلك وهم شائع فيكفي التذكير بهذه الأمثلة التي تمتلئ بها الطبيعة كما خلقها الله لنا، فهي في متناول الجميع وبغير أجر، بل إننا نشير إلى مظاهر أخرى؛ مثل النظافة والنظام، وتناسق الألوان، وانسجام الأشكال... الخ. فالإحساس بالجمال « هو ذوق رفيع يميز أكثر الإنسان المتحضر، وهذا الإحساس تُذكيه في النفس الصفات التي يظهر عليها الشيء من انسجام في الألوان، وتجانس في الأشكال، وانتظام في الحركات، وطيب في الروائح، واتزان في الأصوات، وتنسيق في الأفكار»(محمد بغداد باي، التربية والحضارة. ص158).

 فالهدف التربوي المطلوب هنا، هو خلق هذا الجو المنعش الذي يحمل الإنسان على التفكير المؤثر والعمل الفعال، لذلك يرى بن نبي ضرورة الاهتمام بتكوين الذوق العام كشرط موضوعي من شروط التغيير المتضمنة في برنامجه التربوي للثقافة، نظرا لما له من تأثير واضح في النفس وفي المجتمع، وفي مظاهر الحياة عامة.

 فالجانب الجمالي وتذوقه وتربيته أمر ضروري لحياة الإنسان على هذه الأرض، لأنه يسمو بالإنسان فوق حيوانيته، ويجعله يعيش وسط إنسانيته فيكون مرهف الحس، رقيق الشعور، لا متبلدا ولا جامدا، بل حسن الذوق والتذوق، يمكن أن يضيف من لمسات الجمال الشيء الكثير، فيعطي لحياته معنى ولحياة المجتمع كله ذوقا رفيعا (فوزي الشربيني، 2005. ص29). مما ينعكس إيجابا على أسلوب الحياة في المجتمع، وبالتالي على الفعالية الاجتماعية لأفراده.

 3. تكوين المنطق العملي وبث الفعالية الاجتماعية:يعد المنطق العملي هدفا تربويا ذا أهمية كبيرة عند مالك بن نبي، ذلك أنه هو المقياس الذي يحدد فعالية الأفكار وصلاحيتها. فصلاحية الفكرة لا يكون بصحتها المنطقية، فهي في هذه الحالة لا تعدو كونها فكرة مجردة، فكرة حبيسة العقل، وإنما تقاس صحتها بمدى فعاليتها في الواقع. فمسلم اليوم – كما يرى مالك بن نبي- « لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلاما مجردا، فهو يتكلم تبعا لمبادئ القرآن، ومن العبث أن نقول أنه يعيش طبقا لهذه المبادئ» (مالك بن نبي، مشكلة الثقافة. ص87).

 لذلك اشترط بن نبي توافر الفعالية كمنطق عملي في كثير من الأنشطة الإنسانية، سواء على صعيد الفكر أو العلم أو العمل، لهذا كان انتقاده لمدارس الإصلاح (التيار الإصلاحي التقليدي) التي ركزت في تعليمها على المسائل الميتافيزيقية من قبيل البرهنة على وجود الله بما لا مبرر له عمليا لأناس مؤمنين أصلا، في مقابل إغفالها التركيز على الوظيفة الاجتماعية العملية للدين (مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ص48).

 فغياب المنطق العملي لدى الإنسان المسلم اليوم أدى به إلى أن يتجه هذا الاتجاه ويأخذ هذا المأخذ، لذلك يرى بن نبي ضرورة تحقيق هذا الهدف التربوي من أجل تطبيع الإنسان المسلم على الفعالية. فما ينقص الإنسان المسلم اليوم هو أن أفكاره لا تتحول إلى إنجازات وإلى واقع ملموس، وذلك بغياب الإرادة والتركيز (الانتباه)، اللذان يعدان من صميم العقل التطبيقي (محمد بغداد باي، 2006، ص159).

 فما يجب على المسلم اليوم، وما هو بحاجة إليه، هو إيجاد الرابط الذي يربط بين عالم الأفكار وعامل الأشياء لتحقيق الأهداف التي رسمها عالم الأفكار على أرض الواقع، ومن خلال تعامله مع معطيات هذا الواقع سيكتسب خبرة تنعكس على فكره وسلوكه، فتطبعه بطابع منطقي عملي. ولهذا كان مالك بن نبي يشدد على ضرورة إيجاد أفكار علمية عملية يواجه بها كل جيل ظروفه التاريخية الخاصة.

 4. الإعداد والتكوين الفني والمهني والصناعي:ويشمل هذا الهدف التربوي «كل من الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلوم» (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص104)، بمعنى كل ما يتعلق بالجانب المادي لحياة الإنسان أي بعالم الأشياء. فالاهتمام بالتكوين الفني والمهني شرط ضروري لتحسين الجوانب المادية التي تلعب دورا مهما بالنسبة لحياة الإنسان والمجتمع معا، « فإذا كانت تمثل بالنسبة للفرد وسيلة لكسب عيشه وربما لبناء مجده، بالنسبة للمجتمع تمثل وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه» (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص104).

