Revues.Univ-Ouargla

الهوية العمرانية للمدينة الصحراويةpdf

القصر القديم بمدينة الأغواط

 

نجاة قناطي

حنان بوناب

جامعة قسنطينة 2 ( الجزائر)

ملخص:

ترتبط الهوية العمرانية للمدينة الصحراوية بمفهوم العمارة الأصيلة التي تمثل خاصية فريدة و متميزة حيث أن العمران الذي يعتبر كثقافة مادية يشمل على خصائص التغير و الانتشار و الانتقال كما تعتبر خصوصية العمران بوصفه إذا ما كان أصيلا يرتبط بهوية مستعمليه أو هو نتاج تهجين أو تدخل لثقافات عمرانية خارجية، مما يعني أن العمران لا يمكن اعتباره أصيلا بكامله، و قد يكون العمران المعاصر أصيلا في بعض المجتمعات المبدعة كمدينة غرداية.

فالعمران بالمدينة الصحراوية يملك طابعا أصيلا و ذاكرة غنية من خلال القصور و المدن التي شكلت أنوية المدن الحديثة و التي تطورت انطلاقا منها في ظروف تاريخية مختلفة، لطالما أنشئ و تنظم هذا العمران على أساس من التناغم البيئي و الاجتماعي كون القصر التقليدي أو المدينة التاريخية هي في الواقع نتائج مراعاة الظروف البيئية الصحراوية و أيضا تمثيل لصورة تنظيم اجتماعي و سياسي و اقتصادي لسكانها.

كما يرتبط العمران القديم في المدن الصحراوية بمفهوم التراث المعماري الذي يتعلق بما هو باق من الزمن الماضي لثقافة الشعوب سواء تعلق بالجانب المادي أو اللامادي, إذ يشكل التراث المعماري أهمية بالغة لدى الشعوب الحية سواء تعلق ذلك بمراكز عمرانية كاملة أو منها بعض المباني أو المعالم المنفردة، حيث عملت الحكومات عبر مختلف العصور على حماية التراث المعماري من خلال سنها لقوانين و تشريعات و قيامها بإجراءات الحماية.

الكلمات المفتاحية: الهوية العمرانية، المدينة الصحراوية، القصور،المدينة القديمة، التراث المعماري،الأصالة و المعاصرة.

Summary:

Urban identity linked to the desert city of the concept of authentic architecture that represents a distinct unique property and, as urbanization, which is a material as a culture includes the characteristics of change and non-proliferation and moving, as is the privacy of urbanization as if they were an integral associated with the identity of its users, or is the result of hybridization or interference of cultures Foreign urban, which means that urbanization can not be regarded as an integral whole, and contemporary urbanism may be inherent in some of the creative community as a city of Ghardaia.

Valamran desert city has the character an authentic and rich memory through the palaces and cities that formed the nuclei of modern cities, which evolved out of them in different historical circumstances, for as long established and organize this urbanization on the basis of environmental harmony and social fact that traditional or historical city is the palace in Indeed, the results of the desert into account the environmental conditions and also the representation of the image of social organization and political and economic population.

The old urbanism is also associated in the desert to the concept of architectural heritage which relates to what is remaining of the last time to the culture of the people, both attached to the physical side or immaterial cities, it is an architectural heritage of great importance to the living peoples, whether attached to the centers of urban complete or from some of the buildings or monuments individual, where she worked as governments across the ages to protect the architectural heritage through the enactment of laws and legislation and its protection procedures.

Keywords: Identity urban, desert city, the ancient city, architectural heritage, authenticity and contemporary.

مقدمة: تعتبر القصور في المناطق الصحراوية الجزائرية نموذجا لا يزال يحافظ على خصائص عمرانية و اجتماعية و ثقافية تعبر عن حياة سكانها الذين يحافظون على وسائل الحياة البسيطة التي تكفل لها الانسجام و التفاعل الاجتماعي, إضافة إلى ما يملكه العمران القديم للقصور من تناغم بيئي كونه يمثل نموذج من التصميمات الهندسية التي تتماشى مع ظروف حياة البيئة الصحراوية, كما انه يحمل طابعا أصيلا يرتبط بهوية مستعمليه و لذلك يجب المحافظة على العمران القديم بالمدينة الصحراوية و ذلك من خلال القوانين و إجراءات الحماية و قد تناولنا في هذه المداخلة المحاور التالية:

  1. خصائص المدينة الصحراوية القديمة.
  2. المشكلات المتعلقة بالتخطيط العمراني القديم في المدينة الصحراوية.
  3. دور القوانين و التشريعات في حماية التراث المعماري للمدينة الصحراوية.

