pdf ظاهرة الانتحار بين التفسير الاجتماعي و التشخيص النفسي 

 

طاوس وازي

جامعة قاصدي مرباح_ ورقلة(الجزائر)

نعيش اليوم تغيرات مفاجئة و سريعة,  في شتى ميادين الحياة مما يجعل الفرد عاجزا عن التكيف معها, وبالتالي يكون عرضة,  للآفات النفسية و الاجتماعية الخطيرة منها" الانتحار ".

إن الانتحار سلوك ذاتي بتدمير الذات و إزهاق الروح, أحيانا يعود إلى ثقل وقع العوامل الاجتماعية و قسوتها, وأحيانا أخرى يعود إلى هشاشة التكوين النفسي و عجز الذات عن تحمل تلك المتغيرات الخارجية أو التفاعل معها. 

ونظرا لتعقد الظاهرة و خطورتها , حاول مؤسس علم الاجتماع,  صاحب النظرية الاجتماعية الفرنسية-إميل دور كايم – أن يفسر الظاهرة حيث  نجح في تحليل المجتمع و عرف كيف يتغلغل في أعماقه و يجول في امتداداته  مستشهدا في ذلك بالعوامل الاجتماعية التي يمكن أن تدفع بالفرد إلى إنهاء حياته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.كما حاول من جهته مؤسس مدرسة التحليل النفسي- سيغموند فرويد- أن يفسر السلوك الانتحاري استنادا إلى طيات الحياة النفسية  إذ يعتبر الانتحار نتيجة لدوافع داخلية- ذاتية فشلت في التعبير عن نفسها فوجهت نحو الذات  فدمرتها وقضت عليها.

 La vie trépidante d’aujourd’hui compromet souvent avec brutalité  notre existence et ses coups finissent par mener au stress, l’instabilité  et au suicide.

Ce phénomène (le suicide)  a pris depuis ces cents dernières années de larges dimensions et qui résulte d’une interaction complexe de facteurs psychologiques, sociologiques  et biologiques…..

Cet article propose de plaider sur les facteurs sociologiques selon Emil Durkheim  et psychologiques représenté par le pionnier de l’ecole psychanalyste  Sigmund Freud, ces facteurs   qui poussent  l’individu à mettre fin a sa vie

تمهيد:

 إن الوقوف على البواعث الكامنة وراء ظاهرة معينة، و التغلغل في حقيقتها، يقودنا إلى تشخيص المعضلة ورفع الستار عن خطورتها، كما تكمن أهمية التفسير من حيث النتيجة، إذ يهدف إلى البحث عن أنجع الاستراتيجيات للتصدي للمشكلة لا سيما وأن الانتحار هو شكل من أشكال الإجرام الذي يزعزع البناء الاجتماعي و يهدد الوجود الإنساني.

   لذلك اتجه العقل البشري للبحث فيما وراء ظاهرة الانتحار، إلا أن جل التفسيرات في البداية كانت خرافية، بعيدة كل البعد عن النظريات العلمية، بل كانت تفاسير خيالية يعتريها الغموض والسطحية، مصحوبة بقصص الجن والعفاريت، مدعمة بدلائل مشبعة بقوة الشعائر والطقوس الدينية (Bernard Haring, 1962).

وظلت هذه النزعة الدينية والخرافية –التي تنص على أن السلوك الانتحاري هو سلوك منحرف وشاذ، يتنافى مع الشعائر والطقوس الدينية- سائدة إلى أن حلت مجموعة من النظريات العلمية وكان من الطبيعي أن نجد العديد من المداخل النظرية التي اهتمت بتفسير ظاهرة الانتحار وكل مدخل حاول أن يفسر جزئيا السلوك الانتحاري ، وأغلبها ركز على جانب واحد أو عامل واحد فقط ونحن ندرك جليا أن السلوك الانتحاري جزء من السلوك الإنساني المعقد. وبالتالي فإن التوصل إلى صياغة نظرية عامة وشاملة لتفسير الانتحار كسلوك إنساني ومشكلة خطيرة مازال بعيدا لم يحققه بعد الباحثون المختصون، نظرا لتعقد النفس البشرية من ناحية وتعدد المتغيرات التي تؤثر فيها من ناحية أخرى (عبد الله بن سعد الرشود، 2006).

ثمة هنالك اعتبارات عدة يجب الإشارة إليها والتنبه لها عند محاولة تفسير الانتحار ومنها:

-      أن وجود علاقة بين بعض العوامل لا يعني بالضرورة أن تكون هذه العلاقة سببية أي علاقة علة بمعلول.

-      لا توجد في وقتنا الراهن نظرية عامة، شاملة وكافية لتفسير ظاهرة الانتحار والإلمام بكل العوامل المرتبطة بها.

-      من الضروري التمييز بين الأسباب الأولية والأسباب الثانوية ولا يجب الخلط بينها.

