دراسة حالة علاج سلوكي معرفي لحالة اكتئاب نفسي pdf

 

حسيبة برزوان 

 جامعة الجزائر(الجزائر)

الدراسة الحالية تبين مدى أهمية  و فعالية الإستراتيجيات السلوكية المعرفية في علاج حالة من حالات الاكتئاب. وقد جاءت هذه الدراسة مقسمة إلى قسمين: القسم النظريو يتمثل  أولا: في المفاهيم المتعلقة بدراسة الحالة و هي كالتالي: ( تعريف الاكتئاب، تعريف العلاج السلوكي المعرفي)، و ثانيا: العناصر النظريةو المتمثلة في:( النظريات السلوكية والاكتئاب، النموذج المعرفي، التحليل الوظيفي) أما القسم الثاني يحتوي على الجانب التطبيقي، حيث تم عرض الجانب المنهجيوعرض الحالة والتحليل الوظيفيوالفرضياتوالاستراتيجيات العلاجية(سيرورة الحصص العلاجية). و في النهاية الاستنتاج.

Cette étude montre l'importance et l'efficacité des stratégies cognitives et comportementales dans le traitement d’un des cas de dépression. Cette étude est divisée en deux sections: premièrement : la section théorique qui englobe en premier lieu: les concepts liés à l'étude de cas et sont comme suit: (la définition de la dépression, la définition de la thérapie cognitivo-comportementale), et en deuxième lieu: la théorie qui contient les points suivants: (dépression et les théories comportementales, le modèle cognitives, analyse fonctionnelle).Dans la section pratique, on a la méthodologie, présentation du cas, l'analyse fonctionnelle, les hypothèses et les stratégies thérapeutiques ( processus  des séances thérapeutiques.) Et enfin la conclusion.

 مقدمة:

     يعتبر الاكتئاب أحد الاضطرابات الانفعالية التي اهتم بها المعالجون النفسانيون و منهم السلوكيون المعرفيون. كما أن دراسة الحالة كما جاء في كتاب الإرشاد و العلاج النفسي، الأسس النظرية و التطبيقية لـ(سامي محمد ملحم،2001):"تقدم خدمات كثيرة في تقدم العلاج النفسي باعتبارها مصدرا خصبا للكثير من المعارف التي يعتمدها العاملون في ميدان العلاج النفسي في عملهم." (سامي محمد ملحم، 2001، ص. 57)

و تعتبر الدراسة الحالية حالة من بين الحالات العديدة التي تعاني من الاكتئاب النفسي، و التي تم التكفل بها نفسيا باستخدام الاستراتيجيات العلاجية النفسية السلوكية المعرفية، و التي من خلالها تتجلي لنا مدى أهمية و فعالية هذه التقنيات العلاجية.

تحديد مصطلحات الدراسة:

1-1   ـ مفهوم الاكتئاب:

يرتكز المحتوى الفكري لمرضى الاكتئاب على فكرة الفقد. على وقوع فقدان كبير. فيحس المريض منهم أنه قد خسر شيئا يراه ضروريا لسعادته أو طمأنينته. و يتوقع من أي مشروع هام نتائج سلبية، و يري نفسه مفتقدا للصفات اللازمة لتحقيق أهداف ذات شأن. و تؤدي التوقعات السلبية إلى الانفعالات المميزة للاكتئاب: الحزن، و الإحباط، و التبلد. فضلا عن أن الاكتئابي حين يقوّى فيه الإحساس بالتورط في موقف بغيض و مشاكل عصية تتبدد دافعيته التلقائية البناءة، وربما غلبه ميل قاهر إلى الهرب من هذه الحالة غير المحتملة عن طريق الانتحار.( آرون بيك، 2000، ص.99 )

1ـ2 ـ مفهوم العلاج السلوكي المعرفي:

       يرتبط العلاج السلوكي المعرفي بطرق تعديل الأفكار و الانفعالات من خلال مواجهة مباشرة للمواقف. و أكمل البرامج تحتوي على الاسترخاء. (Jean.Cottraux, 2001, P.181)

النظريات السلوكية و الاكتئاب:

توجد عدة نظريات حول الاكتئاب المشتقة من الإشراط الإجرائي (Conditionnement opérant)، و النموذج الأكثر انتشارا هو العجز المكتسب.