خصائص المدينة الصحراوية "الأغواط" القديمة:

الخصائص الطبيعية:تقع المدينة القديمة في الجزء الشمالي من مدينة الأغواط , يحدها من الشمال الواحات الشمالية و من الجنوب الواحات الجنوبية , من الغرب حي العمورة و من الشرق واد مزي , تقدر مساحتها ب 35,5 هآ , و تتموضع المدينة على هضبة تيزيقرارين , يسودها مناخ بارد شتاءا وحار و جاف صيفا, فقد كان للمناخ و الطبيعة المحيطة أثرها الفعال في تخطيط المنازل (طاهري 2009 ص ص 11 17) , و قد بلغ عدد سكان المدينة القديمة سنة 2007 حوالي 2482 نسمة (مديرية التخطيط و التهيئة العمرانية الأغواط)

الخصائص العمرانية: تعتبر المدينة القديمة النواة الأولى لنشأة مدينة الأغواط , فهي تمزج بين الطابع التقليدي القديم و الطابع الأوروبي مما أدى إلى اختلاف واضح بين هذين النسيجين من حيث طراز المبنى و كذا توضعها داخل المجال.

الطابع التقليدي القديم(القصر): لم تشر المصادر التاريخية إلى نشأة هذا القصر , لكن الراجح أن تكون القبائل البربرية التي استقرت بهذه المنطقة منذ وقت مبكر قد شيدت بمكانه بنايات تخزن بها منتجاتها و تأوي إليها عند الضرورة.[1]

يتكون القصر من عدة منازل تتموضع بشكل تتابعي و متداخل تمتاز بالبساطة , فهي تخلو من جميع مظاهر الترف و الزخرفة و تستجيب لمقتضيات البيئة الموجودة بها , و تتكون البيوت في القصر من طابق أو طابقين , كما يحتوي القصر على ساحة وسطى التي تعتبر نقطة التقاء الأزقة و تسيير المرور و هي المكان الذي يستلهم منه ضوء النهار, إضافة إلى مسالك و ممرات يكون توجهها من الشمال إلى الجنوب لتفادي تعرضها و تعرض مداخل البيوت على أشعة الشمس .

تشمل الشوارع الرئيسية مكان اتصال بالوحدات الرئيسية للقصر كالمداخل و رحبة الحجاج و السوق ,يكون عرضها بمقدار استيعاب جمل واحد محمل , أما بالنسبة للطرق الثانوية فينحصر دورها في التنقل من الطرق الرئيسية إلى الدروب أو الأزقة و لذلك فإن اتساعها يكون اقل من الأولى, أما بالنسبة للواجهات العمرانية فهي مطلة على شارع زقاق الحجاج و هي تخلو من أي عنصر زخرفي ماعدا بعض العناصر الرمزية تعلو عقب الأبواب , كما توجد بها بعض الفتحات و النوافذ و الباب الخارجي المؤدي داخل البيت و ثقب المزاريب الخاصة بتصريف مياه الأمطار.

أما بالنسبة للمحيط الداخلي للمسكن بالقصر فيتكون مما يلي:

المداخل: مداخل الدور الأول في القصر القديم محورية , ثم تحولت إلى النظام المنكسر حيث يسمح هذا النظام بترك الباب مفتوحا طوال النهار لخلق تيار هوائي بينه و بين الفناء , تصنع الأبواب من جذوع النخيل تمتاز بانخفاض ارتفاعها , حيث تتناسب و دخول حمار محمل , كما أن أبواب الدور المفتوحة بالشوارع أو الدروب لم تكن متقابلة مع بعضها البعض مراعاة لحرمة من بداخلها, و هي ميزة استمدت أصولها من أحكام الشريعة الإسلامية الداعية إلى حرية الفرد بالمجتمع دون الإخلال بالنظام العام[2].

السقيفة: يؤدي المدخل إلى السقيفة التي تؤدي بدورها إلى وسط الدار و أحيانا تنحصر في جدار منخفض يحول بين رؤية الناظر ووسط الدار , و السقيفة هي إحدى المكونات الأساسية للبيت فهي تحافظ على أسراره , كما تعد نقطة انتقال بين المحيط الخارجي و الداخلي للمسكن[3].

الفناء (وسط الدار) :يشكل الفناء فضاء واسعا و مريحا للحركة و النشاط لأهل الدار فهو المكان المفضل للمرأة لإنجاز بعض أعمالها اليومية , كما يعتبر مكانا لتجمع أفراد الأسرة و لعب الأطفال , و عادة ما يحيط بالسقف على جنباته و الصحن المكشوف , و هو الميزة الرئيسية للمسكن الإسلامي[4] .

