قراءات نظرية حول إشكالية علاقة القراءة بالوعي الفونولوجيpdf

سعاد حشاني

جامعة قاصدي مرباح –ورقلة-(الجزائر)

 

الهدف من هذا العرض النظري للموضوع هو توضيح مفهوم الوعي الفونولوجي، طبيعته، أهمية اكتسابه، و التأكيد على ضرورة كشف و تقييم القدرات الفونولوجية قبل التمدرس من خلال الاختبارات اللغوية، فالصعوبة في الوعي الفونولوجي قبل التمدرس تنبأ و تؤشر بقوة على عسر قراءة و كتابة تطوري في مرحلة التمدرس، هذا ما استخلص من هذه القراءة النظرية للدراسات، و هنا تلّح بقوة الضرورة لتسليط الضوء على هذا الموضوع، و على تعميق التفكير في أهمية التدريب على الوعي الفونولوجي قبل مرحلة التمدرس.

    Cet article présente une synthèse des travaux portant sur la relation entre la conscience phonologique, et l’apprentissage de la lecture.

    L’objectif de cet article est d’essayer de mettre le point sur la conscience phonologique, cette compétence qui permet à l’enfant de mieux  acquérir la lecture.

   A travers ces différents travaux, et études littéraires, nous voulions déterminer la notion de la conscience phonologique, comprendre sa nature, et aussi préciser l’importance de dépister cette compétence avant l’âge scolaire, afin d’éviter les troubles spécifiques de langage écrit (dyslexie-dysorthographie) à l’âge scolaire

 إنّ تعلّم القراءة هو سياق معقّد، أين يتطلب من المتعلّم ذو (6) ستة سنوات مستوى من النضج النفسي، الجسمي، المعرفي، و اللساني. فالكفايات اللسانية وحدها هي متنوعة: فونولوجية، معجمية، دلالية، نحوية و براغماتية، و هي تلعب بدورها دور مهم في تعلّم القراءة.

فإذا ركزنا على المستوى الفونولوجي، يتوجب على الطفل بدايةً تعلّم مبدأ التهجي ( code alphabétique  أي أن يتعرف على أسماء و شكل الحروف، حتّى يتمكن من ربط الغرافيمات (الحروف) بالفونيمات (أصوات الحروف) ، واكتساب هذه الترابطات الأولى، بدورها سوف تمكّنه من الدخول في سياقات فك الترميز (القراءة) ، أين ذلك يتطلب من الطفل نشاط واعي، إرادي، تركيز و انتباه. هذا الترابط بين الغرافام و الفونام يكون بطيئا بدايةً، و تدريجيا يصبح سريعا و آليا، و يلعب الدور المحرّك في تعلّم القراءة. 

فتعلّم مبدأ التهجئة يتطلب بدوره من الطفل قبل القراءة اكتساب الوعي الفونولوجي، وهو اكتساب لقدرات ميتافونولوجية التي يمكن تحديدها كطريقة لإدراك، و تمثيل الوحدات اللسانية المقطعية في اللغة الشفوية كالمقاطع، القوافي، و الفونيمات.

    فالطفل في حوالي أربع سنوات بنظام غير واضح قادر على تمثيل، و معالجة المعلومات الفونولوجية للكلمات، حيث تكوّن هذه الأخيرة قاعدة من المعارف الصوتية الأساسية، التي تهيّئهللقراءة كما أوضحها الباحث LE COCQ, P (1991). ( RYMAND, S, PLAZA,M, 2006, P 45)

لكن قبل الخوض في العلاقة بين الوعي الفونولوجي و القراءة، يمكن تحديد مفهوم الوعي الفونولوجي كما يلي:

-تحديد مفهوم الوعي الفونولوجي:

     يعرّف  TUNMER,W(1992) الوعي الفونولوجي على أنّه "القدرة على معالجة اللغة الشفوية، بتقطيع الكلمات إلى وحدات صغيرة كالمقطع، الفونام أو البحث عن القافية، و القدرة كذلك على وعي بوجود بنية فونيمية في الكلام". LEFEUBURE, L, 2006, p05)HUBENS,M,(

    بينما الباحث GOMBERT, J "يقول: "بأنّ الوعي الفونولوجي يتعلق بطريقة التعرّف على الوحدات الفونولوجية اللسانية، و معالجتها بطريقة قصدية". LEFEUBURE, L, 2006, p 05)HUBENS, M,(

    فمن خلال هذه التعاريف، نستخلص أنّ لفظ "الوعي الفونولوجي" هو معالجة معرفية إرادية واعية على مستوى اللغة الشفوية  للمكونات الفونولوجية  المحددة في الوحدات اللسانية الصوتية (الكلمات)، و ذلك بتمييزها، تحليلها، و تقطيعها إلى مقاطع، أو فونيمات، أو التعرّف على القافية.