 فهذا الهدف التربوي -كما يرى بن نبي- يتحقق في ظل الاهتمام بالعلم وتقنياته العملية من أجل التمكن من صناعة وابتكار هذه الأشياء والوسائل المادية. بمعنى أن الأمر يخضع برمته إلى التربية المهنية التي تخضع بدورها للتوجيه الفني وفق حاجيات البلد وإمكانياته.

 5. تنمية الوعي:يؤكد مالك بن نبي على ضرورة تنمية الوعي لدى الإنسان المسلم اليوم، بمعنى تنمية شعوره بالذات وبوضعيتها ومصيرها التاريخيين، واستشعار واقعها الاجتماعي المتخلف وتبعيتها للآخر، وفي نفس الوقت إدراك خصوصيتها الثقافية وانتمائها الحضاري، مع معرفة إمكانياتها وقدراتها المادية والمعنوية المتاحة في إطار طبيعة الصراع الحضاري التاريخي.

 كما يؤكد أيضا على ضرورة إثارة وعي هذا الإنسان عن طريق بث وإثارة قلق الحاجة إلى التغيير، والدعوة إلى تجاوز الواقع الراهن سيكون -كما يقول بن نبي-: « من أثر هذه الحالة في نفس الفرد أنها تحرمه الشعور بالاستقرار، بما يعتريه ويسيطر على مشاعره من قلق، لا يمكن دفعه إلا بتغيير الوضع، بتغيير الأشياء، بالوقوف أمام الحوادث لتوجيهها لغايات واضحة وقريبة من شعور الفرد» (مالك بن نبي، تأملات. ص136).

 ففكرة الإنقاذ هذه « قد أوجدت نتائجها التربوية والاجتماعية في كل مرة يمتص فيها المجتمع البشري مضمون الإنقاذ، حدث ذلك في المجتمع الألماني بعد الحرب العالمية الثانية وفي مجتمعات أخرى أحدث تشبعها بحالة الإنقاذ تغيرا هائلا في حياتها» (علي القريشي، 1989، ص132).

 إن من شأن هذا الوعي أن يوجد المبررات التي يستمد منها الإنسان كل معاني ودلالات وجوده، وهذا مما يعمل على خلق حوافز العمل التغييري لديه، وتغذيتها باستمرار، ويتحقق ذلك من خلال« التربية التي تقوم بتنمية الوعي ]والتي[ تصاحب الإنسان في كل تفاصيل العمل التغييري الذي يقوم به وفي جميع خطواته البنائية» ( محمد بغداد باي، 2006، ص156).

 6. تربية الإرادة:يرى مالك بن نبي أن الإنسان المسلم اليوم بحاجة ماسة إلى تربية الإرادة لديه، لمواجهة واقعه الثقافي والاجتماعي المتخلف، ودفعه في طريق تغيير هذا الواقع بما يتناسب ورسالته في الحياة بصفته إنسانا مكرما، وبصفته مسلما. فهذه الإرادة من شأنها أن تعينه على تحدي العقبات في طريقه نحو التغيير، وتشحذ فعاليته الحضارية.

 إن من أولويات التغيير الاجتماعي المنشود عند مالك بن نبي تربية الإنسان المسلم وتعويده على العمل الدؤوب والمتواصل، والتعامل بطريقة صحيحة مع حيثيات واقعه في ظل تخطيط مسبق يراعي حوافز العمل، وطرقه، ووسائله، وغاياته، والمدرك لقيمته المادية والمعنوية، معتمدا في ذلك مبدأ التدرج الذي يتولد عنه اكتساب الخبرة، ومبرزا في ذات الوقت مكانة كل من القلب والعقل واليد في كل نشاط ذي مغزى (مالك بن نبي، تأملات. ص40). فعلى التربية هنا أن تعمل على تفعيل استثمار الإنسان لمواهب العقل والوجدان والقدرات العضوية، إذ لا فعالية دون هذه العناصر.

 7. بناء عالم الأفكار:تلعب الأفكار دورا بالغا في عملية التغيير الاجتماعي، فالعمل الفردي أو الاجتماعي لا يمكنه التحرك دون توجيه من الأفكار. فالأفكار هي التدابير المرتقبة التي ينتظر فيها الانعكاس في التجديدات المحسوسة للوجود. وتختبر على هذا الأساس بما تحدثه من تغيرات في النواحي السلوكية والبيئية (علي القريشي، 1989، ص141). لذا يرى بن نبي أن المجتمع في حياته وحركته، بل في فوضاه وخموده وركوده، ذو علاقة وظيفية بنظام الأفكار. فالأفكار تؤثر في المجتمع إما كعوامل نهوض، وإما كعوامل تعوق التحرك والنمو الاجتماعي.

 وإذ قسم بن نبي عناصر النشاط الإنساني إلى فئة الأشياء، وفئة الأشخاص، وفئة الأفكار، فإنه يعتبر الفئة الثالثة ذات أهمية بالغة في تحديد السلوك، وتوجيه النشاط، وتقدير فاعلية التغير. غير أن ذلك يقتضي حسب بن نبي التمييز بين الأفكار وتفحصها حين تثار قضية التراث والاقتباس، ففكرة في التراث قد تكون صالحة في حينها، لكن نقلها إلى وسط غير مؤهل لاستيعابها قد يكون له مردود سلبي، أي أن الفكرة التي كانت لها قيمتها الإيجابية في السلوك في الماضي، قد تصبح عديمة الجدوى (ميتة) في الحاضر. كما أن الفكرة التي قد تناسب مجتمعا ما قد تصبح مضرة (قاتلة) في غير مجتمعها، بل إن الفكرة في المجتمع الواحد قد تفقد مدعماتها الظرفية، وبالتالي تفقد فاعليتها الاجتماعية.