-      إن قضية السببية في الجريمة بوجه عام والانتحار بوجه خاص قضية معقدة وليست بسيطة، وهناك عبر التاريخ تفسيرات مختلفة للانتحار فيها التأويلات الفلسفية، السيكولوجية، الاجتماعية، العضوية وغير ذلك (مرجع سبق ذكره).

وفي ما يلي سنعرض بعض الاتجاهات العلمية والتفاسير النظرية التي حاولت تفسير ظاهرة الانتحار:

1  _التفسير الاجتماعي: إن الانتحار جريمة، والجريمة هي شكل من أشكال الخروج عن قواعد السلوك التي يضعها المجتمع لتنظيم حياة أفراده، فالمجتمع الذي هو يحدد ماهية السلوك العادي والسلوك المنحرف أو الإجرامي، وفقا لقيمه ومعاييره التي ارتضاها لضبط سلوك أفراده وحمايتها (سامية حسن الساعاتي، 1983)، إذ أن من الحقائق الاجتماعية أن لكل مجتمع أنظمته الاجتماعية وأعرافه وآدابه السلوكية وطرقه الشعبية التي تضبط سلوك أفراده (عبد الله بن سعد الرشود، 2006)، ومن هذا المنطلق انطلق مؤسس علم الاجتماع وواضع أصوله العلمية، صاحب المدرسة الاجتماعية الفرنسية أميل دوركايم (1858-1917) في تفسير ظاهرة الانتحار، حيث وضع عام 1897 كتابه: "الانتحار" وكان أول من تعرض لتحديد مفهوم الانتحار وأعراض السلوك الانتحاري (J. Beachler, 1975) واعتبر الانتحار ظاهرة اجتماعية بل دلالة عن طبيعة الأخلاق السائدة في مجتمع معين، وبذلك عارض ورفض بشدة التفسيرات السائدة في القرن التاسع عشر والمتمثلة في دور الوراثة، الجنون، المناخ وتقليد الآخر في انتحاره. وأكد دور كايم من خلال الإحصاءات عن التبدلات التي تطرأ على نسبة الانتحار في الزمان والمكان، محاولا كشف العوامل المفسرة لتلك الظاهرة من المنظور الاجتماعي إذ توصل إلى أن الانتحار يشير إلى سلطة المجتمع على الفرد، فالانتحار يتغير ويتأثر بطريقة معاكسة لتكامل المجموعات الاجتماعية في ما بينها بناءا على أن الفرد جزء لا يتجزأ من تكوين هذه المجموعات الاجتماعية، فعندما تكون الجماعة متماسكة يتماسك فيها الأفراد وتتبلور قيم وقواعد السلوك لتنظيم العلاقات بين الأفراد، بمعنى آخر فالجماعة تعمل على مساعدة الأفراد في إيجاد السبل الناجعة لتحقيق ما يصبون إليه وبالتالي تقل نسب الانتحار في مثل هذه المجتمعات (أحمد عياش،2003) وقد اعتبر دور كايم أن معدل حوادث الانتحار يعكس سيطرة المجتمع على الفرد، ولهذه السيطرة وظيفة معقدة يدعوها بوظيفة الاندماج الاجتماعي (محمد عاطف غيث، 1989)، كما يقر دوركايم أن الانتحار ظاهرة اجتماعية تتباين تبعا لمجموعة من المتغيرات وهي:

-      طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه (البعد المكاني).

-      طبيعة المنطقة التي يحدث فيها (في عمق المجتمع).

-      مراحل المجتمع الواحد (البعد الزماني).

-      الجماعات المختلفة (متزوج، أعزب...الخ).

-      وفق للإطار الديني (عبد الله بن سعد الرشود، 2006).

وقد قدم دوركايم وصفا دقيقا لثلاثة أشكال لطاهرة الانتحار وهي:

 _الانتحار الأناني Le Suicide Egoïste.

 _الانتحار الإيثاري Le Suicide Altruisme.

 _الانتحار الفوضوي Le Suicide Anionique.

ورغم قدم هذه التصنيفات إلا أن دور كايم قدم تحليلا وافيا كان ولازال قاعدة أساسية ومرجعا تاريخيا وعلميا، في تفسير وتناول ظاهرة الانتحار.

وسنحاول الآن شرح هذه الأشكال الثلاثة حسب تصنيف دور كايم:

 _ 1_1الانتحار الأناني Le Suicide Egoïste :

ينطوي هذا النوع من الانتحار عن مبالغة الفرد لنفسه فتغيب لديه صورة الآخر (المجتمع) (عبد الله بن سعد الرشود، 2006)، مما يؤدي إلى انعزال الفرد عن مجتمعه وتمركزه حول نفسه، مع غياب القدرة على إيجاد مبررات مقنعة وأسباب قوية لوجوده واستمراره في الوجود (أحمد عياش، 2003).

