نظام التعليم بالكفاءات، ماهيته ومكوناته في المدرسة الجزائريةpdf

 

كمال فرحاوي

جامعة الجزائر 2(الجزائر)

تعتبر المقاربة بالكفاءات نظاما تربويا يهدف إلى جعل المتعلم يكتسب – من خلال المعرفة والمكتسبات المدرسية المتنوعة – الكفاءات والخبرات العملية التي تؤهله إلى الاستفادة من مكتسباته بحيث يستخدمها في كل موقف يحتاج إليها في حياته اليومية، وفي حل مختلف المشكلات التي تواجهه، سواء كانت متعلقة بالمدرسة أو بالحياة العامة. فالمقاربة بالكفاءات تعني دفع المتعلم إلى أن يشترك مشاركة فعالة وتامة في بناء المعرفة التي تتضمنها المناهج الدراسية، وأن يستخدم إستراتيجية حل المشكلات في تحصيل ذلك. كما أن المعلم مضطر لأن يخفض من هيمنته على حصة الدرس ويتركها للمتعلمين، رغم أن العدد الذي يتكون منه القسم الدراسي لا يسمح بذلك في كل وقت.

L’approche par compétence est système éducatif qui a pour but de faire acquérir à l’apprenant – à travers ses acquisitions scolaires et extrascolaires – les compétences pratiques qui lui permettent de bénéficier de ses acquisitions et de les utiliser dans différentes situations à problème. L’approche par compétence laisse l’apprenant participer à la construction de ses savoirs, connaissances théoriques et pratiques, et ses différentes compétences qui lui permettent de résoudre les problèmes qu’il puisse rencontrer dans sa vie.

L’enseignant doit réguler ses interventions dans ses enseignements pour donner le temps nécessaire aux apprenants pour participer activement à leur auto apprentissage en le construisant avec l’aide de l’enseignant.      

 تبنّت المدرسة الجزائرية نظام المقاربة بالكفاءات بعد نظام الأهداف وبعد التعليم الأساسي، ويُعتقد أن هذا النظام الذي بُنيت أسسه على النظرية البنائية التي تنادي بأن المعرفة تُؤسس من قبل المتعلم ولا تنقل من المعلم إليه كما جرت العادة. فما هو نظام المقاربة بالكفاءات  أو الكفايات ؟  

_ نبذة تاريخية عن ظهور الكفاية:

الكفاية أو الكفاءة  _حسب مارسيل ستروبانس_ ظهرت كإمكانيّة أو كموارد فرديّة مختفية قابلة للتطوير عن طريق التكوين أو التحويل من وضعية إلى أخرى. (Brigitte Pagnani, 2000). وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك عوامل أخرى ساهمت في تطور العلم مثل الحربين العالميتين، وغزو الفضاء، وتطور المنافسة الاقتصادية عالميًّا إلخ... (الحسن اللحية، 2006: 32). وهنا بدت ضرورة تنمية برامج دراسية لنقل المعارف، وذلك كمحاولة للإجابة على التساؤل المطروح: ما هي المعارف الضرورية الصالحة لهذه المرحلة أو تلك من التّمدرس والتّكوين؟ وهنا ظهر تيّاران: التّيلوري والسلوكي:

الأول الذي يسعى لإدخال سيرورات عقلانية لبلوغ مستوى عال جدًّا من الإنتاج بسرعة كبيرة.

والثّاني الذي يسعى إلى العقلنة المؤسّسة على الملاحظة. وما يجمع بين هذين التّيّارين هو تقليص التّعقيد وتقسيم الأشياء إلى عناصر أكثر بساطة وإلى مراحل. (المرجع نفسه، الصفحة نفسها).

ويرى بعض الدّارسين أن هاتين الحركتين قد ألهمتا ماجر (1962)، وبلوم (1976- 1979)، فبعد ظهور الترجمة النفسية لمؤلف ماجر (1971) ثم مؤلفات هاملين (1980) ودولاند شهير (1980) وهينو (1983) أصبحت بيداغوجيا التدريس بالأهداف تكتسح أوروبا.

 بعد هذه المرحلة دخل العالم مرحلة العولمة، فأصبح الهدف السائد داخل المقاولات هو البحث عن النجاعة والمردودية. وهنا تم إنشاء مصالح تهتم بالتكوين، انطلاقا من تحليل المهام وصولا إلى تحديد الكفايات المطلوبة. وهذا ما كان سببا في ظهور نظام الكفايات.

