رتب الهوية لدى الشباب الجزائريpdf

ربيعة علاونة

جامعة فرحات عباس- سطيف-(الجوائر)

 هدفت هذه الدراسة إلى معرفة توزيع رتب الهوية الإيديولوجية والاجتماعية لدى عينة من الشباب ينتمون إلى ثلاث فئات اجتماعية عرقية من المجتمع الجزائري (فئة العرب، فئة القبائل، وفئة بني مزاب)، وكذلك إلى معرفة الفروق في رتب الهوية لديهم تبعا لمتغير السنواستخدمت الدراسة المقياس الموضوعي لرتب الهوية (EOMEIS-2).

وأظهرت النتائج فيما يتعلق بتوزيع رتب الهوية الإيديولوجية والاجتماعية أن نسب رتب الهوية منخفضة التحديد كانت الأعلى لدى كل أفراد الدراسة

كما أظهرت نتائج الدراسة أنه توجد فروق ذات دلالة إحصائية تبعا لمتغير السن والذي كان يتراوح ما بين (25-27) و (28-30) على بعض أبعاد الهوية. فقد كانت هناك فروق فيما يتعلق بالهوية الإيديولوجية على مستوى رتبة التعليق لصالح مجموعة الأفراد الذين يتراوح سنهم ما بين (28-30). أما بالنسبة للهوية اجتماعية فكانت هناك فروق دالة على بعد التشتت لصالح المجموعة الأولى (25-27).

في حين أنه لم توجد فروق دالة على مستوى باقي الأبعاد الإيديولوجية والاجتماعية

cette étude est base sur le sujet d'identité idéologique et sociale chez les jeunes algériens d'après une échantillon qui appartienne à trois groupes sociaux (des arabes. des kabyles et des mouzabes). les résultats ont montré que le pourcentage des status de l' identité qui ne sont pas bien déterminés encore étaient le plus élevé dans l' identité idéologique et sociale. les status de l'identité (achievement moratorium et diffusion) ont de même pourcentage presque on ce qui conserne l'identité idéologique. alors que le status de foreclosure n'existe plus chez les trois groupes sociaux

l'identité sociale , les status de l'identité (achievement et moratorium ) n'existe plus chez les trois groupes.

L'identité idéologique, il y a des différences significatifs entre les gens âgés de (25-27) et (28-30) ans pour la première catégorie.

Alors qu'on ce qui conserne les autres status de l'identité il n'y avait pas de différences significatifs.   

 مقدمة:

يعد مفهوم الهوية من المفاهيم المركزية التي تسجل حضورها الدائم في مجالات علمية متعددة  و لاسيما في مجال العلوم الإنسانية ذات الطابع الاجتماعي و يعد بالتالي من أكثر المفاهيم تغلغلا في عمق حياتنا الثقافية والاجتماعية اليومية،  ومن أكثرها شيوعا واستخداما.

وعلى الرغم من البساطة الظاهرية التي يتبدى فيها مفهوم الهوية فإنه وخلاف ذلك يتضمن درجة عالية من الصعوبة والتعقيد والمشاكلة وذلك لأنه بالغ التنوع في دلالاته واصطلاحاته.

فالهوية ليست كيانا يعطى دفعة واحدة وإلى الأبد، إنها حقيقة تولد و تنمو، وتتكون وتتغير، و تعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب.

وإذا كانت الهوية حقيقة تنمو وتتكامل وتنضج ، وإذا كانت حقيقة وجودية تنطوي على عوامل وجودها، و بذور نمائها فإنها لا محالة تنطوي على بذور فنائها وانشطاراتها أيضا، حيث تتعرض و بفعل عوامل متعددة تربوية واجتماعية وثقافية للتشويه والانكسار.

ولقد لقي موضوع الهوية بشكل عام وتشكل الهوية بوجه خاص اهتمام العديد من الباحثين و يعد إريكسون من المنظرين المعاصرين في هذا المجال من خلال صياغته لمراحل النمو النفسي الاجتماعي والتي تبدأ من الميلاد بإحساس الطفل بالثقة الأساسية، مرورا بالحاجة إلى الإحساس بالاستقلال، و صعودا إلى الإحساس بالمبادأة، فالرغبة في الإنجاز، ثم يسعى في مرحلة المراهقة إلى تحقيق الهوية والتي يعقبها الرغبة في التآلف الاجتماعي، فالإحساس بالإنتاج، ليصل في الختام إلى اكتساب الإحساس بالتكامل و الحكمة. وإذا كان إريكسون قد اعتبر كل مرحلة من هذه المراحل بمثابة أزمة يمر بها الفرد يحاول تجاوزها إلى المرحلة التالية، و إعاقة النمو في أي مرحلة من هذه المراحل سينعكس بلا شك على تحقيق المراحل التالية.

فإن جيمس مارشيا ركز في نظريته على إحدى مراحل النمو الهامة في دورة الحياة و هي مرحلة تشكيل الهوية و هي مرحلة المراهقة و الشباب فإما أن يستطيع الفرد في ضوء تنشئته و المتغيرات المجتمعية التي يعايشها أن يحقق هويته، أو تكون الهوية و تشكلها في مرحلة تأجيل أو توقف عن التشكل،أو أن تكون معاقة عن التشكل و الوضوح، و قد يكون الشباب مشتت الهوية يعاني من الانتشار بخصوص هويته سواء كان ذلك في المجال المهنيأو العقائدي،أو في مواجهة التيارات السياسية،أو بخصوص دوره الجنسي، أو حتى تفاعله مع الجنس الآخر. ففي المجال المهني مثلا،من المتوقع أن يقيم الفرد قدراته  و ميوله و أن يكشف عن الفرص المهنية المتاحة له و مدى التزامه بها سواء كان ذلك في المجال التعليمي المرتبط  بعمل معين أو أداء عمل بالفعل، و الأكثر من هذا هو ما ينجزه الفردأو يحوله من طفل متلقي في مرحلة تفتح إلى راشد منتج، و ما يصاحب ذلك من سلوكات و انعكاسات على أسلوب الحياة. و كذا بالنسبة للمجال العقائدي، فما يميز نضج الهوية لدى الفرد هو قدرته على استكشاف معتقداته الدينية و التزامه بها، حيث أن القضية الأساسية هي عمق و اتساع التأمل الفكري الذي يعطيه الفرد للجوانب الدينية،و ما يتعلق بالمعتقدات السياسية. يشكل الجانبان السياسي و الديني مدخلا ثابتا لفلسفة الفرد في الحياة و ليس من الضروري اعتناق الفرد لمذهب سياسي معين، بل ينبغي التركيز على الالتزام الذي يوليه للمعتقدات السياسية نفسها, و كلما كان الفرد عقلانيا في التزامه السياسي كلما دل هذا على تشكيل الهوية. و فيما يخص الاتجاهات نحو الدور الجنسي، إذ تصاغ جوانب الهوية في ضوء تكوين الفرد لمجموعة من الاتجاهات عن نفسه فيما يتعلق بدوره في الحياة، فالفرد يتعامل مع أدوار الجنس ليس من منطلق تعريفه كذكر أو أنثى, و إنما ما يتصف به شخصيا من خلال التعبير الذاتي عن ذلك, و لذلك فإن هذه الاتجاهات تقدر على أساس العلاقات التي يقيمها، وفى ضوء عمق و اتساع  و نضج عملية الكشف الذاتي للفرد و مدى التعبير الانفعالي داخل هذه العلاقة.

و أخيرا المجال الجنسي، و الذي يعني به العلاقات مع الجنس الآخر فالتوقعات الخاصة بتحقيق الاكتمال في نضج العلاقات مع الجنس الآخر يتعلق بما يقابله الفرد من خبرات كافية بما ينعكس بالضرورة  على خبرته في تشكيل سلسلة من القيم الأولية و تمثل نوعا من الالتزام المبدئي تجاه تلك القيم ويكشف عما إذا كان هناك اتساق بين هذه القيم و بين التصرفات إزاء هذا الجانب.(Marcia, 1970).

و من خلال استقصاء استجابات الفرد في المجالات السابقة، و في ضوء التعرف على درجة الاستكشاف للبدائل المتاحة في كل مجال و درجة الالتزام نحوها، يمكننا تحديد السمات المميزة للمراهقة المتأخرة، وبالتالي التعرف على أهم عناصر الهوية ومتغيراتها لدى الفرد، باعتبار أن الهوية تتشكل في المراهقة المتأخرة بين 18-22 سنة حسب Marcia،  فالشباب يواجه في فترة المراهقة المتأخرة الكثير من مهام الراشدين مثل البحث عن المواطنة و التخطيط للزواج، ويصبح على الفرد أن يعطي و يستمر في العطاء، بدلا من أن يأخذ فقط كما كان من قبل. وحتى  يمكنه مواجهة مثل هذه المهام عليه أن يتخلص من حياة الطفولة بطريقة يستطيع من خلالها أن يقيم علاقة مع المجتمع، و أن يتكون لديه شعور بالتكامل. ومن هنا يرى Erikson  أنه يواجه ما يسمى أزمة الهوية و قد يحل هذه الأزمة إما بتحقيق نمط معين للهوية يبنى على مفهوم الاتصال الشخصي بالماضي و المستقبل، أو بأن يظل في حالة انتشار للهوية تبقى معها الالتزامات فيما يتعلق بالماضي و المستقبل غامضة، أو لا يكون لها وجود على الإطلاق. و يتطلب تحقيق نمط الهوية من الفرد أن يتخلى عن إدعاءاته الطفولية فيما يتعلق بمصادر الإشباع، وأن يتناول المواقف تناولا مختلفا عما كان يفعل من قبل، فيختار بين البدائل المتاحة، ويقوم بالالتزامات المتتالية بالنسبة للبديل الذي يختاره .وعليه أن يقوم بهذه الالتزامات في مجالات الاختيار المهني، و المفاهيم و المعتقدات الدينية و السياسية و القيم الجنسية .

