واقع العلاقات الإنسانية في مؤسسات التعليم الثانوي وعلاقتها باتجاهات التلاميذ نحو المناخ المدرسيpdf

شعباني عزيزة

جامعة الجزائر(الجزائر)

بالرغم من جهود علماء النفس والتربية  في إعطاء تفسير للأداء المدرسي من خلال عوامل انفعالية تتعلق بشخصية التلميذ، حساسيته، درجة الاستقلالية و الإصرار لديه، إلا أن هذه العوامل لم تفلح في تفسير سوى نسبة قليلة من التباين الموجود بين المدارس، لذلك توجهت الدراسات الحديثة نحو الأبعاد النفسية الاجتماعية المتعلقة بالوضعية التي تنمو داخل المدرسة وتتعلق بالاتجاهات نحو المؤسسة التربوية بأبعادها المختلفة، حيث تتفاعل هذه الأبعاد لتعطي واقعا تر بويا واجتماعيا خاصا قد لا يتفق على الإطلاق مع ما يتوقع له. لذلك لا يمكن توقع نج اح المدرسة بالنظر إلى الخصائص الذاتية لتلاميذها، أو حجم ما تمتلكه من خصائص فيزيقية مادية، بل يجب تقويم أدائها من منطلق خصائصها المعنوية وطابعها الخاص المتمثلة في العلاقات الإنسانية التي تسيرها.

    إن توفر علاقات تفاعلية إيجابية داخل المدرسة، فضلا عن تحسينه للمستوى الأكاديمي للتلاميذ، تؤثر أيضا على جوانب عديدة نفسية، اجتماعية، انفعالية كالحد من ظاهرة العنف والقدرة    على الاندماج في المجموعة المدرسية  والشعور بالانتماء والرضا… وهي   جوانب تؤدي حتما إلى نجاح المدرسة و تنمية أبعاد لدى المتعلم وجميع أفرادها تعتبر في غاية الأهمية من منظور التربية الحديثة. و منه فإن دراسة هذا البعد والعمل على تطويره تعتبر ضرورة ملحة في المجال التربوي.

Les multiples efforts menés par les psychologues et les pédagogues pour essayer de donner une explication à la performance scolaire à travers des facteurs affectifs tels que la personnalité de l’élève, sa sensibilité, son indépendance et son engagement, n’ont aboutit qu’ à un taux minime de variance entre les écoles, ainsi les recherches se sont retournées vers l’étude des aspects psychologiques et sociaux notamment ceux qui concernent les attitudes envers l’école dont les dimensions pourraient donner une nouvelle réalité tout à fait divergente des attentes. On ne peut donc considérer Les aspects physiques comme seuls indicateurs de la performance d’une école, son caractère psychosocial dont les relations humaines forment le leitmotiv, serait le meilleur prédicateur de la performance de l’école d’après les études récentes.

,.

تمهيد:  إن التحول الذي حققته الدول المتقدمة في مجال التربية تنعكس نتائجه في مستوى التقدم العلمي والرفاهية الاجتماعية التي تعيشها مجتمعاتها، ولا يخفى على أحد اليوم أن التعليم هو المقوم الأساسي لهذا التطور، إذ لا تقدر الأمم بحجم رأسمالها المادي بقدر ما تقدر بحجم رأسمالها البشري ومدى كفاءتها في الاستثمار فيه لتحقق فعالية مدارسها ومنظوماتها التربوية.

         و لا يقتصر هذا الاستثمار على تهيئة وتوفير المدخلات المادية وحسب وإنما ينمو ويتطور من خلال العمل على تنظيم وتفعيل الأطر الاجتماعية الضرورية لتحقيق الغايات التربوية، أطر تنمو داخلها شبكة معقدة من العلاقات الإنسانية يتمثل من خلالها المجتمع المدرسي الذي تتنوع فيه الحاجيات والأدوار والتطلعات والتوقعات، مما قد يفرز الكثير من التصادمات والمشكلات،  لذلك فإن الاهتمام بهذه المسألة يعد غاية في الأهمية باعتبارها من مقومات المدرسة الحديثة الفعالة.

        يتضح إذن أن أهم تحد يجب أن تقطعه المدرسة اليوم هو أن ترقى إلى مستوى تطلعات التربية الحديثة وأن تتكيف مع التغيرات الجارية وتعمل على إدارة وحل مشكلاتها كمنظومة قائمة بذاتها، إذ لا يمكن الحديث اليوم عن المدرسة ونجاحها بالنظر إلى حجم مدخلاتها أو مخرجاتها فقط وبتجاهل أهم التحديات التي تواجهها والرهانات التي تلتزم بكسبها أمام مشكلات عويصة تتعلق بالعمليات والسياقات التربوية كمشكلات الفشل الدراسي بأسبابها وصورها المتعددة، عدم الاندماج المدرسي، تراجع الدافعية للتعلم، ظاهرة العنف، الإدمان على المخدرات...

       إن مسألة تكيف التلميذ داخل محيطه المدرسي مسألة جوهرية  يتوقف على مدى نجاحها المسار الدراسي للتلميذ بل التربوي بكل أبعاده، من منطلق أن التربية اليوم لم تعد تعنى بتلقين المعارف فقط، بل أبعد من ذلك فهي تضع المتعلم كمحور للفلسفة التربوية والاجتماعية، في سياق اجتماعي يتسم بعلاقات متبادلة يسودها الاحترام المتبادل. وما تنص عليه المادة 29 من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الطفل يؤكد هذا التوجه بتأكيدها على أن التنمية التربوية للفرد هدف أساسي، وتشير إلى أن التربية مطالبة بأن تسمح للأطفال بتحقيق قدراتهم المعرفية، العاطفية والإبداعية ويجب أن يكون المتعلم في مركز التجربة التربوية في سياق يتسم باحترام الآخر واحترام المحيط  (unesco,2005www.education.unesco.org)

       و تتجاوز النظرة الحديثة للتجربة التربوية من هذا المنطلق حدود الوظيفة التربوية المعرفية إلى مطالب أخرى لا تقل أهمية وإلحاحا، بل و تعد أساسية ومحددة لنمو الجانب المعرفي لأنها تعكس مجالات نمو عديدة، كالمجال الاجتماعي، الانفعالي والإبداعي...كل هذه الأبعاد لا يمكن أن تتطور وتنسجم مع متطلبات الرؤى التربوية المستقبلية لمدرسة فعالة مالم يتوفر لها المحرك الأساسي المتمثل في وجود علاقات إنسانية تعمل على خلق مناخ إيجابي داخل المؤسسة التربوية، هذه العلاقات التي يعتبر الاتصال جهازها العصبي لأن الاتصال هو الذي يعكس نوعية الحياة المدرسية.

