التفكير الما وراء معرفي و تفسيرpdf

السلوك المرضي

فريدة قماز

جامعةفرحات عباس- سطيف-(الجوائر)

الملخص:

يهدف هذا المقال إلى محاولة التطرق إلى موضوع التفكير الما وراء المعرفي و دوره في تفسير السلوك المرضي. إن الإنسان ككائن ذات تنظيم ذاتي، يمكن اعتباره مصدر للكثير من المشكلات الجسمية و النفسية، فهو وفق عناصر التفكير الماوراء المعرفي يمكن أن يفهم، يقيم و يعدل من سلوكه، إنه مصدر للتغيير و التوجه نحو السواء  أو اللاسواء.

و هذا ما سنوضحه من خلال عرض تصورين نظريين لتفسير القلق المعمم و الوسواس القهري.

Résumé:

Cet article est une tentative de compréhension du rôle de la Pensée Métacognitive dans L’Explication du comportement  Pathologique . Cette nouvelle Approche croit en L’Idée que L’homme est un être douté d’un système autorégulateur. Il est donc source de beaucoup de problèmes de santé physique et psychologique .

D’après les composantes métacognitives  L’Homme peut comprendre, évalue et modifie son comportement , il est donc source de changement.

Cet article a pour but d’éclaircir cette relation en proposant deux modèles théorique explicatifs de L’Angoisse Généralisée et L’Obsession Compulsif D’après la théorie Métacognitive.

 مقدمة:

حضي مفهوم التفكير الما وراء معرفي  Métacognition[1]على الرغم من حداثته إقبالا كبيرا من طرف الكثير من المعرفيين، فقد اعتبر عنصرا مهما من الذكاء الإنساني، كما أسندت له الصفة النمائية باعتبار وجود اختلاف في التفكير ما وراء المعرفة بين الطفلو الراشد(Flavell,Friedrichs et Hoyt,1970) زيادة على ذلك فقد قدم هذا المفهوم تصورا مختلف للإنسان، حيث اعتبره وحدة مستقلة ذاتيا فهو واعي و ضابط لنفسه،يقيم ذاته و غيره من المحيطين به، كما بإمكانه أن يعزز ذاتيا سلوكاته لتعديل أو استمرار السلوك.

إن توجه البحوث في علم النفس المعرفي من دراسة العمليات المعرفية و مدى تأثيرها على السلوك إلى نقل هذه العمليات نحو التفكير الذاتي أثار اهتمام الكثير من الباحثين ليس فقط في المجال التربوي بل شمل مجال علم النفس المرضي إلى توظيفعناصر التفكير الما وراء معرفي، كالضبط،  والمراقبة و التقييملظهور السلوك المرضي و استمراره                                  (clark&wells,1995 ;Morrison,Wells&Northard2000 ;PapaGeorgiou&Wells,2001)

 يهدف هذا المقال بالدرجة الأولى إلى  محاولة توضيح كيف يمكن للتفكير الما وراء معرفي أن يؤدي إلى فهم سيرورة السلوك المرضي، و سنحاول توضيح ذلك من خلال عرض تصوريين نظريين قائمين على هذا المفهوم لتفسير القلق المعمم لـ Wells(1995) و الوسواس القهري.

أولا: التصور النظري للتفكير الما وراء معرفي:

1-النشأة و التعاريف:

على الرغم من حداثة مفهوم الما وراء المعرفة إلا أن جذوره التاريخية ترجع إلى سقراط  و أسلوبه في الحوار و الجدل، و إلى أفلاطون حيث عبر عن ماوراء المعرفة ضمنيا حين قال :" حينما يفكر العقل فإنما هو يتحدث إلى نفسه."(صالح محمد علي أبو جادو،2007)

كما اعتقد كولب (  Kulp)  في منتصف القرن التاسع عشر أنه بإمكاننا دراسة التفكير من خلال جعل الناس يفكرون و يصفون تفكيرهم، و سميت هذه الطريقة بالاستبطان (سولسو،2000)

حيث كان الاعتقاد السائد آنذاك هو أنعمل الذهن يجب أن يكون مفتوحا للاختبارات أو الملاحظة الذاتية، فقد اعتقد فونت  Wundtبأن الاختبار الذاتي المكثف قادر على تحديد أو التعرف إلى الخبرات الأولية الأصلية و التي تنشأ أو يتكون منها التفكير(اندروسون،2007) و فعلا انتج هذا المنحى الاستبطاني كما هائلا من المعرفة  المرتبطة بالتفكير.

لا  يعتبر القرن العشرين مرحلة ازدهار مفهوم التفكير و حسب و إنما مرحلة الاعتراف بموضوع التفكير كموضوع من موضوعات علم النفس، و يرجع الفضل في ذلك إلى مجهودات كل من ديوي  (1910) Dewey حيث قدم العديد من الدراسات حول التدريب على القراءة بطريقة  عاكسة أو متمعنة(Reflixiveكذا دراسات ثوراندايك  Thorndike(1917) حول الكشف عن الأخطاء أثناء القراءة لقد توصلا ثورندايك وديوي مبكرا أن القراءة ماهي إلا سيرورة بحث و مراجعة و مقارنة المعلومات إلى جانب مراقبة التفكير، و الذي أصبح يسمى الآن الما وراء المعرفي(Lise Saint Pierre ,1994)

على الرغم ما قدمه المنحى الاستبطاني في فهم التفكير إلا انه في الحقيقة لم يلقى الترحيب و لم يعتبر منهجا مقبولا بدرجة كبيرة فقد أثبت عدة تناقضات و عدم الترابط بين الأفكار أو بين ما يعبر عنه الشخص و ما هو ظاهري، هذه الأسباب كانت فرصة لظهور النظرية الربطية أو التي سميت فيما بعد بالنظرية السلوكية.

لقد تبنت النظرية السلوكية تصورا عبر عنه واطسن(1930) بكل وضوح قائلا:" بدأت النظرية السلوكية تناول مشكلة علم النفس باستبعاد كل مفاهيم القرون الوسطى جانبا، و قد بدأت بإسقاط من مفرداتها العلمية كل المصطلحات الذاتية مثل الإحساس و الإدراك، و الصور، و الرغبة، الهدف، و الغرضو حتى التفكير و المشاعركماتم تحديدها مسبقا بطريقة ذاتية."(watson,1930)عن (اندروسون،2007)  

على الرغم من أن علم النفس كان بحاجة إلى تصور علمي موضوعي بعيد عن التفكير الخرافي، و رغم محاولة الفكر السلوكي في عدم الوقوع في سلبيات المنهج الاستبطاني و الاقتراب من الموضوعية العلمية، إلا أنه تلقى انتقادات لاذعة عند رفضهم لأهمية العمليات العقلية، مما أدى إلى ظهور فكر جديد وهو الفكر المعرفي خلال العقدين ما بين(1950-1970) ساعد على ظهوره ثلاثة عوامل رئيسية، وهي:

-ظهور و تطور نظرية معالجة المعلومات:

وهو المنحى الذي نتج عنه البحث في الأداءات العقلية و نظرية المعلومات، للوصول إلى تحديد المهارات الإنسانية، يقوم هذا المنحى على أساس تحليل العمليات المعرفية إلى مجموعة من الخطوات أو المراحل المتتابعة في نسق و ترتيب دقيق.

- تطبيقات الحاسوب أو ما يسمى بالذكاء الاصطناعي :

إن التطور الذي عرفه الحاسوب في معالجة المعلومات، ساعد المختصين على  نقل مجموعة من المفاهيم من علوم الحاسوب واستخدامها في النظريات النفسية.

-تطور علم النفس اللغوي:

في بداية الخمسينيات بدأ نعوم تشومسكي وهو عالم في علم اللغويات في وضع تصور نظري حول تحليل بنية اللغة و توصل إلى أن اللغة بناء معقد تتدخل فيه العديد من العمليات المعرفية، هذه الانجازات ساهمت في إعادة النظر في الكثير من العمليات العقلية مثل الإدراك و التذكر و التفكير و الذكاء و حل المشكلات.

انطلقت النظرية المعرفية في فهم طبيعة الذكاء عند الإنسان، و كيف يعمل،  وكيف يِؤثر إدراكنا للعالم و للمحيطين بنا على سلوكاتنا، بالنسبة لهذه النظرية لا يوجد حقيقة إلا التي ندركها، بمعنى أن العوامل الخارجية ليست هي التي تِؤثر فينا و إنما طريقة إدراكنا لهذه العوامل هي التي تؤثر فينا.

