الحداد النفسي إزاء موضوع الحب الأولي و علاقته بالتوافق الزوجي.pdf

نادية شرادي

جامعة سعد دحلب – البليدة(الجزائر)

         يوجد واقع نفسي داخلي، كالواقع المادي الخارجي.هذا العالم النفسي الداخلي هو نتاج عملية النمو الطويلة التي ترتكز أساسا على الإدخال المتدرّج للتفاعلات بين الشخص ومحيطه بكل الشحنات الوجدانية والعاطفية التي تتضمنها، مشكّلة بذلك نظاما داخليا خاصا بشخص معيّن دون غيره، يعرف بالتنظيم العقلي؛ يختلف هذا الأخير من شخص إلى آخر تبعا لاختلاف التجارب والخبرات، وكيفية توظيفها في الجهاز النفسي منذ المراحل الأولى من الحياة،  أي تبعا لإخلاف استثمار المواضيع الخارجية بناءا على الصدى النفسي الداخلي .، و لعل أن نوعية التقمصات لدى شخص ما تحدد مدى تكيفه أو عدم تكيفه مع الواقع الداخلي والواقع الموضوعي ، بحيث أن مواجهة المثيرات الخارجية أو عدم التصدي لها، قد يرجع إلى قوة أو ضعف هذه التقمصات، ونجد أن الأشخاص الذين لا يملكون إمكانيات نفسية ثرية لا يكونوا مؤهلين نفسيا للزواج و إن تزوجوا يواجهون مشاكل في التوافق مع الطرف الأخر ، هذا ما نحاول بلورته من خلال هذا المقال.

كلمات مفتاح:

التقمص، الحداد النفسي ، التوافقالزواجي.

La réalité psychique intérieure existe au même titre que la réalité objective extérieure. Elle est la résultante d`un processus de développement long qui s`appui sur l`intériorisation des interactions entre l`individu et son milieu, avec tout ce que ces interactions véhiculent comme représentations et affects. Elle constitue ainsi une organisation interne spécifique a chaque individu, qui le distingue de tout autre, c`est le fonctionnement psychique. Ce dernier diffère d`un individu a un autre en fonction de la diversité des expériences vécues et la façon de les intégrer dans l`appareil psychique dès les premières années de la vie, c`est à dire en fonction de la nature de l`investissement des objets. A cet égard, la qualité des identifications chez un individu détermine la  qualité de son adaptation à la réalité interne et a la réalité objective. En effet, la capacité à faire face aux sollicitations externes renvoie à la force ou faiblesse de ces identifications. Ainsi, les individus ne possédant pas des ressources psychiques riches sont peu préparés a contractées une relation matrimoniale, et éprouvent des difficultés a s`adapter a leur partenaire. C`est ce que nous tenterons de développer dans le présent article.

مقدمة:

تتوقف الصحة النفسية عموما على علاقات الفرد بمواضيعه الأولية و مدى تقمصه للوالد من نفس الجنس، بالإضافة إلى الحداد إزاء الموضوع  المستثمر لاشعوريا. بحيث أن تكيف الشخص مع واقعه الداخلي و الاجتماعي لاحقا ( بعد الطفولة لاسيما عند الرشد ) و بالأخص التوافق الزواجي الذي يهمنا في هذا المقام و الذي نريد تسليط الأضواء عليه، لا يكون إلا إذا كان الشخص مؤهلا نفسيا لذلك.بمعنى أن توازن الأنا أمرا ضروريا كي  يسمح بإدخال شخصية جديدة في الحياة النفسية للفرد مختلفة عن الصور الوالدية. عندما تحل الصراعات الداخلية  على مستوى عميق من الشخصية،بفضل آلية التقمص و الإمكانيات النفسية عموما يفسح المجال لاستقبال موضوع مختلف تماما – على الأقل على المستوى الظاهري – عن ذلك الذي عرفه الشخص في طفولته ( الأم أو الأب تبعا للجنس ).إن تجاوز الميولات اللبيدية السابقة، يعد أمرا ضروريا لإنجاح مستقبلا علاقة استثمار جديدة في حياة الشخص، لأن الشخص يكون قد تخلى لاشعوريا عن ماضي كان يشده بقوة إلى رغبات دفينة ترتبط بلذة عهدها مع موضوع الحب الأولي.