إن انتشار ظاهرة الانتحار في المجتمعات الصناعية يعكس هشاشة النسيج الاجتماعي وضعف علاقات الأفراد بعضهم البعض وغياب الشعور بالانتماء إلى المجتمع (Emile durkheim, 1897,)، فيعيش معزولا عن الإطار الاجتماعي للمجتمع، إذ يفعل ما يشاء ويسعى فقط لتلبية وإشباع حاجياته الخاصة وتحقيق مصالحه الذاتية، وفي ظل هذه الوضعية، فعندما يصاب الفرد بصدمة عاطفية، مالية أو اجتماعية فإنه مباشرة يفكر في الانسحاب من الوجود لأنه لا يشعر بالارتباط مع أية فئة اجتماعية بما أن علاقته بالمجتمع كانت مبنية على المصلحة الخاصة والنزعة الفردية والأنانية المطلقة (معن خليل العمر،2005).

إن التأكيد المتزايد على عامل الفردية، هو من سمات التطور الاجتماعي وازدهار الحضارة، يجعل الفرد يميل إلى أن يصير في مكانة مرموقة  و عالية ، وعندما تحتد الفردية عند الفرد ويحس أنه في عزلة عن الكيان الاجتماعي، فإنه يعجز حينئذ أن يدرك أو يحس بقوة أية سلطة أخرى خارج نطاقه الفردي، فيصير فريسة لعزلة حتمية تؤثر في حياته وتطبعها، مما يجعلها غير محتملة، فتكون حياته متوترة كما يشعر بالقلق والخوف من المستقبل ولا يجد أمامه الدعم الاجتماعي ومن ثمة فالنهاية حتما ستكون التفكير في وضع حد لأيامه (يوسف ميخائيل أسعد، 1988).

ويدعم دور كايم هذا التحليل بإحصاءات مبنية على البعد السياسي، الديني والأسري، إذ يؤكد أن معدل الانتحار له علاقة ذات دلالة قوية بمكانة الأسرة، فالأشخاص المتزوجين تقل لديهم ظاهرة الانتحار مقارنة بالأشخاص العزاب، كما أن الإباء والأمهات أقل ميلا إلى الانتحار مقارنة بأولئك الذين لا أولاد لهم من المتزوجين ومن جهة أخرى فقد ذهب دوركايم إلى التأكيد على أن الآباء والأمهات الذين لديهم أسر كثيرة تقل لديهم نسبة الانتحار بشدة، وقد فسر تلك الإحصائيات في ضوء فاعلية القوة الحافظة للارتباطات الجمعية القوية.

أما في المجال الديني فقد أكد دوركايم على أن: "المفكرين غير الملتزمين" تشيع لديهم أعلى نسبة للانتحار، إذ أن معدل الانتحار يقل عند الشيعة الدينية التي تشتد فيها السلطة الدينية على أتباعها من الشيعة التي تتسم بالحرية، أو بتخفيف الإتباع من الخضوع للسلطة الدينية، وفي هذه النقطة يلجأ دور كايم إلى تناول ما يسمى ب: "ضغط الحرية" فيقول أن البرتستاني الذي يعتقد أنه أكثر حرية من الكاثوليكي إنما يقع تحت ضغط الحرية، فهو عاجز عن الاختيار بين أن يكون متحررا أو العكس (غير متحرر)، بل يجب عليه أن يمارس حريته، فالفردية إذن من منظور دوركايم هي إنتاج "الشعور الجمعي" وليست نتاجا لضعف "النزعة الجمعية" كما سبق وأشار إلى ذلك في كتابه "تقسيم العمل" ويعتقد "بارسونز Parsonez" أن اتجاه دوركايم نحو فكرة "ضغط الحرية" يعد تقدما على نفسه، فيما  يذهب إليه في كتاب "توزيع العمل" وبعد نشر كتاب "الانتحار" فإنه أهمل فكرة

ضغط الحرية" التي كانت المفهوم المحوري لجميع أبحاثه (مرجع سبق ذكره).

  _2_1   الانتحار الإيثاري Le Suicide Altruisme:

ويعرف أيضا بالانتحار الغيري، هذا النوع من الانتحار الذي يتنافى ويتناقض تماما مع النوع الأول (الانتحار الأناني) من حيث الأسباب والطبيعة، حيث ينبثق من تكامل اجتماعي قوي وروابط اجتماعية صلبة صلابة الاسمنت إلى درجة ذوبان النزعة الفردية في التكامل والتضامن الاجتماعي (M.Quidu, 1970).

إن فكرة الغيرية يعكس بشدة عامل التكامل الآلي الشديد، أين تكون الارتباطات الجمعية والضغوط الاجتماعية قوية جدا، فنظرا للقيمة القليلة التي يمتاز بها الفرد في مثل هذه المجتمعات اتجاه نفسه واتجاه الآخرين، فإنه لا يجد مقاومة من جانبه تحول بينه وبين فكرة الانتحار (يوسف ميخائيل أسعد، 1988).