إلى جانب هذه العوامل ظهرت توجهات علمية أخرى تدور حول العمليات العقلية و أهم الميكانيزمات التي تتحكم في نموها، أهمها:

-بحوث نمو التفكير: 

ساهمت دراسات بياجي(1967) حول نمو التفكير الذكاء عند الطفل مساهمة مهمة في ظهور و تطور مفهوم الماوراء المعرفة، حيث يعتقد بياجي أن جوهر التفكير الشكلي الذي يميز مرحلة العمليات الشكلية (11-15 سنة) هو إمكانية الربط بين الممكن و الواقع(هو نوع من تحليل الواقع إلى مجموعة من الافتراضات الممكنة الوقوع ثم القيام بعملية الربط فيما بينها.)و في نفس الاتجاه توصل سميراري Semerari(2003) إلى أن التفكير الترابطي ميزة مهمة في التفكير الما وراء المعرفي( Semerari2003) 

2-بحوث في الذاكرة:

تعتبر  البحوث حول الذاكرة منعرجا مهما في تبلور النظرية الماوراء المعرفية، لكونها عملية عقلية مهمة لبناء الخبرة و استمرارها.

إن كل هذه المحطات ساهمت في ظهور مفهوم جديد إلى النور ألا و هو مفهوم ماوراء المعرفة Métacognition على يد العالم فلافيل Flavell(1979)  و قد أطلق على هذا النوع من التفكير في بداية الأمر مصطلح ما وراء الذاكرة  Métamemoire وقد اتسعت مجالاته إلى ما وراء اللغة و ما وراء الاستيعاب و ما وراء التحليل وما وراء المنافسة و ما وراء الأخلاق و ما وراء الدافعية وما وراء الكتابة وما وراء الانفعالات وما وراء الاتصال وما وراء التفسير و العقل و ما بعد الفكرة... و جميع هذه المفاهيم تبحث في امكانية نقل العمليات المعرفية خطوة إلى الأمام نحو التفكير الذاتي، و مناقشة الذات نحو تطوير مستوى تفكير الفرد و رفع مستوى عملياته المعرفية  (صالح محمد علي أبو جادو،2007

إلا أن فلافيل (1979) فضل استعمال مفهوم شامل عن العمليات المعرفية التي يمكن أن تشير إلى التحكم أو الضبط لأي شكل من أشكال المعرفة، و أطلق عليه اسم "ما وراء المعرفة" (شيماء الحارون،2009)  

لقد صنف نيومان Newmann(1991) التفكير الما وراء معرفي إلى مهارات التفكير المركبة أو العليا: تتطلب هذه المهارات استخدام العمليات المعرفية الأكثر تعقيدا عندما يقوم الفرد بتفسير و تحليل المعلومات و معالجتها لحل مشكلة ما، و تشمل على التفكير الناقد ، الإبداعي، و ما وراء المعرفة، والاستدلالي،...

و لعل التفكير الما وراء معرفي أكثر الأنواع أهمية بل أكثر السبل لفك لغز التفكير عند الإنسان، لأنه كما قال فلافيل Flavell(1979)  :" إن ما تعد به نظرية ما وراء المعرفة هو إسهامها في وعي الإنسان و فهمه بأنه كائن ذات تنظيم ذاتي ، إنه عنصر لتفكيره الذاتي"(العتوم،2007،ص268)

كما يؤكد تشمان  Tishman(1994)هذه الفكرة و لكن فضل استعمال مصطلح " إدارة التفكير"و الذي يرى أنه يهتم بميل الفرد نحو سلوك ما، ودرجة حساسيته أو قدرته على معرفة الوقت المناسب للقيام بهذا السلوك أو ذاك"

و يعرف أرثر كوستا و بينا كاليك (Costa &Kallick,2003) تفكير ما وراء المعرفي بأنه:" التفكير و هو ما  يحدث في القشرة الدماغية (مما يجعلها خاصية انسانية فقط أي سمة بشرية فريدة) و يعبر عن مقدرتنا على معرفة ما نعرف وما لا نعرف، و يشمل أيضا مقدرتنا على التخطيط لاستراتيجية من أجل انتاج المعلومات اللازمة لمواجهة الموقف الذي نحن بصدده كما أن الوعي بالخطوات و الاستراتيجيات المستخدمة في أثناء عملية حل المشكلات تعتبر من المكونات الرئيسة للتفكير الما وراء معرفي ويرى الباحثان أن عملية التقييم و التأمل فيما تم انجازه عنصر مكمل لهذا النوع من التفكير." (صالح محمد علي أبو جادو،2007

أما ليذر و ماك لوغلين  Leather & Laughlin(2001) فيعرفان الما وراء المعرفة بأنها:" التفكير في التفكير أو التفكير حول المعرفة الذاتية أو التفكير حول المعالجات الذاتية و هي تتضمن الوعي والفهم و التحكم و إعادة ترتيب المادة و الاختيار و التقويم"(العتوم،2007،ص268)

أما مارزانو و آخرونMarzano et al (1988)  فيعرفون ما وراء المعرفة بأنها :"فمن جهة وعي الشخص بسيرورته المعرفية أثنـاء أداءه لمهامه المعرفية، و من جهة أخرى الاعتــماد على وعيه لمراقبة نشاطه المعرفي."  (Marzano et al,1988) عن (Lafortune,1998,p102)

و قد قدم فلافيل(1985) تعريفا أكثر شمولية حيث قال :" إن ما بعد المعرفة أو ما وراءها أي الميتامعرفية هي قدرة الفرد على التفكير في عمليات التفكير الخاصة به، فهو المعرفة بالعمليات المعرفية و يشير المفهوم بذلك إلى معرفة الفرد المتمركزة حول عملياته المعرفية و انتاجاته المعرفية أو أي شيء  يرتبط بهما     و لذلك فهو يكشف عن نفسه من خلال المراقبة النشطة لهذه العمليات و التنظيم المتتابع لها، و إحداث التناغم فيما بينها، بحيث تؤثر هذه العمليات في الخصائص المتصلة بالمعلومات أو البيانات المخزنة، بما يفيد في تحقيق الأهداف." (حسين محمد أبو رياش،2008).   

و يمكننا أن نقول فيما ذهب إليه هاكرHacker(1998)  أن جميع التعاريفو إن اختلفت في شكلها إلا أنها تتفق في محتواها عند النقاط التالية:

-معرفة ما يعرفه الفرد

- حالات المعرفة و مؤثراتها

- القدرة على مراقبة تنظيم معرفة الفرد بوعي و بشكل مبرر.

ثانيا:تحليل عملية الما وراء المعرفي:المكونات و المهارات

1-مكونات ما وراء معرفة:

هناك العديد من التصورات النظرية حول مكونات تفكير ما وراء المعرفة،و تختلف هذه التصورات بحسب اهتمامات الباحثين.إن أهم هذه النماذج هي:

1-1.نموذج فلافيل لمكونات الماوراء معرفي:   

يرى فلافيل أن قدرة الفرد على الضبط أو التحكم في التنوع الهائل للأنشطة المعرفية تكتسب خلال ممارسة هذه الأنشطة و التعامل معها و التفاعلات التي تتم عبر مكونين أساسيين للظاهرة، وهما:

  أ-معرفة ما وراء المعرفة:

و تتكون من المعرفة، والمعتقدات التي ترتبط بالعوامل و المتغيرات التي تتفاعل معا لتنتج مخرجات معرفية، و تتضمن ثلاثة عناصر، وهي: 

- معرفة  الشخص بطبيعته و طبيعة الآخر كمجهز لمعالجة المعلومة.

- معرفة المهمة أو الأهداف: و تشمل على معرفة الأهداف و المهام و درجة تعقيدها، ومستوى صعوبتها، و شروط  تحقيقها.

- معرفة الإستراتيجية: و تشير إلى ماهي الإستراتيجية الفعالة لتحقيق الهدف،  و تشمل على مجموعتين:

- معارف الشخص حول الاستراتيجيات المعرفية

 - معارف الشخص حول الاستراتيجيات ما وراء المعرفية

فأما المجموعة الأولى فتستعمل لانجاز نشاط معرفي تقسيم نص إلى أفكار، تلخيص النص، استخراج الفكرة الأساسية للنص، القيام بعمليات حسابية،...