فأثناء مرحلة الشباب يبدأ الفرد بتعزيز هويته حيث يميل إلى أن يحدد هويته ويتم إعادة تأمل كثير من قيمه وصورة ذاته نتيجة للتحديات التي يواجهها في حياته ويخبر صورة جديدة من أزمة الهوية فبينما يتساءل المراهق، من أنا؟  يميل الشاب الراشد للتساؤل، إلى أين أنا ذاهب؟  ومع من؟  وعموما فإن فترة الشباب والرشد المبكر تعتبر فترة يحسم فيها الفرد تساؤل مفاده كيف يرتبط بالمجتمع؟حيث يبدأ في تكوين نمط حياته، وغالبا ما تكون في صورة قرارات ثابتة يصعب تعديلها. وحدد Marcia(1966) أربع رتب أو أنماط للهوية تمثل الأساليب المختلفة لمواجهة أزمة الهوية، و يتم تحديدها من خلال وجود أو عدم وجود أزمة، و تعهدات أو التزاما ت في مجالات المهنة، و المعتقدات و القيم الجنسية.وتشير كلمة أزمة "Cricis" إلى أوقات خلال مرحلة المراهقة يبدو فيها الفرد منهمكا بفاعلية في الاختيار بين البدائل فيما يتعلق بالمجالات السابقة. بينما تشير كلمة"التزامات"إلى درجة الإنجاز الشخصي التي يعبر عنها الفرد في مهنة معينة أو معتقد معين.و قد أكدت دراسات عديدة في مختلف الثقافات صحة هذا الاتجاه الذي طوره Marcia، و هذه الأنماط أو الرتب حددهاMarcia في أربع رتب سنعرضها من الرتبة الأقل نضجا إلى الرتبة الناضجة.

و بناء على ذلك فإن رتبة الفرد في رتبة الانجازAchievement- و هي أكثر رتب الهوية نضجا . يمر بفترة أزمة و يعبر عن درجة قوية من الالتزام فيما يتعلق بالاختيار المهني و المعتقدات .فيضع في اعتباره العديد من الاختيارات المهنية ،و يتخذ القرارات فيما يتعلق بذلك على الرغم من أن هذه الاختيارات أو القرارات قد تختلف عن رغبة الوالدين. أما فيما يتعلق بالمعتقدات فهو يقوم بإعادة تقييم للمعتقدات التي كونها في الماضي و يصل إلى حل يعطيه الحرية ليتصرف كما يشاء، و عادة ما يتوصل إلى الاختيارات بعد فترة موسعة من البحث بين البدائل، الأمر الذي يجعل الأفراد في هذه الرتبة أكثر ثباتا و أكثر قدرة على تحديد أهداف واقعية و متابعتها، فيصبحون أكثر قدرة على مسايرة التغيرات الفجائية التي تحدث في البيئة.

أما في رتبة التأجيلMoratorium  - فإن الفرد يمر بفترة أزمة أيضا إلا أن التزاماته تكون غامضة، و يمكن تمييزه عن الأفراد في الرتب الأخرى للهوية بوجود صراع من أجل الوصول إلى التزامات محددة، كما أنه يكون مشغولا بالأمور التي تهم المراهقين. و على الرغم من أن رغبات والديه تمثل أهمية كبيرة بالنسبة له، فهو يحاول الوصول إلى حل وسط بين هذه الرغبات، و بين المتطلبات التي يفرضها المجتمع و بين قدراته هو. بينما في رتبة الانغلاقForeclosure-الفرد لا يمر بفترة أزمة، و مع ذلك تكون لديه التزامات أو تعهدات واضحة و محددة حيث يتم اختيارها من طرف الوالدين، كما انه يقبل الهوية التي يختارها له والداه أو بديلهما فيحاول أن يكون ما يريده الآخرون منه، كما أن المعتقدات لا تمثل أهمية كبيرة بالنسبة له حيث تكون معتقدات والديه أكثر سيادة مما يجعل الخبرات التي يمر بها في حياته لا تساعده إلا على تأكيد معتقدات الطفولة .ومن هنا تتميز شخصيته بالصرامة، وإذا ما واجه موقفا معينا و لم تكن القيم الوالدية واضحة فيه فإنه يشعر بالتهديد أو بأنه على وشك الضياع .أما في رتبة الانتشارDiffusion- فلا يمر الفرد بفترة أزمة و لا تكون لديه التزامات أو تعهدات واضحة،  كما يفتقر إلى المحاولات للوصول لمثل هذه الالتزامات، كما أنه لم يتوصل بعد إلى قرار يتعلق بالاختيار المهني ، ولا يضع ذلك في اعتباره. وعلى الرغم من أنه قد يفضل مهنة معينة فإن مفهومه أو ما يعرفه عن روتين هذه المهنة ضئيل جدا ، كذلك فهو غالبا ما يعطي الانطباع بأنه قد يتجنب هذا الاختيار في أي وقت عندما تظهر فرص أخرى لمثل هذا الاختبار .ثم يقوم بعد ذلك بحل هذه الأزمة فيما يتعلق بجوانبها الأخرى و نظرا لأن الفرد في هذه الرتبة لم يصل إلى أي حل يتعلق بأزمة الهوية أو بالأحرى بجانبها المهني، فهو لا يبدي أي اهتمام بموضوع المعتقدات حيث لا يختلف لديه أيا منها عن الآخر.كذلك فإن الفرد في هذه الرتبة يبدو بلا أهداف، و منعزلا عن الآخرين و سريع التغير ،و تعتبر هذه الرتبة أقل رتب الهوية نضجا، و هذا ما يتفق أيضا مع نظرية إريكسون، في حين تعد رتبة الإنجاز أكثر هذه الرتب نضجا من الناحية النمائية.

و قد أثبتت العديد من الدراسات أن الأفراد الذين فشلوا في تحقيق هويتهم و بالتالي هم يتمركزون في المراتب الدنيا و هي الانغلاق والتشتت، وخاصة هذه الأخيرة يصادفون مشاكل في حياتهم سواء على المستوى الانفعاليأو السلوكي أو الاجتماعي .

ويتصف الأفراد مشتتوا الهوية بعدة خصائص ثانوية مقارنة بالأفراد محققي الهوية منها سوء العادات الدراسية (Waterman,1972)، و قلة كل منها من التعاطف و الالتزام الأخلاقي و التوافق الاجتماعي(Hogan,1973) ، و انخفاض المستوى الثقافي(Waterman et Goldman,1976) و كثرة استخدام الرشاوي و الخدع لممارسة التأثير الاجتماعي(Read,Adams et Dobson,1984) و التأخر المعرفي  و زيادة الخجل(Adams ,Abraham et Marstrom,1987) و قلة التأمل و زيادة الاندفاعية (Shaim et Farber,1989)،و انخفاض مستوى التوافق الدراسي )حسن عبد المعطي، 1993(، و امتلاك وجهة ضبط خارجية و قلة الاستقلال الذاتي و ارتفاع مستوى الإذعان و المسايرة و التباعد الأسري(Marcia,1993)، وارتفاع مستوى تكرار و حجم استهلاك البيرة (Puswella et Strussel,1997)، ونقص التفكير في ذواتهم المحتملة الايجابية و الاعتقاد بقلة احتمال تحقيق تلك الذوات(Dunkel,2000).

و اعتقد Erikson أن تكوين الهوية يبدأ في مرحلة المراهقة المتوسطة و يستمر عبر مرحلة المراهقة المتأخرة و حتى مرحلة الرشد المبكر. وقد أثبتت الدراسات أنه كلما تقدم الأفراد في مرحلة المراهقة فإنه ستقل أعداد ذوي الهوية الأقل نضجا) تشتت و انغلاق الهوية (و بالتالي يزيد عدد الأفراد ذوي الهوية الأكثر نضجا) التعليق و الانجاز(.

كما أثبتت دراسة Fregeau et Barker(1986) صحة هذا الاعتقاد من خلال النتائج التي توصلا إليها من 350  مراهقا تتراوح أعمارهم بين (13-18) سنة و التي بينت أن أبعاد تشتت الهوية ظلت ثابتة خلال المراهقة المتوسطة ثم انخفضت في المراهقة المتأخرة كما أن نتائج تعليق الهوية غير منتظمة عبر العمر و تنخفض في نهاية المرحلة المدروسة، في حين أظهرت نتائج انغلاق الهوية إنخفاض ثابت عبر العمر الزمني، ووجدا أن أبعاد إنجاز الهوية  تبقى ثابتة مع التقدم في السن بالنسبة للمجموعة، إذ أن النقص الذي ظهر في درجات الأبعاد الفرعية لكل من التشتت و التعليق و الانغلاق يجعلنا نستنتج أنه  في مرحلة المراهقة المتأخرة يمكن تصنيفهم على أنهم منجزي الهوية.

