التصورات المستقبلية لدى المراهق المتمدرسpdf

لطيفة زروالي

جامعة السانيا–  وهران(الجزائر)

تعالج الدراسة القائمة التصورات الاجتماعية للمشروع المستقبلي لدى المراهق المتمدرس. تعبر هذه التصورات عن كيفية وسيرورة تحقيق الشخص والتفرد من خلال الامتثال للمعايير الخاصة بالنجاح الاجتماعي وهي تتحدد بطبيعة العلاقة التي تربط المراهق بالمعرفة التي يتلقاها خلال تمدرسه والمعنى الذي يمدها إياها كما يتدخل متغير الجنس في تحديد طبيعة التصورات المستقبلية لكل من الذكور والإناث لاختلاف الأدوار والانتظارات لكل منهما.

الكلمات المفتاحية:

المشروعالمستقبلي -تحقيق الشخص -المراهق المتمدرس–العلاقة بالمعرفة.

 Il s’agit d’une analyse des représentations sociales que font les adolescents scolarisés a propos de leur projet d’avenir .Ces représentations expriment le processus de socialisation de personnalisation et d’individuation de l’adolescent à travers l’identification aux normes relatives à la réussite sociale et en fonction du rapport et au sens attribué au  savoir  et à l’école.et en fonction  de la variable sexe. En effet la différence des rôles et des attentes des filles et des garçons établie  par la société, détermine selon cette analyse  la nature et le processus des projets de vie de chaque sexe.

مقدمة:

تحاول هذه الدراسة-التي أجريت في إطار الإعداد لرسالة الدكتوراه- التقرب من التصورات المستقبلية للمراهق المتمدرس من خلال معرفة القيم السائدة داخل المؤسسات الاجتماعية والمتبناة من طرف المراهق والتي على أساسها يبني صورته الذاتية الآنية ويحاول أن يتخيل صورته الذاتية المستقبلية، وذلك ضمن مقاربة نفسية اجتماعية للتنشئة الاجتماعية وتحقيق الشخصpersonnalisation  وتأكيد الذات (تاب ب.Tap P1980،1988،1991،1995) وضمن مقاربة موسكوفيسي Moscovici (1960،1990) الخاصة بالتصورات الاجتماعية التي يعرفها بكونها "نظاما من القيم ومن المفاهيم ومن الممارسات المرتبطة بمواضيع أو بمظاهر أو بأبعاد المحيط الاجتماعي الذي يسمح ليس فقط باستقرار أطر حياة الأفراد والجماعات ولكن أيضا بتوجيه إدراك الوضعيات وإعداد الأجوبة"

ومن أجل ذلك تهدف هذه الدراسة إلى الإجابة على التساؤلات الآتية:

كيف يتصور المراهق مشروعه المستقبلي وعلى أي أساس من القيم؟ إلى أي حد يرتبط هذا التصور بمعايير النجاح الاجتماعي المنتشرة في الوسط الجزائري؟ وإلى أي حد يؤثر التمدرس في محتويات التصورات الخاصة بالمشروع المستقبلي؟ كيف يتصور المراهق المعرفة الممنوحة من طرف المؤسسة المدرسية وكيف يؤثر ذلك على تصوراته المستقبلية؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار متغير الجنس كمحدد للمشاريع المستقبلية الخاصة بالمراهقين؟ أية أدوار وأية وضعيات مستقبلية يطمح إليها المراهقون ذكورا وإناثا وإلى أي حد تعبر عن تماثلها أو عن انقطاعها عن النماذج الامتثالية التي تتيحها المؤسسات الاجتماعية؟

الفرضيات:

-      تتحدد التصورات المستقبلية لدى المراهق المتمدرس بمعايير النجاح الاجتماعي الخاصة بالمجتمع الجزائري.

-      تتحدد التصورات المستقبلية بطبيعة العلاقة الذي تربط المراهق بالمعرفة التي يتلقاها خلال تمدرسه .

-      يتدخل متغير الجنس في تحديد طبيعة التصورات المستقبلية للمراهق المتمدرس لاختلاف الأدوار والانتظارات لكل من الذكور والإناث.

-      تعبر التصورات المستقبلية عن سيرورة تحقيق الذات لدى المراهق المتمدرس.

التعاريف الإجرائية:

-      التصورات المستقبلية : تشير إلى مختلف القيم والآراء والمواقف اتجاه المشروع المستقبلي بمحاوره الثلاث(المشروع الدراسي والمشروع المهني) والتي تشتملها أدوات البحث( الاستبيان والمقابلة النصف الموجهة).

-      المراهق المتمدرس: هو المراهق الذي توصل إلى المستوى الثانوي ويتراوح عمره في هذه الدراسة ما بين 51 و19 سنة.

مفهوم التصور الاجتماعي:

إن دركايم.Durkheim E (1991)هو أول من تطرق إلى مفهوم التصورات التي يصفها بالجماعية من خلال دراسته للأديان والأساطير. كما تعرفها هارزليتشHerzlich بكونها سيرورة لبناء الواقع واستبطان للنماذج المعرفية والسيرورات الرمزية المرتبطة بالسلوك(1969). ويعرفها موسكوفيسي.Moscovici S (1990،1961) بمجموعة من القيم والمبادئ والتصرفات المرتبطة بالمواضيع وبالوسط الاجتماعي، الذي يتمثل دورها في إعطاء الوسائل وأدوات لتوجيه إدراك الوضعيات وبناء الأجوبة وكذلك  توفير استقرار إطار لحياة الأفراد.

ففي كتابه"التحليل النفسي صورته وجمهوره" a psychanalyse son image et son public ا اهتم بتوضيح كيف تنتشر نظرية علمية أو سياسية جديدة في ثقافة ما، وكيف تتحول خلال سيرورتها وكيف تتغير نظرة الأفراد التي يملكونها عن ذواتهم وعن المحيط الذي يعيشون فيه.

حسب جودلي  Jodeletّ تعبر التصورات الاجتماعية عن نماذج من الفكر التطبيقي الموجه بغرض التواصل والفهم والتحكم في المحيط الاجتماعي والمادي والفكري"(جودلي Jodelet D.،1991: 36).

يعبر التصور كذلك عن شكل من المعرفة المعدة اجتماعيا والمتقاسمة، تملك أهدافا تطبيقية وتعمل على بناء واقع مشترك في مجموع اجتماعي"(جودلي .Jodelet D،1997).

بتموقعه في حدود علم النفس وعلم الاجتماع يسمح التصور للأفراد والجماعات بالتحكم في المحيط والتأثير عليه؛ في هذا الصدد يحدد أبريك .J.CAbric(1994) التصور بكونه "تصور للعالم الذي يسمح للفرد والجماعة بإعطاء معنى للتصرفات وفهم الواقع من خلال نظام مرجعي خاص وبالتالي يسمح بالتكيف مع هذا الواقع والتموقع فيه".

خصائص التصور الاجتماعي:

التصور الاجتماعي هو نتاج وسيرورة للنشاط العقلي بفضله يتمكن فرد أو جماعة من إعادة بناء الواقع الذي هو في مواجهته والذي يمده بمعنى خاص" أبريكAbric JC.(1994) وهو يمتاز بالخصائص التالية:

-   هو دائما تصور لموضوع ما سواء موضوع مجرد(كتصور لمفهوم الجنون) أو موضوع متعلق بفئات (فئة الأطباء مثلا).

-   يملك طابعا تخيليا (التخيل الاجتماعي والفردي)؛ إن مفهوم الصورة لا تعني إعادة إنتاج بسيط للواقع ولكن تعبر عن الوجهة التصويرية للتصور. من خلال طابعه التخيلي يساعد التصور على فهم المفاهيم المجردة؛ إنه يجسد المفاهيم ماديا.

-   يكتسي طابعا رمزيا ودلاليا؛ على المستوى الدلالي يتم إمداد الموضوع بمعنى.

-   يملك طابعا بنيويا فهو يعمل على بناء الواقع الاجتماعي؛ بالنسبة لأبريك (1994) Abric JC.  " كل واقع هو متصور بمعنى مستولى عليه من طرف فرد أوجماعة ومعاد بناءه ضمن نظام معرفي لهذا الفرد أو الجماعة ومدمج في نظام من القيم المرتبط بتاريخه وبالسياق الاجتماعي والإيديولوجي الذي يحيطه".

-   يكتسي طابعا مستقلا وإبداعيا؛ يملك تأثيرا على الاتجاهات والسلوكات، فقد أظهرت هارزليتشHerzlich(1960) كيف أثرت التصورات حول المرض على الاتجاهات وسلوكات رفض أو قبول العلاج في حالة المرض أو التخلص من العوائق الاجتماعية والاغتناء الشخصي عندما يعاش المرض بوصفه محرر.