أما المجموعة الثانية فتستعمل لتسيير النشاط السابق، و ذلك من خلال التأكد من تطابق هذه المعرفة بتقديرات الشخص السابقة، تحديد الأخطاء،...  

ب-خبرات مارواء المعرفة:

تشير خبرات ماراء المعرفة إلى الخبرات التراكمية التي تكونت نتيجة استخدام المعرفة  وتوظيفها في مختلف المواقف الحياتية.

كما أضاف فلافيل(1979) النقاط التالية:

-استخدام التراكيب أوالأبنية المعرفية الذكية و تخزينها.

- البحث الذكي عن هذه الأبنية و استرجاعها(حسن محمد أبو رياش، 2007)

يعتبر فلافيل(1979) معارف ما وراء المعرفة لا تختلف عن المعارف الأخرى المخزنة في الذاكرة طويلة المدى فيمكن تنشيطها شعوريا أو لاشعوريا عن طريق مؤشرات داخلية أو خارجية، كما يعتبرها قابلة للتجديد طوال حياة الإنسان، أي أنها غير ثابتة و لكنها تتميز بالاستقرار النسبي و هي شفوية(Brown ,1987) كما يمكن أن لا تنشط، و إن نشطتفتتسم بعدم الدقة،و لا يكون لها التأثير الايجابي (Marzano ,Brandt ,Hughes,Jones,Presseisen,Rankin, et Suhor,1988)

من جهة أخرى فقد أكد فلافيل(1979،1987) أن هذه المعارف يمكن أن يؤدي إلى تجربة واعية و التي أسماها " بالخبرة الما وراء معرفية  Expérience Métacognitive" و التي يعتبرها تجربة عاطفية أو معرفية و التي تصاحب النشاط الفكري، فأما التجربة العاطفية فتشمل المشاعر و الانفعالات، و أما التجربة المعرفية فتشمل حدس الشخص نحو مهمة ما و تعاش هذه التجربة الماوراء معرفية في مرحلة من مراحل التفكير المكثف.

1-2. نموذج براون و أخرون للضبط و المراقبة

يركز نموذج  براون(Brown,1978,1987)على الجانب الإجرائي لما وراء المعرفة أي التسيير النشط للسيرورات العقلية( Gestion active de ses Processus Mentaux) من خلال الضبط الذاتي و المراقبة. هذا الجانب من ما وراء المعرفة يبعثنا على مجموعة من القرارات و السلوكات الإستراتيجية و التي يستخدمها الشخص أثناء نشاط معرفي بغرض المراقبة و الضبط و تتم هذه العملية، وفق المراحل التالية:

أ-التخطيط: يشمل على تقدير النتائج المتوقعة، توقع مراحل الانجاز،... إن التخطيط يشمل قراراتنا حول الطرق التي سيتم بها معالجة المعلومات.

ب-نشاطات المراقبة: و تشمل مراقبة و مراجعة فعالية النشاط الحالي الذي يقوم به الشخص، ويقصد بالمراجعة مراجعة و مطابقة النتائج الحالية بتقديراتنا السابقة.

ج-الضبط: و يتم في هذه المرحلة متابعة أو التخلي أو تصحيح الإستراتيجية المختارة لتنفيذ المهمة.

عكس فلافيل (1976) يعتبر براون(1978) نشاطات تسيير السيرورات المعرفية غير مستقرة لأنها تتغير بتغير المهمات، هذا من جهة كما يعتبرها لا شعورية(Lise Saint Pierre ,1994)

1-3. نموذج باريس و نيومان و مكفي:

أكد باريس و آخرون(1990) على أهمية إدماج الخصائص العاطفية و الدافعية التي يتميز بها العقل البشري، كما أكدوا على الجانب الشعوري و الاجتماعي للتفكير ما وراء المعرفة.  

إن هذا النموذج يفترض، عمليتين، هما:

أ-المعلومات و ضبط الذات:و تتضمن هذه الاستراتيجيات ثلاثة عوامل:

-الالتزام: و تتعلق بالاختيار الواعي للموضوع، و الالتزام بأداء المهمة.

-الاتجاهات: إن الاتجاهات تستثير دوافع ايجابية نحو الإقبال على أداء المهمة،و تشمل على:

   - المثابرة

   - بذل الجهد في معالجة الموضوع

   - يعرف و يستطيع استخدام موارده المعرفية

   - التعلم عن طريق الفشل

-الانتباه: و تتمثل في التصنيف، و القدرة على تحديد الصلات و المرونة.

 

ب-معرفة و ضبط العملية: وتتضمن

-المعرفة التصريحية: و هي المعرفة الضرورية لأداء المهمة، و تتضمن معرفة الفرد بذاته و معرفة العوامل المؤثرة في أدائه.

-المعرفة الإجرائية: و تتضمن كيفية القيام بالمهمة أو تنفيذها.

-المعرفة الشرطية: و تشير إلى لماذا يريد الفرد القيام بالمهمة؟ و لماذا يستعمل هذه الإستراتيجية؟

ج-ضبط عمليات التفكير: و تتضمن:

-التخطيط: و يتضمن اختيار مسار الهدف و اختيار الإجراءات.

-التنظيم: و يتضمن فحص التقدم، ومراجعة المسارات و الإجراءات و الأهداف و المصادر.

-التقويم:و تتضمن هذه العملية تقييم المعرفة الراهنة ووضع الأهداف و اختيار المصادر.

بالنسبة لهذا النموذج فإن التفكير ما وراء المعرفة هو سلوك ملاحظ، يمكن التأكد منه، و قابل للقياس.

2-مهارات تفكير ما وراء المعرفة: 

بدأت في الآونة الأخيرة التركيز بشكل كبير على مساعدة الأشخاص على اكتساب مهارات ما وراء المعرفة، ليس فقط في المجال المدرسي و إن كان هذا المجال أكثرهم استثمارا في هذا الموضوع، و إنما شمل جميع المجالات، حيث يرى ممفرد  Mumford(1995)أنه من الضروري أن يكون المدير الفعال شخصا تعلم كيف يتعلم. و من جهة أخرى يؤكد كل من كوستا و كاليك(2003) أن ضعف أداء بعض الطلبة  يرجع لكونهم لا يعطون أنفسهم فرصة التأمل في التجربة التي مروا بها،...إذ نادرا ما يسألون أنفسهم عن استراتيجياتهم التعليمية التي يستخدمونها في انجاز مهمة ما، و في نفس الوقت لا يفكرون في تقييم كفاياتهم في أداء مهمة ما. (صالح محمد أبو جادو،2007)كما أكد  (Mathews &Wells,1994,Wells,2000)على أهمية مساعدة المرضى النفسيين و العقليين على اكتساب بعض مهارات التفكير الماوراء المعرفي تساعدهم على الفهم و السيطرة على معرفتهم الخاصة و سلوكاتهم.    

لقد تعددت وجهات النظر التي تناولت مهارات ما وراء معرفي و قد تم تلخيصها في الجدول رقم (01):

جدول رقم (01) يوضح مهارات تفكير الماوراء معرفي

 

بعد عرض مختلف وجهات النظر حول مهارات ما وراء المعرفة، يمكن تأكيد أنها تتفق كلها على وجود ثلاثة مهارات أساسية، وهي:

-التخطيط

-المراقبة

-التقييم

يؤكد بروير(2000)  أنه لكي يصبح الفرد مفكرا فعالا عليه أن يدرس هذه المهارات، ويعرف متى يستخدمها و يستفيد منها في مواقف الحياة المختلفة التي تواجهه، و هذا يعني أن من يمتلك هذه المهارات يكون لديه القدرة على نقد ما يقوم به أثناء إجراءات حله لأي مشكلة.