و انطلاقا من نظريات الإشراط الإجرائي، لقد بين الباحثون أن غياب الأحداث المفرحة في المحيط ينقص الدافعية لدى الشخص بحيث يصبح تدريجيا بدون نشاط و حزين، السلوك الذي يكون خالي من العواقب الإيجابية (conséquences positives) ينتهي بالانطفاء. كذلك كثرة الأحداث السلبية   و المفاجئة (aversifs) يؤدي إلى نفس النتيجة.  السلوك أين تكون نتائجه سلبية بصفة دائمة ينتهي به إلى الضياع من فهرس الفرد.

الشخص المكتئب يحمل ظاهرة الانطفاء الراجعة إلى نقصان كبير أو خطير في الدعم الاجتماعي الإيجابي. و تبقي الظواهر الاكتئابية الوحيدة المدعمة.

حسب (لويسوهن) « Lewisohn,1974 »هناك في الأصل سبب نفسي ـ مرضي الذي يمكن أن يؤدي إلى تدعيم إجرائي للاكتئاب.

بالنسبة (لسلقمان) « Seligman,1975 » الاكتئاب هو نتيجة فقدان الشخص إمكانية وضع علاقة بين الفعل و الدعم الإيجابي. و خلال تجربته التي قام بها(سلقمان) « Seligman » حول الكلاب، يري أن الكف عند الكلاب المصدومين ( عن طريق الكهرباء) و التي سماها "بالعجز المكتسب" أو "خيبة أمل مكتسبة". انطلاقا من تجاربه هذه يري (سلقمان) بأن كل من الحيوانات    و الأشخاص المكتئبين بعد تعرضهم إلى تجربة صدمية مطولة أو صدمات مكررة يتوقفون عن إعطاء إجابات منتجة. لقد استخدم نموذج العجز المكتسب في الإطار المعرفي من طرف كل من (أبرمسون) « Abramson »، و (سلقمان) « Seligman »، و (تسدال) « Teasdale » سنة 1978. بحيث الشخص المكتئب أمام الفشل مثلا يعطي حكم سببي (الانتساب أو عزو الأسباب يكون داخلي، عام و ثابت). الشخص يرجع كل المسؤولية إلى الفشل (انتساب داخلي)، ويعتبر هذا الفشل دائم (ثابت) و يعممه في كل مجالات حياته (تعميم). و العكس في حالة النجاح أو حادث إيجابي يعطي الأحكام التالية: أحكام خارجية (الصدفة، الآخرين هم السبب)، أحكام خاصة (الحدث معزول)، و أحكام غير مستقرة (هذا لا يستمر).

لقد بين (أبرمسون) « Abramson, 1984 » في دراسة حول الطلاب بأن البنية المعرفية الداخلية الثابتة و العامة تنبئنا برد فعل اكتئابي دائم بعد الفشل في الامتحان. و العكس الشخص الذي لديه مزاج عادي يكون لديه ميل إلى المبالغة في تقييم مسؤوليته في الأحداث الإيجابية.

3ـ النموذج المعرفي:

من الجانب المعرفي، أصحاب النموذج المعرفي للاكتئاب (بيك و شركائه، 1979) ينادون بنموذج معالجة المعلومة. المكتئب يجهل المعلومة الإيجابية و أو يمسك المعلومة السلبية. (Jean. Cottraux, 1995, P.48-P.49)

إذن الانحرافات المعرفية في الحالات الاكتئابية حسب النموذج المعرفي هي:

1ـ التداخل العشوائي (L’inférence arbitraire):

و يتمثل في استنتاج خلاصات بدون أدلة، خلاصات مبنية على معلومات ناقصة.