 ومن هنا لا بد للعالم الإسلامي، وهو يعالج مسألة العودة إلى التراث ومسألة الاقتباس عن الآخرين، أن ينتبه إلى ظاهرتي: الأفكار الميتة والأفكار القاتلة، فيتعامل مع التراث الحي دون الميت، ومع المقتبس المثرى دون القاتل، واعيا التفرقة بين صحة الفكرة وصلاحيتها، وهو يخوض عملية التغيير الاجتماعي.

 8. غرس فكرة الواجب قبل الحق:يقصد بالواجب هنا إعطاء أداء المسؤولية الاجتماعية أولوية على المطالبة بالحق. وإنّ تحقيق هذا الهدف التربوي أمر مطلوب في إطار التغيير الاجتماعي، ذلك أن تقديم الواجب على الحق مؤشر يدل على أن المجتمع يتجه نحو البناء والتقدم، إذ أن «المجتمع الذي يرتفع وينمو فإن ذلك يعني أن لديه رصيدا من الواجبات فائضا على الحقوق» ( مالك بن نبي، تأملات. ص31)، وبالتالي فإن الواجب من أهم المبادئ الأخلاقية التي يقوم عليها التغيير والبناء. فإذا أردنا تشكيل الإنسان الذي يحمل رسالة التغيير، لا بد من تربيته أولا على قيم الواجب، ذلك أن التصرف بدافع الواجب من ميزات الإنسان المتحضر الذي يرقى فوق درجة نوعه (علي القريشي، 1989، ص238).

 ويتضمن الواجب حسب بن نبي لفكرتي: التكليف الفردي والمسؤولية الجماعية، لذلك نجده يشدد على قيمة الواجب، كي تعلو على المطالبة بالحقوق، وذلك من خلال تنمية الشعور بالمسؤولية. إذ يرى أن القيام بالأعمال وإن كانت بسيطة، والمدوامة عليها، تعود الإنسان على تحمل المسؤولية، وتنير له فكرة الواجب المتضمنة لمعنى المصلحة التي ينعكس مردودها عليه، مما يجعله عنصرا فاعلا في عملية التغيير الاجتماعي. لذا فإن من أبرز مهام التربية في مرحلة إعادة البناء، أن تُنمي الشعور بالواجب كقيمة أخلاقية على مختلف الأصعدة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأن تعمل على محو العادات والأفكار التي من شأنها أن تتجه للمطالبة بالحق قبل الواجب، وأن ترسخ أولوية تقديم الواجب على نيل الحق.

 9. توجيه العمل:إن توجيه العمل هدف تربوي ذو أهمية كبيرة عند مالك بن نبي، ذلك أن « العمل وحده هو الذي يخط مصير الأشياء في الإطار الاجتماعي» (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص114). فالعمل يمثل إحدى حلقات مشكلة الإنسان عند بن نبي بكونه نشاطا يتولد من تفاعل الإنسان مع الزمن والتراب، ويرتبط بدوافع هذا الإنسان وأهدافه.ويأخذ العمل عنده معنيين: معنى تربويا، ومعنى كسبيا، فالمعنى التربوي للعمل يكمن في أهميته الاجتماعية بالنسبة لمجتمع لا يزال في طور التكوين، وهو يرتبط هنا بفكرة تقديم الواجب على الحق كما رأينا فيما سبق.أما المعنى الكسبي للعمل يظهر في مدلول الأجر(Salaire)، أي كل جهد يستحق أجرا. وهو هنا يرتبط بفكرة الواجب يساوي الحق، مثلما هو الحال بالنسبة للمجتمعات التي خرجت من طور التكوين منذ قرون إلى التنظيم القائم على تقاليد عريقة، تعبر عنها مفاهيم التخصص وتقسيم العمل المكتسبة من تجربتها التاريخية الطويلة.

 ويؤكد بن نبي على أسبقية المعنى التربوي على المعنى الكسبي للعمل خاصة إذا كان المجتمع ناشئا مثل المجتمع الإسلامي، الذي يريد أن يشق طريقه ثانية نحو الحضارة، إذ يتوجب عليه هنا أن يركز كل اهتماماته على الجانب التربوي للعمل، كي يتسنى له تغيير وضع الإنسان، وخلق بيئة جديدة يشتق منها المعنى الآخر للعمل، وهو المعنى الكسبي. لذلك وفي إطار التغيير الاجتماعي المنشود، يؤكد بن نبي على التوجيه المنهجي للعمل كشرط عام أولا، ثم كوسيلة عيش بعد ذلك.