توظيف التصور الاجتماعي:

يتحدد التصور الاجتماعي من خلال مكونين أساسين: العناصر المبنية للتصور من جهة وتنظيمها بمعنى العلاقات التي تربط ما بين هذه العناصر؛ بمعنى آخر يتعلق الأمر بمحتوى وبنية التصور.

عندما يظهر أي تصور للوجود هناك تفعيل لسيرورتين؛ الموضوعية Objectivationوالإرساء Ancrage (موسكوفيسي Moscovici،1990):     

1.   الموضوعية التي تعني التقليل الإفراط في المعاني بإعطائها صبغة مادية؛ تسمح سيرورة الموضوعية بتملك وإدماج الظواهر أو المعارف المعقدة وتشمل ثلاث مراحل:

- فرز المعلومات على أساس معايير ثقافية ومعيارية مما يقصي الكثير من العناصر.

-    تشكيل نموذج أو نواة تمثيلية أي تنظيم المعلومات المتحصل عليها على شكل نواة بسيطة ومحسوسة ومتصورة ومتناسقة مع الثقافة والمعايير الاجتماعية السائدة. 

-    استيعاب العناصر من خلال  إضفاء عليها خصائص وطبائع.

 تأخذ النواة التشكيلية وضعية الوضوح ووضعية الواقع ومن حولها تبنى عناصر التصور الاجتماعي.

2.   الإرساء Ancrage: و"يعني التجذير الاجتماعي للتصور ولموضوعه" جودلي Jodelet D. (1991) تشمل هذه السيرورة عدة مظاهر:

-   المعنى: يستثمر الموضوع المتصور بمعنى وهو يعبر عن الهوية الاجتماعية والثقافية.

-   الفائدة: لا تساهم عناصر التصور في التعبير عن الروابط الاجتماعية فقط ولكن تساهم كذلك في بناءها؛ يملك النظام التفسيري لعناصر التصور وظيفة الوساطة ما بين الأفراد وما بين الوسط وما بين أفراد الجماعة فهو يسمح بالتواصل من خلال اللغة المشتركة التي تخلق ما بين الأفراد وما بين الجماعات وانطلاقا من تصور اجتماعي مشترك  (نفس المرجع: 376).

-   التجذير داخل نظام الفكر المتواجد مسبقا؛ يعمل الأفراد أو أعضاء الجماعة على تصنيف وترتيب المعطيات الجديدة من أجل إدماجها في أطر فكر معدة اجتماعيا.

 وظائف التصور الاجتماعي:

-   وظيفة معرفية: تسمح التصورات الاجتماعية للأفراد بإدماج المعطيات الجديدة ضمن أطر تفكيرهم.

-   وظيفة تفسير وبناء الواقع: تعبر التصورات الاجتماعية عن كيفية التفكير وتفسير العالم والحياة اليومية.

-   الوظيفة التوجيهية للتصرفات والسلوكات: تساهم التصورات الاجتماعية في خلق الروابط الاجتماعية وبناء مواقف وآراء وسلوكات؛ إنها تساعد الناس على التواصل وعلى التوجه وعلى التصرف داخل المحيط.

-   وظيفة تحديد الهوية الاجتماعية لكل فرد "إنها تسمح بإعداد لهوية اجتماعية وشخصية مدعمة بمعنى ومتوافقة مع أنظمة المعايير والقيم المحددة اجتماعيا وتاريخيا" ( كروقاتي ومونيي Mugny و  Carugatiذكرا من طرف أبريك Abric، مرجع ذكر سابقا: 16) وبالتالي فهو يعمل على الحفاظ على خصوصية الجماعات.

-       وظيفة التوجيه: يسمح للفرد بتوقع والاستجابة لهذا التوقع، وكذلك تحديد ما يمكن القيام به في سياق اجتماعي معين.

-       وظيفة تبريرية للممارسات؛ إنها ترتبط خاصة بالعلاقات المتواجدة ما بين الجماعات والتصورات التي تكونها كل جماعة عن الأخرى فهو يلعب دورا أساسيا في الحفاظ وتدعيم الوضعيات الاجتماعية.

بناء المشاريع  المستقبلية ضمن سيرورة التنشئة الاجتماعية وتحقيق الشخص La personnalisation:

يطرح مفهوم المشروعحسب تاب Tap P.(1995) ضمن إطار نظرية البحث عن الهوية وتأكيد الذات والرغبة في التغيير والعيش بطريقة مختلفة كما يمكنتفسير التنشئة الاجتماعية منفصلة عن سيرورة تحقيق الشخص حسب نفس الكاتب؛ لا يبحث الفرد على التكيف لمحيطه الاجتماعي والاندماج فيه إلا بالقدر الذي يشعر فيه بالقدرة على تحقيق ذاته من خلال إمكانية الانجاز وتحويل مظهر من الواقع الخارجي المادي أو الاجتماعي ضمن مشاريعه الخاصة.

تتم سيرورة تحقيق الشخص حسب تابTap P.(1985) من خلال بحث متعدد الجوانب:

1.   البحث عن النفوذ .

2.   البحث عن المعنى العام المحيط بالفرد؛ يعمل الفرد على فهم الحياة والموت والمجتمع والثقافة والآخر وحتى ذاته وذلك من خلال تاريخه الخاص ومن خلال أصوله وطموحاته؛ إنه يجد هذا المعنى داخل مرجعياته الجماعية وداخل جماعات انتماءه.

3.   البحث عن الاستقلالية من خلال الرغبة في الابتعاد عن المرجعيات الوالدية والمدرسية ومن خلال بناء حدوده الخاصة وقواعد لعبه الخاصة وتعدي وضعيات العجز والانصياع.

4.   البحث عن قيم جديدة ومشاريع: في مواجهة وضعيات صراعية يتوجب على الفرد أن يعيد تنظيم تصرفاته الشخصية، أن ينسق فيما بينها أو يعارضها من خلال المعاني أو الأدوار لتي يمدها إياها.

يتوجب عليه أن يختار ما بين مختلف التصورات المثالية والواقعية وما بين مختلف القيم المتناقضة  وأن يتواجد داخل المستقبل كفاعل كامن ضمن جماعة انتماءه، وأن يبني أهدافا لتعدي هذه الصراعات .

5.   البحث عن تحقيق الذات : من خلال تحقيق الأبعاد السابقة يتمكن الفرد من تحقيق ذاته فهو بحاجة إلى انجاز ذاته وبالتالي بناء هوية مستمرة متناسقة وايجابية.

العلاقة بالمعرفة في قلب التصورات الخاصة بالمشروع المستقلي:

سمح مفهوم "العلاقة بالمعرفة" حسب شلرلو Charlot(1997)بفهم الظواهر المرتبطة بالفشل الدراسي كما اهتم بالتجربة الخاصة بالتلميذ وكيفية تفسيره للمحيط وطرح مشكل نموذج العلاقة التي تربط التلميذ بالآخرين.

 يحلل شلرلو Charlot "العلاقة بالمعرفة" بمفهوم التصورات التي تظهر على شكل أنظمة تفسير المتجذرة ضمن شبكة من المعاني تتضمن القيم والمعتقدات وأحكام التلميذ اتجاه المعنى والوظيفة الاجتماعية للمعرفة وللمدرسة واتجاه التخصصات ووضعيات التعلم و اتجاه الذات.

 في كتاب "المدرسة والمعرفة داخل الضواحي وخارجه" (Ecole et savoir dans les banlieues et ailleurs) ميز شارلو Charlot وكتاب آخرون مابين "العلاقة بالمعرفة" و"العلاقة بالمدرسة": "العلاقة بالمعرفة هي علاقة معنى إذن علاقة قيمة ما بين فرد أو مجموعة أفراد وما بين سيرورة أو منتجات المعرفة ... أما العلاقة بالمدرسة فهي علاقة معنى إذن علاقة قيمة ما بينفرد أو مجموعة أفراد وما بين المدرسة بصفتها مكان ومجموع وضعيات ومجموع من أشخاص" (شارلو و آخرون Charlot et al ،1993: 29).

إن العلاقة بالمعرفة إذن هي علاقة بنشاط التعلم وبمنتجات (كفاءات مكتسبة ومواضيع ثقافية واجتماعية) وعلاقة معنى وقيمة والتي ترتبط بالنسبة للمراهق حسب هؤلاء الكتاب بهويته وبالصورة التي يملكها عن ذاته.