كما أثبتت دراسات أخرى دوما أن الأشخاص الأكبر سنا يكونون أكثر توجها لانجاز الهوية بينما الأصغر سنا يكون من المتوقع بالنسبة لهم أن يبدوا مستوى اقل نضجا في مراحل نمو الهوية وهذا ما تم تأكيده في دراسات كل من أبراهام (1984)، آدمز وجونز)1984( ،آدمز و آخرون (1979(،كامبل و آخرون)1984 (، ميد (1983)، وستريتمتر) 1987(. وفي المقابل توصلت نتائج دراسات فيز (1984)، على عينة من الإناث تتراوح أعمارهم ما بين (19-57) سنة، ورودمان(1983)، وياتيم (1983)على عينة في مرحلة المراهقة المتأخرة والرشد المبكر إلى عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية في رتب الهوية باختلاف السن بين المجموعات. و قد استخدمت هذه الدراسات عينات في مرحلة المراهقة المتأخرة و الرشد المبكر أو حتى المتوسط، مما دعم  اعتقاد إريكسون و الذي تبناه هؤلاء بأن يتكون الهوية يحدث مع بداية مرحلة المراهقة و يتبلور خلال المراهقة المتأخرة و الرشد المبكر و تؤدي الضغوط الاجتماعية إلى ثبات الهوية مما يظهر المزيد من الاستكشاف و التفرد المرتبط بنمو الهوية.

كما يعتبر التراث العرقي أو الطائفي واحدا من متغيرات البيئة الاجتماعية التي يعتقد أن لها تأثيرا في نمو الهوية حيث وجدAbraham (1984-1983) أن الأمريكيين الذين ينحدرون من أصل إنجليزي أكثر ميلا إلى إنجازأو تشتت الهوية، في حين أن المراهقين الذين ينحدرون من أصل مكسيكي أكثر ميلا لأن يكونوا منغلقي الهوية.

وتوصل (1988) Lavoit من خلال دراسة تناولت 433 طالبا من جامعات في وسط غرب أمريكا، واليابان وجنوب الصين إلى وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين المجموعات العرقية في الأبعاد الفرعية لمقياس رتب الهوية، ففي بعد انغلاق الهوية الإيديولوجية حقق الطلبة اليابانيين درجة أكبر من الصينيين والأمريكيين، في حين سجل الصينيون درجة أكبر وبدلالة إحصائية عن الطلبة الأمريكيين في بعد تشتت الهوية الإديولوجية. أما بالنسبة لإنغلاق وتشتت الهوية الاجتماعية فقد سجل الطلبة اليابانيون درجة أعلى من الطلبة الأمريكيين والصينيين.    

كما يرى (1980) Marcia  أن الأفراد الذين لديهم هوية عرقية منجزة، دون شك، لديهم فكرة واضحة حول المعنى من عضويتهم في جماعتهم العرقية، وكذا الدور الذي تلعبه في حياتهم .

ويؤكد(1969) Erikson بأن الهوية الثابتة تحقق إحساس داخلي بالتماثل و الاستمرارية و بكونها ذات معنى للآخرين وأن الفرد قريب لإدراكهم وتوقعاتهم وعند حسن ظن الآخرين به، لذلك فالهوية كعملية مستقرة ليست في ذات الفرد و لكن أيضا في ثقافته التي ينتمي إليها.

و حتى في الكتابات المبكرة لإريكسون (1956) حيث كان يرى أن مصطلح الهوية يتضمن كل من استمرار التماثل بمعنى الاتساق مع النفس، و استمرار الاشتراك في بعض الصفات الجوهرية مع الآخرين، وفي كتاباته بعد ذلك قرر أن التماثل الذاتي و الاستمرارية يتم التعبير عنها من خلال الإحساس الشعوري  بالهوية  الفردية، و الكفاح اللاشعوري بغرض استمرارية الخصائص الشخصية و العمليات المستمرة للمحافظة على تركيب الأنا، و الكفاح الداخلي مع معايير الهوية للمجموعة التي ينتمي إليها.

1-إشكالية الدراسة:

اعتمادا على كل ما سبق ارتأينا دراسة موضوع الهوية في المجتمع الجزائري من خلال تركيزنا على الجانب العرقي باعتبار أن مجتمعنا يضم مجموعتين عرقيتين بارزتين و هما مجموعة العرب و مجموعة الأمازيغ، فتوصلنا إلى صياغة الإشكال على النحو التالي، ما هي رتب  الهوية لدى الشباب الجزائري؟ وللإجابة على هذا السؤال العام تم تحديد فرضيتين.

 2-الفرضيات:

1- توزع رتب الهوية الإيديولوجية و الاجتماعية لدى الشباب الجزائري ضمن العينة المأخوذة(عرب، قبائل و بني مزاب).

2- توجد فروق في رتب الهوية الإيديولوجيةوالاجتماعيةلدى الشباب الجزائري باختلاف السن.

3-أهمية الدراسة:

يعتبر موضوع نمو الهوية مهما في حد ذاته لانعكاسه على توافق الفرد و نموه،وأثناءمرحلة الشباب يبدأ الفرد بتعزيز هويته، فتحديد الهوية يعد من المطالب النمائية المهمة التي لا بد من انجازها و نجاح الفرد في تحديد هويته يعني أنه فرد موجه بسلوكه نحو أهداف حددها  لنفسه وفق مجموعة من المعايير و القيم و المسلمات التي تحدد انتماءه و موقعه في أسرته و بين أصدقائه و مجتمعه الذي يعيش فيه، في حين أن إخفاق الفرد في تحديد هويته يجعله مشتتا ضائعا ليس له هدف و لا دافع.

بالإضافة إلى تحديد أهمية الانتماء العرقي في تحقيق هوية ناضجة و خاصة الهوية الاجتماعية التي تمثل رضا الفرد و اعتزازه بالجماعة التي ينتمي.

4-إجراءات الدراسة:

أ-المنهج:

اعتمدنا في دراستنا المنهج الوصفي التحليلي حيث حاولنا التعرف على رتب الهوية الإيديولوجية والاجتماعية لدى الشباب الجزائري بفئتيه العربية و الأمازيغية، و كذا تحديد العلاقة بين عامل السن و مدى نضج الهوية لدى الشباب الجزائري  بصورة عامة.

ب-العينة:

اعتمدنا في اختيارنا للعينة الطريقة الطبقية التناسبية أو الحصصية حيث قسمنا العينة إلى ثلاث مجموعات و هي مجموعة  العرب و مجموعة الأمازيغ والتي ضمت هي بدورها مجموعة القبائل، و مجموعة بني مزاب، إلا أن حجم العينة لم يحدد على أساس متساوي بين هذه المجموعات الثلاث، و إنما على أساس أن يتناسب حجم عدد أفراد العينة المختارة مع الحجم و التعداد الأصلي لكل مجموعة داخل المجتمع، إلا أننا لم نتمكن من التعرف على التعداد الأصلي لهذه المجموعات داخل المجتمع.

فحاولنا أن يكون الحجم متقاربا، ولكن المشكل الذي صادفناه بصورة أكثر وضوحا كان يتعلق بمجموعة بني مزاب حيث توصلنا إلى العدد77 فردا بصعوبة،و بالتالي كانت هذه النسبة قليلة نوعا ما مقارنة مع المجموعتين الأخريين.

و شملت العينة 310 فردا موزعيين على المجموعات الثلاث بنسب متقاربة،و مجموعة العرب ب 124 فردا،القبائل ب 109 فردا، و مجموعة بني مزاب ب77 فردا جمعت بين الذكور و الإناث يتراوح سنهم بين (25 -30) سنة باعتبار هذه  الفئة العمرية تندرج ضمن مرحلة الشباب.

ج-الأدوات:

المقياس الموضوعي لرتب الهوية: لقد طور هذا المقياس إطار نظرية Erikson للنمو الإنساني،و أزمات الحياة و النمو على مدار الحياة ،و قد ذكر إريكسون في نظريته أن للهوية دورا هاما فهي تمثل تنظيم شخصي مركزي في حياة الإنسان ،و يؤكد بالدليل أن كل أزمة من أزمات الحياة إما أن تؤجل أو تعجل من جهود الإسهامات العامة في الهوية الفردية .فبناء على أفكار إريكسون هذه قام Adams1986)( بوضع الصورة النهائية للمقياس والتي تمخضت عن الصورة الأولى (1979)و التي أعدت من طرف Shea,Fitch et Adams  ،ثم الصورة الثانية للمقياس (1984)  من طرفGrotevant et Adams    و يتكون المقياس من 64 بندا ، نصف هذه البنود يقيس مظاهر الهوية الايدولوجية من خلال المجالات التالية :المهنية ، السياسية الدينية وفلسفة الفرد في الحياة، و النصف الأخر يقيس مظاهر الهوية الاجتماعية  من خلال المجالات :  الأدوار الجنسية  والصداقة  و الترويح  أو الاستجمام  و المقابلة  أو العلاقات مع الجنس الآخر .