ومن هنا فإن الانتحار الإيثاري هو شكل من أشكال التكامل الاجتماعي القوي الذي يمتص النزعة الفردية،  يدعو إليه الفكر الاجتماعي وتشجعه الجماعة حيث يرى الفرد أن بقاء الجماعة أولى من بقائه وحتى وجوده.

وينتشر هذا النوع من الانتحار في المجتمعات لا تعترف بوجود الفرد ومكانته، وتراجع القيم والمعايير الفردية، وبالتالي يكون الانتحار نتيجة أسباب خاصة بالمعطيات الثقافية والاجتماعية.

 _3_1الانتحار الفوضوي     Le Suicide Anomique

ويسمى أيضا هذا النوع من الانتحار "الانتحار اللاقياسي أو اللامعياري" الذي ينتج من الخلل الذي يعم النظم الاجتماعية السائدة نتيجة التغيرات الاجتماعية المفاجئة والسريعة التي تهتز لها الأعراف والقيم والمعايير الاجتماعية السائدة (Emile Durkuim, 1897).

وهويعكس التفكك الاجتماعي الذي يحدث على مستوى الروابط الاجتماعية، إذ يفكر الفرد في الانتحار عندما تتزعزع أو تتحطم علاقاته بالمجتمع كفقدان حبيب، زوج أو وظيفة...الخ.

فعندما يضعف تأثير القيم والمعايير والنظم الاجتماعية على الفرد، فلا يدرك الخطأ من الصواب، ولا الخير من الشر، ولا الممنوع من المسموح، يصبح الفرد تحت هيمنة وسيطرة قوة الجماعة، ويفقد الضوابط والتحكم في سلوكه، مما يجعله لا يشعر بالأمان والاطمئنان والاستقرار.

إن هذا النوع من الانتحار ينتشر في المجتمعات التي يحدث فيها التقلب السريع والمفاجئ، فعندما يسود الرخاء أو الفقر المدقع مثلا، فإن معدل الانتحار يرتفع وفي كلتا الحالتين فإن العلاقة بين الوسائل والغايات تضطرب، ففي حالة الفقر المفاجئ فإن الوسائل التي يتذرع بها الناس لبلوغ الغايات ألغوها، تصير بدون مفعول، أما في حالة الرخاء المفاجئ  فإن الأهداف تتحقق دون أن يلجأ الناس إلى الوسائل المألوفة، ففي الحالة الأولى (أي الفقر الشديد) يحدث هناك إحباطا شديدا ، بينما في الحالة الثانية (الرخاء الشديد)، فقد يكون هناك رغبة جانحة تنتهي بالضرورة إلى الإحساس بالإحباط واللاقياسية في نظر دوركايم هي تحطيم «الشعور الجمعي» بمعنى ذلك النظام المتعلق بالمعايير والقواعد الاجتماعية التي تعكس مجموعة من المعتقدات و القيم، أنها حرية من الضوابط والقيود الاجتماعية ومن أجل التصدي لما سماه دوركايم باللاقياسية، فإنه يقترح ضرورة وجود سلطة أخلاقية جديدة تساير التغيرات المختلفة التي تحدث في المجتمع ولكنه (دوركايم) يعترف أن ذلك ليس بالأمر الهين، بل هو غاية صعبة إن لم نقل مستحيلة المنال (يوسف ميخائيل أسعد، 1988).

يرى دوركايم أن التيار الغيري في الانتحار لم يتزايد، بل أنه في الواقع قد ضعف وتراجع، أما التياران الآخران وهما الأناني والفوضوي فإنهما قد حظيا بزيادة وانتشار كبيرين، وقد اشتد خطرها أكثر. وفي كلتا الحالتين فإن السبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف التكافل الاجتماعي الذي يعزى إلى الانتشار السريع لنظام اقتصادي ثوري  ومتنوع، ويرى دوركايم أن المؤسسات القديمة التي كانت تضمن التكافل الاجتماعي لم تعد كافية لمواجهة حاجات الأفراد، تلك المؤسسات المتمثلة في الأسرة، المدرسة والدولة، وحسب دوركايم فإن الدولة الحديثة قد بعدت إلى حد كبير عن آفاق الفرد وطموحاته التي صارت معقدة كثيرا بحيث عجزت عن الاستجابة للمطالب الفردية اليومية واستيعاب آمال ورغبات الأفراد، كما أن الأسرة الحديثة أيضا قد فقدت سيطرتها على أبنائها بمقتضى طبيعة الحياة السائدة، فطفل اليوم لم يعد يدور فقط في فلك أسرته، بل أصبح معرضا لأنواع متباينة من التأثير، وهي غالبا أنواع متعارضة (مرجع سبق ذكره).