بالنسبة للدافعية المدرسية للتلاميذ تمكن شارلو وآخرونCharlot & Alt (نفس المرجع) من استخلاص ثلاث سيرورات من خلال خطابات المراهقين:

ترتبط السيرورة الأولى من جهة بالعناصر الخاصة بالتلميذ (العمل الجيد للانتقال وحب المدرس والمادة والتخصص الذي يدرسه والتعلم والفهم وعدم الانجرار وراء الرفاق... الخ) ومن جهة أخرى بسمات المدرسين (تقديم دروس جيدة ومثيرة للاهتمام وشرح جيد والتفاهم مع التلاميذ والتكلم معهم.. الخ). إن هذه السيرورة هي جد معقدة لتفاعل كل هذه العناصر فيما بينها كما أنها لا تملك نفس الأهمية ونفس الثقل بالنسبة لكل التلاميذ ولكل المدرسين.

 السيرورة الثانية هي سيرورة خاصة بالمعرفة "المهم ليس الانتقال وإنما التعلم والفهم".

 تتميز السيرورة الثالثة باللادافعية المدرسية للتلاميذ؛ كره المدرسة وكره المدرس والمواد المدرسة، وترتبط بالمدرس لعدم قدرته على الشرح وعدم الاهتمام بالتلاميذ وافتقاده للسلطة أو استعمال هذه السلطة للتخويف.

يجب كذلك أخذ بعين الاعتبار أن اللادافعية هذه يمكن ربطها باهتمامات أخرى غير الاهتمامات المدرسية؛ اهتمامات تنحصر في الحاضر وفي اللعب وفي الرفاق وفي تلك الخاصة بعائلاتهم  وبالمشاكل التي ليس لها علاقة بالمدرسة.

دور المدرسة في بناء المشاريع المستقبلية:

 تمثل المدرسة النظام المجهري الثاني بعد العائلة الذي يساهم في البناء الذاتي وفي تحديد المشاريع المستقبلية (قيشارJ..Ghichard  ، هوتوHuteau M، 2001: 173).  

تكتسب هذه المؤسسة أهميتها كونها تمثل حقلا شاسعا للعلاقات الاجتماعية وحقلا لتجريب اكتساب مختلف الوضعيات(القدرات الدراسية والحصول على الشعبية والنجاح في العلاقات مع الجنس الآخر) كما تتم من خلالها معايشة لأول مرة تجربة المنافسة والتكيف مع مختلف الأدوار ومختلف العلاقات؛ تعمل كل هذه العوامل على هيكلة الطموحات المستقبلية حسب قيشار Ghichard jوهوتو .Huteau M (نفس المرجع: 173).

كما تمثل المرحلة المدرسية مرحلة مصيرية من جهة نظر اجتماعية بالنسبة لاريكسون Erikson (1972)؛ إن ما سوف يبنيه الطفل هو المفهوم الأولي لتقسيم العمل ومختلف الأبعاد الممنوحة له. تلعب المدرسة دورا هاما في هذه المرحلة بتشجيعها لروح المنافسة بدون المساس بأي مشاعر الدونية لدى الطفل(إريكسون Erikson  ،1972: 122).

بصفتها المؤسسة الأساسية المكلفة بالتربية على المدرسة أن تملأ اتجاه المجتمع عقدا مزدوجا؛ إعطاء لكل طفل مجموع مشترك للوسائل العقلية والمرجعيات التاريخية والثقافية من أجل تنمية حس الانتماء إلى جماعة واحدة وتنظيم التعلم والتكوين الخاص بالوظائف الكبرى الاجتماعية والاقتصادية وآفاق التقسيم والتكامل للنشاطات التي تضمن المستقبل الاجتماعي.

يتضمن هذا العقد المزدوج مفهوم الوظيفي للمدرسة التي تعتبر وسيلة في يد الجميع، ويشير من جهة أخرى إلى مبدأ مؤسساتي أساسي: يتوجب على المدرسة أن تشمل على أماكن مشتركة يتبع جيل كامل نفس التعليم القاعدي وأماكن خاصة من أجل تحضير مختلف أوجه المستقبل المهني والاجتماعي لنفس الجيل.

من بين وظائف المدرسة حسب بورديو Bourdieu وبسرن Passeron إنتاج المعرفة بالنسبة للكل وإعطاء الشرعية للثقافة التي يتم تلقينها؛ إنها تتوصل إلى هذه النتيجة من خلال إقناع المهمشين بشرعية تهميشهم "تجعل الذين يبعدون إلى التعليم من الدرجة الثانية يقتنعون بدونية هذا التعليم ودونية من يتلقاه وكذا تلقينهم من خلال الانصياع للأنظمة المدرسية وللمراتب الثقافية تنظيما متغيرا ومعمما خاصا باحترام الأنظمة والمراتب الاجتماعية" (برديوBourdieu  وبسرن Passeron، 1979 :56 ).

تؤدي التجربة المدرسية الطويلة بالتلميذ إلى بناء شبكات لقراءة الواقع الاجتماعي، شبكات التي تحمل سمة المؤسسة المدرسية وفئاتها.تقرأ المهن وتسلسلها على ضوء فئة القدرات العقلية التي تتطلبها.هكذا إن ما يتعلمه المراهق في المدرسة هو كذلك تسلسل الاجتماعي للوضعيات ولحظوة المهن المرتبطة بتسلسل القدرات العقلية.

إن النظام المدرسي هو نظام لترتيب التخصصات المدرسية التي تمشي بالتوازي مع نظام توزيع الأفراد؛ ينجم عن هذا، أن هناك بعض التخصصات تتميز عن تخصصات أخرى وأن هناك تخصصات ترتبط مع نماذج من التلاميذ.

في هذا الاتجاه ذهب بودلوBaudelot  واستبلي Establet (1971) عندما أقرا انه يتواجد داخل المدرسة قسمين قسم مرتبط بالدراسات الثانوية والجامعية وهو خاص بتكوين المثقفين والصفوة وقسم مرتبط بالدراسات الابتدائية والمهنية خاص بتكوين العمال اليدويين.

يحدد مثل هذا التنظيم الأبعاد الأساسية التي من خلالها يتعلم المراهق كيف يدرك ذاته ويدرك الآخرين ويظهر كمرآة عاكسة يتعرف المراهق على ذاته من خلالها.

 يعتبر معيار التفوق البعد الأساسي الذي ينظم هذا الإدراك. هناك الكثير من الدراسات التي أظهرت الدور الرئيسي الذي يلعبه الفشل أو النجاح الدراسي في بناء الصورة الذاتية. لقد أظهر جيليM. Gilly ولاكورLacour M.  ومييرMeyer  (1972) أن التلاميذ الضعفاء يحكمون على ذواتهم (الصورة الذاتية) كونهم أقل ذكاءا وأقل مثابرة وأقل انتباها من الناجحين دراسيا.

كما أن المدرسة تساعد الطفل على بناء "تفكير احتمالي محدد" (دومورا ب.Dumora B.، 1990)؛يتعلم الطفل داخل المدرسة ليس فقط ماهو مسموح له كطموح وإنما وأساسا كيف يعبر وكيف يطرح الأسئلة المتعلقة بما هو مسموح به كطموح. تمثل التقويمات المدرسية العلنية وكيفيات التي تتخذها، العناصر الأساسية في بناء كيفيات طرح السؤال حول الإسقاطات المستقبلية من خلال اختيار التوجه.

المنهجية المتبعة:

الحدود المكانية والزمانية: أجريت هذه الدراسة على مستوى أربع ثانويات متواجدة في ولاية وهران(ثانوية الرائد فراج –السانيا- و ثانوية ابن محرز الوهراني –حي المقري- ثانوية عدة عبد القادر وثانوية عين البية ببطيوة )وذلك في الثلاثي الثاني من السنة الدراسية 2006-2007.

أدوات البحث:من أجل جمع معطيات الدراسة اعتمدت الباحثة على أداتين:

1-استبيان التصورات المستقبلية للمراهقين:

 يعتبر هذا الاستبيان من النماذج التي تطبق في التحقيقات الخاصة بمجال علم النفس الاجتماعي(موكييلي Mucchielli R.، 1975) وقد تم بناءه من طرف الباحثة وطبق بعدما تم قياس الصدق اللغوي وصدق المحتوى وهو يهدف إلى إيضاح مختلف تصورات المراهقين حول المشروع المستقبلي بمحاوره الثلاث المستقبل المهني والمستقبل الدراسي والمستقبل العائلي.

يتكون هذا الاستبيان من 23 فقرة مقسمة على أربعة محاور:

-  المحور الأول والخاص بمعايير النجاح الاجتماعي ويشمل فقرتين.

-  المحور الثاني الخاص بالمشروع الدراسي ويشمل خمسة فقرات.

-  المحور الثالث الخاص بالمشروع المهني ويشمل ستة فقرات.

-  المحور الرابع والخاص بالمشروع العائلي ويشمل عشر فقرات.

طريقة التطبيق:

تشمل الأداة بالإضافة إلى لائحة الفقرات على:

ورقة خاصة بالتعليمات وتشمل بدورها إلى إشارة على هدف الدراسة وطريقة الإجابة على الفقرات .