نحاول من خلال هذه المداخلة إجلاء أن التوافق الزواجي في الحاضر، لا يتم إلا في ضوء الحداد إزاء الماضي.، ذلك لأن السعادة الزوجية تقتضي اقتران جنسين مختلفين مؤهلين نفسيا لاستثمار الحياة كراشدين ناضجين لكل منهما تنظيم تناسلي خاص بالراشد، مختلف عن الجنسية الطفلية، و هذا يعني وضع الحجر الأساسي لتوظيف نفسي من شأنه حماية ليس فقط  الزوجين ، إنما الأسرة بكاملها.

1-       مفهوم التقمص و الحداد النفسي:

يعتبر التقمص أوالتماهي (Identification) ميكانيزما دفاعيا أساسيا في تشكل الشخصية، وهو كما يعرفه ج.لابلانش(J.LAPLANCHE)و ب.ج. بونتاليس (B.J.PONTALIS) عبارة عن "عملية نفسية يتمثل الشخص بواسطتها أحد مظاهر أو خصائص أو صفات شخص آخر ويتحول كليا أوجزئيا تبعا لنموذجه "

 (, B.J. PONTALIS, 1985, P.187 J.LAPLANCHE).

 تفترض آلية التقمص الاشتراك مع شخص آخر في مميزات معينة، دون أن يكون هذا الشخص موضوعا لرغبة لبيدية، عن طريقها يتم الارتباط العاطفي بشخصية الآخر والتشبه بها، فيتم حل الصراع الأوديبي عبر السياق التقمصي، إذ يكتسب الطفل في المراحل المبكرة للنمو الأنا الأعلى للوالد من نفس الجنس.

وعندما يخفق في ذلك أي لا يستطيع التمثيل والتشبه بالوالد من نفس الجنس ، فإنه لاشعوريا يرفض أن يكون إبن هذا الوالد، وبالتالي السياق التقمصي لشخصية الوالد من نفس الجنس يكون في منعرج خطير، إذ يكبر الطفل وهو هش البنية النفسية، فاقد للإمكانيات النفسية التي من شأنها حمايته أمام تدفق الإثارات، سواء كانت آتية من أعماق شخصيته أو من المحيط الخارجي.

بالنسبة للزوج أو الزوجة اللذان يشكلان انشغالنا في هذا المقام، نظرا قد لا  يستطع الجهاز النفسي لكل منهما مجابهة الواقع الجديد المتواجد فيه حاليا والمختلف عن الواقع الذي تربى فيه كطفل، فهما الآن راشدان يواجهان الظروف الاجتماعية بكل مسؤولية و لكن قد يعجزان عن ذلك، نظرا للتثبيتات القوية في المراحل الأولى للنمو، ونوعية التقمصات التي أدت إلى تكون أنا هش بحيث  يحاول الشخص الابتعاد عن موضوع الرغبة (أحد الوالدين ،حسب الجنس) بحثنا عن ملجأ يغيب فيه الشعور بالذنب فيتزوج معتقدا أنه حلا يبعده عن الاستمرار في الاستثمارات الليبيدية، غير أن قوة الارتباط العاطفي بالماضي سوف يعيده إلى هذا الموضوع، رغم أنه شعوريا، يبذل قصارى جهده للبقاء بعيدا.إلا أن ذلك أمرا مستحيلا عندما يدفعه الطفل اللاشعوري للرجوع إلى أحضان موضوع الحب، وحتى أنه قد يرتكب أخطاء هو غير مسئول عنها- باعتباره مدفوع من قبل اللاشعور-، فدخوله في صراعات مع الطرف الآخر  ( الزوج ) لأتفه الأسباب بدل من الاقتراب منه و مواجهة الحياة الاجتماعية بظروفها المختلفة كراشد مسئول، قد يدل على أنه اختار أن يعود إلى أحضان هذا الموضوع،عن غير وعي منه بطبيعة الحال.