بعد التعرض لكل جوانب التفكير ما وراء المعرفة، يتضح أنه من الخطأ اعتبار التفكير ما وراء المعرفة على أنه مهارة فكرية  عليا يستعين بها الشخص لحل بعض المشكلات التي تواجهه في حياته و حسب، و إنما الواجب اعتباره كعضو ضابط لنفسه و لديه القدرة على تقييم ذاته و غيره من الناس كما يستطيع أن يوجه سلوكه نحو أهداف محددة سعيا و راء تحقيقها  (Kluwe,1982)إنها المعرفة و المراقبة و السيطرة على النشاطات المعرفية، كما أنها معرفة المرء بنفسه كأداة فاعلة في البيئة لتخزين مدبر واع للمعلومة و استعادتها فأفكار ما وراء المعرفة مدبرة، ومخطط لها و مقصودة و موجهة نحو أهداف، و هي ذات سلوك فكري موجه للمستقبل يمكن أن تستخدم لانجاز مهمة معرفية (العتوم،2007)

ثالثا: التفسير الما وراء معرفي للسلوك المرضي:

على الرغم من أن بداية توظيف التفكير ما وراء المعرفة في مجال التربويات   و ارتبط ارتباطا وثيقا بكيفية تدريب التلاميذ على التفكير ما وراء المعرفي للتعامل مع صعوباتهم الدراسية.

إلا أن الكثير من الباحثين يتفقون على أن أهمية التدريب على هذا النوع من التفكير يتعدى هذا المجال ليمس حياة الأشخاص فهو يساعدهم على تحسين تكيفهم و تنظيم سلوكهم و بناء وعي يتعلق بنمو الإستراتيجية من خلال تحليل المهمة  و إصدار الأحكام. (Leather & Mc Laughlin,2001) 

إن مجمل خصائص و أسس و محددات التفكير الما وراء معرفي يضعنا أمام أكثر من مجال لتوظيفه، فقد ظهر في العشرية الأخيرة مجال خصب لاستثمار مفهوم التفكير الما وراء معرفي ألا و هو ميدان علم النفس العيادي، و بالتحديد في مجال العلاج النفسي. إن التراث العلمي يؤكد حداثة توظيف التفكير ما وراء المعرفة لتفسير وعلاج السلوك المرضي ولكن الباحث في تاريخ العلاج النفسي المعرفي يجد أن بيك Beck(1963-1967)و قد كان معالجا تحليليا تفطن إلى أن مرضاه كانوا يغفلون أنواعا من الأفكار لا عن مقاومة أو دفاع من جانبهم بل لأنهم لم يتعلموا التركيز عليها، و قد أدرك فيما بعد أن هذه الأفكار هي المحددة لفهم طبيعة المشاكل النفسية.

و من خلال سرده لسيرته الذاتية تطرق " بيك" إلى حالة مريضة من مرضاه قائلا :" كانت لي مريضة ينتابها قلق مستمر أثناء الجلسات العلاجية دون سبب واضح، وقد تطرقت في إحدى الجلسات إلى الحديث عن صراعات جنسية مهينة. و رغم مسحة من الحرج فقد أفصحت السيدة عن هذه الصراعات الحساسة بحرية و دون تحرز، وقد احترت لأمر هذه المريضة و لم أفهم سر قلقها طوال الجلسات فقررت أن أوجه انتباهها إلى الأفكار التي كانت تراودها أثناء حديثها معي خلال العلاج،...و بشيء من التركيز تبينت هذه السلسلة من الأفكار:" إنني لا أعبر بوضوح عن نفسي ...إنه ضجر مني... بل ربما يكون عاجزا عن فهم ما أقول ...إن حديثي قد يبدو له سخيفا ...من المحتمل أنه سيحاول التخلص مني." (بيك،2000،ص46)

و توصل "بيــك" إلى أنه لم يكن لقلق هذه السيدة و ارتباكها علاقة بالصراعات الجنسية التي و صفتها بل كان لب مشكلتها هو تقييمها الفكري لذاتها و توقعاتها لاستجابات المعالج.

و قد تأكدبيك" مع مرضاه أن هذه الأفكار بعيدة عن "التحويل الايجابي Transfert Positifأثناء وضعيات العلاج، إنما هي طريقتهم في التفكير أثناء تفاعلهم مع سائر الناس، وتوصل في الأخير إلى أن المرضى هم على اتصال دائم مع ذواتهم، و قد أسمى"بيك" هذه الأفكاربالأفكار الأوتوماتيكية Automatiques "   "Les Idées (بيك،2000 )

إن هذا المثال ينطبق من حيث المعنى على المثال الذي قدمه كوستا (1998) قائلا:" حاول أن تحل المسالة التالية: ما نصف قيمة 2+2 ؟ هل تسمع نفسك      و أنت تمر في خطوات الحل ؟ هل تسمع نفسك و أنت تقرر ما إذا كنت ستأخذ نصف 2و2ثم تجمعهما، أم تجمعهما ثم تأخذ النصف؟ إذا كنت تلاحظ ما يدور في ذهنك من عمليات، و إذا كنت تقيم الخطوات التي تقوم بها لكي تحل مشكلة، أو تتخذ قرار فأنت تقوم بالوعي في التفكير أو الما وراء معرفي Métacognition (  العتوم،2007)

حتى و إن كان مجالي التطبيق مختلفين تماما إلا أن نفس السيرورة المعرفية،     و هي و عينا بأننا نفكر، نفهم، نفسر، نراقب، نضبط، نقرر، نقيم.

لقد أوضح " بيك" من خلال الحالات المرضية التي عرضها أن الفكرة تسبق الانفعال فإذا ما تميزت الفكرة بالخلل أو اللاعقلانية نتج عنه اضطرابات انفعالية. كما أكد بيك Beck (1976-1967)إلى أن المرضى النفسيين يتميزون بنمط معين من التقييم Appreasal   فاللذين يعانون من القلق فإنهم يعانون من توقع التهديد بالخطر، أما الذين يعانون من الاكتئاب فإن لديهم أفكار الفقدان و الفشل، في حين الذين يعانون من المخاوف الاجتماعية فإنهم يتميزون بتقدير سلبي لمهاراتهم الاجتمـاعية (Clark & Wells,1995) أما الذين يعانون من الوسواس القهري فإنهم يعانون من أفكار التحذير و الشك و التقدير المبالغ فيه للمجال الشخصي*.

على الرغم من الدور المهم الذي لعبته النظرية المعرفية في تفسير المرض النفسي من خلال طرح افتراضات  خاصة بأهمية التفكير و محتوى الأفكار و المعتقدات، و هذا ما أكده بيك(2000) حين قال:"...إن ضيق التفكير و تثبيت الانتباهو تحريفات الواقع أشياء واردة في كل أنواعالعصاب فإن الفروق  

المحورية بين العصابات يجب أن نلتمسها في مضمون الفكر الشاذ و ليس في شكله"("بيك،2000،ص96).

إلا أن ولس وما تيوسWells and Mathews   (1996) أكدا على أنه ليس فقط محتوى الأفكار هو المسؤول على فهم الاضطرابات الانفعالية و إنما ترجع كذلك إلى دينامية سيرورة الشكل (Configuration) و المعنىالوظيفي(Functional Significance) إلى جانب آثار معالجة المعلومة (Information Processing)  و التنظيم الذاتي(Auto-Regulation )    

(Papageorgiou &  Wells,1999 )

و في هذا الصدد فقد وضع(Wells and Mathews,1994) تصورا نظريا يرتكز أساسا على مفهوم ما وراء المعرفة سمي بـنظرية المراقبة الذاتية التنفيذية Self Regulatory Exécutive Function Theory   تعتبر هذه النظرية من النظريات الأوائل التي ركزت على العوامل المتعددة لما وراء المعرفة مثل الضبط كجزء من نظام معالجة المعلومة و التي تؤثر في تطـور  و استمرار المرض النفسي. (Wells and Mathews,1994)

أما  نيلسون و آخرون Nelson et al(1999) فقد تطرقوا إلى أهمية تفكير ما وراء المعرفة حيث أكدوا على  أن استراتيجيات ما وراء المعرفة تساعد الأفراد على ضبط أفكارهم و انفعالاتهم و سلوكاتهم Nelson et al(1999)  كما تدفعنا إلى البنيات النفسية، الاعتقادات، الأحداث و السيرورة التي تتدخل في مراقبة و تغيير و تفسير أفكار الشخص(Wells,2000)  

*يرى بيك'(2000) بأن الإنسان قد يلصق معاني شخصية بالأشياء التي يرى أنها تتصل به بشكل خاص، إنها أشياء تهمه و تحرك مشاعره، هذه الأشياء سواء كانت ملموسة أو غير ملموسة تشكل المجال الشخصي للفرد. و في المركز من هذا المجال يقع مفهوم الشخص عن ذاته عن صفاته الجسمية و سماته الشخصية و أهدافه وقيمه... فالشخص يستجيب للأحداث انفعاليا يقدر ما تمس مجاله.