و يجيب المفحوص على البنود من خلال إجابة ذات ستة مستويات متدرجة بطريقة ليكرت تتراوح بين موافق تماما إلى غير موافق على الإطلاق، و تقدر الدرجات بإعطاء الإجابة "موافق تماما" ست درجات  والإجابة "غير موافق إطلاقا" درجة واحدة.و تحسب الدرجة الكلية للبعد بجمع بنود  هذا البعد في المجالات الأربعة  وبذالك يصبح هناك أربع درجات للفرد هي درجاته في الأبعاد أو الرتب الآتية للهوية ، تشتت انغلاق ، تعليق و انجاز الهوية و يستخدم هذا القياس كمقياس لرتب الهوية لأشخاص فرادى تتراوح أعمارهم ما بين (14 -30) سنة.

و يستخدم لقياسالفروق بين الأفراد، و التغيرات داخل الفرد في شكل تطور الهوية.

كما يستفاد به كوسيلة بحث أولية أو ثانوية في دراسة النمو النفسي الاجتماعي خلال مرحلتي المراهقة و الرشد المبكر. وقد كان معامل ثبات المقياس 0.77، أما الصدق فكان 0.86

د-المعالجة الإحصائية:

استخدمنا في هذه الدراسة المعالجات الإحصائية التالية مع الاستعانة ببرنامج الرزمة الإحصائية SPSS:

-الإحصاء الوصفي:جداول تتضمن المتوسطات والإنحرافات المعيارية لدرجات أفراد العينة على المقياس وجداول توضح تكرارات ونسب توزيع رتب الهوية بين أفراد العينة.

-الإحصاء التحليلي:تم استخدام اختبار (ت) للعينات المستقلة.

5-نتائج الدراسة:

أولا: فيما يتعلق بالنتائج الفرضية الأولى والتي يدور محتواها حول  توزيع رتب الهوية على عينة الدراسة بمجموعاتها الثلاث (عرب، قبائل، بني مزاب).

تم استخراج الدرجات الفاصلة لرتب الهوية من خلال حساب المتوسط الحسابي مضافا إليه الإنحراف المعياري.

والجدول (1) يوضح المتوسطات الحسابية والإنحرافات المعيارية والدرجات الفاصلة للرتب الأربعة في البعدين الإيديولوجي والإجتماعي.

وبعد استخراج الدرجات الفاصلة تم توزيع أفراد العينة على رتب الهوية حيث ظهرت هناك 10 حالات مستبعدة وذلك لأن درجاتها تساوي أو تزيد عن الدرجات الفاصلة في ثلاثة أبعاد أو أكثر، وهذه الحالات المستبعدة كانت من الأفراد، أربعة من مجموعة العرب، أربعة من مجموعة القبائل، وإثنين من بني مزاب، واعتبرت الحالات المستبعدة بأنها قد أساءت فهم التعليمات أو لم تقم بالإجابة بأمانة كما تشير تعليمات المقياس، وبالتالي أصبح عدد أفراد الدراسة على ما هو عليه 310 فردا.

الجدول رقم 2 يوضح توزع رتب الهوية الإيديولوجية والاجتماعية عليهم.

يوضح الجدول (2) تكرارات رتب الهوية بين أفراد العينة ويمكن بالاستناد لهذه التكرارات استخراج نسب توزع رتب الهوية بين عينة الدراسة ككل وكذلك للأفراد داخل المجموعات العرقية الثلاث، والجدول (3) يوضح ذلك:

الجدول (3): يوضح توزيع رتب الهوية الإيديولوجية والاجتماعية على عينة الدراسة

يتضح من الجدول (3) فيما يخص الهوية الإيديولوجية أن نسب رتب الهوية الصافية في عينة الدراسة ككل توزعت كما يلي: الإنجاز 12.90 % وهي النسبة الأعلى بين رتب الهوية الصافية لدى عينة الدراسة ككل، يليه التعليق بنسبة 11.93 %  فهي قريبة من نسبة الإنجاز، في حين أن رتبة الإنغلاق لم تكن متوفرة لدى أفراد العينة حيث غابة تماما في توزع رتب الهوية الإيديولوجية داخل عينة الدراسة ككل، أما رتبة التشتت فجاءت بنسبة قليلة بالمقارنة مع رتبتي الإنجاز والتعليق حيث كانت 4.83 %، في حين كانت نسبة رتب الهوية الإنتقالية 1.93 % بينما كانت النسبة الأعلى لتوزع الهوية الإيديولوجية لصالح الرتب منخفضة التحديد 64.51 % .

أما أفراد الدراسة الذين ينتمون إلى مجموعة العرب فالجدول (3) يوضح أن توزع رتب الهوية الإيديولوجية كان على الشكل التالي: توزع رتب الهوية الصافية، الإنجاز 10.48 % ، التعليق 12.90%، وهي الرتبة ذات النسبة الأعلى بين رتب الهوية الصافية لدى مجموعة العرب في حين كانت رتبة الإنغلاق غائبة تماما بالنسبة لكل أفراد العينة كما سبق وأن رأينا، التشتت 6.45 %، ونسبة رتب الهوية الإنتقالية كانت 2.41 %، بينما كانت النسبة الأعلى لتوزع الهوية الإيديولوجية لصالح الرتب منخفضة التحديد62.09 %.

وفيما يتعلق بمجموعة القبائل فالجدول (3) يوضح أن توزع رتب الهوية الإيديولوجية كان على الشكل التالي: توزع رتب الهوية الصافية الإنجاز 11 %، التعليق وكانت مساوية تماما لرتبة الإنجاز 11 % هي الأخرى، الإنغلاق غيرموجودة أو غير ممثلة لدى أفراد المجموعة، التشتت 3.66 %، في حين كانت نسبة رتب الهوية الانتقالية 2.75 %، بينما كانت النسبة الأعلى لتوزع الهوية الإيديولوجية لصالح الرتب منخفضة التحديد 66.97 %.

وفيما يخص مجموعة بني ميزاب فالجدول (3) يبين أن توزع رتب الهوية الإيديولوجية كان على النحو التالي: توزع رتب الهوية الصافية: الإنجاز 19.48 % وكانت أعلى نسبة بالنسبة لتوزع الهوية الإيديولوجية برتبها الثلاث ولدى المجموعات الثلاث، التعليق 11.68 %، الإنغلاق غير ممثلة لدى المجموعة التشتت 3.89 %، في حين كانت نسبة رتب الهوية الإنتقالية غير ممثلة هي الأخرى لدى أفراد المجموعة،أما النسبة الأعلى لتوزع الهوية الإيديولوجية فكانت لصالح الرتب منخفضة التحديد  64.93 %.

وفيما يتعلق بنسب توزع الهوية الاجتماعية فيتضح من الجدول (3) أن نسب رتب الهوية الصافية في عينة الدراسة ككل توزعت كما يلي: الإنجاز والتعليق، هاتين الرتبتين لم تكونا ممثلتين لدى كل أفراد العينة بمجموعتها الثلاث، الإنغلاق 19.35 %، وهي الرتبة ذات النسبة الأعلى بين رتب الهوية الصافية لدى عينة الدراسة ككل، التشتت  6.77 %، في حين كانت نسبة رتب الهوية الانتقالية 5.80 %، بينما كانت النسبة الأعلى لتوزع الهوية الاجتماعية لصالح الرتب منخفضة التحديد 66.77 %.

أما أفراد الدراسة ضمن مجموعة العرب فالجدول (3) يوضح أن توزع رتب الهوية الاجتماعية كان على الشكل التالي: توزع رتب الهوية الصافية، الإنجاز والتعليق غير ممثلتين لدى أفراد المجموعة، الانغلاق 21.77 %، و هي الرتبة ذات النسبة الأعلى بين رتب الهوية الصافية لدى أفراد مجموعة العرب، التشتت 7.25 %، في حين كانت نسبة رتب الهوية الانتقالية 6.45 %، بينما كانت النسبة الأعلى لتوزع الهوية الاجتماعية لصالح الرتب منخفضة التحديد 59.67 %.

و فيما يتعلق بمجموعة القبائل فالجدول (3) يوضح أن توزع رتب الهوية الاجتماعية كان كما يلي: توزع رتب الهوية الصافية، الإنجاز والتعليق لم تكونا ممثلتين بين أفراد المجموعة، الانغلاق 18.34 %، وهي الرتبة ذات النسبة الأعلى بين رتب الهوية الصافية، التشتت 7.33 %، في حين كانت نسبة رتب الهوية الانتقالية 2.75%، بينما كانت أعلى نسبة لتوزع الهوية الاجتماعية لصالح الرتب منخفضة التحديد 72.47%.

وبالنسبة لمجموعة بني ميزاب الجدول (3) يبين أن توزع رتب الهوية الاجتماعية كان على الشكل التالي: توزع رتب الهوية الصافية، الإنجاز والتعليق لم يتوفر لدى أفراد المجموعة كما كان الحال مع المجموعتين السابقتين، الانغلاق 16.88%، وهي الرتبة ذات النسبة الأعلى بين رتب الهوية الصافية لدى أفراد المجموعة، التشتت 5.19 %، في حين كانت نسبة رتب الهوية الانتقالية 9.09%، بينما كانت النسبة الأعلى لتوزع الهوية الاجتماعية لصالح الرتب منخفضة التحديد 70.12%.