الأروقة : أحيط بالفناء من الجهتين أو الأربع جهات أروقة ذات فتوحات متسعة تساعد على تلطيف الجو و التقليل من حدة أشعة الشمس و تؤكد الدراسات العلمية أنه كلما زاد اتساع الفتوحات التي تدخل منها الهواء , و ضاق مخرجه كلما زادت نسبة تهوية المبنى و إذا حدث العكس فإن تهوية المبنى تقل , و على هذا الأساس فإن الملاحظ بالقصر القديم يدرك أن معظم الفتوحات المتمثلة في الفناء و الأروقة و أبواب الغرف و المخرج الرئيسي تسمح باستغلال قدر كبير من التيار الهوائي , ويخلق بها جو من البرودة و زيادة على ذلك فإن الأروقة لها دور معماري , حيث اتخذت بمثابة الحامل الذي يقوم عليه ممر الطابق العلوي و سقفه أيضا.

الغرف : تتوزع الغرف حول وسط الدار و تمتاز ببساطتها و استطالتها و ضيقها و عملية التسقيف يعتمد فيها غالبا على وسائل محلية لا يتجاوز طولها المترين و النصف كخشب النخيل أو شجر العرعار , كما تمتاز الغرف بعدم وجود زوايا قائمة بها , وعدم استقامة جدرانها, و يعود ذلك إلى عدم انتظام البيت بصفة عامة و تخلو الغرف من الفتوحات باستثناء باب المدخل[5].

المطبخ: و هو عبارة عن غرفة صغيرة غالبا ما تكون مستطيلة الشكل , تطل على الفناء و غالبا ما يكون مزود بموقد في ركن من أركانه للطهي و يراعى في تحديد هذا الموقد مبدأ دفع الضرر و حفظ الجوار و عادة ما يكون المطبخ في الطابق العلوي كفضاء مستقل[6].

الملحقات الصحية: تقع المراحيض في أماكن معزولة عن جناح المعيشة و محجوبة عن الأنظار, أما من حيث شكلها فأغلبها تطل على الشارع.

السطح : يقع وسط الدار في الطابق الأرضي , غير مفتوح أساسا على الخارج باستثناء فتحة على شباك أفقي , ومع قلة الغرف و محدودية المساحة المغطاة في الطابق العلوي , فإن ذلك يوفر فضاء كبيرا مكشوفا يستغل على مدار السنة , لأهميته , و ازدواجية الاستعمال , كمجال للخدمات خلال فصل الشتاء نهارا و فضاء مناسبا لاجتماع الأسرة في الصيف ليلا للمسامرة و النوم معا, أما في النهار فيستغل أساسا لتجفيف المواد الغذائية و تخزينها لفصل الشتاء[7]، و يربط السطح بدرج يحشر دائما في الزاوية و يحتل فضاء صغير جدا و تكون أدراجه تتراوح ما بين 20و25سم و عددها ما بين 8الى 10 درجات و نلاحظ أحيانا و جود درجين في المنزل أحدهما يكون مرتبط مباشرة بالسقيفة من أجل تجنب وسط الدار خاص بالضيوف و الثاني مخصص للعائلة.

الطابع الأوروبي: خلال الفترة الأولى من الاستعمار 1852_1900 نشأ المركز الأوروبي بشكل منظم و بنمط موحد , حيث يتكون هذا النمط من بنايات ذات طابع أوروبي يصل ارتفاعها إلى طابقين سواء كانت مخصصة للسكن أو للإدارة , حيث تكون المساحات المبنية متوازية و متراصة على طول الطريق تخضع إلى تخطيط شطرنجي , أما بالنسبة للمجالات الحرة , فيوجد بشارع عميروش رحبة الزيتونة , التي تقع وسط المجال مقابل مركز الشرطة و مديرية السياحة و هي غير مهيأة لجذب السكان نحوها حيث تنعدم بها النشاطات الترفيهية إذ أصبحت منطقة عبور , إضافة إلى الحديقة العمومية , فهي تقع غرب مجال الدراسة لها شكل هندسي مستطيل بها أربعة مداخل و هي مهيأة مما جعلها تشهد حركة مستمرة خاصة كبار السن.