 10. توجيه رأس المال:غالبا ما يخلط الإنسان المسلم اليوم بين مفهوم رأس المال، ومفهوم الثروة، غير أن مالك بن نبي بيّن هذين المفهومين، إذ أن مفهوم الثروة يرتبط عنده بطبيعة المال الساكن في المجتمع المتخلف، بينما يرتبط مفهوم رأس المال بطبيعة المال المتحرك في المجتمع المتقدم، ففي المجتمعات المتخلفة نجد الثروة تعرفنا على من يكسبها، بينما في المجتمعات المتقدمة لا نتعرف على أصحاب رؤوس الأموال، بل على مصانع وعقارات ومؤسسات اقتصادية وتجارية..الخ. (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص119)

 وبذلك يأخذ مفهوم الثروة مجالا ضيقا يرتبط بالفرد وحاجياته الخاصة، في حين يتسع مجال مفهوم رأس المال بمقتضى طبيعته الحركية ونموه ليرتبط بالمجال الاجتماعي، متجاوزا بذلك دائرة الفرد واستعمالاته الخاصة، وبناء على ذلك، فإنه في المجتمع الإسلامي المتخلف لن تكون هناك حركة تغيير أو نهضة، ما لم يتم تحويل مفهوم المال من دائرة الثروة الكاسدة الضيقة، إلى مفهوم رأس المال المتحرك الأوسع مجالا، والأعم فائدة، وذلك من خلال عملية التوجيه التي تقوم على التخطيط لتفادي تمركز رؤوس الأموال في أيدي فئة قليلة على حساب فئات المجتمع العريضة. (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص122)

 إن هذا الهدف التربوي من شأنه تحويل مفهوم المال لدى الإنسان المسلم، من كونه ثروة جمدت الحياة الاقتصادية في المجتمع المسلم، إلى مفهوم آخر ذي طبيعة متحركة هو رأس المال الذي من شأنه إحداث شبكة العلاقات الاقتصادية، وخلق جو من الفعالية في المجتمع المسلم مما يمهد له الطريق نحو التغيير والتقدم.

 11. بث القيمة الاجتماعية للوقت والتراب:يعتبر الزمن والتراب من العوامل الأساسية اللازمة لإنضاج عملية التغيير الاجتماعي لدى بن نبي، وهذه الفعالية التي يكتسبها الزمن والتراب مستمدة من فعالية الإنسان في المجتمع، ومدى ما يحمله من قيمة لهذين العاملين. إذ كلما كان نشاط الإنسان هادفا فعالا، كان لهذين العنصرين قيمة تحددها معاني هذا النشاط « فكل نشاط إجرائي منظم يقوم به الإنسان واقع في جانبه المعنوي التقديري، بالضرورة في إطار الزمن الذي يحدد بدايته ونهايته، ومتصل في جانبه المادي الموضوعي، لا محالة بالتراب الذي يتعامل معه» (محمد بغداد باي، 2006، ص165).

 وعليه يرى بن نبي ضرورة إعادة الاعتبار لهذين العاملين، وذلك عن طريق التربية التي تهدف إلى إشعار الفرد والمجتمع معا بقيمتيهما الاجتماعية والنفسية المتمثلتين في بيان أهمية إصلاح التراب والتخطيط له. فقيمة التراب الاجتماعية تظهر من قيمة مالكيه وكمية ونوعية إنتاجه. إذ نجد أن البلدان المتحضرة ذات المساحة الضيقة والعدد الكبير من السكان هي التي تطعم وتمول تلك التي تفوقها مساحة وتقل عنها سكانا، فالسر يكمن في القيمة الحضارية للتراب، وكيف يستغل كعنصر فعال في البناء الحضاري (بن براهيم الطيب، 2002. ص132)، وهذا ما يجب على التربية أن تتولاه. بالإضافة إلى إبراز « مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط وفي تكوين المعاني والأشياء ]بكونه عامل[ تأثير في الإنتاج» (مالك بن نبي، شروط النهضة. ص146)، وذلك طبقا لمنهج تايلور( Taylor) في تنظيم العمل (مالك بن نبي، القضايا الكبرى. ص88).

 والإنسان وحده هو الذي يعي ما يمر به من زمان، ولعل هذا الوعي هو أحد الأسباب الرئيسية التي ساعدته على أن يبني حضارات كبرى تحفل بها صفحات التاريخ، ذلك أن وعيه بالزمن جعله يستفيد من خبرة الأمس (سعيد إسماعيل علي، 2001. ص30)، وبناء على ذلك يرى بن نبي ضرورة تثبيت فكرة الزمن عمليا في عقل المسلم. فمثلا لو تم تعليم أفراد المجتمع تخصيص نصف ساعة يوميا لأداء واجب معين بطريقة منظمة وفعالة، فإن نتيجة هذه العملية المتواصلة سوف تكوّن – بعد مدة من الزمن- حوصلة كبيرة من الساعات استغلت للصالح العام ولم تهدر عبثا، وبهذه الكيفية، وتدريجيا، ترتفع كمية الحصاد اليدوي والعقلي والروحي، فينطبع أسلوب الحياة في المجتمع بهذه الفكرة، كما ينطبع بها سلوك أفراده. وبذلك يكون بوسع الإنسان المسلم اليوم أن يتجه إلى استغلال التراب بصورة فعالة، تمنحه القدرة على بناء عالم أشيائه طبقا لعالم أفكاره، مما يشكل عاملا مهما نحو التغيير الصحيح والمثمر.