 من هنا يتضح لنا جليا بأن العالم السوسيو_ اقتصادي كان وراء ظهور المقاربة بالكفايات، وأن الخبراء العاملين في المقاولات كانوا أول من ألف في موضوع الكفايات مثل لوبترف (1994، 1997، 1997)، ولفي لوبوبير (1996)، ثم جاء بعدهما الخبراء في التربية أمثال رومانفيل (1996) وبيرنو (1997). (الحسن اللحية، 2006: 33).

 _ الكفاية في اللسانيات الحديثة:

 في الواقع يعود ظهور فكرة الكفاية في نظر روني أمغيس إلى سنة 1969م، مع النحو التوليدي مع تشومسكي. (الحسن اللحية، 2006: 35). وقد اسْتَعمل مصطلح "الكفاية" مقابلا للمصطلح الإنجليزي (Compétence) الذي يشير إلى مفهومين، أولهما: القدرة: وهي التي تكمن عند الفرد وتمكنه من إنتاج عدد لا متناه من الجمل. وثانيهما: الملكة اللسانية.

_ المعنى الاصطلاحي لكلمتي "الكفاءة "و"الكفاية":

1 _ الكفاءة أو الكفاية

·      يرى "هوستن" (1979) أن الكفاءة هي "القدرة على فعل شيء أو إحداث تغيير متوقع أو ناتج متوقع.

·      وتعرف "الفتلاوي" (1995) الكفاية إجرائيا بأنها " قدرات نعبر عنها بعبارات سلوكية تشمل مجموعة مهام (معرفية، مهارية، وجدانية) تكون الأداء النهائي المتوقع إنجازه بمستوى مرضي من ناحية الفعالية، والتي يمكن ملاحظتها وتقويمها بوسائل الملاحظة المختلفة.

·      يرى درة ( 1988) أن الكفاية في التدريس هي "تلك القدرة المتكاملة التي تشمل مجمل مفردات المعرفة والمهارات والاتجاهات اللازمة لأداء مهمة ما أو عملية مترابطة من المهام المحددة بنجاح فعالية"

نرى من خلال هذه التعاريف المقدمة أن جميعها يتمحور حول عملية التعلم ودور المعلم دون التركيز على دور المتعلم في هذه المقاربة الجديدة كما أنها تستند جميعها على القدرة التي يصعب قياسها بل نقيس بعض أثارها، وبالتالي يصعب تجسيدها على أرض الواقع وتحقيق من طرف كل معلمينا.

_ الكفاءةحسب "رومانفيل" ومن معهRomainville et consorts تعني الإدماج الوظيفي للدرايات Savoirs  والإتقان savoir-faire، وحسن التواجد مع الغير savoir-être، وحسن التخطيط للمستقبل savoir–devenir، بحيث أن الفرد عند مواجهته لمجموعة من الوضعيات، فإن الكفاية تمكنه من التكيف، ومن حل المشكلات كما تمكنه من إنجاز المشاريع التي ينوي تحقيقها في المستقبل  (Romainville et all : 2001).

_ وتعد حسبFrançoise Raynal et Alain  مجموعة السلوكيات الممكنة (الوجدانية، والمعرفية والحسحركيّة) التي تسمح لفرد ما بالممارسة الناجعة لنشاط معين. فالكفاية أو الكفاءة هنا تشمل الدرايات والإتقان وحسن التواجد في ترابط متكامل وباعتماد المصطلح المعرفي، فهي تفيد في الوقت ذاته معارف ثابتة أو منهجية أو مواقف معينة. ويتضح هنا عدم تطابق لفظتي الكفاية والقدرة، ذلك أن ملاحظة الممارسات البيداغوجية قد أثبتت أن أغلب الأهداف العامة هي عبارات لتوقعات ترتبط بالمجال المعرفي، وبالتالي يصعب فيها الصياغات العامة الدرايات وحسن التواجد.

ويعرف بيرنو (Philippe Perrenoud ) الكفاءة بأنها ''القدرة على الفعل بنجاعة داخل فئة محددة من الوضعيات، قدرة تستند إلى معارف لكنها لا تنحصر فيها ..كفايات ليست في حد ذاتها معارف، إنها تدمج و تعبئ معارف إعلانية وإجرائية وشرطية '(Perrennoud ,Philipe : 1998 ).