وبالعودة إلى الجدول (3) يتضح في البعد الإيديولوجي أن الرتب منخفضة التحديد كانت الأعلى نسبة في عينة الدراسة ككل وكذلك لدى المجموعات الثلاث (العرب، القبائل، وبني ميزاب) حيث كانت النسب متقاربة فيما بينها، كما يتضح أن مجموعة بني مزاب لديها نسبة أعلى في رتبة الإنجاز، بينما مجموعة العرب كانت لديها نسبة أعلى في رتبة التعليق، بينما لاحظنا غياب رتبة الانغلاق في البعد الإيديولوجي تماما وبالنسبة للمجموعات الثلاث على التوالي، في حين رتبة التشتت كانت بنسبة أعلى لدى مجموعة العرب، والرتب الانتقالية كانت غائبة أيضا لدى مجموعة بني مزاب، في حين جاءت متقاربة وبشكل كبير بين مجموعتي العرب والقبائل، وكانت تمثل أدنى نسبة بين رتب الهوية لدى عينة الدراسة ككل، في حين كانت رتب الهوية منخفضة التحديد تمثل أعلى نسبة لتليها رتبة الإنجاز في المرتبة الثانية ثم رتبة التعليق.

أما في البعد الاجتماعي وبالعودة إلى الجدول (3) يتضح أن الرتب منخفضة التحديد كانت الأعلى نسبة في عينة الدراسة ككل وكذلك لدى المجموعات الثلاث اللائي تشملهن العينة، كما لاحظنا غياب الأفراد في رتبتي الإنجاز والتعليق بالنسبة لكل أفراد العينة، في حين كان تواجدهم في رتبة الانغلاق بنسبة أعلى، وهذا على عكس ما وجدناه بالنسبة للبعد الإيديولوجي للهوية كما سبق وأن رأينا، حيث الغياب الكلي للأفراد في رتبة الانغلاق، وتوزعهم الواضح في رتبتي الإنجاز والتعليق، كما يتضح أن أعلى نسبة في رتبة الانغلاق كانت لدى مجموعة العرب، ثم مجموعة القبائل، وأخيرا مجموعة بني مزاب، أما التشتت فكانت نسبة مجموعة العرب والقبائل متماثلة تقريبا، ونسبة مجموعة بني مزاب بدرجة أقل، بينما الرتب الانتقالية كانت أعلى نسبة موجودة لدى مجموعة بني مزاب على عكس ما كان بالنسبة للبعد الإيديولوجي حيث كانت هذه الرتب غير ممثلة تماما لدى المجموعة، ثم تليها مجموعة العرب وفي الأخير مجموعة القبائل بأقل نسبة.

والرتب منخفضة التحديد كانت بنسب متساوية تقريبا بين مجموعتي (القبائل وبني مزاب)، في حين قلت هذه النسبة نسبيا لدى مجموعة العرب، بينما كانت النسبة في هذه الرتبة متقاربة بين المجموعات الثلاث في البعد الإيديولوجي للهوية.

ثانيا: بالنسبة للفرضية الثانية والتي تتعلق بالفروق بين الشباب الجزائري في حالات الهوية تبعا لمتغير السن نوضح أولا كيفية توزيع أفراد العينة حسب متغير السن والجنس والانتماء العرقي من خلال الجدول الآتي:

الجدول (4): يوضح توزيع أفراد العينة وفقا لمتغيرات السن والجنس والانتماء العرقي

يوضح الجدول (4) كيفية توزع أفراد العينة حسب متغير السن والجنس وكذا الانتماء العرقي للمجموعات الثلاث داخل العينة. حيث نلاحظ على مستوى متغير السن أنه لدينا فئتين عمريتين، الفئة الأولى تمثل الأفراد الذين يتراوح سنهم ما بين 25-27 سنة، والفئة الثانية تشمل الأفراد في سن ما بين 28-30 سنة، إلا أن العدد يختلف بين الفئتين، إذ أن حجم الفئة الأولى أكبر من الثانية (173 مقابل 137).

وفيما يلي سنعرض الجدولين الذين يوضحان نتائج الدراسة فيما يتعلق بالمتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية والتي نتوصل من خلالها للإجابة على السؤال الثاني الذي سبق طرحه.

الجدول (5): يوضح المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لعينة للدراسة على البعد الاجتماعي لمقياس رتب الهوية حسب متغير السن

الجدول (6): يوضح المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لعينة للدراسة على البعد الاجتماعي لمقياس رتب الهوية حسب متغير السن

يتضح من الجدولين رقم (5) و(6) وجود فروق ظاهرية بين متوسطات عينة الدراسة على رتب الهوية في البعدين الايديولوجي والاجتماعي، ولمعرفة ما إذا كانت هذه الفروق ذات دلالة إحصائية تمت الاستعانة بإختبار (ت) للعينيين المستقلتين والجدولين رقم (7) و (8) يوضحان ذلك.

الجدول (7): يوضح اختبار (ت) للعينات المستقلة للفروق بين درجات عينة الدراسة على البعد الإيديولوجي لمقياس رتب الهوية تبعا لمتغير السن

الجدول (8): يوضح اختبارا (ت) للعينات المستقلة للفروق بين درجات عينة الدراسة على البعد الاجتماعي لمقياس رتب الهوية تبعا لمتغير السن.

يلاحظ في البعد الإيديولوجي كما يتضح من الجدول (7) أن هناك فروقا بين متوسطات أفراد الدراسة من الأعمار (25-27) ومن (28-30) على بعد التعليق الإيديولوجي إذ بلغت قيمة (ت) (1.982) بدرجة حرية (23.327) وكانت قيمة الاحتمال (0.048) وهي دالة إحصائيا عند مستوى الدلالة (0.05)، وبمقارنة متوسطي المجموعتين الواردتين في الجدول (5) يتضح أن هذه الفروق لصالح الأعمار من (25-27) إذ بلغ متوسطها (17.887) بينما بلغ متوسط المجموعة العمرية الثانية ( 16.824). مما يدل على وجود فروق في التعليق الإيديولوجي لصالح الأفراد الذين تتراوح أعمارهم ما بين 25-27.

كما يوضح الجدول (7) أنه لا توجد فروق دالة بين متوسطات عينة الدراسة من الاعمار (25-27) و (28-30) على باقي الابعاد في الجانب الايديولوجي حيث كانت قيمة الاحتمال غير دالة إحصائيا عند مستوى الدلالة (0.05).

كما يتضح من الجدول (8) في البعد الاجتماعي أن نتائج اختبار (ت) أشارت إلى وجود فروق بين متوسطات أفراد الدراسة على بعد التشتت إذ بلغت قيمة (ت) (2.053) بدرجة حرية (284) وكانت قيمة الاحتمال (0.041) وهي دالة إحصائيا عند مستوى الدلالة (0.05)، وبمقارنة متوسطي المجموعتين يتضح أن هذه الفروق لصالح المجموعة الأولى الأفراد الذين تتراوح أعمارهم ما بين (27.25) حيث بلغ متوسطها (21.865) بينما بلغ متوسط المجموعة الثانية التي يتراوح عمرها ما بين (28-30) (537-20)، مما يدل على وجود فروق في بعد التشتت الاجتماعي لصالح المجموعة الأولى من الأعمار (25-27).

كما يوضح الجدول (8) أنه لا توجد فروق دالة بين متوسطات عينة الدراسة على باقي الأبعاد في الجانب الاجتماعي حيث كانت قيمة الاحتمال غير دالة إحصائيا عند مستوى الدلالة (0.05).

6-مناقشة النتائج:

أولا:فيما يتعلق بنتائج الفرضية الأولى التي تتناول توزع رتب الهوية على عينة الدراسة (العرب، القبائل، وبني مزاب)، فقد أظهرت النتائج فيما يخص الهوية الإيديولوجية أن نسب رتب الهوية منخفضة التحديد كانت الأعلى نسبة في عينة الدراسة ككل (64.51 %).

وكانت النتيجة ذاتها بالنسبة لبعد الهوية الاجتماعية حيث كانت النسبة الأعلى لرتب الهوية منخفضة التحديد (66.77 %)، إن هذه الرتبة تشير إلى أن أفراد العينة ما يزالون في مرحلة استمرار السلوكات الاستكشافية كما أسماها Matteson (1977) ووجود أو غياب تعريفات محددة، والإلتزام الثابت بالقيم والمعتقدات والمعايير، هذه الاستكشافات أو فترات الأزمة كما يسميها Erikson (1968) يمكن توقعها من قبل المجتمع فتحدث للمراهقين خلال فترة الشباب وقبل الدخول في التعليق النفسي الاجتماعي، حيث لا يدرك الشباب شعوريا حركة الهوية، وقد يعود هذا إلى كون عينة الدراسة تشمل على نسبة كبيرة من الأفراد الذين يتراوح سنهم ما بين 25-27 سنة كما أوضحه الجدول (4)، إذ من المتوقع حدوث زيادة في النمو النفسي الاجتماعي مع التقدم في السن، كما يؤكد Erikson على دور المجتمع في تحقيق الهوية أو تعليقها لدى الفرد حيث يعتقد أن المجتمع يمنح الأفراد الفرصة للتأجيل النفسي الاجتماعي للهوية في حين يسعى المراهقون إلى تكوين إلتزامات أو تعهدات خاصة بهم في الحياة، وإلى ترسيخ تعريف ثابت نسبيا للذات، فهذا الوضع الذي يطبعه التناقض يثير الهوية الشعورية التي تجبر الفرد على إكتشاف البدائل والخيارات بين وجهات النظر المتباينة في مجالات عديدة (سياسية، اجتماعية، ترفيهية،...وغيرها) وإعادة حلها من خلال التعهدات أو الالتزامات الإيديولوجية الشخصية.