اعتبر دوركايم أن الانتحار ظاهرة اجتماعية محضة، يشير إلى طبيعة الأخلاق السائدة التي ينفرد بها كل مجتمع عن الآخر، إن قدس دوركايم مكانة المجتمع وأهمل دور الفرد ووزنه في استمرارية المجتمع إلى درجة أنه قال: "أن الفرد يعيش في المجتمع وبالمجتمع ومن أجل المجتمع"  Dietrich Bonhoeffer,1965)  ).

كما أشار أيضا إلى أن الانتحار يفضح سلطة المجتمع على الفرد، يتأثر ويتغير بطريقة معاكسة لتكامل المجموعات الاجتماعية فيما بينها، بحيث يعتبر الفرد جزءا هاما منها  (أحمد عياش، 2003).

إن الحل الوحيد للتصدي لظاهرة الانتحار كما يرى دوركايم يكمن في الارتباط والتضامن الاجتماعي بين الأفراد والجماعات، إذ كلما اشتد ارتباط الفرد بمجتمعه، وتلاحم معه قل احتمال انتحاره (عبد الله بن سعد الرشود، 2006).

ولقد شاطره الرأي هنري وشورت Henrry et Short إذ أشار إلى مفهوم التكامل الاجتماعي من منظور دوركايم الذي يعني قوة نظام العلاقات الاجتماعية وصلابتها بين الأفراد وشدة عوامل الضبط والكفاءة الخارجية  (مكرم سمعان، 1964).

ونظرا لنجاح نظرية دوركايم في تفسير ظاهرة الانتحار إلى حد كبير فقد قام جيمس مارتن James Martine بتطوير النظرية الاجتماعية حيث يشير إلى وجود علاقة عكسية بين التضامن الاجتماعي والانتحار (دياب البدانية، 1995).

ويمكن تلخيص هذه النظرية في النقاط التالية:

-      أن معدلات الانتحار في مجتمع ما تتباين عكسيا مع استقرار العلاقات وقوتها داخل المجتمع.

-      أن استقرار وقوة العلاقات الاجتماعية تتباين مع مقدار امتثال أفراد المجتمع لأنماط العقوبات الاجتماعية ومتطلباتها والتوقعات التي يضعها الآخرون عليهم.

-      أن درجة امتثال أفراد المجتمع لأنماط العقوبات الاجتماعية ومتطلباتها والتوقعات التي وضعها الآخرون عليهم متباينة عكسيا مع مقدار تع_رض هؤلاء الأفراد إلى صراع الأدوار.

-      أن درجة امتثال أفراد المجتمع إلى صراع الأدوار متباينة عكسيا مع مقدار امتلاك الأفراد إمكانات غير متوافقة مع المجتمع.

-      إن درجة امتلاك الأفراد إمكانات غير متوافقة مع المجتمع متباينة عكسيا مع درجة تكامل الإمكانات في ذلك المجتمع. (عبد الله بن سعد الرشود، 2006).

يعود إذن ’الانتحار الى هشاشة العلاقات الاجتماعية’ او اختفاءها مما يدفع بالفرد الى الشعور بالوحدة و العزلة الاجتماعية الذي يكون دافعا قويا الى نمو الميول الانتحارية  كما يشير دوربات  T.DorpatوربلايH.Replay (1960)  أن الانتحار غالباً  ما  يتم  تنفيذه  في  كيان  منعزل ، كما  وجدا  في  دراساتهما  أن  من  بين المنتحرين  نسبة  كبيرة  من  الذين  فقدوا  علاقات  شخصية  هامة  مع  آخرين  .فضلاً  عن  ظهور  استجابات  حزن  وحداد  شديدين  لمدة  طويلة .

_2_  التفسير النفسي: يعود الانتحار حسب النظرية النفسية إلى طيات التكوين النفسي (Fuse Toyomasa ,2004) ومن رواد هذه المقاربة صاحب مدرسة التحليل النفسي سيغموند فرويد، Sigmund Freud حيث شرح النفس وكذا العوامل والدوافع المسيرة لها   و عرف كيف يسبر أغوارها ويغوص في أعماقها ويدقق في تحليلها (أحمد عياش، 2003).

ويشير فرويد إلى أن الانتحار هو نتيجة إخفاق دوافع الفرد العدائية نحو التعبير عن نفسها ،فوجهت نحو الفرد نفسه (أي اتجاه الذات) فدمرتها (القتل) Freud,1923))، أما محرك أو وقود تلك الدوافع العدائية فيتمثل في حالات نفسية كثيرة كالاكتئاب، حيث عرفه ستور Storr أنه مفهوم حالة انفعالية يعاني منها الفرد من الحزن وتأخر الاستجابة والميول إلى التشاؤمية، وأحيانا يصل إلى درجة الميل إلى الانتحار، وكذلك قد تعلو درجة الشعور بالذنب عند الفرد إلى حد أنه لا يتذكر إلا أخطاءه وذنوبه، وقد يصل إلى البكاء الحاد (عبد العزيز مرسي، 1993).