2ـ التجريد الانتقائي (L’abstraction sélective):

     و يتمثل في التركيز على جزء خارج المضمون و عدم إدراك الشكل و المعني العام للموقف.

3ـ المبالغة في التعميم(Sur généralisation) :

بحيث يعمم الشخص تجربته الحزينة على كل المواقف الممكنة. مثلا إخفاق مهني محدود يصبح في المستقبل إخفاق معمم على كل المواقف اللاحقة.

4ـ بخس الإيجابيات و الانتقاء السلبي (La magnification et la minimisation):

يتمثل في إعطاء قيمة كبيرة إلى الإخفاقات أو الأحداث السلبية و نقص من قيمة النجاحات و المواقف المفرحة.

5ـ العزو الشخصي (La personnalisation):

     يفكر الشخص بصفة أتوماتيكية بأنه المسئول الوحيد على كل ما يمكن أن يحدث من أحداث سلبية، و ينتهي به الأمر إلى تحويل الواقع إلى معاش محزن من خلال المخطط الاكتئابي.

6ـ التفكير الاكتئابي (La pensée dépressive) :

      مجموع هذه التشويهات خاصة التداخل العشوائي تترجم عياديا بأحداث معرفية التي تكون مسجلة بنمط من التفكير الثنائي(Style de pensée dichotomique)  أي ينظر الشخص إلى الأحداث أو الناس طبقا لمبدأ الكل أو لا شيء، ليس لديه أي قيمة، ليس لديه ما ينبغي أن يكون لديه، الشخص ينغلق في عدم النشاط و عدم الإنتاج. (Jean. Cottraux. J,1995 , P.51)

التحليل الوظيفي(L’analyse fonctionnelle):

لكي يكون تمثيل دقيق للتحليل الوظيفي للاكتئاب وضع (جون.كوترو) « Jean.Cottraux» شبكة  التحليل الوظيفي  (SECCA)التي تجمع العناصر التالية: منبه، مشاعر، معارف (الأفكار العقلية، نظام الاعتقادات)، سلوك، و التوقعات.

هذه الشبكة التي هدفها تطبيقي تحتوي على جزء آني (حالي) الذي يسمح بتحليل جانب سلوكي (منبه، عاطفة، أفكار، سلوك، و توقعات و علاقتهم بالمحيط الاجتماعي). كما تحتوي على جزء تاريخي الذي يسمح بتنظيم التاريخ الماضي للعميل. (Jean. Cottraux,1995 P.74)

منهجية البحث:

5ـ 1ـ مكان البحث:

      لقد تم اختيار الحالة في إطار الكفالة النفسية العلاجية، في المركز الطبي الاجتماعي بالجزائر العاصمة.

5ـ 2ـ أدوات البحث:

ا ـ المقابلة العيادية:

لقد تم استخدام المقابلة النصف الموجهة قصد جمع المعلومات. و كمعالجة سلوكية معرفية بدأت بالبحث عن سبب الاستشارة النفسية، التركيز على المشكل (متي و كيف و لماذا؟).  

 و بعد إنشاء العقد العلاجي تم اختيار الاستراتيجيات العلاجية الملائمة ( العلاج المعرفي).

ب ـ مقياس الاكتئاب (لهاميلتون)« Hamilton »:

      مقياس الاكتئاب (لهاميلتون) « Hamilton »تم بنائه من طرف (هاميلتون، 1967)، و هو يحتوي على (17 بند) يشمل على العديد من الجوانب ( الانفعالية، السلوكية  و المعرفية). و قد تم اختيار هذا المقياس لأنه مؤشر جيد لتحديد الشدة العامة للاكتئاب، كما يمكننا تقييم تغيرات شدة الاكتئاب.