كما أوضحت النتائج المغلقة بهذه الفرضية في البعد الإيديولوجي أن رتبة الإنغلاق كانت غائبة تماما و بالنسبة لأفراد المجموعات الثلاث، هذه الرتبة التي يصفها Erikson بأن الشباب هنا ربما يقرر إلتزام ثابت، ولكنه لا يمر بفترات يشعر فيها بأزمات شخصية.

بالإضافة لذلك فإن هذا الشباب يتبنى معتقدات مكتسبة من الآخرين وغالبا ما يكونا الوالدين، ولم يختبروا حالة معتقداتهم للمقارنة بمدى مطابقتها بمعتقدات الآخرين، والخاصة بهم دون فحص أو تبصر أو انتقاد لها، وإذا ما رجعنا إلى المعنى الذي تتضمنه الإيديولوجيا وتحديدا الهوية الإيديولوجية والتي تمثل النواحي المهنية والدينية أو العقائدية، وسياسة وفلسفة الفرد لأسلوبه في الحياة بما تشمل من قيم وأهداف ومعايير، نلاحظ أن الشباب الجزائري لا يحبذ أن يملي عليه الآخرين مثل هذه الأهداف والقيم والمعايير وإنما يفضل إنجازها بمفرده، وهذا ما نستخلصه من خلال النتائج التي توصلنا إليها ودائما في إطار هذه الفرضية حيث كانت رتبة الإنجاز هي المنتشرة أكثر وخاصة بالنسبة لمجموعة بني مزاب (19.48 %)، ثم مجموعة القبائل (11%)، وكانت مماثلة لرتبة التعليق، ومجموعة العرب (10.48%)، فهؤلاء الشباب خبروا تعليقا اجتماعيا وأجروا استكشافات بديلة لتحديد شخصيتهم والإلتزام بإيديولوجية محددة، فهم بهذا قد أنجزوا أو حققوا هويتهم الإيديولوجية، كما كانت رتبة التعليق مكررة داخل أفراد العينة ككل، حيث كانت النسبة الأعلى تمثلها مجموعة العرب (12.90%)، ثم مجموعة بني مزاب (11.68%)، وأخيرا مجموعة القبائل (11%)، فهم من خلال تموقعهم في هذه الرتبة يعتبرون قد خبروا بشكل عام الشعور بهويتهم وسعوا بنشاط لاستكشافها غير أنهم لم يصلوا بعد إلى تعريف ذاتي بمعتقداتهم في حين أن رتبة التشتت كانت موجودة داخل عينة الدراسة ككل ولكن بنسب قليلة بالمقارنة مع رتبتي الإنجاز والتعليق، حيث كانت داخل مجموعة العرب بنسبة  (6.45 %) وهي النسبة الأعلى.

بينما لدى مجموعتي القبائل وبني مزاب فكانت متقاربة (3.66%، 3.89%) على التوالي، ويتميز الشباب في هاته الحالة بأنهم لا يدركون شعوريا حركة الهوية، وربما لا يخبرون الحاجة لأن يكتشفوا خيارات أو بدائل، وربما أيضا يفشلون في الالتزام بإيديولوجية ثابتة، وقد أثبتت دراسة لآدامز ومونتيمير (1987) استمرت ثلاث سنوات وبعد تحديد اصناف معينة للهوية لاحظا عبر الزمن أن 50 % من الحالات كان فيها نموا متعاقبا، 14 % ثبات، 11 % إنحدار في النمو، 25% أنماط غير ثابتة، كما وجدا أن 80% يحدث في حالات تعليق الهوية، ومعظم الشباب مشتتي الهوية ذات نمو غير ثابت، كما أن رتب الهوية التي تتصف بإلتزام (إنجاز، إنغلاق) أكثر ميلا للثبات من غيرها.

 كما يتوقع لحالات انغلاق الهوية نمط من الانحدار المتعاقب أو نمط من النمو الانحداري، وكما كان متوقعا فقد اظهر معظم الشباب زيادة في التفرد والتمايز، ولكن القليل نسبيا يبقى ثابتا، والأقل من ذلك يظهر انحدارا وتراجعا في المستوى.

  كما يؤكد Mucchielli على الطابع غير الثابت للهوية حيث يعتبرها أنها ليست شيئا جامدا، بل هي حقيقة تتطور وفقا لمنطقها الخاص الذي يتجسد في عمليات التقمص والتمثل، وهي في سياق تطورها تتحدد على نحو تدريجي، وتعيد تنظيم نفسها، وتتغير من غير توقف وذلك إلى حد تكون فيه قادرة على تحديد خصوصية الكائن الإنساني، وهي تنطوي على دينامية داخلية مماثلة لمنظومة العمليات المعرفية والعقلية التي تشكل منطلقات الإحساس بالهوية (علي وطفة، 1993، ص 129-130).

كما تشير النتائج إلى أن نسبة رتب الهوية الانتقالية كانت موجودة ولكن بنسبة ضعيفة لدى العرب والقبائل فقط، كما كانت متقاربة بين المجموعتين مجموعة العرب (2.41%) والقبائل (2.75%)، في حين أن هذه الرتبة كانت غائبة تماما لدى مجموعة بني مزاب، وتشير هذه الرتبة إلى الشباب الذين يتعرضون لانتكاسة في النمو وينتقلون إلى مستويات أدنى من رتب الهوية بسبب تعرضه للحيرة أو التوقف عن خيار معين وإعادة البحث من جديد عن خيار آخر، وهذا الأمر متوقع في عالم معقد ومتعدد الاحتمالات والخيارات، خاصة ما يتعلق بالمجال المهني أو السياسي، أو قيم الفرد وأهدافه والمعايير التي يؤمن بها، هذه الجوانب من الحياة قد تكون في بعض الأحيان محل مراجعة وتقييم وحتى نقد من طرف الشخص في حد ذاته بسبب تأثير من بعض المتغيرات الخارجية، وقد يصل الأمر بالشخص إلى تعديل الأفكار التي يحملها وبالتالي البحث عن البديل، غير أنه في دراستنا نسبة هذه الرتبة كانت ضعيفة كما سبق وأن ذكرنا ومتوفرة لدى مجموعتين (العرب والقبائل) فحسب، بالإضافة إلى الرتب التي شملها هذا الانتقال في النمو، ويتعلق الأمر برتبتي الإنجاز والتعليق، وهما الرتبتين المتقدمتين حيث يصنفان من الرتب الناضجة في عملية النمو النفسي الاجتماعي وأكد Adams, Tchea Fitch (1979)  من خلال تجاربهم أن الانتكاسة قليلا ما تحدث فتؤدي إلى مستوى أدنى من رتب الهوية، ففي هذه الحالة، وبالنسبة للنتائج التي توصلنا إليها فإن حالات تعليق/ إنجاز الهوية تنتكس إلى تعليق الهوية، وقد يرجع هذا إلى طبيعة عينة الدراسة والتي تتمثل في كونهم شباب وبالتالي قد تجاوزوا أزمة الهوية التي يعايشها المراهق والتي تجعل من هذه الرتب الانتقالية متكررة لديهم بشكل كبير حسب النتائج التي دلت عليها الدراسات التي تناولت دراسة الهوية لدى المراهقين باعتبار أن المراهق يواجه عموما عددا كبيرا من التغيرات النفسية والجسمية والجنسية المتشابكة، ويواجه أيضا بمتطلبات عقلية واجتماعية ومهنية جديدةومتنوعة (عادل عز الدين الأشول، ص 543).