 12. تصفية الثقافة من ذُهاني الاستحالة والسهولة:من معوقات حركة التغيير الاجتماعي في المجتمع، أن يتحكم منطق الاستسهال والاستصعاب، سواء في التفكير أو في مواجهة المشكلات، لأنها تقود نشاط الإنسان إلى اللاجدوى. لذلك يؤكد مالك بن نبي على ضرورة تصفية الثقافة في المجتمع الإسلامي من هذين المرضين، وعلى التربية أن تعمل على تخليص الإنسان المسلم اليوم من مرض اعترى ثقافته، فأصاب حركته بالشلل، ويتمثل في الأحكام المسبقة التي يطلقها على الأعمال المطالب بإنجازها، والتي يراها إما مستحيلة تفوق الوسائل التي يمتلكها، أو أنها سهلة لا تتطلب جهدا يذكر (مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ص88).

 فالإنسان المسلم على هذه الحالة تكبّلت قدراته الفكرية وطاقاته العضلية، ولم يعد قادرا على الحركة والنشاط، نتيجة هذه الأحكام السلبية المثبطة. ولن يتسنى له التخلص منها إلا بإعادة الاعتبار لقيم كل من اليد، والعقل، والقلب، التي تكمن وراء كل إنجاز عملي، أي باحتكاكه بالواقع وتفاعله معه، وليس بالهروب منه، والاختباء وراء ذُهان الاستحالة أو السهولة. فكما يرى بن نبي أن الإنسان يحسن تقديره للأشياء باتصاله المباشر بها، وتعامله معها، فيكتسب خبرة تنعكس على أحكامه، فتصير موضوعية، كما يصير بناؤه للمشاريع، وقيامه بالأعمال خاضعين للتخطيط الذي يراعي الجهد المطلوب والوقت اللازم والوسائل الضرورية لإنجازها.

 13. فك التبعية والتخلص من القابلية لها:إن تحقيق هذا الهدف التربوي ضرورة ملحة، لأن استمرار التبعية واستمرار القابلية لها، يؤدي إلى تعميق الأزمة وظهور سمات سلبية أخرى في ثقافة المجتمع المسلم اليوم، مما يعطل أكثر عملية التغيير في هذا المجتمع. والتبعية عند مالك بن نبي تأخذ أبعادا اقتصادية وثقافية، فأبعادها الاقتصادية تكمن في تبعيتي الاستهلاك والإنتاج. فتبعية الاستهلاك هي أن نستهلك ما ينتجه الآخرون، وتبعية الإنتاج هي أن ننتج على شاكلة ما ينتجون، دون مراعاة لاحتياجاتنا الخاصة وظروفنا المحلية، أما الأبعاد الثقافية، فتكمن في مظاهر الحياة عامة من عادات وأساليب العيش التي نستوردها من الغرب كنوع وطريقة الأكل واللباس والاحتفال... الخ، بالإضافة إلى نمط التفكير الذي نساير فيه الغرب، بما فيه الرأسمالية، والعلمانية، واللائكية، والعولمة... الخ. فهي بعبارة أدق تبعية في الفكر والعقيدة. (محمد بغداد باي، 2006، ص168)

 وعلى هذا يؤكد مالك بن نبي ضرورة فك هذه التبعية في شتى صورها، وذلك عبر إدراك خطورتها أولا، ثم العمل على إزالتها. ذلك أنه إذا كانت في جانبها الاقتصادي تبعية قاتلة، فإنها في جانبها الثقافي أخطر وأشد، إذ أن أي محاولة لإزالة هذه التبعية الاقتصادية، لا يتحقق بمنأى عن الثقافة، ثقافة التحرر من التبعية، وتحمل المسؤولية التاريخية، وثقافة تحمل المسؤولية الاقتصادية عن طريق تكييف المادة المستهلكة محليا، واستيراد الضروري الذي يفي بالحاجة فقط. أيضا ثقافة وعي الذات بمرجعيتها الفكرية والعقائدية، واستعادة الثقة بالنفس. وبهذا يكون التغلب على عقلية التكديس ونفسية الشيئية، أي بمعنى التخلص من ظاهرة الاقتداء بالغالب التي تكرس تبعية المغلوب له- في مأكله ومشربه وملبسه، وأنماط تفكيره، وأسلوب حياته – بالمفهوم الخلدوني، أي التخلص من القابلية للتبعية، وبُذلك يصبح الطريق واضحا نحو التغيير وإعادة البناء.

 14. تطبيع المسلم على قيم الديمقراطية:الديمقراطية مظهر من مظاهر الحياة الراقية، وأسلوب حياة في المجتمع المتحضر، وتكمن دلالتها في قيمة الفرد كإنسان حر، وهي القيمة التي على أساسها تتحدد علاقاته بالآخرين، فتطبع سلوكه في المجتمع وفق مقاييس تتوافق مع ذاتيته، ولا تتصادم مع حرية الآخرين، بأن يدرك أن حريته ونشاطه لا يتمان إلا ضمن حرية ونشاط الآخرين. فحرية الفرد في المجتمع ليست شيئا فرديا بل هي مسألة اجتماعية تقتضي إدراجها ضمن عمليات الضبط وحسن التوزيع، سواء في أبعادها السياسية أو الاقتصادية أو التربوية. والحرية بهذا المعنى – كما يقول جون ديوي- هي حجر الزاوية في التربية (علي القريشي، 1989، ص236). وهذا ما ذهب إليه مالك بن نبي الذي يرى أن كل الإيديولوجيات الدينية والحديثة، جاءت لتروض الطاقة الحيوية للإنسان، وتضع حريته الفردية ومقتضياتها في حدود عمل المجتمع ومقتضياته، والإخلال بهذا المبدأ معناه تعريض العملية البنائية للخطر (مالك بن نبي، القضايا الكبرى. ص110).