 1-مشكلة الدراسة:

      لم يعد تقويم المؤسسة التربوية من منظور حديث مقتصرا على نتائج التلاميذ في الامتحانات الرسمية، أي الجانب المعرفي الأكاديمي فقط، و الذي غالبا ما يقاس منه جانب أو جوانب محدودة من القدرات المعرفية للتلميذ خاصة في الامتحانات التقليدية التي تتمسك بها منظومات البلدان النامية ومنها الجزائر، حيث تهمل بذلك أبعاد أخرى في غاية الأهمية كالقدرات ما فوق المعرفية والقدرات النفسية الانفعالية والاجتماعية و هو ما تعتمده المنظومات التربوية الناجحة في تقويم فعاليتها.

    لقد أصبح تقدير المدارس الجيدة بمقدار تحقيقها لنسب عالية من النجاح ونسب ضعيفة من سوء الانضباط والعنف، حيث تتميز هذه المدارس بمناخ من التفاهم الجيد الذي يتبادله جميع العناصر، و تدعم التفاعلات الاجتماعية الإيجابية التعلم والتطور النفسي الاجتماعي. و تندرج تحت هذا البعد: العلاقات بين التلاميذ، العلاقات بين الأساتذة، العلاقات بين التلاميذ والأساتذة وكذا بين هؤلاء والإدارة. وتتوقف نوعية مناخ العلاقات على ثلاثة عوامل هي: حرارة الاتصال بين الأشخاص- الاحترام بين الأفراد- الثقة في مساندة ودعم الآخرين.

    من هذا المنطلق، كان اختيارنا لدراسة موضوع العلاقات الإنسانية في الوسط المدرسي حيث نحاول معرفة واقع هذه العلاقات في مؤسسات التعليم الثانوي في الجزائر، وكيف ترتبط بأبعاد تربوية، نفسية واجتماعية أساسية بالنسبة لنمو التلميذ وتحسين سير المدرسة.

2-المفاهيم الاساسية في الدراسة:

أ-أهمية دراسة اتجاهات المتعلم:

    يكتسي قياس اتجاهات المتعلم أهمية بالغة في مجال التربية، حيث يعطينا فكرة عن استعداده لتوجيه سلوكه نحو التعلم أو المدرسة بصفة عامة. ذلك لأن الاتجاهات استعداد مكتسب مشبع بالعاطفة، يحدد سلوك الفرد إزاء المواقف والموضوعات والأشخاص التي يتعامل معها في البيئة المحيطة به إما بقبولها أو رفضها. وهو مركّب من الأحاسيس و الرغبات والمعتقدات والميول التي كونّت نمطا معينا للقيام بعمل أو الاستجابة لموقف ما.

    إن من بين أهم المواضيع التي يتزايد اهتمام الباحثين في مجال التربية وعلم النفس الاجتماعي بها، دراسة اتجاهات التلاميذ نحو المدرسة. والمتفحص للدراسات الدولية الكبرى مثل دراسة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)  يدرك أن اهتمام مثل هذه المنظمات والهيئات الدولية الكبرى، انتقل من التركيز على النتائج الأكاديمية المحضة إلى دراسة الاتجاهات والآراء والتوقعات. ذلك لما أبرزته نتائج الأبحاث من أهمية ومن تأثير لهذه المجالات في التربية،  حيث خلصت نتائج الدراسات إلى أن الاتجاهات الإيجابية نحو المدرسة، تلعب دورا أساسيا في النجاح الدراسي للتلاميذ، وتساهم في نجاحهم الاجتماعي من منطلق أن المدرسة تعتبر الحاضن الأساسي لنمو هذه الأبعاد وتفاعلها، كونها منظومة اجتماعية تقوم بأدوار متعددة وأساسية لنمو أفرادها.

 ب-المدرسة منظومة اجتماعية تربوية: 

    لقد تطور مفهوم  المدرسة اليوم التي تجاوزت الصورة النمطية الجامدة المتمثلة في سقف وجدران تضم أساتذة وتلاميذ و إداريين، إلى بناء دينامكي يعبر عن  وحدة اجتماعية حقيقية  يتفاعل فيها أفراد تختلف اتجاهاتهم وتتنوع حاجاتهم في ظل جو من الاتفاق والتوافق، من أجل تحقيق أهدافهم. حيث تمثل حسب العديد من المفكرين والباحثين" منظومة اجتماعية لها نشاطها الخاص وتنمي منظومة خاصة من العلاقات ما بين الفاعلين كما تحدد بذاتها مجموع الأدوار الخاصة بها والمعايير وأنماط التقويم والتوقعات تجاه التلاميذ"Bressoux,1994,p113))

     وهناك من يعتبرها تنظيما لمجتمعات صغيرةتسيرها علاقات اجتماعية ضمنية ودائمة تحددها روح مشتركة بين الأفراد( Gray,J. 2006,www.springer.com )  وهنا يؤكد الباحثون أن المدرسة تمثل محيطا لحياة أوسع من مجرد محيط للتعلم الدراسي خاصة في المرحلة الثانوية، فالمدارس الجيدة هي تلك التي توفر للمراهقين فرص متنوعة ليكتشفوا اهتماماتهم، قدراتهم الرياضية والفنية ويطوروا استقلاليتهم على المستوى الشخصي، كذلك صداقاتهم ومهاراتهم الاجتماعية على المستوى الاجتماعي(http://f_d.org/climatécole/janoz_article_1998). وتؤكد العديد من الدراسات الحديثة أن ما يعيشه الشباب في المدرسة، بحكم أن ما يقضونه فيها يعد جزءا كبيرا من حياتهم، يؤثر تأثيرا عميقا على نموهم الاجتماعي والعاطفي خاصة ما يتعلق بسلوكياتهم الصحية والنظرة التي يحملونها عن ذواتهم (www.phac-aspc.gc.ca/dca-dea). 

    ومن هنا يتبين أن هناك  أبعادا مدرسية أهم من كم ونوعية المدخلات المسخرة تندرج تحت ما أصبح متعارفا عليه في الأدب التربوي "بالمناخ الاجتماعي" أو مناخ العلاقات وهو ما تصنفه بعض الاتجاهات في المجال التربوي كمعيار تقاس به صحة المدرسة إذ أن صحة مدرسة ما تستند على البحث عن علاقات صحية وإيجابية، هذا بالإضافة إلى توفر محيط تربوي جاد ومنظم وتحلي مدير المدرسة بسلوك إيجابي.