أما بالنسبة للواجهات العمرانية فإن توضع الكتل المبنية و تراصها بصورة خطية على طول استقامة شارع عميروشأعطت صورة عمرانية جميلة حيث تنظم الواجهات العمرانية للبنيات و يتميز شارع عميروش بوجود عناصر جمالية مثل الشرفات , الأقواس المغطاة الحاملة للواجهات و التي أعطت ميزة خاصة لشريان المدينة.

الخصائص الاجتماعية و الثقافية:

التماسك وعلاقات القرابة: تمتاز العلاقات الاجتماعية في المجتمع التقليدي الصحراوي بالتماسك إذ يرتبط الأفراد أو الجماعات بعضهم البعض ارتباطا وثيقا على الرغم من التوزيع المكاني حيث نجد مثلا قبيلة واحدة تنقسم إلى وحدات قرابية , و يجمع البناء القرابي بين علاقات القرابة و علاقات المصاهرة , كذلك تشكل الجهات الأصلية مكان إقامة تلك الجماعات حيث تشغل كل جماعة جهة من تلك الجهات , و يعكس ذلك مجموعة من الروابط و الالتزامات المتبادلة , فيعكس التكتل السكني المكاني مبدأ القرابة و يشير تجاوز المساكن و تباعدها إلى الإبعاد المكانية و الاجتماعية بين أعضاء الجماعة القرابية في المنطقة السكنية , و تخطط المنطقة بكل عناصرها و كأنها مسكن واحد للحماية.[8]

الشعور بالانتماء: و يعتبر الشعور بالانتماء من خصائص المجتمع التقليدي الصحراوي حيث يقول رالف لينتون في تأكيد أهمية الشعور الفاعل في تشكيل المجتمع التقليدي المبني على أساس قبلي يقول : « أن القبيلة في أبسط أشكالها جماعة من الزمر أو العصب تحتل أرضا متجاورة ليهم شعور بالوحدة و الانتماء , ناتج عن أوجه الشبه العديدة في ثقافتهم و الاتصالات الودية و المصالح المشتركة و قد يكون لديهم تنظيم قبلي رسمي يتفاوت في تفاصيله » و هذه الوحدة المشار إليها ليست شيئا جمدا بل مشاعر قوية تكون مانعا لأي تغيير طارئ مكونة نسق من العلاقات الاجتماعية.

الخصوصية: الخصوصية هي احدي صفات المجتمع التقليدي الصحراوي و انعكس ذلك على تعدد المداخل لتحصين الخصوصية و الحماية والفصل بين حجرة استقبال الضيف و الفناء_حيث الأنشطة المختلفة لأهل البيت_بمساحة تسمى صحن البيت. وكذا احترام خصوصية الجار في وضع أبواب المنازل بحيث يراعى ألا يفتح بابان متقابلان تماما في شارع واحد و ارتفاع منسوب جلسات النوافذ الخارجية و استخدام السطوح المرتفعة لإمكانية الإعاشة و النوم بالليالي و كذلك الأسوار المرتفعة نحو المنازل.

التمسك بالدين: و سلوك التمسك بالدين كان له تأثير على عمارة الصحراء انعكس في التالي:

ü   سيطرة المسجد على التخطيط العام للمدينة .

ü   بناء المآذن بدون شرفات حتى لا يكشف سطح المنازل المجاورة .

ü   عدم الكتاب على القبور و عدم بناء أي قباب عليها .

ü   جاءت الفراغات التي تعقب المداخل ملتوية أو منكسرة .

  • احتوت بعض المنازل على فناء داخلي خاص للضيوف, مما يحقق خصوصية أكـبر.[9]

علاقات الجيرة و الصداقة : تلعب علاقات الجيرة دورا هاما في بناء المجتمع التقليدي الصحراوي و التي تبحث عن التقارب الفيزيقي للمساكن و ضيق المجال الجغرافي و بروز علاقات النسب المبنية على الثقة و النسب و هناك الجوار المكاني و الجوار الشخصي ذو الصيغة الاجتماعية و تمتاز بوجود أنماط من الأنشطة الاجتماعية يتبادلها أعضاء الجوار و يصاحب هذه الأنشطة علاقات اجتماعية تتفق مع طبيعة و نوع الروابط التي تسود الجيرة , و يصاحب هذه الأخيرة تجانس يسمح بوجود علاقات اجتماعية تمتاز بإحساس قوي بالشعور الذاتي , أما بالنسبة لعلاقات الصداقة التي تعتبر نوع من الروابط الاجتماعية التي تنشأ بين الأفراد و الجماعات التي تتشابه في التفكير و الميول و الاتجاهات و المصالح الفردية, هذه الصداقة تربط بين الجماعات بحكم الإقامة و هذه الصداقة أخذت حكم الاستمرارية و تسير بين مختلف الفئات العمرية , حيث يعتبر هؤلاء الصداقة جزء من ذاتهم يشاركون في الأفراح و الأحزان و المشاكل و تمتد العلاقة بين الزوجات و الأزواج مما يتكون عنه شبكة من العلاقات الاجتماعية.