 لذلك نجد بن نبي يؤكد على ضرورة تولي التربية مهمة تطبيع الإنسان المسلم اليوم على قيم الديمقراطية، وذلك بتخليصه من القابلية للاستصغار والحط من قيمته، وألا يقبل الاعتداء على حريته، أي أن يتخلص من العبودية، كما يتخلص هو بدوره من هذه الدوافع السلبية، وهذا بألاّ يستصغر غيره ويحط من قيمتهم ويعتدي على حرياتهم، أي بألاّ يستعبدهم، ذلك أن الإنسان الذي تنطبع فيه هذه القيم، والتزاماتها «هو الحد الإيجابي بين نافيتين تنفي كل واحدة منهما هذه القيم وتلك الالتزامات: نافية العبودية، ونافية الاستعباد» (مالك بن نبي،القضايا الكبرى. ص139).

إن نظرة بن نبي إلى الديمقراطية مستمدة من الدين الإسلامي، ونظرته إلى الإنسان المغايرة تماما لنظرة النظم السياسية والاجتماعية السائدة. فإذا كانت صفة المواطن هي ما يميز قيمة الإنسان في النظم الرأسمالية، وصفة الرفيق هي ما يميز قيمة الإنسان في النظم الاشتراكية، وصفة الإنسان الجديد هي ما يميز قيمته في الثورة الثقافية في الصين الشعبية، فإن ما يميز قيمته في النظام الإسلامي هي صفة التكريم وبذلك نجد أن نظرة النماذج الأخرى إلى الإنسان هي نظرة إلى الجانب الإنساني والجانب الاجتماعي فيه. في حين أن نظرة النموذج الإسلامي إلى الإنسان، هي نظرة إلى التكريم الذي وضعه الله فيه، فهي تضفي على الإنسان شيئا من القداسة، ترفع قيمته فوق كل قيمة تعطيها له النماذج المدنية (مالك بن نبي،القضايا الكبرى. ص146).

 فالنظرة التي ترى ضرورة أن يحترم الإنسان كإنسان، وتدعوا إلى الحفاظ على حرمته وكرامته، واعتبارات تميزه عن سائر المخلوقات هي نظرة أخلاقية تمس – كما يرى بن نبي- صميم الوجود الإنساني. ولهذا يمكن أن تتبناها التربية في منظوماتها الفكرية وتعكسها في نشاطاتها العملية. وبناء على ذلك فإنه لكي تنطبع هذه القيم الديمقراطية على أسلوب حياة المجتمع وتتجسد في سلوكيات أفراده، يرى بن نبي وجوب « تطعيم الإنسان، وتحصينه ضد النزعات المنافية للشعور الديمقراطي، وتصفية هذه النزعات في نفسه» (مالك بن نبي،القضايا الكبرى. ص148)

 معنى ذلك أن دور التربية هنا يكمن في ترسيخ الشعور بقيم تقدير الإنسان لنفسه وللآخرين، ذلك من خلال تفعيل ميزة التكريم التي خصه الله بها، لأن قيمة التكريم تفوق الحقوق السياسية التي يتمتع بها المواطن في البلاد الغربية، كما تفوق الضمانات الاجتماعية التي يتمتع بها الرفيق في البلاد الشرقية، ذلك أن الإنسان الذي يحمل بين جانبيه الشعور بتكريم الله له، يشعر بوزن هذا التكريم في تقديره لنفسه وفي تقديره للآخرين لأن الدوافع والنزعات السلبية المنافية للشعور الديمقراطي تبددت في نفسه.

 لا شك أنه إذا استطعنا تحقيق هذا الهدف التربوي المتمثل في تطبيع الإنسان المسلم اليوم على قيم الديمقراطية عن طريق تفعيل ميزة التكريم في نفسه –حسب بن نبي-، فيتمثلها بالتالي في سلوكه، فتظهر آثارها في توطيد عالم الأشخاص، مما يعمل على تشكيل شبكة العلاقات الاجتماعية اللازمة لتفعيل عملية التغيير الاجتماعي.

 15. ربط العلم والتعليم بالحاجات الاجتماعية:يرى مالك بن نبي أن واقع تعاملنا مع العلم والتعليم ما زالت تحكمه الاعتبارات التقليدية، التي لا تربط العلم والتعليم بالحاجات الاجتماعية، والتي لا تنتج من العلم والتعليم غير عالِم لا ينفع المجتمع إلا قليلا، أو عالِم يضر المجتمع بعلمه. ولذلك يلاحظ « أن العلم السائد في العالم العربي والإسلامي لا يلامس الجراح، ولا يقوى على تخفيف المعاناة، وحل المشكلات بالشكل المناسب، وهذا الأمر مرده إلى الفشل في جعل العمل موجها من الفكر بواسطة التربية، وبناء الإنسان بناء ثقافيا جديدا» ( أسعد السحمراني، 1986. ص226).