انطلاقا مما سبق تبرز أهمية توضيح مفهوم "مناخ العلاقات" في الوسط المدرسي. فما الذي يعبر عنه هذا المفهوم؟

 ج-مناخ العلاقات الإنسانية داخل الوسط المدرسي:

    لقد أثرت المفاهيم المادية التي ترتكز على البراجماتية النفعية والمصلحة الفردية عل القيم والمعايير والتعاملات الاجتماعية، مما أنتج إشكالية عميقة تتمثل في الافتقار إلى العلاقات الإنسانية. و مجتمعنا المصطبغ بسياق سوسيوثقافي خاص يستند في التعاملات والعلاقات إلى أبعاد ومعايير قيمية مختلفة، قد يبدو بمنأى عن هذه الإشكالية، إلا أنه في الواقع تطرح بشدة إشكالية غياب العلاقات الإنسانية كأنماط للتعامل والتسيير والقيادة المستندة إلى المنهجية العلمية، وهي بذلك لا تقل تعقيدا عن تركيز العالم المتطور على تثمين الجوانب المادية، لأن الدعوة إلى تبني نمط العلاقات الإنسانية كأسلوب تسيير لا يعني تغليب العواطف على الدقة والصرامة في الأداء وعدم المساءلة والتسيب في التسيير.

      وإذا كانت المجتمعات المتطورة تشهد بحثا متواصلا عن تصحيح مساراتها وتطوير هذه المفاهيم الإنسانية، فيبدو أن ذلك بالنسبة لمجتمعنا يتطلب جهدا مضاعفا لأننا مطالبون بتطوير مقدراتنا ومقوماتنا من حيث الدقة ونوعية الأداء وفي نفس الوقت بتصحيح مفاهيمنا الخاطئة وتقويم اتجاهاتنا ومعتقداتنا عن حقيقة قيمنا الاجتماعية والروحية. من هذا المنطلق نحتاج إلى تحديد هذا المفهوم وضبط الأسس التي ينبني عليها. فلماذا يطرح هذا المفهوم في مجال الإدارة والتسيير بصفة عامة وفي مجال التربية و التكوين بصفة خاصة؟              

       إن فهم دور المحيط الاجتماعي في تعلم الفرد ونموه يعد من أكبر الطموحات لعلم النفس وعلوم التربية. فتيارات البحث التي تعتقد بحقيقة التفاعل الاجتماعي تعتبر تفاعل الفرد مع محيطه الاجتماعي العنصر المحدّد لاكتساب الفرد المعرفي أو تفاعله مع موضوع المعرفة من خلال "الآخر". هذا يعني تدخّل الرّاشد بدور الوسيط بين المتعلم و موضوع التّعلم. و لا يقتصر دور وساطة الراشد على تقديم المضامين التربوية و الأدوات والموارد و الطرق البيداغوجية الأكثر حداثة، بل يتجلى في نوعية التبادلات التي قد تنجح أو تخفق في الاستفادة من جميع هذه الآليات.

     إن ما يدعى بمناخ العلاقات أو ما يوصف أيضا بالمناخ الاجتماعي يدل على الجو الذي يسود التبادلات بين الأفراد ويعد بعدا اجتماعيا عاطفيا للعلاقات الإنسانية. هذا المفهوم الذي أصبح فرعا من فروع الدراسات العلمية في مجال الإدارة ومجال التربية، نجد جذوره في التطور التاريخي للإدارة التي عرفت مرحلتين: المرحلة الأولى التي تمثلت بالإدارة العلمية التي طورها تايلورTaylorوالتي وصفها ماك كريغور  McGregor بما أسماه نظرية(x) حيث ركزت النظرية على أن العوامل المادية هي أهم حوافز العمل واعتبرتها الدافع الوحيد له، متجاهلة في ذلك العلاقات الإنسانية، ومعتبرة العامل مجرد آلة ووسيلة إنتاج.

    أما المرحلة الثانية، فتمثلت بظهور حركة العلاقات الإنسانية التي طورها "مايو"(Mayo)في دراسات "هوثورن" الشهيرة ما بين 1927و1932 والذين توصلوا إلى أن العلاقات الشخصية لها من الأثر ما للعوامل المادية في زيادة الإنتاج، ولذا فإن الاهتمام بالعلاقات الإنسانية يعتبر من دوافع العمل(عوض بني أحمد، 2007، ص39)

     وقد تطورت هذه الطروحات إلى حركة فعلية هي حركة العلاقات الإنسانية التي أشارت بشكل واضح وصريح إلى أن العوامل المادية ليست كل شيء في حياة المؤسسات فالأفراد لا يعاملون كالآلات و الأدوات وإنما هم عبارة عن جماعات من العاملين لهم أنماط من التفاعلات الاجتماعية والإنسانية مما يؤثر سلبا أو إيجابا على الإنتاج(عوض بني أحمد، مرجع سابق ،ص43)

      إن عنصر العلاقات الإنسانية يعتبر بالغ الأهمية في حياة الفرد، حيث تنبه إلى ذلك علماء النفس والتربية، و قد طور البعض منهم فكرة التكوين  في مجال العلاقات الإنسانية في منتصف الأربعينيات من أمثال "لفين"Lewin الذي يعتقد أن ذلك يعتبر وسيلة للتكوين ونمطا تربويا يلقى لامبالاة تامة في المجتمعات المتطورة، مما أعطى دفعا لتأسيس منظمة في الولايات المتحدة الأمريكية تدعى National Training Laboratory (N.T.L.) على شكل ملتقيات تهتم بفهم أشكال التفاعل وإيجاد الحلول لمشكلات العلاقات بين الأفراد.