تقديم الحالة:

    يتعلق الأمر بالسيد م.م الذي فحص للمرة الأولي في مكتب الكفالة النفسية في جويلية 2003 حيث كان يبلغ من العمر 24 سنة، أعزب، الثاني من بين تسعة اخوي و أخوات، ذو مستوى ثانوي. أما مستواه الاجتماعي ـ الاقتصادي جد متواضع، و هو موظف في سلك الأمن الوطني كعون نظام عمومي.

    م.م تم فحصه من طرف طبيب عقلي الذي أعطاه أدوية و المتمثلة في المهدئات، مع عطلة مرضية لكن بعد عدة أشهر توقف عن أخذها لأنه لم يتحمل الآثار السلبية للأدوية، كما أن العطلة المرضية أزمت حالته النفسية أكثر (مشاكل في المنزل و حاجته إلى المال لا تسمح له بتمديد العطلة المرضية).

     خلال الحصة الأولي، كان اتصال م.م سهل، كان يعبر و يلح على حاجته للمساعدة لأن حسب قوله تلقي صدمة من الأطباء خصوصا الطبيب الذي صرح له بأن حالته الصحية جد معقدة و هي في تدهور مستمر لأنه يعاني من ألام حادة في الظهر و الأعضاء السفلي.

و منذ تلك الفترة حالته النفسية غير مستقرة، حتى وصل به الأمر إلى محاولة الانتحار و هذا منذ ثلاثة أشهر ( المرة الأولى في أبريل و الثانية في شهر ماي لسنة 2003، عندما كان في منزله حاول أن يلقي بنفسه من قمة الجبل).

أصبح يخاف من حمل سلاحه معه " أخاف أن أستعمل سلاحي لأنتحر به ".

منذ أن تدهورت صحته الجسدية أصبح يعاني من الاضطرابات التالية: 

1 ـ حالة الانطواء: لا يتحمل البقاء مع الجماعة سواء في العمل أو المنزل "أنزعج كثيرا من كلام الناس" "أريد دائما أن أبقي وحدي".

2      ـ التقدير الذاتي جد منخفض: مثل " أنا لا شيء، أنا ضعيف، أنا فاشل في عملي و في حياتي الشخصية".

3      ـ المزاج دائما حزين: " أبكي دائما و أتأثر لأبسط شيء " نلاحظ عينه مملوءة بالدموع.

4      ـ الإفراط في الحساسية: " بمجرد أن أسمع شيء غير لائق مشاعري تتأثر جدا، أبسط شيء يقلقني".

5      ـ الشعور بالذنب لعدم قدرته لتلبية مطالب عائلته التي هي بحاجة ماسة إليه " عائلتي تعاني لأني أنا هو السبب لعدم قدرتي و عجزي عن تلبية مطالبها".

6      ـ  اضطرابات في الأكل، حيث هناك انخفاض ملحوظ في وزنه.

7      ـ اضطراب في النوم

8      ـ الأحلام: أحلام على شكل كوابيس " أحيانا أتذر و أحيانا لا، المهم أني أستيقظ مفزوع و جسمي متصبب بالعرق".

9      ـ أفكار انتحارية: " لماذا أعيش، الحياة ليس لها أي طعم، أفكر في الموت دائما".

10  ـ نظرة للمستقبل غامضة: " أرى المستقبل غامض و أسود "

الـتحليل الوظـيفي:

قمنا بالتحليل الوظيفي حسب شبكة (SECCA) بحيث تم التحليل الماضيو الحالي للسلوك المشكل للعميل.

التحليل الماضي:

العميل لديه سوابق مرضية عائلية أي أخ أصغر منه يعاني من اكتئاب  و هو حاليا تحت علاج طبي. بالإضافة إلى والده و عمه لديهم سوابق مرضية (اكتئاب نفسي).