ويعرف ميريو (Mérieux  ) الكفاءة على أنها: «عبارة عن معارف تحيل إلى وضعيات معقدة، وتقود إلى تدبير متغيرات متباينة كما تسمح بحل مشكلات خارج نطاق الوضعيات القابلة للإحالة ابستمولوجيا فقط إلى تخصص وحيد» (Mérieux ,Ph, 1993 : p 112).

ويعرفها باريتي (Péretti ) «جملة من المعارف المنسقة والمهارات العملية والمواقف التي يستحضرها المتعلم في وضعية معينة بهدف القيام بنشاط محدد وإنجاز مهمة معينة » (Portti.A, 2000 : p 227).

نكتفي بهذه التعاريف التي نرى أنها تشمل اغلب التوجهات والمناحي التي اتخذه مفهوم الكفاءة أو الكفاية.

_ التعريف الإجرائي:

وانطلاقا من التعاريف السابقة نحاول أن نستشف أهم معالم الكفاءة والتي ترتكز على اختيار المعارف بمراعاة الوضعيات الديداكتيكية (التدريسية)..التي تنطبق عليها. فهي ذات طابع شمولي ومدمج: ما دامت تجند المعارف والمهارات من مستويات مختلفة للاستجابة لطلب اجتماعي خارج عن منطق تطورها الداخلي. إن الكفايات تحدد الوسائل البعيدة المدى للتكوين، وهي بالتالي محطات نهائية لسلك دراسي أو تكويني أو لفترة تدريبية. ومن هنا يمكن تنظيم البرامج، ليس بمنطق وصفي استعراضي ولكن بمنطق حل المشاكل وإنجاز المهمات. ويكون من الضروري بالتالي، تنظيم تدرج المحتويات حول كفايات محددة يُنظر إليها على أنها إجابات عن وضعيات/ مشاكل تتألف منها المواد الدراسية.

ومن خصائص الكفايات حسب هذا التصور، أنها وإن كانت غير قابلة للملاحظة في حد ذاتها باعتبارها قدرات داخلية، فإننا نستدل على توفرها وعلى تحققها لدى المتعلم بالإنجازات (الأداءات) التي يتفوق فيها التلميذ، وبالتالي فإن تقويمنا للحصيلة النهائية سيستند على مدى تحقق هذه المنجزات ودقة الأداءات والتي تصبح مؤثرات على تحقق الكفاية وترسخها في شخصية المتعلم .

 وانطلاقا من هذه الاستنتاجات يمكن اعتماد تعريف للكفاءة باعتبارها:

 استعداد الفرد لإدماج وتوظيف مكتسباته السابقة من معلومات ومعارف ومهارات في بناء جديد قصد حل وضعية/ مشكلة أو التكيف مع وضعية طارئة. أي منظومة مدمجة من المعارف المنهجية والعلمية التي تعتمد بنجاح، في حل مشكلة قائمة.

الكفاءة هدف ختامي مدمج أي أنها النتيجة المتوقعة في نهاية مرحلة تعليمية، ومثل ذلك الهدف الختامي المدمج لكافة التعلمات في مستوى دراسي معين أو مرحلة تعليمية محددة، أي مجموع القدرات التي اكتسبها المتعلم بنجاح، والتي يمكنه توظيفها مدمجة لحل مشكلات قد تعرض له مستقبلا خاصة تلك الوضعيات الشبيهة بالوضعيات التي تمرس عليها في برنامج دراسي محدد.

المقاربة بالكفاءات في المجال التربوي: 

ظهر مفهوم الكفاءة في مجال التربية، واختلف فيه الباحثون بين من اعتبره مجرد صياغة لأهداف إجرائية - وهذا ما يعبر عنه التيار الأنجلوساكسوني - أما البعض الآخر فيربط مفهوم الكفاءة بالتأهيل مما يحيل على علوم الشغل، مما يمنح بعدا اقتصاديا تنافسيا داخل المدرسة وهو ما عبّر عنه تيار شمال أمريكا. وقد اقترح التياران مقاربتين مختلفتين فيما يتعلق بمفهوم الكفاءة.