سيادة العرف : قدرة أفراد هذا المجتمع على حل النزاعات و الخصومات من خلال العودة إلى ما هو متعارف عليه و متوارث منذ القدم و الاعتماد على الحل الودي بالرجوع إلى كبار السن وولاة الأمور وغياب الضبط الاجتماعي نظرا للافتقار إلى سلطة مركزية و اعتماد المجهود الفردي دون انتظار السلطة المركزية لمواجهة مشاكلهم.[10]

سيادة القيم : يوجد في كل مجتمع نسق من القيم التي تلقي نوعا من الاستجابة بقصد تحقيق التماسك بين الأفراد بل يمكن لها تحقيق التجانس إذ أنها ملتقى السلوك ووسيلة من وسائل تنظيمه و تحقيق الضبط الاجتماعي و الامتثال للقيم و يعتبر الدين من أهم النظر لتحقيق الضبط الاجتماعي و يلعب دورا هاما في المجتمع التقليدي و يمتد تأثيره إلى الحياة الاجتماعية و الأخلاقية و الاقتصادية حيث يتميز أفراد هذا المجتمع بإيمانهم العميق بالقضاء و القدر و انصياعهم التام و تطبيقها في الحياة اليومية.

  • انتشار العادات و التقاليد: التقاليد هو كل شيء موروث و له جذور في التاريخ سواء كان مادي أو معنوي و التقاليد هي المحافظة على طبيعة القيم الثقافية و المادية و التقاليد هي « نزعة ترمي إلى الحفاظ على المكاسب الماضية و الاعتماد على ما خلفه الأقدمون و باسمها يبقى على الكثير من النظم و العادات
  • مشكلات تخطيط العمران القديم بالمدينة الصحراوية: هناك العديد من المشكلات التي تواجه تخطيط العمران بهذه المدينة و يمكن ذكر أهمها:

ما يتعلق بإستراتيجية تخطيط العمران القديم: رغم زيادة الاهتمام بالمدينة القديمة إلا أن هناك غياب للسياسات الواضحة في التعامل مع هذا النوع من العمران، و ذلك بسبب عدم الاتفاق حول الإجراءات الواجب إتباعها للمحافظة على التراث العمراني،ّنظرا لما يتميز به هذا الأخير من خصائص معمارية و تاريخية خاصة، إضافة إلى أن الاهتمام بالمحافظة على العمران القديم ما يزال محل اهتمام بعض الجهات المحلية كالبلديات و كذا بعض الهيئات العلمية و الثقافية، أين ينحصر انشغالها في الإعلان عن أهمية التراث المعماري و التذكير بتاريخيته و حضارته، و جرد المباني و توثيقها أو إحاطتها بأسوار دون أن يتعدى ذلك العمل الترميمي و التجديدي.

-أن ما هو موجود من المواقع العمرانية يتعرض إلى التدهور و التقادم في البنى التحتية و الهياكل العمرانية للمدينة القديمة: حيث تتعرض بعض المباني في القصر القديم بالأغواط إلى تشققات من الداخل و الخارج منها السقوف و الأرضيات و السلالمّ، و ذلك راجع إلى طبيعة المواد المستعملة في البناء كالخشب و الطين المجفف، إضافة إلى النسيج العمراني المتلاصق الذي نتج عنه نقص في التهوية و التشمس و الإضاءة و زيادة نسبة الرطوبة[11] ، إضافة إلى الجريان الباطني للمياه الناتج عن تسربات شبكات مياه الشرب و المياه المستعملة و مياه الأمطار الذي يكون لها تأثير على البنايات.