     وقد تطور هذا المجال إلى أن أصبح معيارا تقاس من خلاله فعالية المدارس. وقد بينت دراسات كل من: "بروكوفر و زملاؤه، هانوشك، وينكلر، سامرز و وولف، هندرسون وزملاؤه"  (Brookover et al., 1979;Hanushek, 1972; Winkler, 1975Henderson et al 1978;Summers Wolfe, 1977;)  أن أهم ما يؤثر في تحصيل التلاميذ بالدرجة الأولى هم الأساتذة والزملاء، أما تأثير الموارد الأخرى فيكون من خلال اتجاهات وسلوكيات الأساتذة والتلاميذ. (http://www.springer.com)Teddlie,c&Reynolds,2003)

   وترى "برولت"Brault أن العلاقات تعد أحد مجالات المناخ المدرسي يقاس من خلال: درجة التزام التلاميذ، الانخراط في الجو المدرسي، ودرجة دعم الأساتذة للتلاميذ Brault_Marie_christine_memoire1)(www.climat scolaire

       توضح هذه الأبعاد نوعية العلاقات الإنسانية في المؤسسة التربوية التي تعد تعبيرا واضحا عن تقبل القواعد والمعايير والممارسات التربوية التي تنبع عن صدق واحترام الفرد كعنصر فاعل في المؤسسة  وهو ما يعتمد على خلق وتدعيم تقدير الذات والثقة بالنفس حتى يشعر كل فرد بالأمان النفسي الذي يحقق له الشعور بالأمان داخل المجموعة التي يمثل أفرادها أهم عنصر في التجربة التربوية بل في الحياة ككل. وكما يقول "جلاسير"Glasserأنه"خلال المسار الذي تتبعه حياتنا، فإن أهم الصور التي نحتفظ بها عن عالم يتسم بالجودة، هي تلك التي تتعلق بالأشخاص، فنحن نصغي إلى هؤلاء الأشخاص ونثق بهم لأننا تعلمنا أنهم يمثلون جزءا لا يتجزأ مما يرضينا و يشبع حاجياتنا، والمدرس الجيد يمكنه أن يصبح صورة قوية ضمن هذا العالم ، لأنه يعلمنا الطرق التي تساعدنا في حياتنا، و يصبح صديقا لنا يشاركنا ضحكاتنا ويمنحنا ما نحتاجه من حرية للتعلم Glasser,1996, pp92-93) )

       يتحقق ذلك بفضل حرارة الاتصال والتفاعل الإيجابي الذي يأخذ قنوات عديدة تتجسد فيما هو معلن من سلوكيات ولكن أيضا ما هو ضمني، لا يدركه أفراد المجتمع المدرسي إلا من خلال أحاسيسهم في ظل ما يتم تعلمه داخل هذا المجتمع من احترام متبادل وثقة، بدعم ومساندة الآخرين. ينطبق ذلك على تجربة المدرس الذي تغمر تلاميذه فرحة اكتشاف المعرفة، فقط من خلال ما يلمحونه من  بريق في عينيه أو حركات أو إيماءات يصبح تحقيقها وتأكيدها غاية في حد ذاتها، و قد يعتقد البعض أن لا أهمية لها، ولكنها في حقيقة الأمر قد تؤثر فيهم مدى الحياة وقد تكون مفتاحا لجميع تجاربهم.  

         والحديث هنا لا يتوقف على ما ينعكس على التلميذ وحده وإنما على كل الفاعلين في المدرسة" فقد تؤثر العلاقات المتردية بين المدرس وتلاميذه بشكل يجعله يعيش معاناة يشعر من خلالها بعدم تقبلهم له تصل إلى حد التشكيك في مهنيته Baumard, 2006p30) ) مما قد يؤدي به إلى فقدان ثقته في قدرته على التدريس وبالتالي ينعكس ذلك بالسلب على أدائه لعمله وكذلك عن الرضا المهني لديه.

 3-فرضيات الدراسة:

1- يساهم بعد العلاقات الإنسانية في مؤسسات التعليم الثانوي بدرجة أكثر من الأبعاد الأخرى في تفسير اتجاهات التلاميذ نحو المناخ المدرسي العام.

2-ترتبط اتجاهات تلاميذ مؤسسات التعليم الثانوي نحو مناخ العلاقات ارتباطا دالا ببعد الأمن

3-ترتبط اتجاهات تلاميذ مؤسسات التعليم الثانوي نحو مناخ العلاقات ارتباطا دالا ببعد العدالة

4-ترتبط اتجاهات تلاميذ مؤسسات التعليم الثانوي نحو مناخ العلاقات ارتباطا دالا ببعد التوقعات عن المستقبل.

 4-إجراءات البحث:

    أ-منهج الدراسة: نظرا لطبيعة هذه الدراسة، تم استخدام المنهج الوصفي أين تم إجراء عملية مسح لآراء    تلاميذ السنة النهائية لمؤسسات التعليم الثانوي المعنية بالدراسة من أجل معرفة اتجاهاتهم. كما تم اللجوء إلى أسلوب  الدراسة الإرتباطية لمعرفة مدى ارتباط بعد العلاقات الإنسانية بالأبعاد الأخرى.

  ب-أداة البحث: استخدمت الباحثة في هذه الدراسة استبيان المناخ المدرسي الذي   قامت بتصميمه والذي    يقيس اتجاهات التلاميذ نحو المناخ المدرسي العام ونحو أبعاده التي كانت تضم بعد العلاقات الإنسانية، بعد الأمن، بعد العدالة و بعد التوقعات عن المستقبل، بالإضافة إلى أبعاد أخرى تنظيمية وفيزيقية.

  طبق الاستبيان بعدما خضع لقياس صدقه وثباته من خلال عرضه على مجموعة من الأساتذة المحكمين في جامعة قسنطينة، جامعة ورقلة والجامعة الأردنية في الأردن. بالإضافة إلى حساب صدقه عن طريق صدق المقارنة الطرفية، وقياس الثبات بطريقة التجزئة النصفية.

ج-عينة الدراسة: شملت عينة الدراسة13مؤسسة للتعليم الثانوي، استهدف 1888تلميذ وتلميذة من مستوى السنة النهائية. وقد كانت العينة قصدية لأنه تم اختيار المؤسسات التي جاءت في المراتب الأولى والمؤسسات التي جاءت في المراتب الأخيرة حسب ترتيبها من حيث نسب النجاح في البكالوريا في ثلاث ولايات من الوطن هي: قسنطينة، ورقلة و تمنراست. ووجهت أداة الدراسة إلى مجموع تلاميذ الأقسام النهائية خلال السنة الدراسية 2006-2007 الذين توزعوا كالتالي:839من المؤسسات الأولى و1049 من المؤسسات الأخيرة 765ذكور و1123إناث، 1070معيدون 818غير معيدين، 1135 من الثانويات و753 من المتاقن، وذلك حسب متطلبات الدراسة التي أجريت في إطار أوسعيتمثل في تقويم فعالية مؤسسات التعليم الثانوي والتي تضم قياس واقع المناخ المدرسي بأبعاده المختلفة كمؤشرات للفعالية، أين تكون العلاقات الإنسانية أحد هذه الأبعاد.