1-     التيار الأنجلوساسكوني:

ويعود إلى الستينات من القرن المنصرم، وقد اقترح مكتب الولايات المتحدة للتربية (U.S.O.E) ضرورة صياغة البرامج الدراسية بطريقة تكون فيها لكفاءات دقيقة وواضحة في شكل سلوكيات، مما جعل مفهوم الكفاءة يندرج ضمن  النظرة السلوكية، فأصبح يوجد تداخل واضح بين الهدف والكفاءة، فاعتبر هيلبير مثلا الكفاءات "سلوكيات روتينية "(routines comportementales)، وقدمت العديد من البرامج الدراسية - ضمن هذا الإطار- الكثير من الكفاءات التي ينبغي للمتعلم التحكم فيها ضمن مختلف التكوينات، بحيث تسعى إلى تدريب المتعلمين على إظهار السلوكيات المطابقة مع معايير التحكم في الكفاءات. وبهذه الطريقة اختزلت الكفاءة ضمن السلوكيات الملاحظة.

ومع تطور الأبحاث عوضت السلوكيات الروتينية بالمفاهيم المعرفية، التي أصبحت مؤطرة ضمن سياق داخل وضعيات، بحيث أصبحت الكفاءات المعرفية "عبارة عن تشغيل لقدرات ومهارات معرفية ضمن وضعيات معينة" (عبد الكريم غريب، د ت: 57). 

2-      تيار شمال الولايات المتحدة أو التيار الفرانكوفوني:

انطلق مفهوم الكفاءة لدى أصحاب هذا الاتجاه من مقاربة عالم الشغل، ليتجاوزوها إلى ضرورة تعريف الكفاءة داخل الفعل أو ضمن وضعية، وذلك إنه مهما بلغت كفاءة الطبيب، فبإمكانه أن يرتكب خطأ في التشخيص، فهل نقول انه ليس كفئا؟ أو فقد كفاءته؟ ومن هنا تظهر أهمية الوضعية، وقد عرفت الهيئة الفرنسية لبلجيكا الكفاءة من خلال مرسوم وزاري على النحو التالي: ''الكفاءة هي استعداد لتشغيل مجموعة منظمة من الدرايات والإتقان والمواقف، التي تسمح بالقيام بعدد من المهام'' وفيما يلي جدول يلخص أهم التعريفات المتعلقة بالكفاءة ضمن أصحاب هذا الاتجاه:

جدول التعاريف الحديثة للكفاءة. (عبد الكريم غريب، المرجع السابق: 57 ).

يسمح لنا الجدول السابق بالتعرف على أهم المعايير المشتركة بين الدارسين الفرانكفونيين، ففي تعريفهم للكفاءة نجدهم يحصرونها في العناصر الآتية:

- مجموعة موارد التي يمكن للفرد أن يجندها إزاء معالجة وضعية بنجاح.

- أصبحت الكفاءة مرتبطة بالسياقات التي تظهر فيها والوضعيات التي تسمح بمعالجتها، ونشير هنا إلى استعمال مصطلحي "مورد ووضعية" لدى المدرسة الكبيكية، في حين تشير المدرسة الفرنكوفونية إلى مصطلح "مهام" الأقل دقة.

وإذا حاولنا مقارنة مفهوم "الكفاءة" لدى هذا التيار وما ذهب إليه اللسانيون وعلى رأسهم "تشومسكي"، نجد أن "جيلي" يرى أن الكفاءة لم تعد نتيجة لاستعدادات ذاتية أو فطرية _حسب "تشومسكي"_، بل إنها تتبلور مع بداية الخبرات في مجال البيداغوجيا والتعليمية، باعتماد موارد مختلفة؛ من أجل إنجاح فعل ما، في سياق وضعية معينة.

ومفهوم "الكفاءة: داخل علوم التربية، مرتبط دوما بحزمة من الموارد ومجموعة من المعارف المرتبطة فيما بينها وفق علاقة معينة ومنظمة ضمن منظور المعالجة الناجعة داخل وضعية ما. والكفاءة هنا تشكل وظيفة لغايات وللمشروع الذي يحدد ضمنه الفرد فعله.