أما  نيلسون و آخرون Nelson et al(1999) فقد تطرقوا إلى أهمية تفكير ما وراء المعرفة حيث أكدوا على  أن استراتيجيات ما وراء المعرفة تساعد الأفراد على ضبط أفكارهم و انفعالاتهم و سلوكاتهم Nelson et al(1999)  كما تدفعنا إلى البنيات النفسية، الاعتقادات، الأحداث و السيرورة التي تتدخل في مراقبة و تغيير و تفسير أفكار الشخص(Wells,2000)  

و في نفس الموضوع يؤكد ولس وبيردون (Wells and Purdon ,1999) على أن هناك مجموعة من الاعتقادات إلى جانب المعرفة الذاتية أي معرفة الشخص لذاته أو لتفكيره، ستؤثر و بدون شك على تقييماتنا و على سلوكاتنا. و للوصول إلى تفسير هذه العلاقة فقد أكدا على هناك عاملين أساسين لاستمرار السلوك المرضي:

- معرفة ما وراء المعرفة  و التي تتضمن  سيرورة عملية التفكير، و تشمل مجموع المعارف و المعتقدات التي يملكها الشخص حول ذاته و العالم الخارجي.

- مراقبة ما وراء المعرفة و التي تتضمن مجموعة من الوظائف التنفيذية، مثلالتخطيط، تحديد المصـادر، المـراقبة، كشـف الأخطاء و تصحيحها    (Wells and Purdon ,1999)

أما سيميراري و آخرون (Semerari et al,2003)  فقد توصلوا إلى تقسيم نشاط ما وراء المعرفة، إلى وظائف فرعية، و التي كانت أساس لبناء مقياس ما وراء المعرفة  (MCQ)وهي:

1-فهم الشخص لتفكيره     Understanding One’s Own Mind

  و تتضمن هذه الوظيفة أربعة مؤشرات، وهي:

أ‌-    التقمص أو التوحد   Identification

 و التي تعني القدرة على التمييز، و التعريف بحالة الشخص الداخلية(الانفعال، و المعارف)و يتفرع هذا المؤشر إلى وظيفتين فرعيتين، و هما:

* القدرة على التعرف على التمثيلات  الذاتية (الأفكار، الخ)

* القدرة على التعرف على الانفعالات.

ب- المتغيرات المترابطة Relating Variables

يعتبر ثورندايك أول من أستخدم مصطلح الترابط  Connection ليصف به الارتباطات المكونة بين المثيرات  و الاستجابات، ويمكن تعريفها(الترابطية) بوصها نظرية للعقل تفترض مجموعة كبير من الوحدات البسيطة المترابطة داخل شبكة توزيعية متوازنة.

إن العمليات العقلية كالتذكر، و الادراك، و التفكير و غيرها يفترض أنها موزعة خلال شبكة عصبية شديدة التعقيد تعمل على التوازي و تقوم النظرية على افتراض مؤداه أن الوحدات تستثير أو تكف كل منها الآخر خلال النظام و في نفس الوقت أو على التوازي(و لكن هناك في المقابل نظرية المعالجة المتتابعة ).

تنبأ وليم جيمس خمسون سنة قبل ظهور النظريات الترابطية قائلا:" أنه عندما تنشط عمليتان ذهنيتان أساسيتان معا أو في تتابع متقارب جدا فقد يؤدي إعادة حدوث واحدة إلى انتقال تأثيرها مباشرة إلى الأخرى."

و يعرف هذه العملية بأنها:" الطريقة التي تتحرك بها سلسلة التصورات العقلية و احدة تلو الأخرى خلال تفكيرنا، إن الاندفاع المتواصل لفكرة قبل الأخرى، إنها الانتقالات التي يقوم بها العقل بين أشياء لا رباط بينها،..."(سولسو،2000)  

أما في فكر بياجي فقد أخذ مفهوم الترابطية حيزا مهما، فقد أطلق عليه طريقة التحليل الترابطي للمتغيرات، حيث يعتقد بياجي أن أهم سمة أو خاصية تميز تفكير الطفل في مرحلة العمليـات الشكلية (11-15 سنة) تتعلق بالواقع و علاقته بالممكن.

في هذه المرحلة يحاول الطفل حل مشكلاته من خلال اكتشاف أولا العلاقات الممكنة أو المحتملة التي  تنطبق على البيانات الموجودة لديه، ثم يحاول بعد ذلك أن يجمع بين أساليب التجريب و التحليل المنطقي ليصل إلى معرفة أي من تلك العلاقات الممكنة تنطبق على الموقف الحالي.(فتحي الزيات،2006)

بالنسبة لتصور سميراري و آخرون (2003) فإنه لا يختلف عما سبقه من فكر، وقد اعتبر الترابط بين المتغيرات هي القدرة على  ربط علاقة بين مختلف الأجزاء المنفصلة للعقل، إلى جانب هذه العلاقة فقد أضاف العلاقة الترابطية بين مختلف أجزاء العقل و السلوك، و قد اعتبرت هذه العلاقة ميزة مهمة في طريقة التفكير ما وراء المعرفي بالنسبة للمصابين بالوسواس القهري.

بالنسبة لسميراري و آخرون (2003)  فإن التقمص و المتغيرات الترابطية تشكلان المراقبة الما وراء معرفي  (Metacognitive Monitoring)

ج- التمايز  Differentiation                                                                                                                             

يقصد بالتمايز عندما يبدأ الفرد في أن يصبح على وعي بالتمايز بين الخصائص و الرغبات و العواطف الخاصة به و تلك التي يتسم بها الأخرين أي بإمكان الشخص أن يميز بين الذات و اللاذات.أي أن الفرد الذي يتصف بالتمايز النفسي بشكل مرتفع هو الفرد الذي يقدر أن يعزل ذاته عن ذات الآخرين، فهو يعتمد في تمييزه لنفسه على إدراكه لذاته، بحيث تصبح هي المرجع في هذا التمايز، فهي تتصف بالاستقلالية في علاقاتها الاجتماعية و هي تمثل مرجعه الداخلي الذي يرجع إليه الفرد في إدراكاته و اتجاهاته و أحكامه، أما حينما يدرك الفرد ذاته بدرجة ضعيفة فهو لا يتمكن من أن يدركها منفصلة عن الآخرين و هذا يدفعه للاعتماد على الإطار المرجعي الخارجي لانخفاض وضوح مرجعه الداخلي.(هشام محمد الخولي،2002)    

أما في التفكير ما وراء المعرفة  فيقصد به  قدرة  الشخص على إدراك أن التمثيلات أو التصوراتReprésentations   هي أحداث ذاتية، و أنها تختلف عن الواقع دون أن يؤثر فيها تأثير مباشر.

إن تمثيل المعلومات يعد شيئا أساسيا لجميع أنواع المعرفة الانسانية، لأن المعلومات التي تنبثق عن الخبرات الحسية يتم ترميزها بحيث ترتبط بالأشياء التي يتم تخزينها بالمخ.

إن هذه التمثيلات تشكل ما يسمى خريطة معرفية تساعدنا على تكوين عالما مصغرا في أذهاننا، كما يمكن أن تشكل بصمة معرفية لأننا لا نتمثل العامل بشكل متطابق، مما يعيق عملية التخاطب بين الناس.

في هذا الصدد توصل كل من نورمان و روميلهارت    Norman &Rumelhart من خلال تجربة قاما بها :" أن تمثيل الذاكرة ليس ترجمة دقيقة للعالم الواقعي و لكنه حقا توحيد للمعلومات و الاستنتاجات و اعادة بناء المعرفة التي تم الحصول عليها."(سولسو،2000)

د- الاندماج:  Integration

و تعني قدرة الشخص على وضع تفسير متجانس(منسجم)حول عملياته و حالته العقلية هذه الوظيفة توضح أهمية الجانب الذهني للشخص من خلال التطرق لعرض مناقشته، وحواراته الداخلية (Dimaggioand Semerari2000,Neimeyr,2000) لهذا فإن أن أي خلل في هذا البعد يؤدي إلى تشوش و انفصام في التفكير، إلى جانب تناقض في التصورات حول ذاته و حول الأشخاص (Clarkin, and Krnberg,1999,Ryle,1997) 

2- فهم الشخص لتفكير الآخرين:

إذا كانت الوظيفة الأولى لما وراء المعرفة تهتم بفهم الشخص لتفكيره، فإن هذه الوظيفة الفرعية الثانية تهتم بفهم الشخص لتفكير الآخرين، على أساس أنه في تفاعل دائم مع الآخرين، إن نفس المؤشرات تشكل الوظيفة الفرعية الثانية و المتمثلة في:

أ-التقمص أو التوحد:

و تعني القدرة على تمييز و تعريف الحالة الانفعالية و المعرفية للأشخاص الآخرين.