ورقة خاصة بالمعلومات الشخصية والتي تشتمل على: الجنس والسن والمستوى الدراسي والتخصص والمستوى الدراسي للوالدين وكذا مهنة كل من الأب والأم.

بعد تحضير الأداة تم تطبيقها وذك بمساعدة مستشار التوجيه المتواجد بالثانوية.

طريقة التفريغ:

 بعد أن جمعت المعطيات تم تفريغها باستعمال Spss وقد تم الاستعانة بالإحصاء الوصفي لملاءمته لنوعية الدراسة.

مقابلة نصف موجهة:

المحاور الكبرى لدليل هذه المقابلة هي نفسها محاور الاستبيان. قد استعانت الباحثة بهذه الأداة لتتعمق أكثر فأكثر في موضوع الدراسة وتوضيح بعض النتائج التي بقيت غامضة أثناء تطبيق الاستبيان؛ لقد عولت الباحثة على تعليقات المراهقين لتستشف عن انشغالاتهم وقلقهم والصراعات التي يعانونها اتجاه كل ما يخص مشروعهم المستقبلي سواء في الدراسة أو المهنة أو الزواج إلا أن المعطيات جاءت مقتضبة ولا تفي بالغرض وعليه استعانت بتقنية المقابلة من أجل الإحاطة بهاته الانشغالات وهاته الصراعات.

وقد تم استعمال طريقة تحليل المحتوى في معالجة معطيات المقابلة، فقد تم تجزيء معطيات المقابلات إلى وحدات ذات دلالة تتمحور حول المواضيع ذات علاقة مع إشكالية وفرضيات البحث:

المعلومات الشخصية(الجنس، السن، التخصص)

1.   الموضوع الأول: التصورات حول النجاح الاجتماعي.

2.   الموضوع الثاني:العلاقة بالمعرفة والشهادات والمشروع المدرسي.

3.   الموضوع الثالث: المشروع المهني

4.   الموضوع الرابع: المشروع العائلي.

العينة: تتكون العينة بالنسبة للاستبيان من 188 تلميذا موزعين على ثلاث ثانويات من مدينة وهران (ثانوية الرائد فراج بالسانيا وثانوية المقري وثانوية عدة عبد القادر)،90 ذكرا(47.87) و98 أنثى(52.12) تتراوح أعمارهم وقت الدراسة ما بين15و19 سنة بحيث أن متوسط العمر بالنسبة للذكور16.96 سنة و16.61بالنسبة للإناث.

أما دليل المقابلة النصف الموجهة فقد طبق على عينة من ثلاثين  تلميذا من ثانوية ابن محرز الوهراني وثانوية عين البية ببطيوة (خمس عشرة ذكرا وخمس عشرة أنثى) تتراوح أعمارهم ما بين 16 و18 سنة.و تم استعمال طريقة تحليل المحتوى في معالجة معطيات المقابلة.

عرض النتائج الخاصة بالاستبيان:

الجدول رقم-1- يبين أهمية القيم الخاصة بالنجاح الاجتماعي كما يتصورها كل من الذكور والإناث.

حسب الجدول أعلاه يرى 25% من أفراد العينة أن النجاح الاجتماعي يعني "ممارسة مهنة تعجب" ويرى 18.08% منهم أنه يعني "بناء عائلة سعيدة" كما يرى 17.55% أنه يعني "النجاح في مهنة". أما القيم الأخرى فلم يتم اعتبارها مهمة إلا بنسب ضئيلة.

الجدول رقم-2- يوضح أهمية للقيم المرتبطة بعوامل النجاح الاجتماعي كما يتصورها كل من  من الذكور والإناث

حسب الجدول أعلاه يولى 25% من أفراد العينة أهمية للذكاء كعامل للنجاح الاجتماعي بينما يولي 24.46% منهم أهمية لعامل الأخلاق أما "العمل والمواظبة" و"الإرادة والجرأة" فقد تم التأشير عليهما بصفتهما عاملان مهمان للنجاح الاجتماعي من طرف 10.63% من أفراد العينة. مما يجب الإشارة إليه أنه لم يعر أي فرد من أفراد العينة أهمية للحظ والوساطة

الجدول رقم-3-يوضح تصورات المراهقين(ذكورا وإناثا)لأهمية الدراسة.

يتبين من خلال هذا الجدول اتفاق كل من الذكور والإناث على أهمية الدراسة بكونها "مفيدة مستقبليا" إلا أن النسبة تختلف فبينما بلغت نسبة الإناث 87.75 لم تبلغ نسبة الذكور الذين أقروا بذلك إلا 78.88. وللإشارة فإن الذين يرون أن الدراسة مضيعة للوقت فهم الذكور وذلك بنسبة4.44 

الجدول رقم -4-يوضح تصوراتالمراهقين(ذكورا وإناثا)لأهمية الشهادة.

من خلال هذا الجدول يتبين اختلاف في تصور أهمية الشهادة بالنسبة للجنسين، فبينما ترى نسبة 65.30 من الفتيات أن الشهادة هي "ضمان للمستقبل الجيد" لم ير الذكور ذلك إلا بنسبة 48.88.كما يقر الذكور أن الشهادة تمثل "ضمان العمل" بنسبة 31.11 ترى الإناث ذلك بنسبة 26.53. أما الذين يرون أن الشهادة تكسب الفرد قيمة اتجاه الناس فتبلغ نسبتهم عند الذكور11.11 بينما لم تبلغ لدى الإناث إلا 6.12 . وللإشارة لم تبلغ نسبة الذين يرون أن الشهادة لا طائل منها إلا نسبة 2.04 من الإناث عكس الذكور الذين يقرون بذلك بنسبة7.77.

الجدول رقم-5- يوضح التصورات المرتبطة بالمهنة لكل من الذكور والإناث.

يتصور كل من الذكور والإناث المهنة بوصفها "وسيلة للعيش الكريم" وذلك بنسب متساوية، كما يتصوراها ك"وسيلة لتحقيق الذات"، لكن النسب هنا تختلف بينما بلغت نسبة الإناث التي ترى ذلك 24.55% لم ير ذلك من الذكور إلا نسبة 12.22%،.كما يرى8.88% من الذكور أن المهنة كوسيلة للغنى ترى 10.20% كوسيلة لاكتساب احترام الناس.

الجدول رقم-6-يوضح معايير اختيار المهنة كما يتصورها المراهقون المتمدرسون ذكورا وإناثا:

يوضح الجدول أعلاه كيف تم تصور معايير اختيار المهنة من طرف الذكور والإناث؛ فقد اتفقا كل من الجنسين على أهمية المعيار العاطفي إلا أن النسب تختلف فبينما بلغت نسبة الإناث 69.38% لم تتجاوز نسبة الذكور إلا 42.22%.

كما اتفقا على أهمية معيار"الإمكانيات" لكن بنسبة 24.44% عند الذكور ونسبة 13.26% فقط عند الإناث، أما معيار "الربح المادي" فقد تم التأشير على أهميته من طرف 13.33% من الذكور و6.12%  فقط من الإناث.

الجدول رقم-7-: تصور السن المثالي للزواج بالنسبة لكل من الذكور والإناث.

يوضح الجدول أعلاه اختلاف في تصور السن المثالي للزواج بالنسبة للذكور والإناث؛ فبينما ترى الفتيات أن السن المثالي هو ما بين 20-25 سنة يرى الذكور أن السن المثالي هو مابين 26-31.

عرض نتائج المقابلات النصف الموجهة:

معايير وعوامل النجاح الاجتماعي:

أسفرت تحليل معطيات المقابلات عن وجود اتفاق شبه تام على أن الحصول على مهنة راقية ذات حظوة اجتماعية عالية والنجاح فيها يعتبر أهم معيار يقاس عليه نجاح أي فرد، لأن ذلك سوف يكسبه احترام الناس ويوفر له حياة كريمة تجنبه الحاجة للآخرين ويوفر له الرفاهية التي تتطلبها الحياة المعاصرة:

" النجاح يعني أن تكون عندك Une situation خدمة متينة لي فيها بزاف الدراهم تخليك تعيش مرتاح تدير بها الدار وتشري اللوطو وتتزوج" ( تلميذ، 16 سنة).

بعد النجاح المهني يأتي النجاح في المشروع العائلي في المرتبة الموالية من حيث الأهمية خاصة عند الإناث:

" بالنسبة لي الزواج وإنجاب الأطفال هو أهم معيار للنجاح الاجتماعي "

فيما يخص العوامل الخاصة بالنجاح الاجتماعي هناك إجماع على أن الذكاء والأخلاق يعدان عاملين أساسين.