لقد تعرض العميل منذ سنوات إلى صدمة نفسية " هجوم جماعة إرهابية مسلحة على منزله الذي يتواجد في منطقة معزولة و جبلية، مع العلم أنه كان وحده في المنزل و لم يعرف كيف يتصرف".

التحليل الحالي:

     بدأت وضعيته النفسية تتأزم بعد أن لقي خبر خطورة مرضه العضوي من طرف طبيبه المعالج.

ـ رفض طلب تحويله بقرب مقر سكناه كان صدمة كبيرة بالنسبة له لأن كل أماله كانت متعلقة بهذا الطلب لهدف مساعدة عائلته ماديا.

ـ مشاكل عائلية: قام الأب بإجراء عملية جراحية مما أثر سلبا على العميل.

ـ و أخيرا لابد من ذكر بعض السمات الخاصة بالعميل بحيث كل العائلة تنتظر منه المساعدة نظرا لأنه الأخ الأكبر و الموظف الوحيد في العائلة، كما أنه لا يعرف وضع حدود لمطالب محيطه.

      أمام كل هذه الظروف أصبح يشعر بتأنيب الضمير و يفكر في نفسه أنه عاجز (تقدير ذاتي منخفض).

الفرضيات:

من خلال التحليل الوظيفي و استبيان الاكتئاب (لهاميلتون) « Hamilton »حيث المجموع الكلي كان يساوي 20 إذن اكتئاب متوسط، لاحظنا أن العميل يعاني من اضطرابات جسمية مثل فقدان الشهية،آلام غير محتملة في الظهر و الأعضاء السفلي، صداع، فقدان النشاط و الإعياء، اضطرابات في الجهاز الهضمي، اضطرابات فزيولوجية مع تصبب العرق. بالإضافة إلى تشوهات معرفية مثل:

1 ـ التداخل العشوائي: مثل "عائلتي سوف تقلل من قيمتي لأني عاجز عن تلبية مطالبهم" هنا استنتج العميل خلاصة سلبية بدون دليل.

2 ـ الـمبالغة في التعميم: مثل "أنا مريض إذن لا يمكن أن أتزوج و أن أساعد عائلتي لأني عاجز (لابد للإشارة أن لديه خطيبة و يريد توقيف العلاقة).

3 ـ بخس الإيجابيات و الانتقاء السلبي: مثل "رغم أن عائلتي تنتظر مني الكثير إلا أنني أصبحت عاجزا، إنسان مريض و فاشل في علاقاتي الشخصية (خطيبته) و العائلية و المهنية    ( أصبح في عزلة تامة).

4 ـ العزو الشخصي: كل المشاكل التي يمكن أن تحدث عائلية أم مهنية يفكر أنه هو السبب (تأنيب الضمير و الشعور بالذنب).

5 ـ التفكير الاكتئابي: مثل "أنا فاشل، أنا عاجز لا أستطيع تلبية ما ينتظره مني الآخرون، ليس لدي أي قيمة إذن ينبغي أن أموت ( أفكار انتحارية مع محاولتين للانتحار).

و بالتالي اخترنا الإستراتيجيات العلاجية التالية:

آ ـ الاسترخاء

ب ـ معالجة الأفكار الآلية

ج ـ الحوار الداخلي

د ـ التدعيم الاجتماعي الإيجابي.

الاسـتراتيـجـيات العلاجية:

ـ سيرورة الحصص العلاجية:

      الحصص العلاجية هي حصص أسبوعية، بحيث قمنا بتسطير الوقتو برنامج العمل مع العميل، في كل مرة كنا نقوم بتلخيص النقاط المهمة التي تدور خلال المقابلة "إذا فهمت جيدا...  لقد رأينا بأنا..."

ـ في نهاية كل حصة نلاحظ مدى تأثيرها على العميل، نطلب من هذا الأخير أن يلخص لنا ماذا فهم من الحصة، بعد مناقشته نتفق على النقاط التي لم يتم التطرق سوف نتطرق أليها لاحقا ثم نطلب منه الأشياء التي أزعجته في الحصة و هذا من أجل تحديد في كل مرة الأفكار السلبية و تصحيحها.