وهنا يتضح الفرق جليا بين المقاربة بالكفاءات والمقاربة بالأهداف السلوكية، بالنظر إلى المنتوج المنتظر من العملية التعليمية، فتعلم السلوك يضفي إلى تعلم كيفية الرد أو الاستجابة لوضعية ما، دون توفر شرط التكيف مع الوضعية الجديدة، والرد هنا مجرد سلوك مقترن دوما بمثير متوفر في الوضعية، وبالتالي فالمتعلم هنا وبعد خضوعه لنفس الشروط والمثير والاستجابة سينتج نفس السلوك بطريقة آلية.  

 أما تعلم الكفاءة فيتيح تعلم كيفية الرد على الوضعية وليس مجرد إنتاج آلي، إذ تسمح للمتعلم وهو في مواجهة الوضعية اختيار جملة الخبرات و الاختيارات اعتمادا على ما يتوفر لديه من إمكانات فكرية وسلوكية ومعرفية...، بحيث ينتقي الأنسب منها ويقوم بتنسيقها مع عناصر الوضعية التي يواجهها، ليتمكن في الأخير من اعتماد الطريقة التي يواجه بها هذه الوضعية، وبالتالي فالكفاءة هنا هي رد استراتيجي.

خصائص الكفاءة:

أ / الكفاءة منتوج تعليمي قابل للنقل و التحويل (Transférable ):

وجهت للمدرسة الكثير من الانتقادات فيما يخص نقل المعارف، إذ أن العديد من المعارف المستوعبة من طرف المتعلمين كانت تظل حبيسة جدران القسم، لا يمكن استعمالها إلا في سياق تعلمهم، أما في سياقات أخرى خارج المدرسة، بل القسم، نجد المتعلم وكأنه لم يتعلم شيئا، أي أنه غير قادر على نقل معارفه.

إن المقاربة بالكفاءات تجعل المتعلم يعالج المشكل باستعارة تعبئة الموارد، (جوادكيم دولز إدمي أولاني، فيليب بيرينو وآخرون، 2005: ص 46) بحيث يقوم بتعبئة مجموعة من العمليات الذهنية اعتمادا على التمثلات بين مجموعة من الوضعيات، بحيث يحاول أن يتولد لديه قدرة ذاتية على معرفة التشابهات القائمة بين البنيات، من خلال تنوع السياقات وتنوع المظاهر. فالمقاربة بالكفاءة تسعى إلى تمكين المتعلم من نقل المعرفة من مكان بنائها إلى مكان استعمالها موظفا الملائمة والتمييز والتدرج والتعميم أو التخصيص والتدريب والتنظيم والتنسيق، وبالتالي تمنح الكفاءة فرصة استخدامها في حل مشكلات ووضعيات متنوعة ومتباعدة زمانيا ومكانيا، القابلية للنقل خاصية ملازمة للكفاءة، تجعل المتعلم ما إن يتعلم أو يمتلك كفاءة معينة في وضعية معينة، قادرا على أن يعمم هذه الكفاءة متى دعت الحاجة إلى تحريكها وتجنيدها، فإذا تعلم كيف يحلل نصا شعريا للمتنبي، فإن تمنه منها لا يعني انه لا يستطيع تحليل القصائد الشعرية إلا إذا كانت للمتنبي، بل يستطيع استخدام الكفاية ذاتها كلما وجد في وضعية من نفس النمط ونفس الفئة. ونشير إلى أن مصدر النقل ليس مقرنا دوما بوضعية محددة، فقد نستدعي معارف متبلورة عن وضعيات متعددة  لمواجهة الوضعية الجديدة، والتي لا تملك رابطا مباشرا معها بل بعض الجوانب فقط.

ب / الكفاءة منتوج تعليمي قائم على الشمولية:

 يرى لوبوتيرفLe Boterf    « أن الكفاية لا تكمن في الموارد التي يجب تعبئتها بل في تعبئة هذه الموارد. إنها تصنف في خانة المعرفة التي يجب تعبئتها»، (Le Boterf. G.(1994) : p 16) فكل كفاءة مبنية على تجنيد إستراتيجية تشمل عناصر فكرية وسوسيووجدانية ( التسامح، احترام رأي الغير) وعناصر نفسية حركية (الانتباه، الإدراك، التنسيق بين الحواس). فالكفاءة في إطارها العام تسعى إلى إدماج المعارف والمهارات والمواقف لتشكل واقعاً منسجماً ومدمجاً، فهناك الجانب النفسي الوجداني وهو الذي يجعل التلميذ متحفزاً للقيام  بعمل ما، والانغماس فيه وجدانياً, باعتباره مشروعه الذاتي وانعكاساً لذاته، وما ينتظره من اعتراف اجتماعي وجزاء مرغوب, وهناك المعرفي الذهني المرتبط بالمعارف والاستراتيجيات التي ستوظف أو التي سيتم بناؤها واكتسابها أثناء القيام بالمهمة. وهذا ما يؤكده بيرينو بقوله :«تعمل الكفايات على تعبئة وإدماج وتنظيم موارد معرفية ووجدانية لمواجهة فئة من الوضعيات، في زمن واقعي ومن أجل خدمة عمل فعّال »(Perrenoud ,P : p11_ 17).