حسب تصورات هؤلاء المراهقين لمفردة الذكاء، فهي متنوعة: "الذكاء يخليك تنجح في الدراسة وتحصل على الشهادة اللي تخليك تخدم" " الذكاء معناه تعرف تسير حياتك""الذكاء معناها تكون فاطن مع روحك"

أما فيما يخص الأخلاق فهو معيار معتمد بصفة أكثر عند الإناث: "الأخلاق تخليك إنسان محترم يقدروك الناس وتكون عندك قيمة""أرى أن الأخلاق هي مهمة خاصة عندنا حنا البنات فالبنت اللي معنداهاش أخلاق مجتمع انتاعنا مايرحمهاش"( تلميذة،17سنة)؛ "الأخلاق معناها تكون عندك سمعة مليحة بين الناس وربي يرضى عليك" (تلميذة،16سنة).

المشروع المدرسي:

 ويمكن الإحاطة به من خلال ثلاث محاور:التصورات الخاصة بالتخصص والتصورات الخاصة بالدراسة وتلك خاصة بالشهادة.

فيما يخص التخصص، يبني المراهقون شبكة من القيم تدور غالبيتها في تقييم التخصص العلمي على حساب تخصص الأدبي:"التخصص العلمي تخصص نتاع الفهامة أما التخصص الأدبي فهو نتاع الهدرة لبزاف" "تخصص الآداب هو نتاع البنات"

"أنا ما نحبش تخصص نتاع الآداب فيه بزاف الحفظ " "التخصص العلمي يخليك عند شحال من اختيارات مهنية"

أما التصورات الخاصة بالشهادة والدراسة فتظهر طبيعة العلاقة التي تربط المراهق بالمعرفة الممنوحة من طرف المؤسسة المدرسية؛ فلا يقيم المراهقون المعرفة في حد ذاتها إلا بالمقدار التي تمكن التلميذ من التخرج يشهادة تؤهله للحصول على مهنة ذات حظوة اجتماعية عالية؛ وعليه يطمح غالبية المراهقين مواصلة الدراسة الجامعية : " بلا Diplôme  ما تقدر الدير والو" (تلميذ،17 سنة)، " كل المهن دروك تحتاج للشهادة حتى باش تولي غير معلم في المدرسة الابتدائية يخص يكون عندك ليسانس"( تلميذ، 18 سنة).

تتقاطع هاته التصورات مع مخاوف المراهقين اتجاه مشروعهم المهني، حيث نتلمس من خلال خطاباتهم مدى التجاذب الذي يستشعرونه اتجاه المستقبل الدراسي؛ فمن جهة أصبحت الشهادة تعد مفتاحا للحصول على مهنة ومن جهة أخرى هناك واقع تفرضه الظروف الاجتماعية السائدة والمتمثلة في البطالة المستشرية في فئة الجامعيين: "كل إخوتي الذين درسوا في الجامعة راهم دروك Des chômeurs"( تلميذ، 16سنة) ".

كما اتضح من خلال خطابات المراهقين انشغالا وقلقا ظاهرا اتجاه شهادة البكالوريا بحيث إن عدم النجاح فيها أو عدم الحصول على معدل عالي يمكن أن يضع حدا لطموحهم الدراسي وبالتالي حدا لطموحاتهم المهنية:

" لست متأكدا ما سأفعله بعد الثانوية لأني خائف نخسر في البكالوريا"(تلميذ، 16سنة) ، "مانيش متأكد من المعدل اللي غادي نحصل عليه في البكالوريا واللي به نتوجه و نعرف شا غادي نخدم " (تلميذة،17 سنة).

المشروع المهني:

بالرغم من الظروف الاجتماعية التي تتميز بالبطالة وانخفاض قيمة الشهادات والتسرب المدرسي، تطمح أغلبية المراهقين التي تمت مقابلتهم إلى مهن مرموقة تتطلب مستوى عالي من التأهيل: طبيب ومهندس وقائد في الجيش ومدير شركة وصحافي في قنواتذات شهرة عالمية وذلك بغض النظر عن محتويات النشاطات الخاصة بهاته المهن:" باغي نكون عقيد في الجيش باش نكون محترم وعندي هيبة" (تلميذ، 17 سنة)

كما تبلوت بصفة جلية الأبعاد الذكورية والأنثوية للمهن على غرار بعد الحظوة الاجتماعية؛ فالذكور يطمحون بصفة أكثر إلى مهن تتلائم مع هويتهم الجنسية من مثل طيار وقائد في الجيش وضابط شرطة أما الإناث فيطمحن إلى مهن الطب والمحاماة والصحافة. كما اتضحت من خلال الاختيارات المهنية للفتيات الحاجة للتسوية والموازنة ما بين الحياة المهنية والحياة العائلية؛ فأغلبية الفتيات تطمح إلى تبوء مهن مرموقة تحظى بحظوة اجتماعية كبيرة ولكن بدون التضحية بدورها كزوجة و كأم: "باغي نكون أستاذة في الجامعةmalgré  الدراسة فيها طويلة إلا أن الأساتذة غير ملتزمين بالعمل Toute la journée؛ تعرفين عندما يكون عندك زوج وأطفال من الصعب أن تبقي طول الوقت خارج الدار" (تلميذة،17سنة).

في البعد الخاص بالمهن المرفوضة، نجد أن أغلبيتها لا تحظى بتأهيل علمي كبير ولا بحظوة اجتماعية: بناء ورصاص وحارس بالنسبة للذكور وخياطة وسكرتيرة ومعلمة بالنسبة للإناث. فهي مهن متعبة وغير مربحة بالنسبة لهؤلاء المراهقين.

المشروع العائلي:

 يمكن الإحاطة بالتصورات الخاصة بالمشروع العائلي من خلال أربعة محاور:

-التصورات الخاصة بالعائلة.

-التصورات الخاصة بالزواج.

-التصورات الخاصة بالإنجاب.

-والتصورات الخاصة بالأساليب التربوية الخاصة بالأطفال.

فيما يخص المحور الأول يملك أغلبية المراهقين تصورات إيجابية حول العائلة: "هي كل شيْ بالنسبة إلي" هي سبب وجودي" "هي منبع التعاون والتضامن"

نفس الشيء فيما يخص الزواج : "هو نصف الدين" " هو يعني الإنجاب" " هو عمود الدين" " هو سترة للبنات".

كما نجد أن المشروع الخاص باختيار شريك الحياة هو أكثر وضوحا وتحديدا عند الإناث منه عند الذكور بحيث نجد أن الفتيات هن أكثر رغبة في في بناء عائلة سعيدة لكن بشرط الحصول على الشهادة والعمل قبل ذلك: ""الزواج مهم لكن بشرط أن يكون بعد الدراسة والعمل"

أما الذكور فيبدون عدم الاستعجال لأن الطريق أمامهم طويل للتوصل إلى ذلك: ما زلت صغير باش نفكر في الزواج، "الزواج مسؤولية وأنا ما زلت صغير، باغي قبل نكمل قرايتي وندير الخدمة العسكرية، و نخدم وأتمتع شوية بحياتي ثم من بعد نفكر في الزواج" (تلميذ، 17 سنة)

يشترط الذكور معيار الجمال في اختيار شريك الحياة بينما تشترط الإناث الأخلاق والتدين.

فيما يخص التصورات الخاصة بالإنجاب، يجمع المراهقون أن الأطفال هم "زينة الحياة" وأنهم " نعمة من عند ربي" ولا يكتمل الزواج إلا بالإنجاب لكن بشرط أن يكون عددهم محدود:"واحد واللا زوج بركات، Maximum ثلاث باش تريبهم مليحوتعيشهم في المستوى" (تلميذة ،18سنة).

ترغب الفتيات في الإنجاب من أجل تأكيد الذات وتحقيق انتظارات الخاصة بوضعيتها كأنثى " باغي نكون زوجة وأم " أما الذكور فيرغبون في ذلك لتحقيق الاستمرارية وتأكيد الرجولة .

وفي نفس السياق يحبذ المراهقون ذكورا وإناثا أن يكون أطفالهم من الجنسين بالرغم من وجود ميل إلى تحبيذ أن يكون الابن الأكبر ذكرا خاصة عند الذكور: " نبغي يكون عندي ولاد باش نحافظ على اسم العائلة" "نبغي ولدي الكبير يكون ولد باش يساعدني كي نكبر" " باش يحمي شرف العائلة".

فيما يخص التصورات الخاصة بالأساليب التربوية المزمع تبنيها مع الأطفال مستقبلا، فهناك تنوع في الآراء فهناك من يحبذ التربية القائمة على القيم الدينية" الدين هو الأساس في التربية" وهناك من يحبذ الجمع بين هذا النموذج التربوي والتربية المعاصرة ""باش نحصلو على جيل عصري متكيف مع متطلبات الحياة العصرية وفي نفس الوقت يحترم التعاليم الدينية" (تلميذة، 16 سنة).