ب-المتغيرات المترابطة:و تعني القدرة على تحديد أسباب استجابات الآخرين.

ج- التمايز:و تعني القدرة على التعرف على طبيعة تمثيلات الأشخاص الآخرين.

د- الاندماج:و تعني القدرة على تقديم وصف منسجم لعمليات و حالات الآخرين.

إلى جانب هذه الوظائف فقد أضاف سيمراري و آخرون (2003)وظيفة أخرى، و هي :

3-السيطرة  Mastery

و هي القدرة على العمل من خلال تصورات الفرد و حالاته العقلية، إن متطلبات الأساسية للسيطرة ترجع إلى القدرة على تحديد المشكلات و فق مفاهيم نفسية و واضحة.

تعتبر هذه الخاصية مكون أساسي لتفكير ما وراء المعرفة، و تدخل ضمن مستوى التنظيم الذاتي لمكانيزم التفكير، و تعني السيطرة على المعلومات  (Patric Fiero,1993)و قد أرجع هيوورث  Heyworth أن تكوين مهارات ما وراء المعرفة إلى ثلاثة متغيرات، وهي:- المعرفة – الادراك – السيطرة. 

و قد توصل سميراري و آخرون (2003) إلى أنه يمكن تقسيم استراتيجيات السيطرة إلى أنواع منفصلة و فقا لمدى تعقد عمليات الما وراء معرفي، وهي كما يلي:

أ-استراتيجيات في المستوى الأول :

تتطلب مجهود فكري متواضع، و تتضمن تعديل الحالة العقلية التي قد تؤثر في الحالة الجسمية، وذلك بتجنب المواقف المخيفة أو اللجوء إلى طلب المساعدة.

ب-استراتيجيات من المستوى الثاني :

هذا المستوى يتطلب مستوى فكري أكبر على أساس تطوعي أو إرادي الغرض منه هو تثبيط بعض السلوكات غير المرغوب فيها، يتم ذلك عن طريق تعديل الانتباه و التركيز و التفكير التطوعي Voluntary Thinking)) أو عدم التفكير في المشكلة.

ج-استراتيجيات من المستوى الثالث:

تتطلب مستوى عال من التفكير، يتبنى فيها الشخص اتجاهات نقدية للاعتقادات التي تكون سببا لمشكلته و يرى سميراري (2003) أنه حتى يستطيع الشخص السيطرة على نفسه أو يؤثر على الأحداث فإنه لا بد من توفر العوامل التالية :

-معرفة الشخص للحالة الذهنية للآخرين

-فهم مشاكله النفسية

-تحديد حدوده مع الآخرين بطريقة ناضجة.

رابعا: نماذج عن تفسير نظرية ما وراء المعرفة للقلق و الوسواس القهري:

للتوضيح أكثر حول أهمية ما وراء المعرفة لتفسير السلوك المرضي فإننا سنحاول تقديم نموذج تفسيري للقلق و الوسواس القهري.

1-   القلق:

يعتبر القلق انفعال يميز جميع الناس، و هناك من اسند إليه وظيفة البقاء و الحفاظ على الذات، لأنه يتميز بقدرة تحفيزية للاستجابة للخطر.

و لكن قد تتطور هذه الحالة من القلق السوي إلى اضطراب انفعالي قد يعيق حياة الشخص، يتميز صاحبه بسيطرة أفكار وجود خطر يهدد مجاله الشخصي، فهو يتوقع أحداثا مؤذية له و لأسرته أو للممتلكاته أو لمركزه و مكانته و غيرها من القيم المعنوية التي يقدرها، رغم غياب أي خطر واضح أو مباشر.

اقترحت النظرية المعرفية تفسيرا للقلق قائم على مظاهر التفكير التالية:

- أفكار متكررة عن الخطر: يعاني الشخص المصاب بالقلق من أفكار لفظية و صورية تدور حول حدوث وقائع مؤذية.

- نقص القدرة على "مجادلة" الأفكار المخيفة، قد يشك المريض في معقولية هذه الأفكار و لكن قدرته على التقدير الموضوعي و إعادة التقييم معاقة.

- تعميم المثير: يدرك المصاب بالقلق أي صورة أو حركة أو تغير في المحيط على أنه خطر يهدده(بيك،2000)   

أما ولس  Wells(1999) فقد قدم نموذجا مختلفا لتفسير القلق، قائم على متغير تفكير ما وراء المعرفة، حيث يعتقد أن للتفسير القلق  لابد أن نعتمد على المفاهيم التالية:

أ-الاعتقادات  Expectations

يرى ولس  Wells(1999)  أن القلق لا ينتج عن الاعتقادات اللاتكيفية حول العالم كمصدر خطر، و إنما هو نتيجة  اعتقادات ما وراء معرفية و تقييم لهذه المعرفة، بصيغة أخرى فإن القلق لا يحدث نتيجة لأن الشخص يملك أفكار لا عقلانية حول العالم كمصدر خطر، و إنما هو نتيجة اعتقاداته حول الطريقة التي يفهم، و ينضم، و يقيم بها معرفته حول هذا العالم.

ب-التقييمات  Appreasals

يعتبر التقييم المعرفي من العمليات المعرفية المهم لتحديد استجابة الشخص في وضعية معينة، و للتقييم ثلاثة مستويات:

- التقييم الأولي: و يشير إلى عملية تقييم الفرد للموقف و طريقة إدراكه له فمن خلال التقييم الأولي للحدث يتم تفسير الحدث إذا كان خطير أو غير خطير.

- التقييم الثانوي: في هذا المستوى يقوم الشخص بتقييم ما يمتلكه من مصادر للتعامل مع هذا الحدث.

- إعادة التقييم:أثناء هذه المرحلة يعيد الشخص تقييم إدراكه، و طرق تعامله مع الحدث، هذا ما يدفعه لتطوير من أساليبه لمواجهة الحدث.

ج-المراقبة  Monitoring

يعرف روتر Rotter (1966) المراقبة بأنها:"  اعتقاد معمم حول قدرة الشخص في مراقبة سير الأحداث أي أن الأحداث تتوقف عليه ." (Paulhan et al, 1995)وقــد اعتبر دوبوا  Dubois (1984)أن الاعتقاد بقدرتنا في مراقبة الأحداث يمكن اعتباره بعد ثابت في الشخصية .أما كابوزا  Kabosa (1982) فقد اعتبر المراقبة من بين ثلاثة سمات الشخصية الصلبة هذه الخصائص تحدد استجابتنا للحدث الضاغط، و هي: التحدي و الالتزام.و لكن قد يتجه هذا البعد اتجاها مرضيا حينما يقضي الإنسان أوقات كثيرة في مراقبة أفكاره و مشاعره و أفعاله، وقد تسفر عن هذه المراقبة للسلوك استجابات غير تكيفية، فتؤدي المراقبة المفرطة إلى الوعي الذاتي الزائد، والتنظيم المفرط إلى الكف و التثبيط، و قد تبلغ هذه الظاهرة مداها في مرض الوسواس القهري.و من جهة أخرى قد يصاب جهاز الرقابة الذاتية بعجز فنجد بعض الناس قد فقدوا القدرة على ضبط أفكارهم و مشاعرهم، كما هو الحال في التدخين، أو الشراهة،... 

د-ضبط الأفكار  Control

إن الضبط هو سيرورة عملية التفكير، و يقصد بها  قدرة الشخص على تقدير فعالية تدخلاته  مع تحديد أخطائه، و تقديم التفسيرات و الاستراتيجيات البديلة    (Lafortune,1998)أما الضبط الما وراء المعرفي فيقصد به قدرة الشخص على تصحيح نشاطه المعرفي و تتمثل في القدرة على تحديد التصحيحات المراد إجراءها على طريقة تفكيره للقيام بالمهمة بشكل صحيح.