وكما أشرنا سابقا فان أساس الصحة النفسية عموما  هو علاقات الفرد بوالديه نقصد تقمصاته لا سيما مع الأم باعتبارها أول موضوع حب ورغبة ،وكذلك بالأب إذ أن تسوية عقدة أوديب لا يكتمل إلا بوجود صورة الأب التي يتم تقمصها لحل الصراعات النفسية وتجاوزها، خاصة عندما يعاد تنشيطها في مرحلة المراهقة، وقد يتم التثبيت في المراحل الأولى للنمو، الأمر الذي يضئل من قوة التقمصات في حماية توازن الأنا. فمسار السياق التقمصي يحدد لاحقا مدة تكيف الفرد مع واقعه الداخلي و الاجتماعي.ونشير إلى أن التقمصوالحداد النفسيضروريين لتجاوز الجنسية الطفلية( المصبوغة بالهوامات و الخيال ) من اجل استثمار الحياة  الزوجية كراشدين مسؤولين، قادرين على مواجهة العلم الخيالي الذي كان يشدهم الى اللذة     و الرغبات الليبيدية في الطفولة .

أما الحداد فيعتبر نشاطا نفسيا يكون كاستجابة لتجربة أليمة ، يعيش فيها الشخص حالة من الاكتئاب جراء فقدان موضوع محبوب .، كما يقول فرويد س. " أنه بعد فقدان موضوع خارجي جد مستثمر ، يضطر الليبيدو الى اتخاذ اجراء الانسحاب المليئ بالقلق و الألم حتى يتمكن الأنا من استرجاع حريته "

 (FREUD S. 1967, P.220)

بعد كل حداد، يعيش الشخص حالة فقدان للموضوع الخارجي أو الداخلي، تاركا وراءه الشعور بالتخلي و الإحساس بالذنب ، و بالتالي عمل الحداد يسمح بالحفاظ على أمن            و استقرار ألانا، أما إذا لم يتم الحداد إزاء الموضوع المرغوب و المستثمر ، فان ذلك يجعل الشخص يعيش في خضم الصراعات النفسية ، غير قادر على التكيف مع واقعه الداخلي و الخارجي الموضوعي .، أي أن سيرورة الحداد النفسي بفقدان الموضوع المستثمر ، ثم يتم استبداله بموضوع داخلي  يعوض الموضوع المفقود ، و قد تكون هناك محاولة تقمص الموضوع المفقود، هذا الموضوع المدرج داخليا قد يكون "جيد" أو عكس ذلك ، ثم يتم الحداد فيصبح الموضوع المدخل غير مستثمر .كل هذا يتم دفاعا من الأنا – بفضل آلياته الدفاعية  الفعالة – ضد الألم الذي قد يسببه عمل الحداد ليحمي الشخص عن طريق الإرصان النفسي طبعا من القلق و من الاضطرابات النفسية و من كل باثولوجيا عموما .

التناول التحليلي للموضوع:

 يأخذ التحليليون بعين الاعتبار خبرات الطفولة ، باعتبارها أساس متين في بناء و هيكلة الشخصية، لاسيما نوعية التقمصات التي تحدد مدى تكيف الفرد في مختلف المجالات، لهذا أردنا إبراز أهمية السياق التقمصي في ما يلي :

مراحل تطور السياق التقمصي :

إن إختيارات الشخص  والراشد عموما تكون مرتبطة بمواضعه الأوديبية وتقمصه لها.

فالحياة الجنسية حسب التحليلين (FREUD) تبدأ مابين ثلاث إلى خمس سنوات، هذه الفترة من النمو تحدد نمط التوظيف النفسي للشخص الذي لديه واقع نفسي داخلي، كالواقع المادي الخارجي. هذا العالم النفسي الداخلي هو نتاج عملية النمو الطويلة التي ترتكز أساسا على الإدخال  المتدرّج للتفاعلات بين الشخص ومحيطه بكل الشحنات الوجدانية والعاطفية التي تتضمنها، مشكّلة بذلك نظاما داخليا خاصا بشخص معيّن دون غيره، يعرف بالتوظيف النفسي؛ يختلف هذا الأخير من شخص إلى آخر تبعا لإخلاف التجارب والخبرات، وكيفية توظيفها في الجهاز النفسي منذ المراحل الأولى من الحياة،  أي تبعا لإخلاف استثمار المواضيع الخارجية بناءا على الصدى الداخلي للشخص.