 5-نتائج الدراسة:  

    تعرض الباحثة نتائج الدراسة وتقوم بتفسير ومناقشة هذه النتائج للتحقق من الفرضيات في ضوء الدراسات السابقة والأدبيات التي كتبت حول الموضوع. و يجدر التذكير كما سبقت الإشارة إليه، أن هذه الدراسة هي في الواقع جزء من دراسة أشمل، قامت الباحثة من خلالها بتقويم فعالية مؤسسات التعليم الثانوي من خلال مجموعة من المؤشرات لقياس أبعاد كمية وأخرى نوعية تتضمن أبعاد المناخ المدرسي(أبعاد مادية-فيزيقية و تنظيمية، وأبعاد نفسية-اجتماعية، تتمثل في العلاقات، الأمن، الإنصاف و التوقعات). ونظرا لأن المجال لا يتسع لعرض نتائج الدراسة بكاملها في هذا المقال، اخترنا عرض النتائج التي تتعلق ببعد العلاقات الإنسانية في علاقتها بالأبعاد الأخرى، وبالمناخ المدرسي السائد في المؤسسات التعليمية.

 أ-اختبار الفرضية الأولى التي تنص على أن بعد العلاقات الإنسانية في مؤسسات التعليم الثانوي يساهم بدرجة أكثر من الأبعاد الأخرى في تفسير اتجاهات التلاميذ نحو المناخ المدرسي العام، و ذلك  بغرض معرفة البعد الذي يساهم أكثر من الأبعاد النفسية الاجتماعية الأخرى التي تم تحليلها  في تفسير اتجاهات التلاميذ نحو المناخ المدرسي العام، والتي كانت إيجابية بنسبة أعلى من الاتجاهات السلبية، قامت الباحثة بحساب معامل الانحدار  الذي أعطى النتائج التالية:

الجدول 1:درجة مساهمة بعد مناخ العلاقات في تفسير اتجاهات التلاميذ نحو المناخ المدرسي مقارنة بالأبعاد الأخرى

المتغيرات

معامل الانحدار

مستوى الدلالة

مناخ العلاقات

0.282

0.01

بعد الأمن

0.256

0.01

بعد  الإنصاف

0.207

0.01

بعد التوقعات

0.203

0.01

 

 

 

   يتبين من خلال الجدول أن معاملات الانحدار بالنسبة للأبعاد الأربعة كلها دالة عند مستوى دلالة0.001 حيث أن بعد العلاقات يساهم بنسبة أعلى من الأبعاد الأخرى في تفسير اتجاهات تلاميذ مؤسسات التعليم الثانوي نحو المناخ المدرسي العام (β = 0,282p < 0,001) مما يجعل الفرضية تتحقق. وباستعمال معامل الارتباط بيرسون، نجد أن درجة ارتباط بعد العلاقات بالمناخ المدرسي العام بلغت0.79 عند مستوى دلالة0.01 وهو ارتباط قوي  يدل على مدى قوة تأثير مناخ العلاقات في المناخ العام للمؤسسة  وهذا يتفق مع دراسات أثبتت أهمية العلاقات الإيجابية في خلق مناخ إيجابي لأنها تؤثر على أبعاد مختلفة للمدرسة، حيث تلعب الصداقات بين التلاميذ دورا أساسيا في حياتهم، فبفضلها يشعرون بأهميتهم وبمتعة الوقت الذي يقضونه في المدرسة و توفر لهم فرصة التعاون واللقاء والتكامل أو على الأقل إشباع حاجيات عاطفية. فالكثير من التلاميذ الذين يعانون من الفشل الدراسي، لا ينقطعون عن الدراسة ويتمسكون بها فقط لأن لديهم أصدقاء فيها يحبونهم، وهذه تعتبر فرصة ثمينة لإنقاذهم من الفشل وربما الانحراف في أسوء الأحوال إذا ما توفرت قيادة مدرسية فعالة ومناخ مدرسي إيجابي(Langevin,1999,p258)حتى أن علماء النفس يربطون بين إدراك المتعلم لفشله الدراسي والعلاقات الاجتماعية، فحسب تحليلاتهم لا يكون للفشل الدراسي مدلول في إدراك التلميذ إلا إذا كان يعيش فشلا في علاقاته الاجتماعية، وقد يعوض النجاح في العلاقات فشله في مواد معينة، خاصة إذا كان هناك تشجيع على النجاح في جوانب أخرى(Dolto, 1988, p202)

        وتتفق هذه النتائج تماما مع ما توصلت إليه نتائج دراسة أجراها مجموعة من الباحثين .Marcouyeux-Deledalle, G.Fleury-Bahi, and A.FlorinAفي ثانويات بمدينة نانت Nantes في فرنسا تقيس رضا التلاميذ عن الثانوية، حيث ساهمت نوعية العلاقات في تفسير اتجاه التلاميذ نحو مؤسستهم ب (β = 0,280, p < 0,001) ، كما فسرت رضا التلاميذ عن المؤسسة عناصر من هذا البعد كالمناخ الاجتماعي ب(β = 0,219, p < 0,001)وتقييم العلاقات مع أساتذة الثانوية ب(β = 0,143,p < 0,006)

(MarcouyeuxDeledalle,A.2008,www.sciencedirect.com/science

   هذا عن أهمية بعد العلاقات في تفسير اتجاهات التلاميذ نحو المناخ المدرسي العام، ولكن ماذا عن علاقته بالأبعاد الأخرى؟ هذا ما سوف نتحقق منه من خلال الفرضيات التالية.

 ب-اختبار الفرضية الثانية التي تنص على أن اتجاهات تلاميذ مؤسسات التعليم الثانوي نحو مناخ العلاقات ترتبط ارتباطا دالا ببعد الأمن

 الجدول 2:درجة ارتباط بعد مناخ العلاقات ببعد الأمن

ارتباط بيرسون

بعد الأمن

مستوى الدلالة

مناخ العلاقات

0.47

0.01

 

        من خلال الجدول2 وباستعمال معامل الارتباط بيرسون يتبين أنه يوجد ارتباط بدرجة مقبولة بين مناخ العلاقات السائد في مؤسسات التعليم الثانوي ومدى شعور التلاميذ بالأمن، حيث بلغ 0.47 عند مستوى دلالة0.01 مما يجعل الفرضية تتحقق. يتفق ذلك  مع العديد من الدراسات التي أجريت في أنحاء مختلفة من العالم حول المدارس الفعالة و التي خلصت إلى أن من بين أهم العوامل  التي تميز هذه الأخيرة توافر علاقات تفاعلية إيجابية وعمليات اتصال فعالة بين جميع أعضاء المدرسة، ففضلا عن تحسينها للمستوى الأكاديمي للتلاميذ، تؤثر على جوانب عديدة : نفسية، اجتماعية وانفعالية، كالقدرة على الاندماج في المجموعة المدرسية والشعور بالانتماء، الدافعية للتعلم والرضا والحد من ظاهرة العنف.  