- أن العديد من وظائف المدينة القديمة قد تغيرت:إذ أن مدينة الأغواط تعتبر أقرب منطقة صحراوية للجزائر العاصمة و هو ما دفع الاحتلال الفرنسي إلى احتلالها سنة 1852م و عمل على تحطيم جزء كبير من المدينة و تحويلها إلى مركز عسكري إداري و ذلك ببناء الثكنات العسكرية و المباني الإدارية و توسيع الطرق و كل ذلك على حساب القصر القديم، فقد عمل الاستعمار الفرنسي على تغيير وظائف المدينة من مدية سكنية تجارية إلى مدينة إدارية عسكرية، كما أن التغيرات التي شهدتها مدينة الأغواط بعد سنة 1962م –من ظهور المنطقة الصناعية بوشاكر و التوسع العمراني نتيجة النمو الديموغرافي- أدت إلى توسع المدينة و التخلي عن المدينة القديمة مما زاد من تدهورها، إضافة إلى تغيير في نشاطاتها و وظائفها، كما أن احتكار المدينة لمختلف الوظائف و الخدمات أصبح يشكل عائقا أمام تطورها و المحافظة عليها.

-التغيرات على مستوى المساكن: لقد أدى زيادة عدد أفراد الأسرة إلى إحداث توسيع و تعديل على مستوى مساكنها الضيقة مما أدى إلى الإخلال بالتخطيط العام للمدينة القديمة، كما عمد أصحاب المساكن المتهدمة إلى إعادة بناء مساكنهم دون مراعاة تخطيطها و انسجامها مع النسيج العمراني القائم و هو ما أدى إلى تغير الطابع المميز للمدينة القديمة[12].

- أن ما تتميز به فيزيولوجية المدينة القديمة من شوارع ضيقة و ملتوية أدى إلى صعوبة استعمال الوسائل الجديدة للتنقل، و كذا صعوبة تزويد المباني في المدينة القديمة بالتجهيزات الحديثة و إيصالها بالخدمات.

- التغير الاجتماعي و الثقافي لمجتمع المدينة القديمة: غالبا ما تكون أجزاء المدينة القديمة قد شيدت لأجل مصالح و اهتمامات و قيم مشتركة، سواء كانت هذه القيم قائمة على الدين أو المهنة أو نوع من الثقافة و غيرها، أما اليوم فإن المجموعة الأصلية التي شيدت الحي تختفي لتحل محلها جماعة أخرى ذات قيم مختلفة بشكل كبير، و هي في كثير من الأحيان لا تعرف قيمة المنطقة التي تشغلها[13] حيث فقدت مدينة الأغواط 6268 نسمة خلال 30 سنة ، فكان لهجرة السكان الأصليين لقصر ظهور عادات و تقاليد جديدة تؤثر على الهيكل العمراني للمنطقة و خصوصيتها.[14]

- غياب أو ضعف أو قلة التشريعات و القوانين المحددة لكيفية التعامل مع الممتلكات الخاصة و استثمارها و تجديدها في المدن القديمة، حيث يمتنع المالكين الخواص عن ترميم مبانيهم طمعا في ترميمها من طرف المستأجر، كما أن البنايات العامة تعرف نوعا من الإهمال بسبب عدم صيانتها لعدة سنوات[15] .

- غياب أو ضعف أو قلة البرامج الخاصة بتجديد و ترميم المدينة القديمة و كذا الجهات المؤهلة لذلك، و كذلك نقص الإمكانيات و الموارد الضرورية للمحافظة على العمران القديم في الدول النامية بشكل خاص، حيث أنه من العسير على من يريد المحفاظ على هذا التراث أن ينال مراده في هذه البلدان التي تحتوي على كثير من عناصر التراث العالمي ذات القيمة العالمية و التي لا تمتلك الموارد الكافية لحمل هذا العبء[16].

- غالبا لا يكون لدى ساكني هذه المدن القديمة إدراك لمدي الاحترام الذي يكنه آخرون لبنية هذه الأحياء و أهميتها بالنسبة للتراث المعماري، ذلك لأنها لا تشكل بالنسبة لهم إلا مكانا يعيشون و يعملون فيه و ليست مكانا يصان و يجب المحافظة عليه لأنه يمثل هوية عمرانية فريدة[17].

دوما إلى توفير الوسائل الحديثة و المتطورة من أجل حماية التراث المعماري رغم أن الاستفادة التقنية و العلمية فيما يخص الأدوات المستحدثة في مجال المحافظة و الترميم تبقى غير كافية.