 وعليه ترجع هذه الظاهرة إلى أننا لم نفكر في العلم إلا على أساس يستهدف التكديس المعرفي، وليس تثوير الجهد الإنساني من أجل إعادة صياغة الإنسان في مجتمعنا، وتحقيق معادلة يتحقق من خلالها التواؤم بين العلم والتعليم، وضرورات بناء المجتمع وتحقيق قوته الداخلية والخارجية (مالك بن نبي، تأملات. ص189). لذلك يرى بن نبي ضرورة إعادة النظر في مناهج التعليم، وأهداف إكساب العلم في ضوء هدف مركزي هو صناعة الإنسان الجديد، وتغيير معادلته الشخصية الراكدة. وهذا لا يتحقق إلا إذا كان هدف التعليم، ليس فقط اكتساب العلم النظري المجرد والفن التطبيقي، بل قبل هذا وذاك، التركيز على التربية السلوكية التي تستهدف بعث قيم الفعالية وتنمية الوعي بالمشكلات والتخلص من العادات السلوكية الراكدة والوعي بالأهداف العليا للمجتمع.

 بمعنى أن وضع البرامج التعليمية يتحدد في ضوء الأهداف التغييرية والتنموية للمجتمع، وأن تكون مرتبطة بحاجاته ومرحلته التي يعيشها ومحيطه الثقافي المطلوب. مما يعمل على تكوين المتعلم الإيجابي الذي يحركه مبدأ أخلاقي يخدم الآخرين، ويعمل على توظيف العلم الذي اكتسبه لخدمة الأهداف الاجتماعية العامة.

 وتعليقا على ما سبق نقول أن استعراضنا لهذه العوامل التربوية يهدف إلى بيان أهميتها كعناصر حساسة في عملية التغيير الاجتماعي، كما يتصورها مالك بن نبي، وذلك استنادا إلى آثارها المادية والمعنوية المترتبة عن وظيفتها سواء في حالة الوقوع أو في حالة الرفع، وإن هذه العوامل متداخلة بصورة معقدة يصعب التمييز بينها بدقة، إذ أن بعضها يُستمد من بعضها الأعم منها، فتصبح بالتالي وسائل لها، وهي في النهاية تعد كلها وسائل لتحقيق الهدف العام للتربية وغايتها عند مالك بن نبي. ومن شأن هذه العوامل أن تتجه في جملتها إلى تنميه الوعي، وشحذ الإرادة وإيقاظ الضمير وتحريك العضلات، وهي الشروط الضرورية التي يراها بن نبي كفيلة بخلق شروط الفعالية لدى إنسان ما بعد الحضارة، هذه الشروط التي تمكنه من التخلص من موروثات الماضي السلبية ورواسبه، وفي ذات الوقت من إيجاد ظروف مادية ومعنوية جديدة، تصله بعجلة التاريخ وجدلية حركتها الصاعدة (محمد بغداد باي، 2006، ص173، 174).

 وإذا ما تحقق هذا يكون الإنسان المسلم في نظر بن نبي قد استكمل شروط استخلافه في الأرض، لأنه يكون عندئذ قد أحيا في نفسه دواعي السماء، فربط بذلك الحقيقة الغيبية، مصدر مبررات وجوده بحقيقته الأرضية، مصدر سعيه ورزقه. وإن ذلك لن يتحقق إلا من خلال الدور الذي يمكن أن تضطلع به التربية في عملية التغيير هذه عند مالك بن نبي.

 خلاصـة:

 إن تميز مالك بن نبي في طرحه المبكر لمشكلات موضوعية ترتبط بطبيعة الوضع المتخلف للمجتمع الإسلامي، وما يلازمه من أحوال نفسية-اجتماعية، بالإضافة إلى تشخيصه التحليلي الذي لا يقف عند الوصف الخارجي لأعراض المرض، بل يتعداه إلى بحث أسبابه الحقيقية، جعله يتميز على مستوى المعالجة القائمة على المنهج التربوي البنائي الذي يهدف إلى إعادة تشكيل البنية الثقافية بما يجعلها أداة فعالة لإحداث التغير في الفرد والمجتمع.

 من هذا المنطلق يتجلى لنا الدور الحيوي للتربية والذي تفرضه المرحلة التاريخية للمجتمع الإسلامي المتخلف، ووضعية الإنسان فيه باعتباره إنسان فاقد للروح المغيرة ولقيم الفعالية، ولإرادة التغيير، وبذلك فمشكلته تنبع من داخله، من نفسه التي تحتاج إلى إعادة في الصياغة، وتعديل في الإرادة والقيم، وبث لروح التغيير.

 والتربية التي ينشدها مالك بن نبي، والتي يراها كفيلة بتحويل هذا الواقع المعيشي من حالته السكونية المتخلفة إلى حالة حركية متطورة، تستند إلى إستراتيجية تربوية للتغيير الاجتماعي، والمتمثلة في عملية التجديد التي تنتهج طريقتين هما:

  • معرفة معوقات التغيير، ومن ثم تصفيتها وإزالتها، أي بطريقة سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي.
  • معرفة عوامل التغيير، ومن ثم العمل على ترسيخها، أي بطريقة إيجابية تصلنا بمقتضيات المستقبل.