وأوضحت الأبحاث والدراسات حول الاكتئاب خلال السنوات الماضية، أن هناك اهتماما كبيرا بكل من أسبابه ومدى انتشاره، ففي نشرة إحصائية صادرة عن المعهد القومي الأمريكي للصحة النفسية عام 1981 تبين منها أن الاكتئاب بأنواعه يعتبر في مقدمة كافة الاضطرابات النفسية من حيث الانتشار (غريب عبد الفتاح، 1988).

ويعتبر الاكتئاب من أهم العوامل المرتبطة بالانتحار، حيث يعد من أكثر التشخيصات النفسية التي لها علاقة قوية بالانتحار، لأن الفرد المكتئب شخص يهجر الحياة ويرفضها ولا يجد أية لذة بها وبالتالي يرفض وجوده وينبذه مما يدفع به إلى الانتحار، وقد ينتحر 15% ممن يعانون من الاكتئاب الشديد (محمد حمودة، 1990).

وقد أشار ويرزبيكي 1998 M. Wierzlicki إلى أن محاولة الانتحار مرتبطة إلى حد بعيد بمتغيرات سلوكية ونفسية معينة، أهمها الاكتئاب، الشعور بالوحدة النفسية وضغوط الحياة الشديدة والألم أو فقدان شيء أو شخص عزيز وإن كان الاكتئاب يعتبر أكبر منبه ودافع لتصور الانتحار إلا أن هذه العلاقة بين الاكتئاب والانتحار قد أثارت جدلا عميقا ونقاشا كبيرا بين الباحثين، إذ ألح بعضهم على ضرورة اقتران الاكتئاب باليأس حتى تزداد احتمالية وقوع الانتحار، وهذا ما سيوضحه الشكل التالي:

الشكل رقم ( 01 ): أثر التفاعل بين الاكتئاب واليأس في ازدياد درجة تصور الانتحار.

يوضح الشكل أعلاه العلاقة التفاعلية بين الاكتئاب واليأس، وتأثير ذلك على تقوية وشدة درجة تصور الانتحار، إذ أنه كلما اقترن الاكتئاب باليأس، فإن ذلك يزيد من درجة الانتحار ويجعله أكثر احتمالا وهذا معناه أن الشعور بالاكتئاب قد لا يمكن أن يدفع بالفرد إلى الانتحار، ما لم يلازمه الشعور باليأس (حسين علي قايد، 2005) ويشير التراث النفسي في موضوع الانتحار أن اليأس له تأثير بالنسبة للعلاقة بين الاكتئاب ونية الانتحار وأن اليأسأقوى تأثيرا في نية الانتحار إذا ما قورن بالاكتئاب (Salter et D. Platt, 1990).

فاليأس الذي يتعرض له الفرد المكتئب يشير إلى خلل في جهازه النفسي بل يعكس حالة الانفصال بين كيانه الداخلي و عالمه الخارجي، ويمكن تقسيم أسباب اليأس إلى صنفين هما:

_ صنف يتعلق بالفرد في حد ذاته (أي أسباب نفسية، عقلية...الخ).

_ صنف يتعلق بالأمور الموضوعية التي تهمه (أسباب اجتماعية، أخلاقية، دينية، ...الخ) (حسين علي قايد، 2005).

وإلى جانب القوى العدائية التي تحرك سلوك الفرد وتدفعه إلى الانتحار، فإن فرويد يفسر ذلك أيضا بغرائز الحياة والموت، فالأولى تتغذى على الليبيدو أو الطاقة الشهوية، الذي يشكل الدعائم الإيجابية التي تساعد الإنسان بالتثبت وحب الحياة، وطبيعي أن يتآزر سلاح دفاعي ضد أشكال الأخطار التي تهدد تلك الطاقة الإيجابية، يتمثل في الطاقة العدوانية أو الدفاعية التي يستعين بها المرء بالاستحواذ على الموضوعات الأكثر إشباعا للليبيدو وأيضا للحفاظ على ما في جعبته من موضوعات يتعلق بها، وفي ضوء تلك الطاقة الدفاعية الهجومية، يمكن تفسير السادية التي يعني بها "فرويد" إيقاع الأذى على الآخرين سواء لأهداف جنسية أم لأهداف أخرى، كالأهداف الاقتصادية أو الاجتماعية، ورغم أن فرويد لم يحلل كثيرا غرائز الموت ولم يدقق في تحديد الطاقة اللازمة لها، ولكن الكون بأسره يسير وفق مبدأ الثنائية: الوجود/العدم، الحب/الكراهية، وفي فلك هذه الثنائيات تدور ثنائية الموت والحياة، ويرى فرويد أن غرائز الموت تنشط في إطار نفسي حيث يوجه المنتحر إرادته الكاملة في القضاء على نفسه بمعنى أن الأنا يكون مكتمل الوجود في عملية الانتحار الذي يكون بمثابة تأكيد لوجود الذات التي تصدر الحكم على الذات المحكوم ضدها، وهذا التصور الفيرودي في حد ذاته يحتمل ثنائية أيضا تتمثل في الأنا والأنا الأعلى، هذا الأخير الذي يعتبر كالقاضي الذي يحكم على المتهم وهو الأنا. فالملمح الأول في غرائز الموت هو ملمح الإيجابية الذاتية حيث يحكم القاضي النفسي أو الأنا الأعلى بالموت على الشخص نفسه، ويقوم في ذات الوقت بتنفيذ الحكم عليه، بينما نجد أن الذات أو الأنا  هي المسيطرة على غرائز الحياة، فمن جهة أخرى نجد أن الأنا الأعلى هي المسيطرة على غرائز الموت.