ـ نتفق مع العميل بعد موافقته على النشاطات التي يستطيع أن يقوم بها و هذا من أجل تطوير تجارب الرغبة و التحكم و اختبار الأفكار الاكتئابية  و بالطبع مع مواجهتها في الواقع.

و بالتالي كانت سيرورة الحصص العلاجية كالتالي:

من الحصة الأولى إلى الحصة الرابعة:

بعد تحديدنا لدرجة الاكتئاب و شدة الأفكار السلبية بحيث كانت تقدر بـ (20 درجة) أي اكتئاب متوسط مع الإشارة إلى وجود أفكار انتحارية: "أنا مريض (موقف)  يتبعه الشعور بالقلق  و الحزن و الاكتئاب مما يؤدي إلى أفكار سلبية (آلية) و المتمثلة فيما يلي: عائلتي لا تقدرني  و لا تعطيني أي قيمة لأني عاجز، أنا مريض أشعر بالذنب، ماذا تفكر بي عائلتي عندما تعلم أنني لا أستطيع مساعدتها، لا فائدة من وجودي أفكر في الانتحار".

بما أن العميل لديه أفكار سلبية التي كان لها تأثير كبير على الجانب الانفعالي ـ السلوكي (كلما يتكلم العميل على مرضه الذي يساوي العجز بالنسبة له يشعر بالحزن            و الاكتئاب و تنتابه نوبات من الدموع مع اضطرابات فزيولوجية مثل خفقان القلب مع الصعوبات في التنفس. أنهينا الحصة الثالثة بتدريب العميل على الاسترخاء في المواقف المستعجلة (تخفيض درجة التهوية).

بدأنا الحصة الرابعة بتدريب العميل على الاسترخاء.

  من الحصة الخامسة إلى الحصة الثامنة:

      في الحصة الخامسة نبدأ بتدريب العميل على الاسترخاء في المواقف المستعجلة (تخفيض درجة التهوية)، التي تتمثل في تبطئة الإيقاع التنفسي(Ralentir le rythme respiratoire) هذا ما يؤدي إلى الانخفاض الانفعالي العام سواء كان جسدي أو تنفسي: لا نفكر بنفس الطريقة في حالة سرعة أو انخفاض النبضات القلبية.

1ـ وضعية الاسترخاء تكون في حالة الجلوس.

2ـ تخفيض درجة التهوية.

3ـ التركيز على التنفس و هذا بادراك جيد كل شهيق و زفير (البحث عن التنفس المريح أكثر).

ـ محاولة مساعدة العميل على عدم التركيز حول أفكاره الاكتئابية، و عدم انساب بصفة منتظمة مسؤولية كل ما يحدث من مشاكل حوله إلى نفسه.

ـ تسجيل الأفكار الآلية أثناء الحصة و تحديد شدتها مع تسجيل أي اقتراح لأفكار أكثر عقلنة.

مثال:

  في كل مرة كنا نستعمل هذه الجداول لتغيير الأفكار الآلية، بحيث في كل حصة تنخفض درجة اعتقاداته للأفكار الآلية حتى وصلت إلى 0 و بالتالي غياب الأفكار الانتحارية.

    كما استعملنا الحوار الداخلي الذي يتمثل في محاورة الأفكار الاكتئابية التي أصبحت أفكار آلية و استبدالها بأفكار أكثر عقلنة (نشاط). ركزنا كذلك من خلال إدراكه الإيجابي للجانب المهني، الجانب الوحيد الذي لم يقاس، بحيث كانت له كفاءات مهنية عالية، و من خلال هذا الجانب كنا في كل مرة نساعده لإدراك الجوانب الإيجابية لذاته من خلال عمله. 