ه-الانزعاج

كما أدخل ولس   Wells(1997)مفهوما اعتبره مهما و أصبح أساسيا في تصوره  و هو مفهوم الانزعاج، ولم يعتبره نتيجة ظاهرية للقلق، و إنما هو نتيجة اعتقاداتنا و تقييماتنا.

فالشخص يبدأ يشعر بالانزعاج عندما يبدأ يطرح على نفسه أسئلة مثل:" ماذا لو؟" مثال: ماذا لو تفاديت هذا الموقف حتى لا أقع في الخطر؟

هذا التقييم المبدئ للخطر ينشط الاعتقادات الما وراء معرفي حول جدوى الانزعاج كاستراتيجية تعامل مع الضغط، ففي هذه الحالة الانزعاج في الحقيقة يساعد على الحفاظ على الذات و يلعب دورا تحذيريا يختفي بعد تحقيق الهدف.

و لكن من الممكن أن ينتقل الانزعاج من المستوى التحذيري و هو المستوى الأول من الانزعاج، إلى المستوى الثاني و ذلك عندما يقيم الخطر على أنه شديد، مما يؤدي إلى نوبات انزعاج تنشط الاعتقادات السلبية  تؤدي بدورها إلى تقييم سلبي للانزعاج مما يزيد من شدة القلق.

إن هذا النوع من الانزعاج المفرط يدرك على أنه معمم و غير متحكم فيه، ينتج من خلال:

- تفاعل اثر المعتقدات الايجابية و السلبية للانزعاج ، ذلك لأن الأشخاص الذين يعانون من القلق المعمم لا يملكون اعتقادات ايجابية وحسب اتجاه الانزعاج و إنما يحملون كذلك الاعتقادات الما وراء معرفي السلبية عن الانزعاج و نتائجه.

- الأشخاص الذين يعانون من اضطراب القلق المعمم لديهم ميل لاعتبار الانزعاج كإستراتيجية تعامل مع  الخطر المتوقع و لكن عندما تتحقق أهداف الانزعاج  (أي مقاومة الخطر المتوقع)  فإن هذا يؤدي على انخفاض القلق مما يزيد من تعزيز استخدامات الانزعاج كإستراتيجية تعامل مع الضغط، و لكن عندما تنشط الاعتقادات السلبية عن الانزعاج و الذي يقيم سلبيا يعني خطرا فإنه يؤدي إلى زيادة القلق و إلى صعوبة تحقيق الانزعاج لأهدافه، إن هذه الوضعية تعاش على أنها صعبة و خطرة كما أنها تدفع بالشخص إلى اختبار شعور مهم بهشاشته((Vulnérabilité النفسية، هذا النمط من التعامل يجعل الشخص يقيم الانزعاج على أنه غير مراقب و خطير   (Wells,1999)

2- الوسواس القهري:

يعتبر اضطراب الوسواس القهري أحد الاضطرابات العصابية يتسم بوجود وساوس أو أفعال قهرية تسبب ضيقا واضحا. و الوساوس عبارة عن أفكار أو بواعث أو اندفاعات أو أشكال متواترة و متكررة يدركها الفرد على أنها اقتحامية و غير ملائمة و مضايقة(عبد الله عبد الظاهر الخولي،قيد النشر) أما الأفعال القهرية فهي عبارة عن سلوكات متكررة أو أفعال عقلية يقوم بأدائها الفرد بصورة جامدة  (Swinson&Antony,2001)

عن المحتوى الفكري للمصاب بالوسواس القهري يتعلق بصفة عامة بخطر ما بعيد يظهر في هيئة شك أو حيطة، فقد يبقى في شك مما إذا أدى عملا ضروريا لتأمين سلامته، أو أنه سيتمكن من أداء عمل ما كان ينبغي أدائه، إن أفكار المريض بالوسواس القهري تخص عمل من الأعمال يعتقد أنه كان يجب أن يفعله أو عمل يعتقد أنه كان يجب أن لا يفعله. أما الطقوس القهرية فتتألف من محاولات تهدئة الشكوك و الوساوس عن طريق الفعل(بيك،2000

في حين يرى  Wells(1997)أن الافراط في التأكيد على دور المسؤولية فإنه لا طائل منه، بل نحن بحاجة إلى اعطاء  مزيد من الاهتمام  للمعتقدات ما وراء المعرفة الخاصة بالحاجة للتحكم في الأفكار عند العلاج  (Wells,1997) و فعلا فقد ظهرت عدة نماذج  نظرية معرفية خاصة باضطراب الوسواس القهري، و قد أكدت على أهمية دور المعتقدات الكمالية، و تضخيم المسؤولية، و جوانب القصور المعرفي في اتخاذ القرار، و الربط بين الفكر و الفعل، و المعتقدات ما وراء المعرفية Wells(1997)   

يؤكد ماتيوس و ولس   (Mathews & Wells,1994)أن افتراضات ما وراء المعرفة ساهمت و بقوة في فهم الوسواس القهري مما أدى إلى ظهور نموذج تفسيري قائم على معنى ودلالة الأفكار الاقتحامية  و دورها في ظهور و  استمرار المرض.

تنقسم هذه المعتقدات ما وراء المعرفية الخاصة بهذه الأفكار، إلى ثلاثة مجالات واضحة:

- الربط بين الفكر و الفعل: ويشير إلى الربط بين الأفكار و الأفعال. مثال: اعتقاد الفرد أنه إذا كانت لديه اعتقادات سيئة فإنه سيقوم بأفعال سيئة. 

- الربط بين الفكر و الحدث: و يشير الربط بين الفكر و الحدث إلى الاعتقاد الذي يقول بأن التفكير يمكن أن يسبب حدوث حدث ما. مثال: اعتقاد الفرد بأنه إذا فكر في أحد الأحداث السيئة، فإن تفكيره سيجعلها تحدث بنسبة كبيرة.  

- الربط بين الفكر و الموضوع: و يشير الربط بين الفكر و الموضوع إلى اعتقاد الفرد بأن الأفكار، أو المشاعر، أو الذكريات يمكن أن تنقل إلى أناس آخرين أو إلى موضوعات، مثال: إذا اعتقد الفرد بأن هذا الطعام ملوث، فإن هذا يعني أنه قد تلوث بالفعل. حتى يخففوا من حالة الانزعاج.

كما يؤكد هذا النموذج على أن المرض بالوسواس القهري لديهم اعتقادات ايجابية نحو أداء الطقوس القهرية استجابة للأفكار الوسواسية الملحة(Wells & Fisher,2005)عن(عبد الله عبد الظاهر الخولي، قيد النشر)

و في نفس الاتجاه توصلت المجموعة العامة الخاصة بالمعارف الوسواسية القهــرية  (Obsessive Compulsive Cognitions Working Group)  بتحديد عدة مجالات للمعتقدات المضطربة و التي ترتبط بالوسواس و الطقوس القهرية بالإضافة إلى المعتقدات  الخاصة بالمسؤولية، وتتضمن الأبعاد التالية:

- الأهمية الزائدة  و الحاجة إلى التحكم في الأفكار الوسواسية  الاقتحامية.

- التقدير الزائد للتهديد و الخطر.

- التعصب و عدم التسامح بشأن عدم التأكد و الكمالية.

كما أكدوا على أن الوعي الذاتي المعرفي (و يمثل الوعي بالتفكير و مراقبته) هو البعد ما وراء المعرفي الوحيد الذي ميز اضطراب الوسواس القهري(Steketee & Sookman,2007) (عبد الله عبد الظاهر الخولي، قيد النشر)

خاتمة:

ساهمت النظرية المعرفية مساهمات معتبرة في تقديم تفسيرات ترتكز على أهمية التحريفات المعرفية(محتوى الأفكار اللاعقلانية) في ظهور المرض النفسي و استمراره، لذلك كان دور المعالج المعرفي يسعى إلى تصحيح هذه الأفكار و لكن أصبح هذا التوجه غير كاف، بمعنى لم يعد محتوى الأفكار كافيا لتفسير المرض النفسي بل أصبحنا بحاجة إلى تصور مختلف، يهتم بشكل و محتوى و سيرورة الأفكار كعوامل خطر للتعرض للمرض النفسي و الاستمرار فيه، كما يسعى إلى تحفيز والاستثمار في الفكر البشري، والاستفادة من مميزاته الذاتية و التعامل مع الإنسان كمصدر لفهم، و تعديل سلوكه أي مصدر للتغيير، و التوجه به نحو التمايز و الاستقلالية.