ج /  كفاءة ذات  سياق  (contexte)  محدد:

أي أنها لا تنمو ولا تتطور إلا في إطار سياق خاص يناسبها. ويكون هذا السياق مرتبطا بفئة من الوضعيات، تمكن من تعبئة الموارد الضرورية لتنمية وتطوير الكفاية المنشودة. وإن كان الكثير من الباحثين يرون أن السياق هو الوضعية ذاتها و«عبارة عن وضعية يقع فيها شيء، وتساعدك بالتالي على فهمه»(Oxford advanced learner’s, 2000 : p 247.).

 في حين يرى البعض الآخر إن الوضعية جزء من السياق ، فمعجم روبير فيري مثلا يحدد الوضعية على كونها »أن تكون في مكان أو حالة حيث يوجه الشيء أو يتموقع «(Paul robert, 1992 : 378) أي أن الوضعية هي التموقع المكاني أو الحالي في مكان أو وضع ما، بينما يحدد السياق في هذا المعجم على أنه  »مجموعة من الظروف التي تحيط بالحدث«  ( Paul robert, p 1820).

تعرف الوضعية في مجال التعليمية بأنها »وضعية ملموسة تصف، في الوقت نفسه، الإطار الأكثر واقعية، والمهمة التي يواجه التلميذ من أجل تشغيل المعارف المفاهيمية والمنهجية الضرورية، لبلورة الكفاية والبرهنة عليها« (بيير ديشي، ص 181) أي أن الوضعية واقعية ملموسة يواجهها التلميذ بقدراته ومهاراته وكفاءاته  أثناء محاولاته حلها. والوضعية في الأساس ما هي إلا اجتماع عدد من المعوقات والمشاكل ضمن شروط وظروف محددة، تطرح إشكالا تجعل المتعلم أمام مهمة عليه أن ينجزها، وإن كان لا يتحكم في كل مكوناتها ومراحل إنجازها، وبذلك يتحول التعلم مهمة تشكل تحديا معرفيا للمتعلم، بحيث يشكل مجموع القدرات والمعارف الضرورية لمواجهة الوضعية وحل الإشكال، وهو جوهر الكفاءة.  فالوضعية هي مجموعة من المشاكل والعوائق والظروف التي تستوجب إيجاد حلول لها من قبل المتعلم للحكم على مدى كفاءته وأهليته التعليمية/ التعلمية والمهنية. وتعتبر المواد الدراسية مجموعة من المشكلات والوضعيات، ولاسيما أنه ينبغي أن نعد التلميذ للحياة والواقع لمواجهة التحديات والصعوبات التي يفرضها عالمنا اليوم، وأن يتعلم الحياة عن طريق الحياة؛ وألا يبقى التلميذ رهين النظريات المجردة البعيدة عن الواقعالموضوعي أو حبيس الفصول الدراسية والأقسام المغلقة. أي أن فلسفة الوضعيات مبنية على أسس البراجماتية كالمنفعة والإنتاجية والمردودية والفعالية والفائدة المرجوة من المنتوج، والإبداعية، وهو تصور الفلسفة الذرائعية لدى جيمس جويس وجون ديوي وبرغسون والثقافة الانجلو سكسونية بصفة عامة.