   و لتدعيم العميل إيجابيا كنا دائما نشجعه، كما كنا نعطيه نشاطات منزلية محبوبة لديه مثل قراءة الجرائد، مصاحبة صديقه الحميم، و القيام بالحوار الداخلي عند الانفعال أو الضغط الانفعالي بالإضافة إلى الاسترخاء الذي أصبح بالنسبة إليه نشاط محبوب و ممتع بعد أن تعود على القيام به وحده. و مع هذا نشير إلى أن علاقته محدودة و مشاعره تتأثر لأبسط شيء.       

من الحصة التاسعة إلى الحصة الثانية عشر:

     بما أن لاحظنا أن التقدير الذاتي للعميل منخفض قمنا باستعمال تقنية التدعيم الاجتماعي الإيجابي. ندعم العميل إيجابيا عندما يسلك سلوكات إيجابية سواء كانت لفظية أو أخرى.

كان العميل كلما يحاول الذهاب إلى أفراد عائلته ثم يفشل، نشجعه عن المواصلة و أن التعود على الاندماج مع الآخرين يأتي بالتدريج. 

  و بما أن هناك أخت مفضلة عند العميل لأنها تسانده و تشجعه دائما عندما يكون في حالة سيئة، قمنا بتدعيم العميل على المواصلة و الدوام في زيارته لأخته، و عندما تعود على الزيارات عند أخته بدأ بالتدريج تعميم هذه الزيارات عند أفراد عائلته و بالتالي بدأ يخرج تدريجيا من عزلته.

    لاحظنا انخفاض شدة الاضطراب الانفعالي و الأفكار الآلية، كان المجموع الكلي عند قياس الاكتئاب تقدر بـ 2 (سلم الاكتئاب لهاميلتون)، إذن لا يوجد اكتئاب. 

استرجع علاقته مع الخطيبة و هو يخطط للزواج و هذا بعد أن يتم تحويله في العمل بالقرب من مقر سكناه.

رغم المشاكل المالية وجد حلا، في كل مرة يقترض مبلغا ماليا من أصدقائه    و زملائه لمساعدة عائلته.

     تقديره الذاتي أصبح مرتفع، و كانت درجة الأمان تقدر بـ 1 أي آمن جدا و هذا من خلال (مقياس الصحة النفسية لمسلو).

من الحصة الثالثة عشر إلى الحصة السادسة عشر:

     عبر عن خيبة أمله الكبيرة لأنه اكتشف خدعة خطيبته مع رجل آخر.كان يتكلم بكل ثقة بأنها لا تستحق حبه و بأنه قام بإعطائها درس في الأخلاق، و رغم أنها طلبت منه السماح إلا أنه رفض بإصرار "أفضل أن أنهي العلاقة الآن و أتعذب لبعض الوقت لأني أحببتها بصدق من أن أسامحها و هي لا تستحق ذلك".

رغم الموقف المؤلم إلا أنه استطاع تجاوزه، و كان يعبر في كل مرة بأنها لا تستحق حبه،و بأنه يوجد بنات كثيرات ذو أصل التي تستحقه و يستحقها.

     لقد عبر العميل عن التأثير الإيجابي لحصص الاسترخاء التي أصبحت أكثر فأكثر نشاط يومي ممتع، بحيث بفضله استطاع التحكم في ضغوطاته الانفعالية  و الجسدية و التي بدأت تختفي شيئا فشيئا خصوصا عند مواجهته للمواقف الصعبة  و المؤلمة. 

إذن بفضل تعلمه لتقنية الاسترخاء و الحوار الداخلي أصبح يفهم جيدا أحواله النفسية  و يستعمل هاتين التقنيتين كأداة لامتصاص قلقه اليومي.