فالتوظيف النفسي سيرورة دينامية تخضع لمبادئ أساسية في الجهاز النفسي، تعكس خصوصيات النشاط النفسي؛ فهو ليس بتنظيم ستاتيكي، بل دينامي يخضع لقوانين محدّدة تعمل على حماية الأنا من كل الأخطار التي يمكن أن تهدّد أمنه واستقراره وتسبّب له ألما؛ وذلك لضمان الانسجام والتوازن الداخلي، آخذا بعين الاعتبار الواقع النفسي بتفاعلاته مع الواقع الاجتماعي الذي يحتضنه.

إن هذا التنظيم الداخلي للنفس، يعكس مميّزات الشخصية التي تتكوّن من طبقات متداخلة فيما بينها، بعضها شعورية وبعضها غير شعورية، هذه الأخيرة ذات تأثير كبير على سلوكات الشخص وحياته بصفة عامة، لأنها نابعة من الحياة النفسية العميقة.نشير إلى أن أي تثبيت في هذه المراحل الأولى لنمو الشخصية، قد ينشط مجددا في المراهقة وبالتالي قد يعرقل تكيف الراشد مع وسطه الاجتماعي كمثلا أوأو التثبيت في المرحلة الفمية، فإذا لم يتم الفطام فيها بشكل سليم (كأن يكون مفاجئ) يعيش الطفل حالة فقدان لثدي الأم وقد  يبقى مرتبطا بهذا الطابع الفمي السلبي فيمص إصبعه مثلا لاحقا، وكما يقول فرويد، أن " فقدان الثدي بسبب الفطام يؤدي إلى إحساس الطفل بالخصاء (castration) وأنه كلما تعرض للإنفصال عن موضوع ما أو فقدانه يحيي من جديد هذا الإحساس بالخصاء" (s.freud, 1987, P.138).

فالإحساس بالاخصاء يرجع إلى الإحباطات الخاصة بالمرحلة الفمية والتثبيت في هذه المرحلة يجعل من الشخص مدخن، مدمن على المخدرات أو الكحول لاحقا،وحسب التحليليين لا يستطيع الشخص إدخال شخصية جديدة إلى الحياة النفسية مادام هذا النوع من التثبيت لم يتم تجاوزه. وإذا حاول الشخص الزواج لا ينجح فيه و لا يصل إلى حالة التوافق فيه، لعدم قدرة جهازه النفسي على تحمل غياب موضوع الرغبة و اعتبار الموضوع الجديد دخيلا يهدد فقدان لذة اللقاء بموضوع الحب الأولي.

أما في المرحلة الأوديبية التي يعيشها الطفل ما بين 3 إلى 5 سنوات والتي تنحل بآلية التقمص ، و التي يدخل الطفل إثرها  مرحلة الكمون، لتذكي مجددا ( يعاد تنشيطها ) في مرحلة المراهقة، يجدر الأمر الإشارة إلى أن  الشكل الذي تنحل به هذه العقدة يحدد لاحقا مدى تكيف الفرد أو عدم  تكيفه .، فتجاذب وتناقض وجداناته يجعل الفرد يعيش صراعات قد يحاول جهازه النفسي تعديلها وتنظيمها سعيا وراء التكيف. فالنمو كما تقول دبري " يتميز بالصراع لا بالهدوء" (r.debray, 2000, P.82).

التقمص والاستثمارات الأوديبية:

يتم زوال أوديب بتخلي الطفل تدريجيا عن الرغبات اللبيدية والعدوانية اتجاه مواضيع الحب المستثمرة " إذ تحل هذه العقدة بإختفاء تصورات المحارم (Représentations incestueuses) وكبتها "J. BERJERET, 1982, P.33) )، فيتقمص الطفل الوالد من نفس الجنس .

نشير إلى أن "طغيان أحد شكلي أوديب، يؤدي إلى تقمص مسيطر مؤسس للهوية الجنسية للشخص، في أغلب الحالات، حيث يطغى الشكل الإيجابي لأوديب، فإن التقمص يكون للوالد من نفس الجنس" (perron ,M. perron- borelli, 1994, P.97.R

إذ يتبنى الأنا خصائص الموضوع، ويحقق بذلك استقلالية نفسية مما يهيؤه مستقبلا لإستثمار موضوع حب جديد من جنس مخالف، وهكذا تكون الوضعية الثلاثية قد ساهمت " في إعطاء التقمصات المتعلقة بالمرحلة الأوديبية مركز تقمصات جنسية " (statut d’identification sexuées)، خاص قادر على تأسيس سيكولوجيا هوية جنسية ذاتية" (ibid, P.97).