     وتبين دراسات أخرى أن المدارس الجيدة هي التي تحقق نسبا عالية من النجاح ونسب ضعيفة من سوء الانضباط والعنف، وتتميز هذه المدارس بمناخ من التفاهم الجيد الذي يتبادله جميع العناصر، حيث تدعم التفاعلات الاجتماعية الإيجابية التعلم والتطور النفسي الاجتماعي وتنطوي تحت هذا البعد: العلاقات بين التلاميذ، العلاقات بين الأساتذة، العلاقات بين التلاميذ والأساتذة وكذا بين هؤلاء والإدارة. وتتوقف نوعيتها على ثلاثة عوامل هي: حرارة الاتصال بين الأشخاص- الاحترام بين الأفراد- الثقة في مساندة ودعم الآخرين.http://f_d.org/climatécole/janoz_article_1998)

   كما دلت دراسة أجريت على مستوى وطني في كندا أن التلاميذ الذين لا يحبون المدرسة ويعتقدون بأن مدرسهم لا يعاملهم بعدالة معرضون أكثر من غيرهم إلى ارتكاب سلوكيات عدوانية...وكذلك هو الحال بالنسبة للعلاقات مابين الأطفال في المدرسة، فأولئك الذين لا يشعرون بالأمن ويتعرضون إلى الإهانة والنعت بعبارات سيئة من طرف زملائهم ويعانون من الإقصاء، معرضون أكثر من غيرهم لتبني سلوكيات عنيفة. ويؤكد بعض الباحثين في العلوم الإنسانية أن شعور التلاميذ بالتمييز من حيث توزيع الموارد أو الفرص بطريقة غير منصفة أو تلقيهم لمعاملة متشددة أو سلبية أكثر من الآخرين، تؤدي بهم إلى تبني سلوكيات عنيفة(Debarbieux,M.2001)

     كذلك هو الحال بالنسبة للتلاميذ الذين يتعرضون للتقليل من قيمتهم من طرف مدرسيهم، فقد نهت الدراسات عن السخرية من التلاميذ أمام زملائهم وذلك لأن المدرسين يمثلون نموذجا بالنسبة لبعض التلاميذ، وقد يقلد هؤلاء الزملاء سلوك المدرس. وفي المقابل تؤكد هذه الدراسات على أهمية حضور الأساتذة وإصغائهم للتلاميذ ودعمهم لهم وضرورة تبني الإنصاف في معاملتهم www.psed.ucl.ac.be), (Galandو تتفق هذه النتيجة مع ما خلصت إليه الأبحاث العالمية على العموم بأن العنف غالبا ما يكون قضية مناخ أكثر منها قضية أحداث، و عليه فإن قياس درجة العنف كثيرا ما ترتبط بقياس مناخ المؤسسات المدرسية   (Debarbieux,M. 2001) 

       كما بينت دراسات حديثة أهمية الاتجاهات الإيجابية للتلاميذ داخل مؤسستهم في تحديد سلوكا تهم. فالرضا العام تجاه المدرسة، التزامهم نحوها واهتمامهم بها وتطلعاتهم التربوية، تحد لديهم من المشكلات السلوكية كالجنوح، الفوضى داخل المدرسة، تعاطي السجائر والكحول والانقطاع عن الدراسة. وفي المقابل تزيد من الاستقلالية، الدافعية والتقدير الإيجابي للذات. وتكون العلاقة الإيجابية بين المدرس وتلميذه مؤشرا  لتحصيل دراسي إيجابي للتلميذwww.sciencedirect.com)  Bennacer,h. 2008)

ج-اختبار الفرضية الثالثة التي تنص على أن اتجاهات تلاميذ مؤسسات التعليم الثانوي نحو مناخ العلاقات ترتبط ارتباطا دالا ببعد الإنصاف

 الجدول 3:درجة ارتباط بعد مناخ العلاقات ببعد الإنصاف

ارتباط بيرسون

بعد الإنصاف

مستوى الدلالة

مناخ العلاقات

0.56

0.01

    

  من خلال الجدول3 وباستعمال معامل الارتباط بيرسون يتبين وجود ارتباط بدرجة عالية بين مناخ العلاقات السائد في مؤسسات التعليم الثانوي ومدى شعور التلاميذ بالإنصاف، حيث بلغ 0.56 عند مستوى دلالة0.01 مما يجعل الفرضية تتحقق. ويتفق ذلك  مع العديد من الدراسات التي تنص على أنه بالرغم من الاختلافات الموجودة بين التلاميذ من حيث انتماءاتهم الاجتماعية والثقافية فإنهم ينجحون في خلق التوافق ويستفيدون من هذه الاختلافات وذلك بسبب تأثير علاقات التلاميذ فيما بينهم، إذ أن التعلم يكون أسهل عندما يتبادل التلاميذ تجاربهم الخاصة الغنية بمكتسبات ثقافية وأسرية واهتمامات وقيم مختلفة، فالتبادلات الاجتماعية والاتصال بأشخاص آخرين في محيط تربوي متفتح و متنوع تسهل عملية التعلم.

       كما يؤكد كل من"جيرتنر، كاواكامي و دوفيديو" Dovidioو, KawakamiوGaertner (2000)، أن الاتصال الذي يحدث بين التلاميذ يؤثر على تكوين هوية جديدة لديهم، حتى وإن اختلفت هوياتهم الأصلية www.psed.ucl.ac.be) (Galand، مما يكون دعما بالغ الأهمية خاصة بالنسبة للتلاميذ الذين يشعرون بإقصاء الآخرين لهم.