الكفاءة ذات طابع تركيبي:

الكفاية الواحدة يمكن أن تتألف من تشكيلة غير متجانسة من المعارف والمهارات والقدرات العقلية والخطاطات الحسية.. لكن ما يوحد كل هذه العناصر (المكونات) هو فائدتها ومنفعتها فيحل المشاكل ومن هنا الطابع الوظيفيالعملي للكفايات، إن ما يوحد بينها هو النشاط التقني والاجتماعي الذي سينتج عن توظيفها. إن الكفاية غير منسجمة من حيث العناصر التي تتألف منها ولكنها منسجمة من حيث النتيجة المستهدفة. فكفاية "الإيمان بوظيفة المشرف"على سبيل المثال، تتألف من عناصر كثيرة ومختلفة، من مثل القدرة على إدراك دور المشرف وفهم أبعاده التربوية والاجتماعية والثقافية.. وأهميته في تحقيق التنمية الشاملة، وإدراك (معرفة) تأثيره فيتنمية المعلمين، واكتساب الاتجاهات (وجدان) الإيجابية نحو مهنة الإشراف، وقيامه بأفعال (مهارات سلوكية) وأنشطة عملية تثبت تحقق كل ذلك لديهوغيرها. وهناك عوامل تميز الكفاءة وأهمها:

- المرونة: (محمد الدريج، 2000).

كما أن ما يميز الكفاياتوخاصة الكفاياتالممتدة (المستعرضة) هي مرونتها بحيث يكون باستطاعة الفرد تحويل مجال الاستفادة منها، أي تطبيقها فيسياقات جديدة ومختلفة عن السياقات التي اكتسبها فيها. فالفرد قد يكتسب "القدرة على شرح بعض المسائل الحسابية مثل الجمع والطرح" في دروس الحساب، لكنه عندما يستطيع نقل هذه القدرة من الإطار الضيق الذي اكتسبها فيه إلى إطار آخر أوسع، كأن يجعل التلاميذ قادرين على تطبيق العمليات فيالسوق ومحاسبة البائعين، أو توظيفها فيالقيام ببعض التحليلات اللغوية أو إعداد بعض البيانات الجغرافية على سبيل المثال، ففيهذه الحالة تكون القدرة قد ترسخت لديه ككفاية ممتدة ،أي خارج السياق الذي ارتبطت به فيأول نشأتها وترسخها فيفكره ووجدانه.

-   التكيف: (عبد الكريم غريب، 2005: 66).

الكفاياتتعني إقدار المتعلم أو المتدرب على أداء أنشطة ومهام وتوظيف مكتسباته من خلال وضعيات ولحل مشاكل، أي إقداره فينهاية المطاف على التكيف والملاءمة والفاعلية.إن الكفاية تعبير عن القدرة على إنجاز مهمة معينة بشكل مرض. إن الكفايات  تنظيمات لمكتسبات الفرد السابقة، يتحكم فيها الفرد ليوظفها بفاعلية فيوضعيات معينة وذلك بانتقاء المعارف والمهارات والأداءات التي تتناسب مع الموقف الذي يوجد فيه. إن التكيف الذي تسعى إليه الكفاية، هو تكيف يتأسس على مجموعة من المعارف والمهارات التي ترتبط فيما بينها بشكل مندمج لتحقيق الجودة والإتقان الضروريان فيكل إنجاز يهدف حل مشكلة. وهي كذلك ترتبط بالقدرة على التصرف السليم والملائم إزاء المحيط الاجتماعي.

-   الطبيعة اللولبية/ النمائية:

  كما تتميز الكفاية بطابعها اللولبي، فهي تشكيلة من العناصر، منها ما هو مكتسب الآن ومنها ما تم اكتسابه فيحصص ومواقف وتجارب ماضية، عناصر تتجمع شيئا فشيئا وبشكل تدريجي (تصاعدي من الأدنى إلى الأعلى وبشكل لولبي تراكمي) لتمكن صاحبها من التحكم فيبعض الوضعيات والمواقف والمستجدات. لكن وعلى الرغم من أن الكفاية يمكن أن تشكل محطات نهائيةلسلك دراسي أو لمرحلة تعليمية أو لدورة تدريبية كأن نقول مثلا، سيكتسب المشرف المتدرب بعد انتهاء دورة تدريبية: "القدرة على توظيف الحاسوب فيتنظيم خططه الإشرافية أو البحثية".. فإن الكفاية لا تتوقف عن الاغتناء، ذلك أن هذه القدرة على توظيف الحاسوب لغاية محددة، على سبيل المثال، هي وإن شكلت هدفا نهائيا من أهداف دورة تدريبية، فإنها لن تتوقف عن النمو لدى الفرد سواء خلال تكوينه أو خلال حياته المهنية. ومن هنا الطابع التراكمي الذي تشكله الكفاياتمما يفسر اغتناء خبرات الفرد وتجاربه ونموه المهني بمرور الزمن وبالعمل المتواصل، الأمر الذي يمنح التكوين المستمر والتعلم الذاتي معناهما العميق ويعطي للتنمية المهنية بعدها الحقيقي.ويمكننا تلخيص ذلك كله في النقاط الآتية: 