مناقشة النتائج:

معايير النجاح الاجتماعي والمشروع المستقبلي:

كيف يتصور المراهق النجاح الاجتماعي؟ حسب معطيات الاستبيان وكذا معطيات المقابلة النصف موجهة، يولي المراهقون(ذكورا وإناثا) أهمية قصوى لممارسة مهنة والنجاح فيها كمعيار للنجاح الاجتماعي.

يفسر هذا المعطى كون المهنة تعتبر مؤشرا للاستقلالية المادية وتحقيق الذات والانفصال عن الحضن العائلي والدخول بكل جدارة إلى عالم الراشدين. كما أنه في الوضع الحالي المتميز بالبطالة المنتشرة وانحصار آفاق الاختيارات المهنية والطابع المؤقت للكثير من الفرص المهنية، أصبح إيجاد عمل مستقبلا الشغل الشاغل والهم الذي يرافق أي مراهق في تصوراته المستقبلية: هل سأجد عملا؟ أي  نوع من الأعمال سوف أجد؟ وهل سوف أستمر فيه؟

يتصور المراهقون المهنة بوصفها "وسيلة للعيش الكريم" ووسيلة لتحقيق الذات" ويملكون مواقف متناقضة اتجاه الثقة في المستقبل ""لانتشار البطالة في بلادنا" " أصبح الحصول على العمل شيء صعب".

بالرغم من ذلك يطمح غالبية المراهقين مواصلة الدراسات الجامعية: "لأن العمل حاليا أصبح يتطلب الكثير من الشهادات الجامعية" "من أجل تحسين المستوى واكتساب مهارات عالية" حسب الكثير من تعليقاتهم ولأنه " من الصعب إيجاد عمل بمستوى أقل من الجامعي" بالنسبة للبنات. "و"لأن الشركات الكبرى مثل سونطراك وكذا الشركات الأجنبية تطالب بالكثير من المهارات".

أما المهن المحبذة فهي كلها مهن جامعية وتحظى بحظوة اجتماعية عالية " طبيب" "قائد في الجيش" "صحافي".

 إن هاته الاختيارات المهنية "لا تشير فقط إلى أهمية نموذج التعليم أو الممارسة وإنما كذلك إلى جاذبية المسارات ذات هيبة وذات قيمة"( فوياردو Feuilladieu ، 1996: 309).

لا تعكس هاته الاختيارات واقع المراهقين المتمدرسين؛ تشير الإحصائيات أنه من بين كل 100 تلميذ، ثمانية(8) فقط يتحصلون على شهادة البكالوريا وخمسة(5) فقط يواصلون دراستهم الجامعية (cneap ،2006). كما يلاحظ تناقض فيما يخص مهنة الطب، فهي من جهة مرغوب فيها بنسبة 25.53 (لأنها مهنة مستقرة" "مهنة فيها بزاف دراهم" " مهنة تخليك محترم"). ومن جهة تلقى موقفا سلبيا بنسبة 15.95% ("مهنة تتطلب دراسة طويلة" " مهنة متعبة" "دراستها صعبة").

تربط  شعبة الطب بوضوح المستقبل المهني بحاضر الدراسة ولا تترك أي مجال للشك لدى طالب الطب في أن يصبح طبيبا (.Marthias M ،2003: 56).

كما نجد أن مهنة العسكري تلقى رواجا كبيرا لدى خاصة الذكور لأنها " تمنح وضعية محترمة" ولأنها مهنة" مضمونة ومستقرة" نفس الشيء بالنسبة لمهنة الصحافة " فهي قد تحقق الغنى والشهرة" "وتمكننا من الالتحاق بالفضائيات المشهورة مثل "الجزيرة".

 في المقابل نجد أن مهنة التعليم هي الأكثر المهن المرفوضة من طرف المراهقين " لأنها مهنة متعبة" "غير مربحة"" المعلم عندنا محقور" " لا أريد أن أكون مسخرة من طرف التلاميذ" حسب تعليق أحد المراهقين ولكون كذلك ربما للرغبة في قطع العلاقة مع المحيط المدرسي وتغيير إطار الحياة (Zazzo B.، 1966). مهما كان السبب فإن النموذج المهني الوحيد الذي يقترح بصفة دائمة للثانويين والمتمثل في مهنة المعلم يعاني من أحكام مسبقة سلبية.

فيما يخص عوامل النجاح الاجتماعي، يرى المراهقون أن الذكاء يعد عاملا أساسيا في أي نجاح اجتماعي يأتي بعده العامل الأخلاقي. إن ثقل هذه المفردة هي بالأهمية لدرجة إجماع المراهقين على أهميتها كمعيار للنجاح الاجتماعي.

 إن الذكاء مفردة غامضة والمعنى هو متغير من فرد لآخر(Zazzo B، نفس المرجع). يمكن تفسير ذلك كون أن الذكاء هو من بين القيم الأكثر استثمارا في المجال المدرسي كما يمكن أن يفسر كونه في التعامل اليومي يعني لدى الجزائريين "التدبر الجيد للأمور" "معرفة التحايل على الظروف للوصول إلى الهدف"؛  فالفرد الناجح هو الفرد "القافز" الذي يعرف كيف يتدبر أموره ويعرف كيف ينجح.

المشروع المستقبلي والعلاقة بالمعرفة:

يرتبط تمثل المشروع المدرسي للمراهق بالمعنى الذي يمده للمعرفة وللنشاطات المدرسية (بوشBeauche C. ، 2006،  دوبي Dubet، 1994 ) وبمختلف القيم والمعاني المتعلقة بالمدرسة وبالمعرفة ومحتوياتها وكذلك تصور النجاح والفشل والشهادات.

إن تحليل معطيات الاستبيان وكذا معطيات المقابلات يظهر أن الأغلبية الساحقة للمراهقين لا يدركون الوظيفة الثقافية والمعرفية للمدرسة، فارتباط ما بين المدرسة والمستقبل هو ارتباط فقط دو طابع مؤسساتي: المهم بالنسبة لهاته الفئة من التلاميذ هو مجرد الانتقال للحصول في النهاية على شهادة تؤهله إلى مهنة ذات حظوة اجتماعية عالية. اجتماعيا تتميز هاته العلاقة بكونها علاقة واقعية لأنه وفي الواقع أن الشاب كلما استمر في دراسته كلما كان له الحظ الأوفر في ممارسة " مهنة ذات قيمة"؛ فمستوى الإدماج المهني والاجتماعي يرتبط أكثر فأكثر بالمستوى الدراسي.

إن عدم إضفاء معنى للمعرفة ذاتها وعدم تحديد الوظيفة الخاصة بالمدرسة جعل المراهقين يتأرجحون مابين العلاقة السحرية والعلاقة الوسائلية للمدرسة. فبالنسبة للبعض يرى وكأن المدرسة تضمن وبصفة سحرية التوصل إلى مهنة جيدة. تترافق هذه العلاقة السحرية بالمدرسة بعلاقة تخيلية للمهنة بوصفها مهنة ذات حظوة عالية ومستوى عالي بدون الإشارة إلى النشاطات.

بالنسبة للبعض الآخر، تصبح المدرسة والمواد المدرسة هي الوسيلة الوحيدة للتوصل للمهنة؛ فكلما كانت المواد المدرسة بعيدة عن الطموحات المهنية فهي مواد لا معنى لها ولا تستحق العناء في متابعتها.

إذن أن العلاقة التي يربطها أفراد العينة بالمعرفة وبالمدرسة هي علاقة اجتماعية؛ إنها كذلك لكونها تعبر عن الظروف الاجتماعية المعاشة. تعبر العلاقة التي ينسجها المراهقون ما بين المدرسة والمهنة عن الحاجة وفي نفس الوقت عن الصعوبة في التوصل إلى مهنة تتيح حياة كريمة. ثانيا هذه العلاقة بالمعرفة هي علاقة اجتماعية لكون انتظارات المراهقين اتجاه المستقبل واتجاه المدرسة تعبر عن الروابط الاجتماعية التي تهيكل مجتمعنا الحالي. فالعلاقة الضيقة ما بين النجاح المدرسي والإدماج الاجتماعي تم بناءها في العشريتين الأخيرتين بناءا على التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

المشروع المستقبلي كما يتصوره كل من الذكور والإناث:

إدا أخدنا بعين الاعتبار قول BourdieuوPasseron(1985)" أن الاختلاف بين الجنسين لا يظهر بتميز إلا في المواقف أو الآراء التي تتدخل في الصورة الذاتية أو التوقعات المستقبلية"، فمن الضروري تحليل الكيفية التي يعبر بها المراهقون عن اختياراتهم المدرسية والمهنية ضمن المشروع المستقبلي المتمنى سواء على المستوى المهني أو المدرسي والعائلي.