أما الملمح الثاني في غرائز الموت فهو ملمح الموضوعية، أين يتأثر المنتحر بحادث خارجي عجز عن مواجهته. بينما الملمح الثالث من غرائز الموت هو أنها غرائز غرضيه، فهي ترمي إلى تحقيق أهداف معينة سواء كانت أهدافا نفسية لدى الفرد في حد ذاته أم لدى الآخرين أم تستهدف أهدافا اقتصادية أم اجتماعية...الخ،  فقد يعتقد الفرد أن سلوكه الانتحاري هو عقاب له أو لمن يحيطون به.

إن الصراع الدائم بين الأنا والأنا الأعلى في نظر فرويد يترجمه بمعركة قوية بين غرائز الموت وغرائز الحياة، حيث تستعين غرائز الحياة بالأنا وتستعين غرائز الموت بالأنا الأعلى، وهنا ينشأ الصراع الذي قد ينتهي بحكم يصدر من الأنا الأعلى بالانتحار،  وبالتالي يمر الفرد إلى تجسيد رغبة الأنا الأعلى فيحاول قتل نفسه، (يوسف ميخائيل أسعد، 1988).

إضافة إلى أن فرويد صنف دوافع الانتحار إلى ثلاثة أنواع رئيسية هي:

_ دوافع ناتجة من تراكم مجموعة من الرغبات مثل الرغبة في القتل.

_ دوافع ناتجة من مجموعة من العدوانيات القديمة لدى الفرد، مثل الرغبة في أن يقتل.

_ دوافع صادرة عن نزعة عدوانية مقترنة مع حوافز مثيرة ومثبتة، بسبب قدمها مثل التمني أو الرغبة في الموت (معن خليل العمر، ص ص 296، 297).

و قد ذهب في نفس الاتجاه كارل منجر Karl Mengere (وهو من أتباع الاتجاه الفرويدي) الذي يرجع السلوك الانتحاري إلى مجموعة من الرغبات هي:

1-  الرغبة في القتل.

2-  رغبة الفرد في أن يُقْتَلَ.

3-  الرغبة في أن ينقد (Fuse Toyomasa, 2004).

وبناءا على ما سبق فإن نظرية التحليل النفسي للانتحار تقر  أن الفرد لم تتبلور عنده مشاعر ومحاولة الانتحار مرة واحدة ، بل بدأت بالحب والكره معا مشبعة بدوافع عدوانية تبحث عن القتل أو الموت معبرة عن الاضطراب المزاجي الذي يعكس سوء توافق الفرد مع النشاط الجنسي الذي يتحول إلى عقدة أوديب أو العلاقة المثلية (مع نفس الجنس) وبصيغة أخرى فإن شخصية المنتحر تعبر عن تناقض صارخ وشديد يتراوح بين مشاعر الحب والكراهية مما يولد نزعة عدائية تراكمية، تنتهي برغبة ملحة وجامحة بالقتل والموت.و يمكن إيجاز ذلك في الشكل التالي: 

 

شكل رقم( 02 ): طبيعة غريزتي الموت و الحياة من وجهة نظر التيار التحليلي

يشير الشكل أعلاه إلى طبيعة الصراع القائم بين غريزتي الموت و الحياة حسب النظرية التحليلية’ حيث ترتكز نظرية سيغموند فرويد على اعتقاده بوجود دافعيين في حالة صراع دائم’ فالدافع الأول يشير إلى الحياة الذي يتجلى في الحب و الجنس’ حيث يوجهها الفرد خلال السنوات الأولى من حياته نحو الذات (حال النرجسية) ويمكن أن يستمر الوضع في الحالات المرضية’ أما في المرحلة الأوديبية فقد يوجهها الفرد محو موضوعات خارجية. بينما الدافع الثاني’ فيتجلى في الموت أو العدوان التي تتجلى في الفتل و الانتحار أين تكون موجهة محو الذات أو الآخرين. و كلا من غريزتي الموت و الحياة ذو منشأ بيولوجي.       