لقد تم توظيف التفكير الما وراء معرفي في مجال علم النفس العيادي لتفسير و علاج السلوك المرضي، ولكن بإمكاننا توجه بهذا المنظور و جهة وقائية حيث بإمكاننا تدريب الأشخاص في خطر على اكتساب مهارات ما وراء المعرفة (التخطيط، المراقبة، التقييم) و التي تساعدهم على فهم، وضبط و تنظيم ذواتهم، و بالتالي و عيهم بما لا بد أن يقوموا به، أو لا يقوموا به، ومع مختلف المشكلات النفسية الاجتماعية، مثل: العنف بأشكاله، المخدرات، هذه الأخيرة التي رغم غياب بحوث  حول العلاقة بين التفكير ما وراء المعرفة و تعاطي المخدرات، إلا أنه من الضروري  خلق عائق معرفي بين اقتراح المخدر و الرغبة في تعاطيه،  و ذلك من خلال مساعدة المتعاطين للمخدرات على وعيهم بخطورة الخطوة التي يقدمون عليها، و مراقبة و ضبط سلوكهم.

المراجع:

- أبو جادو صالح محمد(2007).تعليم التفكير: النظرية و التطبيق ، دار المسيرة، المملكة الهاشمية الأردنية. 

- أبورياش حسين محمد(2007).التعلم المعرفي،دار المسيرة، عمان، المملكة الهاشمية الأردنية.

أبو ريا حسن محمد(2008).حل المشكلات، درا وائل، عمان، المملكة الهاشمية الأردنية.

- بيك آرون، ترجمة عادل مصطفى(2000).العلاج المعرفي و الاضطرابات الانفعالية، دار النهضة العربية، بيروت،لبنان.

- اندرسون جون، ترجمة محمد صبري سليط، رضا مسعد الجمال(2007).علم النفس المعرفي و تطبيقاته، دار الفكر، عمان، المملكة الهاشمية الأردنية.

- جابر جابر عبد الحميد(2008).أطر التفكير و نظرياته، دار المسيرة، عمان، المملكة الهاشمية الأردنية.

- الحارون شيماء حمودة(2009).كيف يعمل العقل أثناء حدوث عملية التعلم؟ نموذج عملي لتنمية مهارات ما وراء المعرفة و التحصيل الدراسي، المكتبة العصرية، جمهورية مصر العربية.

- حسين طه عبد العظيم(2006).العلاج النفسي المعرفي: مفاهيم و تطبيقات ،دار الوفاء لدنيا الطباعة و النشر، الاسكندرية، جمهورية مصر العربية.  

- الخطيب جمال(2007).تعديل السلوك الانساني، مكتبة الفلاح، عمان، المملكة الهاشمية الأردنية.

- الخولي هشام محمد(2002).الأساليب المعرفية و ضوابطها في علم النفس،دار الكتاب الحديث، القاهرة، جمهورية مصر العربية.

- الزيات فتحي(2006).الأسس المعرفية للتكوين العقلي و تجهيز المعلومات، دار النشر للجامعات، الجمهورية العربية المصرية.

- سولسو روبرت(2000).علم النفس المعرفي، مكتبة الأنجلوالمصرية،القاهرة، جمهورية مصر العربية.

- العتوم عدنان يوسف،الجراح عبد الناصر ذياب و بشارة موفق(2007).تنمية مهارات التفكير: نماذج نظرية و تطبيقات عملية، دار المسيرة، عمان، المملكة الهاشمية الأردنية.

- الطيطي محمد حمد(2001).تنمية قدرات التفكير الابداعي، دار المسيرة، عمان، المملكة الهاشمية الأردنية.

- فايد حسين(2005).المشكلات النفسية الاجتماعية ،طيبة للنشر و التوزيع، جمهورية مصر العربية.

-قطامي يوسف(2007).تعليم التفكير لجميع الأطفال، دار المسيرة، عمان، المملكة الهاشمية الأردنية.

المراجع بالاجنبية 

1- Alexander, P(2008),Why This and Why Now?Introduction to the pecial Issue on Metacognition, Self-Regulation,and Self-Regulated Learning,Educ Psychol Rev, 20,369-372.

2-Esin Yilmaz,A,Gençoz,T,Welles,A(2008),Pychometric Characteristic of the Penn State Worry Questionnaire and Metacogntion Questionnaire-30 and Metacognitive Predictors of Worry and Obsessive-Compulsive Symptoms in a Turkish Sample, Clinical Psychology and Psychotherapy,15,424-439. 

3- Gwilliam,P, Wells,A, Cartwright-Hatton,S(2004),Does Meta-Cognition or Responsibility Predict Obsessive- Compulsive Sumptoms: A Test of the Metacognitive Model.Clinical Psychology and Psychotherapy,11,17-144.

4-Lafortune,L,Mongeau,P,Pallascio,R(1998),Métacognition et Compétence Réflexives, les Editions Logiques, Quebec,Canada.

5- Papagergiou,C; Wells,A(1999),Proce and MetaCognitive Dimensions of Depreive and Anxious Thoughts and Relationships with Emotional Intenity,Clinical Psychology and Psychotherapy,6,156-162.

6-Nelson,T,Stuart, R, Howard,C;Crowley,M(1999),Metacognition and Clinical Psychology: A Preliminary Framework for Research and Practice, Clinical Psychology and Psychotherapy, 6,73-79.

7Nixon,R,Menne,A,Kling,L,Steele,A,Barnes,J,Dohnt,H,Ball,S,Tyler,H(2008),Metacognition, Working Memory, and Thought Supresion in acute Stress Desorder,Australian Journal of Psychology,60,3,168-174.

8- Saint Pierre,L(1994),La metcognition,qu’en est-il?,Revue des Sciences de L’education,Vol XX,pp529-545,  

9Semerari,A,Carcione,A;Dimagio,G;Falcone;M;Nicolo,G; Porcacci,M; and Alleva,G(2003), How to Evaluate Metacognitive Functioning in Psyhotherapy? The Metacognition Assessment Scale and its Applications, Clinical Psychology and Psychotherapy,10,238-261.

10- Sica,C; Steketee,G; Ghisi,M Chiri,L,R;Franceschini,S(2007).Metacognitive Beliefs and Strategies Predict Worry Obsessive-Compulsive Symptom and Coping Styles: A Preliminary Prospective Study on an Italien Non Clinical Sample, Clinical Psychology and Psychotherapy, 14,258-268. 

11- Singer,A,R,Dobson,K.S(2009). The Effect of the Cognitive Style of Acceptance on Negative Mood  in a Recovered Depresion Sample,Depresion and Anxiety,26,471-479.

12- Spada,M;Wells,A(2005),Metacognitions,Emotions and Alcohol, Clinical Psychology and Psychotherapy,12,150-155.

13- Wells,A.(1999).A Metacognitive Model and Therapy for Generalized Anxiety Disorder, Clinical Psychology and Psychotherapy, 6,86-95.

14- Wells,A;Purdon,C(1999).Metacognition and cognitive Behaviour Therapy, Clinical Psychology and Psychotherapy, 6,71-72.



[1]لقي هذا المفهوم اتفاق حول معناه، إلا أن هناك اختلاف في تعريبه، فمثلا يسميه جروان(1999) فوق المعرفة، و قطامي(1989) ما وراء المعرفة و يتفق معه العتوم(2007) أما الأنصاري (2000) فيستعمل مفهوم ما بعد المعرفة،    و  الأعسر(1998) الميتا معرفة، أما غتسيس(1997) فيستعمل ما وراء التفكير.

  ومن جهةأخرى فقد تم توظيف هذه العناصر في عملية العلاج

 (Wells&Mathews,1994 ;Wells,1995 ;Wells,1995 ) من خلال مساعدة المريض النفسي على اكتساب مهارات التفكير الما وراء معرفي للتخلص من مشاكله النفسية. إن توجيه انتباه المريض إلى تفكيره، و محاولة فهم ووعي لما يحدث له، ووضع خطة لتجاوز مشاكله يعتبر أهم ما يرتكز عليه العلاج القائم على نظرية الما وراء المعرفة.