دور القوانين و التشريعات في حماية التراث المعماري بالمدينة القديمة: تزخر المدينة القديمة بالعديد من الخصائص التي أعطتها شخصية فريدة و متميزة و من ثم يجب المحافظة عليها و تطويرها، ذلك لأنها لا تزال تقدم الكثير من الوظائف ذات الأهمية البالغة كالوظيفة التجارية و الحرفية و الدينية و السياحية و غيرها، زيادة على أنها تحتوي على عدة معالم ذات قيمة فنية لها دلالتها التاريخية و الحضارية و التي تشكل في كثير من الأحيان مواقع سياحية للعديد من الفئات عبر العالم و بذلك تبرز أهميتها الثقافية و الاقتصادية، حيث تعتبر بعض المواقع داخل المدينة القديمة من الرموز الوطنية فهي تحدد الهوية و الانتماء التاريخي للمجتمع و بالنظر إلى أهمية العمران القديم الذي يعتبر جزءا من ماضي المجتمع و هويته بما يحتويه من مرافق و منشآت تعكس مدى تطور هذا المجتمع عبر مراحله التاريخية، فقد عملت الدولة الجزائرية على حماية هذا العمران من خلال سياسات خاصة تسعى دوما إلى توفير الراحة و الأمان لساكني المدن القديمة و بذلك فقد أصدرت قوانين للحماية كما أحدثت هيئات مكلفة بالإشراف على تطبيق هذه القوانين.

فعلى المستوى الدولي: فإن الجزائر قد كانت سباقة بالانضمام إلى منظمة اليونيسكو الدولية و أليسكو العربية و هي من بين المنظمات التي تولي أهمية كبيرة للمحافظة على الإرث الحضري، حيث كانت الجزائر تسعى دوما إلى توفير الوسائل الحديثة و المتطورة من أجل حماية التراث المعماري رغم أن الاستفادة التقنية و العلمية فيما يخص الأدوات المستحدثة في مجال المحافظة و الترميم تبقى غير كافية.

على المستوى الوطني:

مديريات الثقافة: تخضع المواقع الأثرية للتصنيف بقرار من الوزير المكلف عقب استشارة اللجنة الوطنية للممتلكات الثقافية و وفقا للإجراءات المنصوص عليها في المواد (16- 17-18)من القانون 98-04 حيث يعد التصنيف أحد إجراءات الحماية النهائية، و تعتبر الممتلكات الثقافية العقارية المصنفة التي يمتلكها خواص قابلة للتنازل، و تحتفظ هذه الممتلكات الثقافية العقارية المصنفة بنتائج التصنيف أيا كانت الجهة التي تنقل إليها و لا ينشأ أي ارتفاق بواسطة اتفاقية على أي ممتلك ثقافي مصنف دون ترخيص من الوزير المكلف بالثقافة،(المادة 16 من القانون 98-04) و من ثم فإن وزارة الثقافة هي المكلفة نيابة عن وزارة الوصية بحماية بحماية و تسيير و المحافظة على المعالم الأثرية.

الدائرة الأثرية: تقوم الدائرة الأثرية بتفويض من الوالي بإجراء جرد أولي للمعالم الأثرية لمدة 10 سنوات، وهذا من أجل حماية و تسيير و المحافظة على المعالم الأثرية و التاريخية.

البلديات: و هي تعد إحدى الأطراف الأساسية المشرفة على تطبيق قوانين الحماية و تسيير الممتلكات الأثرية و ذلك من خلال مخططي التهيئة و التعمير (PDAU و POS) حسب القانون 90/29 المؤرخ في 01/12/1990) حيث تعمل البلدية على حماية الارتفاقات و الأماكن الأثرية بجميع أنواعها.

الجمعيات: لقد منح القانون الجزائري 98/04 من خلال المادة 91 الحق للجمعيات بأن تسعى لحماية و رعاية التراث الثقافي و المعماري حيث " يمكن لكل جمعية تأسست قانونا و تنص في قانونها الأساسي على حماية الممتلكات الثقافية تنصب نفسها خصما مدعما بالحق المدني فيما يخص مخالفات أحكام القانون"

عمليات تهيئة المدينة القديمة انطلاقا من القوانين المعمول بها:

تتضمن عملية تهيئة المدينة القديمة التدخل على مستوى النسيج الحضري القائم و كذلك الجيوب العمرانية الناتجة عن تهديم البنايات، ومن ثم يستدعي الأمر وضع وسائل قانونية تسمح باحترام قوانين التعمير و العمران، حيث يعتبر القانون 98-04 المؤرخ في 15 جوان 1998 المتعلق بحماية التراث الثقافي الوسيلة الأكثر نجاعة في هذا المجال على: التسجيل في القائمة الإضافية، التصنيف و محيط المحافظة، و بالتالي فقد تم جرد كل الممتلكات الموجودة بالمدينة القديمة و العمل على تسجيلها في قائمة الجرد الإضافي على مستوى الولاية في انتظار تصنيفها كتراث وطني، و هو ما يجعل من تدخل الدولة أمر قانوني وواجب. وقد تم تطبيق مجموعة من الآليات لتهيئة المدينة القديمة منها:

تهيئة النسيج الحضري القائم: و هو يعتمد على تطبيق الوسائل و التقنيات الحضرية داخل المجال الحضري من أجل تحسين و تنظيم وظائفه و تطويره حاضرا و مستقبلا، و من ذلك يمكن إجراء مجموعة من الّإصلاحات داخل النسيج الحضري القائم للمدينة القديمة حسب عمليات التهيئة بالاعتماد على المرسوم رقم 83-684 و الذي يحدد شروط عملية التدخل في المساحة الحضرية الموجودة.