يعتبر دور كايم و سيغموند فرويد من اكبر المهتمين بظاهرة الانتحار, و رغم قدم النظريتين إلا أنها مازالت تشكل الإطار النظري العام للكثير من الدراسات المعاصرة بل نجد في نظرياتهما تفسيرات كثيرة لحالات انتحارية عديدة’  حيث حاولا الوقوف على أسبابها من اجل فهم الظاهرة وإيجاد استراتيجيات الوقاية منها لاسيما وأنها تهدد الوجود الإنساني وتفترس كل المجتمعات وكل الشرائح العمرية.

إن الانتحار قرار ذاتي لمغادرة الوجود, عنف موجه نحو الذات, أحيانا يكون رسالة إنذار نحو من يحيطون بالشخص المنتحر أو من حاول الانتحار وأحيانا أخرى هروبا من وضعية معينة, عجز الفرد من  مواجهتها أو التكيف معها, لكن بين هذا و ذاك فالنتيجة واحدة و هي الموت.فهو سلوك معقد قد تكون من وراءه عوامل عديدة إما بيولوجية, اجتماعية أو نفسية أو مجموع تلك العوامل كلها لان التوجه الحديث في تفسير و تحليل ظاهرة الانتحار يهتم بدراسة العوامل لا الأسباب .

_ قائمة المراجع:

قائمة المراجع باللغة العربية 

- الساعاتي سامية حسن (1983 ): الجريمة و المجتمع, دار النهضة العربية, ط2, القاهرة, مصر.

 - الرشود عبد الله بن سعد (2006) : ظاهرة الانتحار, التشخيص و العلاج, جامعة نايف العربية الأمنية, مركز الدراسات و البحوث, الرياض, السعودية.

- العمر معن خليل (2006): التفكك الاجتماعي, دار الشروق, للنشر         و التوزيع, عمان, الاردن.

- اسعد يوسف ميخائيل (1988): المشكلات النفسية, حقيقتها و طرق علاجها, دار النهضة للطبع و النشر, الفجالة, القاهرة, مصر. 

- فايد حسين علي (2005): المشكلات النفسية الاجتماعية, رؤية تفسيرية, مؤسسة صلبة للنشر و التوزيع, ط1, القاهرة, مصر.    

- رشاد عبد العزيز مرسي (1993): الممارسات الوالدية و علاقتها بالاكتئاب النفسي, علم النفسي المرضي, دراسات في علم النفس .

- عياش احمد (2003): الانتحار(نماذج حية لمسائل لم تحسم بعد) ط 1 دار الفارابي بيروت, لبنان.

- سمعان مكرم (1964 ): مشكلة الانتحار, دراسة نفسية اجتماعية للسلوك الانتحاري, دار المعارف,القاهرة, مصر.

-قائمة المجلات:

- البداينة ذياب(1995): جريمة قتل النفس في المجتمع الأردني, دراسة من وجهة نظر علم الاجتماع, مجلة الملك سعود, المجلة 2, كلية الآداب, الرياض, المملكة العربية السعودية.

-غريب عبد الفتاح(1988): دراسة مستعرضة للفروق بين الجنسين في الاكتئاب لدى عينة من مصر, مجلة الصحة النفسية, مجلد 29.

قائمة المراجع باللغة الفرنسية:

-        Beachler ; J (1975) : Les suicides, vol 01, édition Calmann-Lévy, France.

-        Bernard Haring (1962):La loi du Christ, tome 03, desclée, tourai, Paris, France.

-          Dietrich Bonhoeffer(1965) : Ethique, lafon Genève.

-        émile durkheim, 1897, rééd. Puf, coll. « Quadrige », 2002.

     Martine Fournier

-        Emile Durkheim(1897) : Le suicide, étude sociologique, presse universitaire de France, collection bibliothèque et philosophie contemporaine. Une édition électronique réalisée a partir du livre d’Emile Durkheim, le suicide(1897).

Freud Sigmund(1923) :Le moi et le ca Une édition numériques réalisée à partir de l’essai “ Le moi et le ça ” publié dansl’ouvrage Essais de psychanalyse. Traduction de l’Allemand par le Dr.Jankélévitch en 1920, revue par l’auteur. Réimpression : Paris : Éditions Payot, 1968,

(pp. 177 à 234), 280 pages. Collection : Petite bibliothèque Payot, n° 44. Traduction

-        précédemment publiée dans la Bibliothèque scientifique des Éditions Payot. 

-        Fuse Toyomasa (2004) : Théorie du suicide dans une perspective interdisciplinaire, bulletin de psychologie, numéro 401.

-        Quido; M(1970) : Le suicide, perspective et prévention, vol 01, E .S.F.France 

-        Salter ;D et Platt ; s(1993) : Suicide intenthopelessness and dépression in a parsuicide population, the influence of social desirabiligy and elpred time- British journal of clinical psychology 29,361-371