v   الكفاية منظومة مدمجة من المعارف المفاهيمية والمنهجية والعلمية التي تعتمد بنجاح، في حل مشكلة قائمة.

v   الكفاية هدف ختامي مدمج (objectif terminal d’intégration) أي أنها النتيجة المتوقعة في نهاية مرحلة تعليمية، ومثل ذلك الهدف الختامي المدمج لكافة التعلمات في مستوى دراسي معين أو مرحلة تعليمية محددة، أي مجموع القدرات التي اكتسبها المتعلم بنجاح، والتي يمكنه توظيفها مدمجة لحل مشكلات قد تعرض له مستقبلا خاصة تلك الوضعيات الشبيهة بالوضعيات التي تمرس عليها في برنامج دراسي محدد.

قائمة المصادر والمراجع:

أ _ باللّغة العربيّة:

_ الحسن اللحية: الكفايات في علوم التربية، بناء كفاية، أفريقيا الشرق، ط1، 1426هـ/ 2006م.

_ الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: البيان والتّبيين، تح، فوزي عطوي، ط1، دار صعب، بيروت، 1967م.

_ هامرلي، هكتر: النظرية التكاملية في تدريس اللغات ونتائجها العملية، تر: راشد الدويش، عرض ومراجعة وتحليل: سعود بن حميد السبيعي، ط1، مطبعة السفير، 1415هـ/ 1995م.

_ تشومسكي، نعوم: جوانب من نظرية النحو، تر: مرتضى جواد باقر، جامعة البصرة، العراق، 1403هـ/ 1983م.

_ عبد الكريم غريب ومن معه: معجم علوم التربية، دت.

_ بيير ديشي: تخطيط الدرس لتنمية الكفايات، تر: عبد الكريم غريب، منشورات عالم التربية، مطبعة دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1423هـ/ 2003م.

_ عبد الكريم غريب: نحو فهم عميق للكفايات (الكفايات والسوسيوبنائية) تعريب وتوظيب: منشورات عالم التربية، دت.

_ محمد الدريح: الكفايات في التعليم من أجل تأسيس علمي للمنهاج المندمج، منشورات رمسيس، الدار البيضاء، المغرب، 1420هـ/ 2000م.

_ جوادكيم دولز إدمي أولاني، فيليب بيرينو وآخرون: لغز الكفايات في التربية: تر: عبد الكريم غريب، عز الدين الخطابي، ط1،  منشورات عالم التربية، 1425هـ/ 2005م. 

_ فؤاد البهي السيد:  مدخل إلى علم النفس العام، دار المعرفة، بيروت، 1958م.

ب _ باللّغة الأجنبيّة:

_ Brigitte Pagnani vie Pédagogique, n° 14, fevrier-mars 2000.

_ Françoise Raynal et Alain:Pédagogie: Dictionnaire des concepts cles, 1997. 

_ GILLET, P: « L’utilisation des objectifs en formation, contexte et évolution » Education permanent, Nr :85, octobre 1986.

_ Le Boterf,G :De la compétence; Essai sur un attracteur étrange. Paris, Editions d’organisation, 1994.

_ Merieu ,Ph. L’envers du tableau, quelle pédagogie pour quelle école? Paris, 1993.

_ Oxford advanced learner’s, Dictionary Oxford university press 2000 ;7- Ibid.

_ Paul robert: Le Petit Robert, Paris, éd, 1992.

_ Paul robert: Le Petit Robert Ibid.

_ Perrennoud,Philipe: Construire des compétences dés l’école, Edition ESF,1998.

_ Perrennoud, Philippe: dix nouvelles compétences pour enseigner, ESF Éditeur, Paris, 1999.

_ Portti, A: L’encyclopédie de l’évaluation en formation et en éducation, 2000.

_ Romainville et all: l’école démocratique, 2001.