وفيما يتعلق بالجانب الاجتماعي، فقد أظهرت النتائج الغياب الكلي لأفراد العينة ككل في رتبتين أساسيتين لرتب الهوية هما الإنجاز والتعليق وهما اللتان تعكسان تقبح الهوية لدى الفرد، وهذه النتيجة تبدو معاكسة تماما لما توصلنا إليه فيما يتعلق بالبعد الإيديولوجي للهوية حيث كانت النسبة معتبرة نحو هاتين الرتبتين (الإنجاز والتعليق) في حين كانت النتيجة سلبية ورتبة الانغلاق الايديولوجي، وهذا يدل على أن أفراد الدراسة قد توصلوا إلى تحقيق الانجاز الايديولوجي والتعليق الايديولوجي بينما بالنسبة للبعد الاجتماعي للهوية، فهم يتمركزون في رتبة الانغلاق ولم يصلوا بعد إلى رتبتي الانجاز والتعليق، وإذا كانت الهوية الاجتماعية أو هوية العلاقات مع الأشخاص تتضمن جوانب مثل الصداقة، المقابلة أو اللقاءات، الأدوات الجنسية وطريقة الاستجمام أو الترفيه التي يختارها الفرد، فإن الشباب قد يكونون قد قرروا التزاما ثابتا فيما يخص هذه الجوانب من حياتهم، ولكنهم لم يمروا بفترات يشعرون فيها بأزمات شخصية، بالإضافة إلى أنهم يتبنون معتقدات مكتسبة من الآخرين وغالبا ما يكونا الوالدين ولم يختبروا حالة معتقداتهم للمقارنة بمدى مطابقتها بمعتقدات الآخرين، فهم يقبلون معقدات الآخرين والخاصة بهم دون فحص أو انتقاد لها، وقد يعود هذا إلى كون اهتمام الشباب ينصب بدرجة أكبر على الجوانب التي يتضمنها البعد الايديولوجي للهوية وهي المهنة والمعتقدات والسياسة وفلسفة الفرد في الحياة بما تشمل من قيم وأهداف ومعايير، حيث انعكس هذا الاهتمام من خلال نجاحه نحو تحقيق الشعور بهويته فهو هذه المجالات وسعي بنشاط لاكتشافها، وأجرى استكشافات بديلة لتحديد شخصيته والالتزام إيديولوجية محددة، وباعتبار هذه المجالات لها أهميتها المعتبرة في حياتنا اليومية وخاصة ما تحدثنا عن المهنة فهي أول ما يفكر فيه الشاب ويسعى إلى ضبط وجهته في هذا الجانب، وباعتبار هذه المرحلة العمرية يندرج ضمنها الطالب الجامعي الذي لم يتخرج بعد ولكنه، دون شك، يكون قد حدد المهنة التي اختارها للمستقبل تماشيا والتخصص الذي يدرسه، أو حتى ميول واهتمامات وطموحات قد تكون في بعض الأحيان بعيدة تماما عن التخصص، بالإضافة إلى الشباب الذين هم يمارسون لوظائف ومهن، وهدفهم التمسك بها وتحسينها إن كانت تنال رضاهم أو التفكير والبحث عن البديل إن كانت لا تلبي رغباتهم وطموحاتهم، دون أن ننسى الجانب العقائدي والذي ينال هو الآخر حيزا بالغا من اهتمام الشاب، والانتماء إلى الاتجاهات السياسية أو حتى الالتزام ببعض المبادئ والأفكار دون تحقيق الانتماء الفعلي، كما يعمل الشاب على بلورة قيمة وأهدافه ومعاييره، والعمل على تجسيدها ميدانيا، كل هذا الانشغال قد يعطل الشاب على التفرغ وبصورة موازية للعمل على إنجاز ما يتعلق بالجانب الاجتماعي أو علاقاته مع الآخرين. 

كما قد يعود السبب في تمركز الشباب في بعد الانغلاق الاجتماعي وعدم تمكنهم من تحقيق اجتماعي للهوية أو حتى تعليق اجتماعي للتنشئة الاجتماعية التي تلقاها هؤلاء الشباب، حيث أن للتنشئة الاجتماعية دور في نمو الهوية وتحديد رتبها( Strietmatter, 1987; Jackson et al, 1990).

حيث أن انتماء الفرد لجماعة وتفاعله معها يحدد هويته وبالتالي معالم شخصيته التي تتبلور في ضوء انتماءاته المتعددة والتي تبدأ بالأسرة ثم المدرسة، فجماعة الرفاق، إلى جماعة العمل، ثم الوطن...إلخ، فالهوية تنشأ من الإنتماء وتعد إليه لتؤكد وجوده وتعمل على تقويته من خلال مشاعر الولاء أي أن الهوية دلالة    ووليدة الانتماء.

وبما أن دراستنا تناولت عينة من المجتمع الجزائري وتحديدا مجموعتين عرقيتين الأولى كانت متمثلة في مجموعة العرب، والثانية شملت مجموعة الأمازيغ، هذه الأخيرة التي تشمل على مجموعتين فرعيتين هما مجموعة القبائل ومجموعة بني مزاب، يمكننا استخلاص بعض ما يميز بعض مجالات الهوية وخاصة الهوية الاجتماعية لدى هذه المجموعات، فإن تحدثنا عن أهم ما يميزها ينبغي أن نشير إلى الثقافة الأمازيغية باعتبار الثقافة تشمل الممارسات والأفكار والسلوك...إلخ، فالأمازيغية كمنظومة فكرية وثقافية تشكلت عبر تاريخ الإنسان بالمنطقة المغاربية، التي خلف بها تراثا حضاريا وثقافيا يشهد على إبداع الأمازيغ اقتصاديا واجتماعيا مثل قوى الإنتاج التي ساهمت بشكل كبير في تطور الأمازيغية، وعلاقات إنتاج جد متطورة (تنظيم الري، تنظيم الملكية الجماعية للأراضي، تدبير الإنتاج الفلاحي...) وبالتالي تأسيس نمط إنتاج يرتكز إلى الملكية الجماعية للأراضي يعمل فيه الفرد لصالح الجماعة التي تقوم بدور الحماية الجماعية للأفراد، فعلاقات الإنتاج هذه ذات الخصوصية المحلية طبعت نمط حياة الأمازيغ التي تتسم بالحركة والحيوية والإبداع وروح التضامن.

ويؤكد عبد السميع سيد أحمد أهمية طريقة العمل في تحديد العلاقات الاجتماعية والتي تعتبر بدورها عاملا لا يستهان به في تشكيل الهوية باعتقاده أن التفاعل الاجتماعي وليس مجرد ظاهرة نفسية وإنما لهذه الظاهرة مضمون مادي كذلك، لأن الإنسان في حاجة إلى ما يحفظ له حياته فتدفعه علاقات الإنتاج إلى التفاعل مع الآخرين، والناس لا يؤثرون خلال الإنتاج في الطبيعة فقط، بل يؤثرون كذلك في بعضهم البعض، أنهم لا يستطيعون الإنتاج دون أن يتحدثوا من أجل نشاط مشترك، ودون أن يتبادلوا نشاطاتهم، إن الإنتاج يدفع الناس إلى الدخول في علاقات معينة وتكوين أشكال مختلفة من الروابط والعلاقات الاجتماعية.

كما يدعم محمود العالم أهمية تفاعلنا مع الآخر في بناء الهوية من خلال تأكيده على أهمية الهوية في تشكيل الشخصية الفردية والمجتمعية، ويتفق الجابري ومحمود العالم في أن هوية الإنسان ليست أحادية البنية بل هي مركب وحصيلة وتداخل وتفاعل المقومات الثقافية واللغوية والدينية والعرقية والإبداعية (2006، ص. 17).

وهذا ما يفسر لنا النسبة العليا التي انفرد بها بعد الإنغلاق الاجتماعي للهوية بالمقارنة مع أبعاد الهوية الخالصة الأخرى (الإنجاز، التعليق والتشتت)، حيث يمكن للعلاقات الاجتماعية المباشرة والتي تميز مجال العمل مثل ما يعرف في المجتمع الجزائري بـ "التويزة" أو باقي مجالات الحياة أن يتأثر الفرد و بسهولة بأفكار ومعتقدات وقيم ومعايير تتعلق بالجانب الاجتماعي للهوية وبالتالي نتقبل هذا المحتوى ونقتنع به ونتبناه من دون تمحص أو فحصأو محاولة إنتقاء.

كما يعتبر التراث العرقي أو الطائفي واحدا من متغيرات البيئة الاجتماعية التي يعتقد أن لها تأثيرا في نمو الهوية حيث وجد (1984-1983) Abraham أن الأمريكيين الذين ينحدرون من اصل إنجليزي أكثر ميلا إلى إنجاز أو تشتت الهوية، في حين أن المراهقين الذين ينحدرون من اصل مكسيكي أكثر ميلا لأن يكونوا منغلقي الهوية.

ومثله ما وجده (1984) Owen أن الشباب من طائفة أمريكية منحدرة من اصل كوبي أكثر من صغار الراشدين الأمريكيين في بعد إنغلاق الهوية، وفسر الباحثون هذا بأنه قد تكون الضغوط البيئية إزاء إنغلاق الهوية داخل طوائف الأقلية قوية، ويرجع ذلك إلى الكفاح من أجل المحافظة على ثقافتهم ونقلها عبر الأجيال ولتظل لهم هوية طائفية أو عرقية مستقلة.

ثانيا:أما فيما يتعلق بنتائج الفرضية الثانية والتي تتناول الفروق بين عينة الدراسة على أبعاد الهوية حسب متغير السن والذي يتراوح ما بين (25-27) ومن (28-30)، فقد أظهرت النتائج فيما يخص الهوية الإيديولوجية أنه توجد فروق ذات دلالة إحصائية عند مستوى الدلالة (0.05) بين متوسطات أفراد الدراسة على بعد التعليق، في حين أنه لم توجد فروق ذات دلالة إحصائية عند مستوى الدلالة (0.05) بين متوسطات أفراد الدراسة على بعد التعليق، في حين أنه لم توجد فروق دالة بين متوسطات عينة الدراسة على باقي الأبعاد في الجانب الإيديولوجي.

وقد اتفقت النتائج التي أشارت إلى وجود فروق مع دراسات ( Adams et Jones, 1981 ) و (Waterman et Archer, 1983) فقد أشارت إلى أن رتب الهوية (الإنجاز والتعليق) تزداد مع ازدياد العمر في حين تقل الدرجات على بعد الإنغلاق والتشتت، إن الزيادة في نمو الهوية مع التقدم في العمر يتفق مع ما أشار إليه Marcia et Erikson وقد يعود السبب إلى زيادة نضج الشاب وخبراته في الجوانب الإيديولوجية وخاصة المهنية حيث يتوصل إلى صورة أفضل حول قدراته والمهن التي تناسبه.