     وتعتبر "لانجيفان"Langevin العلاقات الودية والصادقة ضرورية لإعادة الثقة في المؤسسة... بالإضافة إلى اعتماد أساليب خاصة مع التلاميذ الذين يعانون من إقصاء الآخرين، لأنهم يتجاوبون بصورة إيجابية عموما مع محيط يوفر لهم علاقات ودية  (Langevin,1999)

        وقد بينت دراسات قام بها "بو"Beaud  (2002) أنه في بعض الحالات عندما يلتحق تلاميذ ينتمون إلى طبقات شعبية بمدارس أرقى  من تلك التي كانوا في السابق يزاولون تمدرسهم فيها في أحيائهم الشعبية ، فإنهم يجدون أنفسهم أمام منافسة مدرسية كبيرة ويعانون في البداية من الإقصاء الرمزي من طرف زملائهم الذين ينتمون إلى طبقات اجتماعية راقية. لكن سرعان ما يتعلمون رموزا ثقافية تعود عليهم بالفائدة في دراستهم وتكون النتيجة بالنسبة لهؤلاء التلاميذ اكتساب ثقافة جديدة وثقة أكبر بالنفس.  ذلك لأنه بالإضافة إلى ما يتراكم لديهم من رأس مال ثقافي كما يعبر عنه علماء الاجتماع ، هناك أيضا أبعاد أخرى اجتماعية عاطفية يستفيدون منها وتعد بالغة الأهمية كالصداقات التي تنشأ بين تلاميذ مختلفين من حيث المستويات المدرسية والاجتماعية، وكذلك الدعم الاجتماعي الانفعالي الناتج عن هذه الصداقات، ما قد يؤثر على جوانب عديدة بالنسبة للتلاميذ كالأداء وتقدير الذات، الثقة بالقدرات الذاتية، التحكم في الإجهاد وإمكانيات أكبر للتعبير والدافعية للتعلم.

 (Duru-bellat&al,2004www.u-bourgogne.fr/iredu)

      إن ترسيخ مبدأ الإنصاف بين التلاميذ، يعتبر من أهم الغايات التي تصبو إلى تحقيقها التربية الحديثة اليوم، فمحو الفوارق المدرسية تكون اللبنة الأساسية لمحو الفوارق الاجتماعية لاحقا.

 د-اختبار الفرضية الرابعة التي تنص على أن اتجاهات تلاميذ مؤسسات التعليم الثانوي نحو مناخ العلاقات ترتبط ارتباطا دالا ببعد التوقعات المستقبلية

 الجدول 4:درجة ارتباط بعد مناخ العلاقات ببعد التوقعات المستقبلية

ارتباط بيرسون

التوقعات

مستوى الدلالة

مناخ العلاقات

0.57

0.01

 

   من خلال الجدول4 وباستعمال معامل الارتباط بيرسون يتبين وجود ارتباط بدرجة عالية بين مناخ العلاقات السائد في مؤسسات التعليم الثانوي و توقعات التلاميذ عن مستقبلهم الدراسي والاجتماعي، حيث بلغ 0.57 عند مستوى دلالة0.01 مما يجعل الفرضية تتحقق. ويتفق ذلك مع العديد من الدراسات التي تؤكد بأن التوقعات عن  الذات بمفهومها العام سواء تعلق ذلك بالحاضر أو المستقبل  تتكون أساسا في نوع العلاقات التي تؤطر المسار الدراسي والاجتماعي للفرد. ولا يمكن فهم سيرورة هذا البعد إلا بفهم سيرورته الشعورية والأهم من ذلك مكوناته اللاشعورية.

       وإذا نظرنا إلى مكونات هذا البعد فنجدها في عناصر ترتبط بعضها ببعض ارتباطا عضويا تتمثل هذه العناصر في تقدير الذات، الدافعية للتعلم، الإنجاز الدراسي الذي يعتبر نتيجة للمكونين السابقين ولكنه أيضا يصبح مكونا لهما في مرحلة تالية لأنه يعبر عن مفهوم بالغ الأهمية في التربية ألا وهو مفهوم التاريخ الدراسي الذاتي للتلميذ.

 فتقدير الذات يعني شعور الفرد بقيمته كشخص، هذا الشعور يسمح له بالتفتح على المعرفة "بفضل عناصره الأربعة المتمثلة في:الشعور بالثقة- معرفة الذات- الشعور بالانتماء إلى مجموعة- الشعور بالكفاءة"(Dupuis, 2006p23)وعندما تتوفر علاقات احترام متبادل بين الأفراد وكذا اعتراف بالقدرات وتقدير للمواهب الخاصة وتقبل الفرد كيفما كان،  يعزز ذلك تقدير الذات لديه www.tact.fse.ulaval.ca/fr

     إن إدراك المتعلم لهذه العناصر هو في الواقع رد فعل لما يدركه هو عن الآخرين، وذلك يعتبر ذو تأثير عميق على  سلوكه، فكلما كان ما يدركه إيجابيا، كلما تعززت ثقته و تقديره لذاته، مما يخلق الدافعية لديه لأن ذلك يعكس تجربة إيجابية للتعلم يستطيع من خلالها المتعلم أن يتغلب على أفكاره وانفعالاته السلبية و يعدل من تفسيراته وبنائه المعرفي للواقع، وبذلك يصبح هذا الواقع مصدر إجازات لا مصدر إحباط وفشل، فيستثمر المتعلم كل طاقاته دون أي تردد من أجل تأكيد توقعات الآخرين.

    كذلك فإن الدافعية للتعلم تقع جذورها في الإدراك الذي يحمله التلميذ لذاته ولمحيطه ،هذا الإدراك الذي يدفعه إلى اختيار نشاط ما والالتزام تجاهه والمثابرة في تأديته من أجل تحقيق هدف معين .

      لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال توفر علاقات صحية تمكن التلميذ من إدراك إيجابية هذه التوقعات أي من خلال نوعية الاتصال وطريقة المعاملة التي يحظى بها. فقد بين عدد من الدراسات أن التلاميذ الذين تكون توقعات أساتذتهم عن أدائهم عالية يتمكنون من إدراك المعاملة الخاصة التي يحظون بها من طرف أساتذتهم، لأن طريقة معاملة الأستاذ لكل تلميذ تعلمه عن توقعات أستاذه تجاهه، هذا النوع من الاتصال يؤثر على التلميذ خاصة ما يتعلق بمجاله المعرفي، سلوكه وأدائه. بالإضافة إلى أن علاقات الصداقة بين التلاميذ، تكون في غاية الأهمية لخلق الدافعية فقد بينت إحدى الدراسات أن التواجد مع أصدقاء يتمتعون بالدافعية يعتبر السبب الذي يدفع تلاميذ المرحلة الثانوية خاصة الفتيات منهم إلى مواصلة دراستهم .

 (Duru-bellat& al,2004 www.u-bourgogne.fr/iredu)

      ولا يمكن أن نتحدث عن توقعات الأساتذة وأهميتها في صقل توقعات التلميذ عن ذاته وإنجازاته دون أن نتعرض إلى نظرية بالغة الأهمية في علوم التربية، لما قدمته من تفسيرات عميقة للسلوك الإنساني هي نظرية التوقعات أو ما اشتهر في الأدب التربوي ب "la prophétie auto déterminante"      أو "effet pygmalion ". مفاد هذه النظرية أنه كثيرا ما تكون سيرورة نشاط التوقعات لاشعورية،كما أن تأثيرها وتنظيم السلوك على أساسها يكون لاشعوريا أيضا، ولا يوجد ما هو أشهر من الدراسة التي أجراها كل من Rosenthal et Jacobson  في 1968  والتي بينت أهمية تأثير التقاط التلميذ لاشعوريا لتوقع واعتقاد مدرسه في قدرته على النجاح وكيف يؤدي ذلك إلى دافعيته ثم تعديل سلوك التعلم لديه بما يتفق مع ما ينتظره منه مدرسه وبالطبع نجاحه.