مما يمكن ملاحظته في أول وهلة أنه بالرغم من اتفاق كل من الذكور والإناث على أهمية ممارسة المهنة كمعيار للنجاح الاجتماعي إلا أنه في المقابل يختلفون في العوامل؛ بينما يرى الذكور أن الذكاء هو العامل الأساسي ترى الفتيات أن الأخلاق هي الأهم؛ يرجع الأمر إلى اختلاف في التنشئة الاجتماعية للجنسين، فالذكاء غالبا ما يدعم كصورة ايجابية لدى الذكور بينما تدعم الأخلاق لدى الإناث لكونهن  معرضات أكثر لعملية الضبط الاجتماعي.

كما تختلف علاقة بالمعرفة لدى الذكور منه لدى الإناث؛ يظهر ذلك من خلال العلاقة بالتخصص والتصورات الخاصة بالدراسة والشهادة.

فبالرغم من اتفاق الجنسين على كونهم راضون عن التخصص إلا أن المبررات تختلف؛ فالذكور هم راضون لكون التخصص يضمن لهم عدة اختيارات مهنية أو لأنه مهم بالنسبة خاصة للمستقبل المهني، بينما تبرر الإناث رضاهن بكون المواد التي يدرسنها هي مواد ممتعة.

فالذكور يربطون علاقة براغماتية واقعية مع التخصص لأنهم واجتماعيا هم مطالبون أكثر أن تكون لديهم وضعية مهنية وبالتالي تعتبر الدراسة وسيلة لتحقيق ذلك. في المقابل تؤكد الفتيات على أهمية الدراسة والنجاح الدراسي والشهادات كضمان للمستقبل الجيد أكثر من الذكور وهن أكثر إصرارا على الذهاب بعيدا في الدراسة "الحصول على ليسانس وحتى الدكتوراه ولما لا؟" أما الذكور فيرون أن الجامعة مهمة لكن الأهم هو العمل حتى أن بعضهم ينوي الانقطاع عنها للالتحاق بسلك الشرطة أو الجمارك والعودة إلى الجامعة مرة ثانية.

إن اختلاف في مستوى الطموحات المدرسية لدى الذكور والإناث يرجع حسب دورو بلا Duru-Bellat M.إلى اختلافات مواقف الآباء؛ تطمح أكثرية الآباء أن تتحصل بناتها على  شهادة البكالوريا أكثر منه لدى أبناءها، يظهر أن الأمر يرجع حسب نفس الباحثة إلى كون الآباء هم أكثر وعيا كون الذكور باستطاعتهم الاندماج في الحياة المهنية حتى ولو بتكوين أقل أما الإناث اللواتي غالبا ما ينتظرهن الميدان الخدماتي هن بحاجة أكثر للتعليم والشهادات (Duru-Bellat M.، 1999).

كما ترجع نفس الباحثة الطموح الأقل لدى الذكور فيما يخص الدراسة إلى الانتظارات المتناقضة اتجاههم خاصة في البيئات الشعبية؛ ففي غياب مراقبة دقيقة يشعر هؤلاء الأولاد أنه مسموح لهم بالقيام بسلوكات تعيق النجاح الدراسي (سلوكات تأكيد الذات وسلوكات عنيفة أو منحرفة) والتي تدرك بوصفها جزءا من السلوكات الذكورية العادية. 

في المقابل يرجع اهتمام الفتيات بالدراسة والشهادات لكونهن يرين في ذلك تمردا على النماذج القائمة على التقسيم التقليدي للأدوار الجنسية التي تحفز المرأة أن تكون فقط ربة بيت (Galland،1991) وإستراتيجية للانفصال عن النماذج الأنثوية التقليدية خاصة عند الفتيات اللواتي ينشأن في أوساط شعبية بحيث تعتبر المدرسة في بعض الأحيان من بين الطرق الوحيدة للتهرب من المصير التقليدي للجنس ( قالون Galland 1988، تراي  Terrail1992،موسكوني Mosconi1999) والدليل على ذلك مختلف تعليقات المراهقات التي تصب في هذا الاتجاه :""الزواج مهم لكن بشرط أن يكون بعد الدراسة والعمل" " الشهادة سلاح  في يد المرأة "

وكذلك يدلعليه التواجد القوي للفتيات في مختلف مراحل الدراسة التي تتعدى نسبهن بصورة ملفتة للانتباه نسب الذكورففي التعليم الثانوي وفي السنة الدراسية 2005/2006 هناك تواجد 58.38% من الفتيات وأن 65% من الناجحات في البكالوريا وأن 55.4% مسجلات في الجامعة (0NS، 2007)

 إن تحليلنا لفقرة الاختيارات المهنية للذكور وللإناث يظهر بصفة جلية البعد الذكوري والأنثوي للمهن على غرار بعد الحظوة الاجتماعية.

إن  الوضعية الحالية لسوق العمل في كل أنحاء العالم تقريبا التي تنتظر هؤلاء المراهقين تتميز خاصة بتركز مرتفع للعمل الأنثوي في القطاع الخدماتي أين الأجور منخفضة وعملية الاندماج المهني هي صعبة وتركز الذكور في القطاعات التقنية والصناعية أين إمكانيات الإدماج والأجور هي أكثر ارتفاعا (S.Biljana، 2004).

بالرغم من وعيهم بالمشاكل المتعلقة بالتمهين المتمثلة في البطالة والمتطلبات التأهيل التي أصبحت مرتفعة، يحلم الذكور بمهنة مستقرة ومربحة تلبية للانتظارات الاجتماعية المتمثلة في الحصول على المهنة والتوصل للاستقلال المادي وبناء عائلة وتحقيق هوية تتماثل وفق المتطلبات الاجتماعية الخاصة بجنسه.

 أما الإناث على العكس يطمحن إلى الحصول على مهنة من أجل تأكيد الذات والاستقلالية وتعدي وضعية الضعف القاسية:

 "مانيش باغية نكون كيماما ( مثل أمي)Malgré  عندها ليسانس في الاقتصاد فهي لا تعمل اهتماماتها تقتصر فقط على الطياب  والغسيل وتربيتنا " (تلميذة، 17 سنة)

يعيد هذا الطموح المتمثل في توسيع مجال النشاطات العالم الخارجي تركيب التصور التقليدي للمرأة المسطر من طرف المجتمع (Fsiane H.،2008، Cherif H.،a 2007، 2007b) ويعيد بناء أهداف المرأة في الحياة ويدمج أدوارا جديدة وتسلسلا جديدا للقيم، فلم تعد العائلة والمشروع العائلي يحتل الصدارة بالنسبة للنساء"الشهادة والعمل قبل ذلك"

يؤكد تقرير التنمية البشرية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي(2008) هذا المنحى فقد أصبحت النساء حسب نفس التقرير يمثلن قطاعا واسعا من النخبة المثقفة في الجزائر، إذ يشكلن 61% من الحاصلين على شهادات التعليم العالي حسب الإحصائيات الأخيرة المتوفرة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتمثل النساء أيضا 37%في سلك القضاء و50% من قطاع التربية و53%في القطاع الصحي و32% يتولين مسؤوليات سامية في الدولة.

 المشروع المستقبلي كسيرورة لتخقيق الذات:

إن تصورات المراهقين لذواتهم المستقبلية من خلال للمشروع المستقبلي حتى ولو كانت مجرد أحلام قد تتحقق وقد لا تتحقق للظروف الموضوعية التي يعايشها أغلبية الشباب الجزائري –التسرب المدرسي والبطالة وضعف قيمة الشهادات- فإنها تعبر بالرغم من ذلك عن تصور لسيرورة ولكيفية تحقيق الشخص لكل من الإناث والذكور والرغبة في التغيير وتعدي حالة الضعف والاستلابات الداخلية والخارجية.

تمثل ممارسة مهنة "ذات حظوة اجتماعية عالية" والنجاح فيها مركز وأساس التصورات المستقبلية سواء للذكور أو الإناث؛ ومن أجل ذلك تصبح الدراسة والحصول على الشهادات العالية ضرورية للحصول على مهن ذات مسارات وجاذبية اجتماعية، وبالتالي نستطيع أن نقول أن العلاقة التي تربط المراهق بالدراسة والمواد الدراسية هي علاقة نفعية براغماتية " للحصول على مهنة محترمة يجب الحصول على أكثر من شهادة". نجد ذلك خاصة عند الذكور لأنهم واجتماعيا هم مطالبون أكثر أن تكون لديهم وضعية مهنية وبالتالي تعتبر الدراسة وسيلة لتحقيق ذلك.