 وهكذا تتجلى لدينا حقيقة جوهرية في فلسفة مالك بن نبي التربوية قوامها الفرد والمجتمع معا، ومؤكدا في نفس الوقت على أسبقية الجانب الاجتماعي لأن الظروف التاريخية للمجتمع الإسلامي تفرض ذلك، كشرط ضروري للخروج من مرحلة ما بعد الحضارة، والدخول في مرحلة الحضارة، والتي إذا ما تحققت استفاد الفرد من قيمها وضماناتها، وبالتالي استطاع أن يعبر عن ذاته وكانت لقدراته أصداء تحتضنها في مجتمعه، وقدرة الفرد وإرادته لن تتحققا إلا في ظل تحقق قدرة وإرادة المجتمع، وتحقيق قدرة المجتمع وإرادته تتجليان في صورة قيام حضارة.

 وإذا كانت الحضارة عند مالك ابن نبي هي ذلك الشكل الراقي من أشكال الحياة البشرية، فإن ما يميزها هو أننا لا نولد مزودين بها، بل لا بد أن نتعلم عناصرها المختلفة ونكتسب معانيها، فهي تعبر عن الجانب الابتكاري الذي يصنعه الإنسان دائما حتى يتسنى له تنظيم حياته على أسس اجتماعية إنسانية، وليس فقط على أسس بيولوجية حيوانية، فالحضارة إذن تشمل طرق الإنتاج التي تتأثر بالظروف الخاصة لكل مجتمع، مثل الأساليب العلمية وغير العلمية، وأنواع المعرفة والعادات والتقاليد، ووسائل التبادل الفكري من لغة ورموز وأصوات، وأدوات مختلفة ونظم عائلية واقتصادية وسياسية وقضائية، هذا بالإضافة إلى المعاني المختلفة للحقوق والواجبات والمسؤوليات والأخلاق، وكل هذا مرتبط بالإنسان ومن هنا تبرز التربية كإستراتجية وضرورة حضارية.

 قائمة المصادر والمراجع

 القرآن الكريم.

 أسعد السحمراني، مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا. ط:2. بيروت: دار النفائس، 1986.

  1. بدران بن مسعود بن الحسن، الظاهرة الغربية في الوعي الحضاري- أنموذج مالك بن نبي- ط:1. سلسلة كتاب الأمة، قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. العدد: 73، 1999.
  2. بن براهيم الطيب، مالك بن نبي وابن خلدون، مواقف وأفكار مشتركة. دار مدني، 2002.
  3. سعيد إسماعيل علي، الخطاب التربوي الإسلامي، سلسلة كتاب الأمة. ط:1. قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. العدد: 100، 2004.
  4. سعيد إسماعيل علي، فقه التربية. ط:1. القاهرة: دار الفكر العربي، 2001.
  5. علي القريشي، التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي، منظور تربوي لقضايا التغيير في المجتمع المسلم المعاصر.ط:1. الزهراء للإعلام العربي، 1989.
  6. فوزي الشربيني، التربية الجمالية بمناهج التعليم. ط:1. القاهرة: مركز الكتاب للنشر، 2005.
  7. مالك بن نبي، تأملات. ط:2 . دمشق: دار الفكر، 1988.
  8. مالك بن نبي، شروط النهضة. ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، ط:4.

 10. مالك بن نبي، الصراع الفكري في البلاد المستعمرة. ط:3. دمشق: دار الفكر، 1988.

 11. مالك بن نبي، فكرة كمنويلث إسلامي. ترجمة الطيب الشريف. ط:2 . دمشق: دار الفكر، 2000.

12. مالك بن نبي، القضايا الكبرى. ط:1. دمشق: دار الفكر، 1991.

13. مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي. ترجمة بسام بركة وأحمد شعبو. ط:1. دمشق: دار الفكر، 1988.

14. مالك بن نبي، مشكلة الثقافة. ترجمة عبد الصبور شاهين. ط:4. دمشق: دار الفكر،1984.

15. مالك بن نبي، ميلاد مجتمع- شبكة العلاقات الاجتماعية. ترجمة عبد الصبور شاهين. دمشق: دار الفكر، 2002.

16. مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي. ترجمة عبد الصبور شاهين. ط:5. الجزائر: دار الفكر، 1986.

17. محمد أحمد موسى، التربية وقضايا المجتمع المعاصر. دار الكتاب الجامعي، 2002.

18. محمد بغداد باي، التربية والحضارة- بحث في مفهوم التربية وطبيعة علاقتها بالحضارة في تصور مالك بن نبي. عالم الأفكار، 2006.

19. محمود محمد سفر، دراسة في البناء الحضاري ''محنة المسلم مع حضارة عصره''. ط: 20. سلسلة كتاب الأمة، قطر: مؤسسة الخليج للنشر والطباعة. العدد:21 ،1989.

21. نورة خالد السعد، التغيير الاجتماعي في فكر مالك بن نبي. ط:1. الدار السعودية للنشر والتوزيع، 1997.