كما يتضح فيما يتعلق بالبعد الاجتماعي وجود فروق على بعد التشتت الاجتماعي لصالح أفراد المجموعة الأولى والتي يتراوح سنها ما بين              (25-27).

في حين أنه لم توجد فروق دالة بين متوسطات عينة الدراسة على باقي الابعاد في الجانب الاجتماعي.

وقد اتفقت النتائج التي أشارت إلى وجود فروق مع دراسة طولية لـ آدامز ومونشيمير (1987) استمرت ثلاث سنوات تسعة مسارات نمائية تتوزع على الشكل التالي: ثلاث أنماط من التقدم في مسارات متتابعة، ثلاث أنماط في مسارات إنحدارية، مجموعة واحدة ثابتة، ومجموعتين ذات مسارات غير ثابتة، ثم لاحظا أن 50% من الحالات فيها نمو متعاقب، 14% ثبات، 11% إنحدار في النمو، 25% أنماط غير ثابتة، كما وجدا أن 80% من النمو يحدث في حالات تعليق الهوية من الطلبة حديثي الإلتحاق بالجامعة، ومعظم الشباب مشتتي الهوية ذات نمو غير ثابت، كما أن رتب الهوية التي تتصف بالالتزام (الإنجاز و الإنغلاق) كانت أكثر ميلا للثبات من غيرها، وكما كان متوقعا فقد أظهر معظم الشباب زيادة في التفرد والتمايز، ولكن القليل نسبيا يبقى ثابتا والأقل من ذلك يظهر إنحدارا وتراجعا في المستوى.

كما وجد كل من Tesch et Cameron أن هناك علاقة إيجابية دالة عند مستوى 0.05 بين العمر الزمني ورتب الهوية حيث يصل الفرد مع الزيادة في سنه إلى رتبتي الإنجاز أو التأجيل، وذلك من خلال دراستهما لعينة شملت 59 طالبا من طلاب السنتين الأولى والرابعة للجامعة من الجنسين.

وكذلك تؤكد Prager, k (1983) في دراستها على 88 طالبة بالجامعة تتراوح أعمارهم بين 18-25 سنة أن غالبية البنات اللائي كن في رتبة الإنجاز أو التعليق كن من بين أفراد العينة الأكبر سنا، أما غالبية البنات اللائي كن في رتبة الإنغلاق أو التشتت فقد كن من بين أفراد العينة الأصغر سنا.

وهذا ما يؤكده Erikson من أن نمو الهوية ينبع من حالة تشتت للهوية إلى الوصول إلى نمط من الأنماط الأكثر تقدما وذلك عن طريق تحقيق التكيف بين القيم الوالدية والأهداف وهو ما يميز نمط الإنغلاق، أو من خلال التساؤل والإختبار والفحص وهو ما يميز نمط التأجيل أو التعليق، ثم يتم أخيرا بناء الإلتزامات والتعهدات على معايير مؤسسة ذاتيا وهو ما يميز نمط الإنجاز.

ويرى Erikson أن من أهم ما يساعد على حدوث هذه التغيرات أن المجتمع خلال هذه الفترة يمنح الفرد الوقت لكي ينمي هوية الراشد حيث هناك العديد من أدوار الراشدين والتي يجب على الفرد القيام بها في تلك الفترة، وقد تساعد المجتمعات من خلال مؤسساتها المختلفة المراهق وقبل أن يصبح راشدا على تكوين هذه الهوية حيث تعطيه أدوارا مختلفة، وتمد بالكثير من خبرات التنشئة اللازمة لهذا النمو.

خلاصة:

يمكن تلخيص نتائج هذه الدراسة في النقاط التالية:

-توزيع رتب الهوية الإيديولوجية والاجتماعية كان متقاربا بين أفراد المجموعات الثلاث (العرب، القبائل، بني مزاب).

-نسب رتب الهوية منخفضة التحديد كانت بنسب أعلى لدى كل أفراد العينة.

-نتائج الهوية الإيديولوجية أظهرت الغياب الكلي لبعد الانغلاق بالنسبة لكل أفراد العينة، بينما رتب الانجاز والتعليق والتشتت كانت نسبها متقاربة.

-أما بالنسبة للهوية الاجتماعية فدلت النتائج على الغياب الكلي لرتبتي الانجاز والتعليق لدى كل أفراد الدراسة، في حين كانت نسب الانغلاق هي الأعلى لدى أفراد الدراسة ككل.

-توجد فروق ذات دلالة إحصائية تبعا لمتغير السن والذي كان يتراوح ما بين (25-27) و (28-30) فيما يتعلق بالهوية الايديولوجية على مستوى رتبة التعليق لصالح مجموعة الأفراد الذين يتراوح سنهم ما بين (28-30).

-توجد فروق فيما يتعلق بالهوية الاجتماعية على مستوى رتبة التشتت لصالح المجموعة الأولى (25-27).

-لم توجد فروق دالة على مستوى باقي الأبعاد الإيديولوجية والاجتماعية للهوية.

المراجع:

1-السيد عبد العاطي السيد (1987)، صراع الأجيال- دراسة في ثقافة الشباب- دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية.

2-حسن مصطفى عبد المعطي (2004)، النمو النفسي الإجتماعي، ط1، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة.

3-عادل عز الدين الأشول، علم النفس النمو- من الجنين إلى الشيخوخة-، القاهرة. 

4-عادل عبد الله محمد (2000)، دراسات في الصحة النفسية- الهوية- الاغتراب- الاضطرابات النفسية- ط1، دار الرشاد، القاهرة.

5- عايدة ذيب عبد الله محمد (2010)، الانتماء وتقدير الذات في مرحلة الطفولة، ط1، دار الفكر،عمان.  

6-عبد الله زيد الكيلاني، نضال كمال الشريفين (2007)، مدخل إلى البحث في العلوم التربوية والاجتماعية، ط2، دار المسيرة، عمان. 

7-لحسين بن شيخ آث ملويا (2006)، القانون العرفي الأمازيغي، دار الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر.

8-لحسين بن شيخ آث ملويا (2007)، التعريف بالأمازيغ وأصولهم، ط1، دار الخلدونية للنشر والتوزيع، الجزائر. 

9-مأمون مبيض (2007)، هوية الطفل- برنامج تطبيقي لبناء الثقة بالنفس عند الأطفال- ط1، المكتب الإسلامي، بيروت.

10-محمد السيد عبد الرحمن (1998)، مقياس موضوعي لرتب الهوية الإيديولوجية والاجتماعية، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.

11-محمد إبراهيم عيد (2002)، الهوية والقلق والإبداع، دار القاهرة، القاهرة.

12-محمد السيد عبد الرحمن (2004)، علم النفس الاجتماعي المعاصر- مدخل معرفي- ط1، دار الفكر العربي، القاهرة.

13-محمود أحمد عمر، حصه عبد الرحمان فخرو، تركي السبيعي، أمانة عبد الله تركي (2010)، القياس النفسي والتربوي، ط1، دار المسيرة، عمان.

14-مكييللي (1993)، الهوية، ترجمة علي وطفة، ط1، دار وسيم للخدمات الطباعية، دمشق.  

15-نجلاء فتحي زناته (2003)، دور المدرسة الثانوية في اكساب طلابها قيم الانتماء الاقتصاد / سياسي في ضوء تغيرات العصر، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة طنطا، مصر.

16-عبد السميع السيد أحمد، أزمة الهوية في الفكر التربوي في مصر، مجلة دراسات تربوية، مصر.

17- Abraham, K.(1983), The Relation Between Identity Status And locus OF Control among Rural High School Students, The Journal of Early Adolescence, 3 (3), SAGE publications. 257-264.

18-Abraham, K (1984), Ethnic Differences in identity development, paper presented at the annual meeting of the national council of family relations, San Francisco.     

19- Adams, G, R. Jones, R.(1981), Female Adolescents' Ego Development: Age Comparisons and Childrearing perceptions :The Journal of Early Adolescence, 1 (4)  SAGE publications, 423-426.

20- Adans, G, R. and Fitch S. (1982) Ego Stage And Identity Status Development, Across- Sequentiail Analysis, Journal of personality and Social psychology, 43.574-583.

21-Adams, G, R, Shea, J, and Fitch, S (1979), Toward The Development of An Objective Assessment of Ego-identity Status,Journal of Youth and Adolescence, 8, 223-237.

22- Archer, S, Waterman, S (1983), Identity in Early Adolescence, A Developmental perspective, The Journal of Early Adolescence, 3. (3) SAGE publications, 203-214.

23-Ahmed Benchehida (1990),l'identité, analyse sommaire du contexte théorique et experimental, cahier n°1, UNIOREX, Oran.

24-Ben Meziane, T(2000), l'identité au Maghreb, Casbah editions, Alger.

25-Marcia, J. E (1970), Identity Status in late adolescence, Scoring Criteria, Simon Fraster University Press.

26- Samuel. L.G, John. F. D (2000), Reducing intergroup Bias, psychology press.