عملية التهذيب: و هي تتمثل في إحداث بعض الإصلاحات على بعض البنايات كإصلاح السلالم و السقوف و طلاء الواجهات و غيرها و ذلك بهدف توفير الراحة و الأمان و تحقيق الرفاهية للسكان، و تتضمن عملية التهذيب في المدينة القديمة على بعض العمليات الخفيفة كتوفير الشبكات الضرورية و تخصيص حنفية و دورة مياه خاصة لكل مسكن.

عملية الترميم: و هي عملية تسمح بإصلاح مجموعة من المباني ذات القيمة التاريخية أو المعمارية دون المساس بأحكام القانون 98-04 المؤرخ في 15 جوان 1998 و المتعلق بحماية التراث الثقافي، و قد بلغ نسبة البنايات التي تحتاج إلى ترميم بالمدينة القديمة 77.29%

عملية إعادة التنظيم: و هي تهدف إلى تحسين وضعية المجال و تنظيمه على مستوى جميع مكوناته من سكن و تجهيزات و البنى التحتية و مختلف الوظائف و النشاطات.

عملية إعادة الهيكلة: و هي التدخل على مستوى الطرق و مختلف الشبكات التقنية الأخرى و توقيع تجهيزات جديدة و كذلك قد تشمل هذه العملية تهديم جزئي لبعض الحصص و تغيير وظيفتها[18].

إن العمران القديم بالمدينة الصحراوية أو القصور يلعب دورا مهما في تحديد هوية المجتمع الذي يقطنه نظرا لارتباطه بمجموعة من الخصائص الطبيعية و العمرانية و الاجتماعية و الثقافية ،و من ثم فهو يمثل ارث حضري وطني يجب المحافظة عليه بالرغم من التحديات التي يواجهها و المشكلات التي تعوق تطويره و من ذلك يمكننا طرح مجموعة من التوصيات التي تساهم بدورها في ترقية العمران القديم و المحافظة عليه و إعادة تأهيله.



علي حملاوي « نماذج من قصور منطقة الأغواط : دراسة تاريخية و أثرية» , المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية   وحدة الرغاية، الجزائر، 2006، ص88.

علي حملاوي « مرجع سابق» ص244.

علي حملاوي « مرجع سابق» ص245.

بن قربة « أبحاث و دراسات في تاريخ و آثار المغرب الإسلامي و حضارته» دار الهدى للطباعة و النشر, عين مليلة ,الجزائر. 2011، ص476.

علي حملاوي « مرجع سابق» ص248.

بن قربة « مرجع سابق » ص ص481-482.

بن قربة « مرجع سابق » ص ص482-483.

خاـلد سليم فجال« العمارة و البيئة في المناطق الصحراوية الحارة » ط1, دار الثقافة للنشر, القاهرة، 2002، ص 39.

خالد سليم فجال« مرجع سابق » ص ص 40-41.

محمد حسن توفيق رمزي« كتاب علم السياسة », دار النهضة العربية. 1956 ، ص 111.

طاهري محمد, ياحي قدور« إشكالية التسيير و حماية التراث المعماري و الحضري في القصور الصحراوية:حالة مدينة الأغواط القديمة» رسالة مهندس دولة في التسيير و التقنيات الحضرية, جامعة قسنطينة, الجزائر. 2009ص ص 98-99.

طاهري محمد, ياحي قدور« مرجع سابق» ص ص 82-85.

صبري فارس الهيتي «التخطيط الحضري» دار اليازوتي العلمية للنشر و التوزيع , عمان , الأردن. 2009.ص 247.

طاهري محمد, ياحي قدور« مرجع سابق» ص 25.

طاهري محمد, ياحي قدور« مرجع سابق» ص 89.

صبري فارس الهيتي « مرجع سابق »ص 248.

صبري فارس الهيتي « مرجع سابق »ص 247.

طاهري محمد, ياحي قدور« مرجع سابق» ص ص 139-141.