بذلك تتكون الهوية الشخصية (l’identité personnelle) .

 إذن عن طريق التقمص الذي تعرفه المرحلة الأوديبية، يعرف الصراع الأوديبي مخرجا، فيتوقف كل من الحب اللبيدي للوالد من الجنس المخالف وكذلك الكره الشديد للوالد من نفس الجنس، "يأتي هذا التقمص لإصلاح (repArer) الإحباط والجرح النرجسي الذي يتعرض له الطفل، لإستحالة تحقيق الرغبات اللبيدية، هذه الإستحالة مرتبطة بالممنوع والمحرم(l’inTerdit)، الذي يحول دون تحقيق الرغبات مع المحارم، الممنوع الذي يعني(خاصة للولد) التهديد بالإخصاء"(r.perron ,m.perron-borelli,1994 ,P.97-98( .

إن كيفية معاشاة المرحلة الأوديبية يشكل هيكلة جديدة للتنظيم اللبيدي، بحيث أنها مهمة في تحديد مستقبل الشخصية، ولزوال عقدة أوديب أثر هام على مستقبل شخصية الطفل، "فأوديب يبني (structure) الراشد ويهيكله" (20ibid,P.) ، لا سيما في حياته الجنسية التي ترتكز عليها جل إستثماراته النفسية، فعندما كل شىء يتم بطريقة مثلى، يمكن أن نتحدث عن زوال عقدة أوديب، فيصبح الطفل مؤكدا ومثبتا (confirme) في جنسه، "فالتنظيم التناسلي الأوديبي يحدد أوديب كأكبر منظم (organisateur) للتنظيم العقلي، يهيئ في مرحلة الجنسية الطفلية، التنظيم التناسلي للراشد".(ibid, P. 64).

إن تجاوز الميولات الأوديبية، يعد أمرا ضروريا للدخول إلى جنسية الراشد، بينما التمسك اللاشعوري بها، يعني وضع الحجر الأساسي للإضطرابات النفسية التي تتعرض لها الشخصية لاحقا، وإذا اعتبرنا الزواج غير المتوافق  نوع من عدم النضج النفسي لدى الطرفين  أو الجنسين-أو احد منهما -  ،ففهمه لا يتم إلا ضمن الإستثمارات الأوديبية،التي قد يتجلى على مستوى الإقتصاد النفسي خلل في التقمصات.

إن الكره الأوديبي (l’hostilité œdipienne)، قد يأخذ مسارا ملتويا، قد لا ندرك معناه للوهلة الأولى، بحيث أن "المشاكل الأوديبية لها قدرة فائقة على التمحور والتفاقم، وقد تتعرض لعملية النقل (se deplacer) والتعميم (se generaliser)، فمثلا الكره الشديد للأب قد يؤدي إلى ثورة ضد المجتمع".(besse j.m et ferrero M., 1983, P.61)، الأمر الذي قد يؤدي بالفرد لا سيما في الحياة الزوجية  إلى التفكير بالطلاقة وبالهروب من زوج لا يشعر معه بالراحة، معتقدا أن تغييره قد يجلب له الراحة، وهذا هو الحال في الزواج غير المتوافق ، غير ذلك لا يحل المشاكل التي مصدرها الأعماق .

إذن عقدة أوديب تحل عند إهمال استثمارات الموضوع واستبدالها بعملية التقمص، وبفضل السياق التقمصي يصل الطفل إلى الإحساس بجنسه والإنتماء له وبهذا تتحدد هويته الجنسية أنثوية كانت أم ذكراوية.

وبإعتبار التقمص يتم في المرحلة الأوديبية وفي علاقة الطفل بوالديه فإن نوعية هذه التقمصات تلعب دورا أساسيا في تقوية الأنا لمواجهة وتجاوز مختلف الصراعات التي قد يتعرض لها الفرد طوال حياته.