    أما عن التاريخ الدراسي للتلميذ أو الإنجاز المدرسي فتؤكد نتائج دراسات عديدة الأهمية القصوى لنوعية العلاقات في تحقيقه وتنميته، إذ تؤكد هذه النتائج أن التلاميذ الذين لديهم علاقات إيجابية آمنة مع معلميهم ينخرطون بصورة كبيرة جدا في عملهم الأكاديمي لأنهم ينشدون سرور هؤلاء المعلمين بعمل ما يتوقعونه منهم، فيما يتناقص الإنجاز المدرسي لديهم ويصبحون أبطأ تعلما أو يجدون صعوبات في العمل المدرسي نتيجة انخفاض الدعم والتشجيع والرعاية سواء من المعلمين أو الوالدين(محمد زايد،2003،ص102)

    من هنا نستخلص أن سيرورة النجاح الدراسي و ما تمثله من دعائم لتوقعات التلميذ عن مستقبله، سيرورة معقدة لكن يمكن أن تستثمر بشكل أحسن من خلال تنمية نمط تربوي أكثر إيجابية وفعالية هو الاستثمار في العلاقات الإنسانية.

 خاتمة:

     إن طبيعة نشاط المدرسة كمنظومة اجتماعية وما ينبني عليها من أدوار فاعليها والتي تؤثر حتما على مكتسبات التلاميذ وأدائهم المدرسي، لا يمكن النظر إليها من زاوية تأثير مدخلات مادية محضة، أو تأثير خصائص ذاتية للمتعلم. إن هذا التأثير يحدث بناءا على تفاعل جميع العناصر فيما بينها. من هنا تتضح أهمية الأبعاد النفسية الاجتماعية وتحديدا كل ما يتعلق بالعلاقات الإنسانية والتفاعلات بين الأفراد والمشاعر والاتجاهات التي تسود الوسط المدرسي، هذا الوسط الذي يعتبر بحق مجتمعا قائما بذاته وليس مرآة لما يجري في المجتمع . يتوقف ذلك على مدى قدرة الفرد على الاندماج فيه ومدى تقبل الآخرين له وبالتالي على مدى شعوره بالانتماء.     

       بناءا على هذا الطرح، فإن من الضروري العمل على تنمية هذه العلاقات من خلال تفضيل أساليب التعاون، لأن التعاون يقرب الأفراد بصورة أحسن، بينما تفرز الوضعيات التنافسية في التعلم اتجاها نحو التمييز في معاملة التلاميذ. كذلك العمل بأسلوب التعزيز في تنمية العلاقات بين أفراد المجتمع المدرسي، خاصة من جانب الأساتذة لأنهم يلعبون دورا جوهريا في بناء العلاقات وتبني الأسلوب الديمقراطي في التعامل والتشجيع و الاعتراف بالسلوك الجيد للتلاميذ ، فذلك يكون ذو تأثير جد إيجابي على خلق مناخ مدرسي إيجابي، مما يجعلهم يدركون أن الوسط المدرسي يعطي قيمة كبيرة للتجربة المدرسية، خاصة عندما تكون هذه التجربة مرفقة بالأفكار والعواطف الإيجابية مما يفتح الأبواب لزيادة الدافعية ومتعة التعلم والنجاح بكل أبعاده ومعانيه.

 المراجع: 

1- بني أحمد، ع. (2007)الاحتراق النفسي والمناخ التنظيمي في المدارس، ط1، عمان، دار الحامد.

2- زايد، م.(2003) الدافعية والتعلم،ط الأولى، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية

3-Baumard(2006),Amour-haine, chouchous et têtes de claques, in : le monde de l’éducation, n dec2006 p30)

4- Brault, M.C.(2004) L’influence du climat scolaire sur les résultats des élèves :

effet-établissement ou perception individuelle? document Internet consulté le15.03.08 in :Brault_Marie_christine_memoire(1)climat scolaire

-5 Bennacer, H). 2008(Les attitudes des élèves envers l’école élémentaire et leur évaluation,document Internet consulté le 20.12.08   http//www.sciencedirect.com

6-Bressoux,p.(1994)les recherches sur les effets écoles et les effets maîtres.in revue française de pédagogie n.108

7-Brunet,L.(2001). Climat organisationnel et efficacité scolaire, document Internet consulté le    in www.f-d.org/climatefficacité

8-Debarbieux,M. Climat scolaire a l’école de la violence document Internet consulté le01.11.06

9-Dupuis, s’accepter n’empêche pas de s’améliorer in ,le monde de    l’éducation, sep2006p23)

10-Duru-Bellat,M et al.( 2004).les effets de la composition scolaire et sociale du public d’élèves sur leur réussite et leurs attitudes :évaluation externe et explorations qualitatives document Internet consulté le19.06.05 in :http ://www.u-bourgogne.fr/iredu

11-Galand document Internet consulté le in : www.psed.ucl.ac.be 

-12Glasser, w. (1996), l’école qualité , enseigner n’est pas contraindre, canada, éditions logiques, pp92-93

14-Gray,J.(2006), School Effectiveness and the other outcomes of secondary schooling: three decades of British research, Vol. 4, No. 1 consulté le 11.03.08 in http://www.springer.com

15 -Janoz,m.et al.(1998) l’environnement socioéducatif à l’école secondaire :un modèle théorique pour guider l’évaluation du milieu .consulté le13.06.06

 http://f_d.org/climatécole/janoz_article_1998

16- http:// www.phac-aspc.gc.ca/dca-dea

17-Langevin, l. (1999) l’abandon scolaire, Québec, éditions logiques

18-Marcouyeux-Deledalle,A(2008) Construction et validation d’une échelle de satisfaction envers le lycée, document Internet consulté le01.11.08  www.sciencedirect.com/science

20-Teddlie,c&Reynolds(2003) The International Handbook of School Effectiveness Research consulted le 06.06.08 in http://www.springer.com

21-Thiébaud,M.(2006)climate scolaire. Consulted le21.11.06 in : http://www.formaction.ch)

22-Unesco(2005) www.education.unesco.org