بعد الاستقرار المعرفي ـ السلوكي الملاحظ خلال الحصص العلاجية، أصبحت الحصص نصف شهرية، ثم شهرية، ثم كل شهرين، ثم كل ثلاثة أشهر، ثم كل ستة أشهر. و بعد ذلك تم تحويله في عمله بالقرب من مقر سكناه. و هو حاليا يعيش مع عائلته، و قرر أن يتزوج.

استـنتاج:

إن التقنيات العلاجية المعرفية ـ السلوكية كان لها تأثير إيجابي على العميل و نسجل:

أولا: تقنية الاسترخاء كانت وسيلة للدخول التدريجي في العلاج. كما كانت بالنسبة للعميل وسيلة للسيطرة على استجاباته الانفعالية ـ الجسدية و غياب بصفة تدريجية جميع الاضطرابات الفزيولوجية.

ثانيا: لقد كانت لتقنية التدعيم الإيجابي نتيجة إيجابية على العميل و هذا من خلال ارتفاع تقديره الذاتي و ارتفاع نشاطاته اليومية ( المدعمة)، مثلا أصبح يزور الأقارب، يندمج مع زملائه، يقوم بعدة نشاطات في المنزل، كما أصبحت لديه ثقة كبيرة في نفسه و يتخذ القرارات بسهولة. 

و هذا ما يؤكده  (آرنولد.لازاروس) (Arnold. Lazarus .A, 2002) يكون التعزيز الإيجابي مسألة اجتماعية و يطرح بشكل إطراء، و مديح، أو تقدير، أو تشجيع. (آرنولد.لازاروس، 2002، ص. 270)

ثالثا: معالجة الأفكار الآلية للعميل و التي تتمثل في مساعدته على نزع التركيز على الأفكار الاكتئابية و معالجة الأفكار السلبية ( تسجيلها، تسجيل شدتها و مساعدة العميل على استبدالها بأفكار أكثر منطقية).

مساعدة العميل على عدم انتساب إلى نفسه بصفة منتظمة مسؤولية حدوث أي شيء غير لائق. حيث يرى (محمد حمدي حجّار، 2004) أنه من الضروري جدا شرح للعميل آلية الأفكار الخاطئة و كيف تنشطها الحوادث الخارجية. (محمد حمدي حجّار، 2004، ص. 54)

رابعا: بما أنه كانت للعميل أفكار اكتئابية و انتحارية، و بما أن النشاط الخارجي المتمثل في تسجيل الأفكار الآلية في حالة الضغوطات الانفعالية السلوكية كان مزعج بالنسبة للعميل، طلبنا منه أن يستعمل الحوار الداخلي مع استبدال الأفكار السلبية بأفكار أخرى أكثر عقلنة. و كانت هذه الطريقة أي التقنية جد مقبولة بحيث تعود عليها و أصبح يستعملها في كل مرة عندما تنتابه أفكار سلبية.

المراجع بالعربية:

1 ـ آرون بيك (2000):العلاج المعرفي و الاضطرابات الانفعالية، دار النهضة العربية للنشر، بيروت، لبنان.

2ـ محمد حمدي حجّار (2004): فن الإرشاد النفسي السريري (الكلينيكي) الحديث المختصر، مؤسسة الرسالة للطباعة و النشر، بيروت، لبنان.

3ـ  آرنولد لازروس (2002): العلاج النفسي الشامل الحديث، مؤسسة الرسالة للطباعةو النشر، بيروت، لبنان.

4ـ  سامي محمد ملحم (2001): الإرشاد و العلاج النفسي، الأسس النظرية و التطبيقية، دار المسيرة للنشر و التوزيع، عمان الأردن.

المراجع باللغة الأجنبية:

1- COTTRAUX. J (1995) : Les thérapies comportementales et cognitives, 2ème édition, Masson.

2       - COTTRAUX. J (2001) : Les thérapies cognitives (comment agir sur nos pensées), RETZ/VUEF.

3       - CUNGI. C (2001) : Savoir s’affirmer, 2ème édition, RETZ.