فالشخص السوي الذي تقمص بشكل إيجابي الصور الوالدية في طفولته فإنه لن يسلك سلوكات منحرفة لاحقا بل تكون لديه علاقات تفاعلية ايجابية مع محيطه الذي منه الاسرة و أفرادها ، إذ أن الخلل في العلاقة البدائية للطفل أي خلال تقمصاته لمواضيعه البدائية قد يؤدي به إلى العجز عن مواجهة الصراعات الداخلية وتجاوز المشاكل المحيطية، وبالتالي قد يتصرف تصرفات لا تمت إلى النضج بصلة.

فعقدة أديب من أكبر منظم للتوظيف النفسي، وطريقة حلها لها أهمية كبيرة في مرحلة البلوغ والمراهقة حيث يعاد أحياء الصراعات السابقة.

لكن إذا لم يتم الحداد إزاء المواضيع اللبيدية المستثمرة سابقا، لن يكون هناك نضجا نفسيا، ولعل الأزواج غير المتوافقين  هو من الأفراد الذين لا يتمكنون من القيام بحداد إزاء المواضيع البدائية بسبب الصراع الحاد الذي يتعرضون له والتمثل في الرغبة وعدم الرغبة في التخلي عن الرغبات ذات علاقة بهذا النوع من المواضيع. مثل هؤلاء الأفراد يقاومون أي تغيير وأي تجربة جديدة و كأنهم يرغبون –لاشعوريا بطبيعة الحال – بالبقاء أطفال لا يواجهون أية مسؤولية كما هو الشأن عند الراشد الناضج، فهم متمسكون بالماضي والإحساس بالذنب الناجم عن كل ذلك الارتباط العاطفي اللاشعوري قد يدفعهم إلى اختلاق مشاكل في حياتهم الزوجية .  بالنسب للطفل من الضروري أن يتخلى عن موضوع حبه الأول الذي هو الأم ليصبح رجلا قادرا على مواجهة الظروف ويتكيف مع واقعه بعدما تحرر من المواضيع البدائية.

فالسياق التقمصي يفرض على الذكر التخلي عن مواضيعه الأوديبية المحرمة واستبدالها بمواضيع خارجية غير محرمة حتى ينمو متوازنا، يحصنه ذلك من السلوكات التي قد يرفضها الأنا الأعلى (المجتمع عموما).

فالرجولة تقاس بقدرة الذكر على التحرر من موضوع حبه  (الأم) و التخلي عنها وقتلها خياليا دون الشعور بالذنب الذي يدفعه إلى الهروب منها جسديا ولكن هواماته تبقى في أوج هيجانها وبالتالي لا يتم الحداد، فيقع في إختيارات لا تحمد عقباها على كل المستويات.

خلاصة:

نستنتج  من كل ما سبق أن نوعية التقمصات لدى الشخص في المراحل الأولى من حياته، تحدد مدى تكيفه أو عدم تكيفه مع واقعه الداخلي والخارجي الموضوعي لاحقا .

يعد تقمص من الميكانيزمات الأساسية لتشكل الشخصية بفضله يتحرر الفرد من مواضيعه البدائية واستبدالها بمواضيع خارجية، الأمر الذي يسمح بالقيام بحداد، بعيدا عن الشعور بالذنب الذي قد يدفع بعض الأفراد إلى محاولة الهروب من استثماراتهم اللبيدية دون أن يكون السياق التقمصي قد نجح،فيختلقون مشاكل في الأسرة التي يهتز كيانها، لأنهم فشلوا في وضع حد للصراع الداخلي، فيدفع الأنا ثمنا باهظا عندما يحاول معايشة تجربة جديدة كالزواج دون تحمل غياب موضوع الحب.

إن الانطباعات التي يتركها النشاط الجنسي في المرحلة الأوديبية، تترك أثارا عميقة لا شعورية في ذاكرة الطفل، تحدد مدى توافقه أو عدم توافقه مع الواقع النفسي الداخلي والواقع الخارجي الموضوعي، إذ أن الصراع الأوديبي من شأنه خلق بناء لبيدي جديد، الذي يؤثر في كل علاقات الطفل مستقبلا مع العالم الخارجي وما ينجر عنه من تفاعلات لاسيما داخل الأسرة، والفشل الأوديبي يترك بصمة في شخصية الطفل تعيق هذه التفاعلات سواء مع الزوجة أو حتى الأبناء.