أما بالنسبة للفتيات إن المرور بالمدرسة يعتبر ليس فقط وسيلة للتحصل على وضعية مهنية واستقلالية مادية ولكن كوسيلة للابتعاد عن النموذج التقليدي للمرأة التي تكتفي بالزواج وتربية الأطفال بحيث تعتبر المدرسة في بعض الأحيان من بين الطرق الوحيدة للتهرب من المصير التقليدي للجنس وتحقيق الذات.

على كل، يعبر المشروع المستقبلي عن سيرورة تحقيق الشخص والتفرد من خلال سيرورة أمثلة الذات ومن خلال التماهي بنموذج معيشي ناجح؛ فالمراهقون كما المراهقات يطمحون إلى وضعية مستقبلية تتميز بالحظوة الاجتماعية والحصول على شهادات عالية وعلى مهن مرموقة وعلى على نموذج وأسلوب عائلي متميز.

كما يعملون على البحث على القوة والنفوذ لتعدي حالة الضعف والشعور بالنقص فالتوصل إلى وضعية دراسية ومهنية مهمة تجعلهم يتحكمون في مختلف الوضعيات التي يواجهونها.

كما يعملون على تحقيق الاستقلالية والتفرد من خلال التخلي عن المرجعيات العائلية ووضعيات الانصياع والتبعية وبناء حدودهم الخاصة وقواعد لعب يتحكمون فيها، كما يعملون على تحقيق ذواتهم من خلال إضفاء معنى لحياتهم ولطموحاتهم ومن خلال اختياراتهم والانتماء إلى مختلف المرجعيات الجماعية والجماعات.

نجد أن سيرورة التفرد هي أكثر وضوحا وأكثر أصالة عند الإناث منه عند الذكور لكونهن يرفضن إعادة إنتاج النماذج التقليدية الخاصة بجنسهم وتبني نماذج أكثر عصرنة تعمل من خلالها على تبني أدوار تمكنها من مقايضة موازين القوى والانتماء والمشاركة بفعالية ضمن مختلف الجماعات والمؤسسات.

 أما الذكور ليس هناك تغييرات هامة فالأدوار التي يطمحون إليها تتماثل وفق الانتظارات الخاصة بجنسهم .

وعليه ترتبط صراعات الذكور وقلقهم فيما يخص الطموحات المستقبلية في كيفية تحقيق الذات والحصول على الاعتراف الاجتماعي من خلال تعدي الاستلابات التي يفرضها عليه المحيط الاجتماعي بمختلف مؤسساته والتكيف معها، أما الصراعات التي تعايشها الفتاة هي نفسها صراعات الذكور يضاف إليها صراعات تحقيق الذات وتأكيدها من خلال  التنسيق ما بين الأدوار المختلفة وإيجاد استتراتيجيات الموازنة والتسوية وذلك من أجل  بناء هوية جديدة ترتكز على نموذج تنشئة اجتماعية جديد.

 خاتمة:

لقد أوضحت هذه الدراسة أن المشاريع المستقبلية حتى لو كانت مستثمرة نرجسيا أي من خلال الآمال والطموحات والرغبات فهي مع ذلك تتحدد بالمعطيات الاجتماعية والثفافية المجتمع وبمجمل التفاعلات الاجتماعية وضمن مختلف المؤسسات الاجتماعية وبالأخص المدرسة لما لها من دور كبير في تحضير الأفراد لمختلف الأدوار والوضعيات سواء الحالية أو المستقبلية.

المراجع:

1.   تقرير التنمية البشرية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي(2008)، مركز الإعلام للأمم المتحدة, الجزائر، اطلع عليه من خلال انترنيت.

2.   زروالي ل.(2010)، تصور الذات المستقبلي لدى المراهق المتمدرس" رسالة دكتوراه  في علم النفس العيادي، قسم علم النفس وعلوم التربية ، كلية العلوم الاجتماعية ، جامعة وهران، غير منشورة.

3.   منشورات المركز الوطني للدراسات والتحاليل من أجل التخطيط CNEAP(2006)، الجزائر.

 

4.    Abric J.C(1994), Pratiques sociales et représentations, sous la direction de J-C Abric, PUF, 2ème édition 1997.

5.    Banque Mondiale(2004), Rapport sur le développement de la région MENA « Inégalités entre les sexes et développement au moyen Orient et Afrique du Nord, les femmes de la sphère publique »

6.    Baudelot C. Establet  R.(1971), l’école capitaliste en France, Paris, Maspero

7.    Biljana S. (2004), la représentation des métiers chez les adolescent-e scolarisé-e-s au collège et au lycée «du mouvement mais pas de changement » 8 Biennale de l’éducation et de la formation, publication INRP, consulté sur internet.

8.    Bourdieu P. (1980), la jeunesse n’est qu’un mot, In questions de sociologie, édition de minuit, Paris.

9.    Bourdieu P. Passeron J-C.(1985), Les Héritiers, les étudiants et la culture, Minuit, collection Le Sens commun, Paris.

10.Charlot B(1997), du rapport au savoir, Anthropos, Paris

11.Charlot B. et al. (1993) École et savoir dans les banlieues et ailleurs, Paris, A. Colin.

12.Cherif H. (2007a), projet de vie et genre : le cas des étudiants de l’université, In Adolescence : Quels projets de vie ? S/D Cherif H. et Monchaux P. édition CREAPSY, Alger.

13.Cherif H. (2007b), Rôles féminin, rôles masculins dans le couple, Psychologie, n°14/15, problématique de l’adolescence.

14.Dumora B.(1990), la dynamique vocationnelle chez l’adolescent de collège : continuité et rupture, l’orientation scolaire et professionnelle, 19,111-127.

15.Durkheim E. (1991), Les formes élémentaires de la vie religieuse, Paris, Le livre de poche,

16.Duru-bellat M. (1999), les choix d’orientation : des conditionnements sociaux à l’anticipation de l’avenir In filles et garçons jusqu'à l’adolescence S/D Lemel Y. et Rouet B., Collection débats jeunesse, L’harmattan, France.

17.Erikson E.H. (1972), Adolescence et crise. La quête de l‘identité, Paris, Flammarion.

18.Feuilladieu S. (1996), l’orientation scolaire : question d’avenir ou enjeu institutionnel ?, les lycéennes de second : leurs projets et leur orientation dans quatre établissements de l’enseignement général, thèse, Aix Provence

19.Fsian H. (2007), le projet professionnel chez l’adolescente algérienne : de la logique aliénante à la stratégie de personnalisation, In Adolescence : Quels projets de vie ? S/D Cherif H. et Monchaux P. édition CREAPSY, Alger.

20.Galland O. (1988), Représentation du devenir et reproduction sociale : le cas des lycéens d’Elbeuf, Sociologie du travail n°3,399-417.

21.Ghichard j. (1993), l’école et les représentations d’avenir des adolescents, Puf, Paris

22.Ghichard J.,Huteau M.(2001),psychologie de l’orientation, Dunode ,Paris.

23.Gilly M. Lacour M .Meyer R. (1972), image propre, image sociales et statuts scolaire : étude comparative chez les élèves de cm2, Bulletin de psychologie, 25,792-806

24.Herzlich C. (1996), Santé et maladie, analyse d'une représentation sociale, Paris, Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales (1ère éd.1969).

25.Jodelet D. (1991), Les représentations sociales, Paris, PUF

26.Jodelet D. (1997), Représentation sociale : phénomènes, concept et théorie, in Psychologie sociale, s/d de S. Moscovici, Paris, PUF, Le psychologue

27.Mathias M. (2003), les étudiants et le travail universitaire, presse universitaire de Lyon

28.Mosconi N. (1999), Les recherche sur la socialisation différentielle des sexes à l’école, In filles et garçons jusqu'à l’adolescence S/D Lemel Y. et Rouet B., Collection débats jeunesse, L’harmattan, France.

29.Moscovici S. (1960), Etude de la représentation sociale de la psychanalyse. Paris , PUF.

30.Moscovici S. (1961), La psychanalyse, son image et son public, Paris, PUF (2è éd. 1976).

31.Ons (2007), Annuaire statistique de l’Algérie n°23.

32.Tap P. (1980), identité individuelle et personnalisation ,Toulouse ,ed. Privat.

33.Tap P. (1988), la société pygmalion ?intégration sociale et réalisation de la personne, Bordas, Paris.

34.Tap P. (1991), Socialisation et construction de l’identité personnelle in La socialisation de l’enfance à l’adolescence, S/D de Malewska-peyre H et Tap P., PUF, Paris

35.Tap P. (1995), les stratégies de personnalisation in le projet des jeunes, une question d’identité, paris, ADAPT, p113-116.

36.Terrail J.(1992), réussite scolaire : la mobilisation des filles, Société contemporaines, n°11-12, p 53-90.

37. Zazzo B. (1966), psychologie différentielle de l’adolescence étude de la représentation de soi- Puf, Paris.