يتجلى أن الاستثمارات الأوديبية، ومدى تجاوزها أو التمسك بها، له تأثير على مصير شخصية الطفل، من حيث تكيفها أو عدم تكيفها في مجالات مختلفة لا سيما في المراهقة التي تشهد إحياء الصراعات الهوامية البدائية التي كانت هادئة ، و يتعرض المراهق إلى تحولات عميقة أثناء نموه ، تؤدي إلى تغيرات في السلوك والتفكير والتصورات ، قد يجلي اضطراب في التنظيم السيكولوجي ، ينجم عنه قلق و تألم و كف و جملة من الصعوبات التي قد لا يتمكن المراهق من السيطرة عليها وبالتالي قد تؤثر على تكيفه حتى عند الرشد ، عندما يفكر في  الابتعاد عن موضوع الحب الأولي معتقدا أن تغييره قد يجلب له الاستقرار،دون أن يكون التخلي أولا و قبل كل شيء في أعماقه  هذا ما قد يجول في أعماق شخصية الفرد الذي يفكر في الزواج قبل أن يبتعد عن مواضيع استثمرها سابقا ، باحثا عن الهدوء والسكون الخارجي مع الجنس الأخر، بدلا من البحث عنها في الداخل و الأعماق قبل أي ارتباط مهما كان نوعه،لأن ذلك ينعكس على الأسرة ، فالصحة النفسية لهذه الأخيرة ترتبط بمجموعة من العوامل ، أساسها الداخل .، فالخبرات الماضية تسمح – أو لا تسمح – بإيجاد آليات أو استراتيجيات  التعامل  الملائمة لمختلف الوضعيات الحياتية التي يواجهها أفرادها و على رأسهم الزوجين باعتبارهما مسئولين عن باقي الإفراد  .

إن توازن الأسرة و السعادة الزوجية و التوافق الزواجي بشكل خاص يتطلب تجاوز الخبرات الطفلية الحافلة بالاستثمارات اللبيدية.

  المراجع :

-  ALDO  N., Le couple et l’enfant, Paris, édition Odile Jacob, 1955.

-   BERGERET J.  et al., Abrégé de psychologie pathologique, Paris, Masson, 3ème édition 1979.

-   BERGERET J. « Le traumatisme œdipien initial et ses après-coups », en quinze études psychanalytiques sur le temps, GUILLAUMIN J. (Sous la direction de …), Toulouse, Privat, N° 1, 1981, P. 27-38.

-   BESSE J.M. et FERRERO M., L’enfant et ses complexes, Bruxelles, Pierre Mardaga, 1983.

-   CHRISTIAN D. La bisexualité psychique, Paris, Payot, 1992.

-   DUMAS S. La sexualité masculine, Paris, édition ALBIN MICHEL, 1990.

-   DOLTO F. Au jeu du désir, Paris Edition du seuil, 1981.

-   DOREY R. Le désir du savoir, Paris, édition Denoël, 1998.

-   DEBRAY R., L’examen psychologique de l’enfant à la période de latence,            (6 à 12 ans), Paris, DUNOD 2000.

-   FENICHEL O., La théorie psychanalytique des névroses, Paris, P.U.F,            3ème édition T1, 1979.

-   FREUD S., Introduction à la psychanalyse, Paris, Payot, 6ème édition 1976.

-   FREUD S., Inbibition, symptôme et angoisse, Paris P.U.F, 6ème édition 1978.

-   FREUD S., Essais de psychanalyse, Paris, Payot 1981.

-   LAPLANCHE J., PONTALIS B.J., Vocabulaire de psychanalyse,  Paris, P.U.F., 1985.

-   PERRON R., Genèse de la personne, Paris, P.U.F, 1ère édition ,1985.

-   PERRON R., PERRON – BORELLI M., Le complexe d’Œdipe, Paris, P.U.F ,     1ère édition 1994.

-   ROIPHE E., GALENSON E., La naissance de l’identité sexuelle, Paris, P.U.F ,1ère édition 1987.