 و تكتسب كفاية الوعي الفونولوجي عند الطفل عبر مراحل:

-تطوّر اكتساب الوعي الفونولوجي:

تكتسب كفاية الوعي الفونولوجي عند الطفل عبر مراحل، من خلال نشاطات متكررة، تكون أوّلية في بدايتها ثم تتطور بالتدريج.

فالكلام بالنسبة للطفل ليس فقط حركة تنتج صوت تؤثر على البيئة، إنّما هي ربط بين الصوت، و الحركة الفموية-الصوتية و الوضعية، و التمثيل النطقي للصوت، فإدراك الطفل لهذا الربط بين هذه العناصر يتوقف على قدراته الحدسية، تجاربه، وفرص تفاعله. (RYMAND, S, PLAZA,M, 2006, p49)

ففي خضم تطوّر تجربة الطفل للكفاية الفونولوجية، ينتج بالتدريج المقاطع، التي يراها كأصغر عنصر سمعي للكلمة، و في هذه الحالة، يتحتّم عليه أن يمر على تنظيم نطقي معقّد، أين التمثيلات السمعية المقطعية ترتبط بتمثيلات نطقية صوتية، تخلق لدى الطفل إطار حسي-حركي تتداخل فيها الوظيفة اللسانية.

و في هذا الموضوع   تشير الباحثة كوكي COQUET, F من خلال دراسة لها، أنّه في المرحلة الجنينية، و في عشرون (20) أسبوعا من الحمل تحديداً ، الجهاز السمعي للجنسين الذكر و الأنثى يكون جدّ متطوّر، ما يسمح للجنين بمعالجة بعض الأصوات، التي تصفى من خلال السائل الأمنيوتيك (LIQUIDE AMNIOTIQUE).

و تضيف نتائج تجربة الباحثانJOUEN,F جوان و بوتاس،POUTHAS,V  و آخرون (1993) في هذا الموضوع إلى أنّه ما بين الأسبوع السادس و الثلاثين و الأربعين (36-40)، يكون باستطاعة الجنين أن يفرّق مابين  [biba] و [babi] ، و جمل مثل "القط يتبع الفأر" و "الكلب يتبع الفأر".

بينما في الأشهر الثلاثة (3)الأخيرة من الحمل الجنين يألف مميزات صوت الأم، و اللغة التي تتكلم بها، ما يكوّن لديه ميولات أولى للنغمة. ( COQUET, F, 2007, P22)

نلاحظ من خلال هذه الدراسات أنّها أجمعت على أنّ بوادر الوعي الفونولوجي تبدأ من المرحلة الجنينية، حيث الجهاز السمعي للجنين يكون متطوّر يمكنّه من الاستجابة لبعض الأصوات التي يعتاد على سماعها، ما يعكس قدرة الجنين في هذه المرحلة على التفريق بين الأصوات. تتضّح هذه البوادر بعد الميلاد بعلاقة الطفل بالأصوات.

و قد عبّر صادق خليل SADEK-KALLIL,D و آخرون (2004) عن هذه البوادر "بالانعكاس الأنثروبولوجي" للإنسان بعلاقته مع الصوت. ( COQUET, F, 2007, P2)

 و في نفس المعنى يذهب الباحث جوسزيك jusczyk, P، (1997) إلى القول أنّ الكفاية الفونولوجية تبدأ منذ الميلاد، فالطفل لا يدرك الكلام، لكن تظهر لديه ما يسمى بالتصفية الفونولوجية (FILTRE PHONLOGIQUE) للغة الأم، فالرّضع يكون لديهم ما يسمى الإحساس بالأصوات التي تتواجد في لغتهم الأم، و هذا الإحساس بالأصوات وضحّه الباحث من خلال تجربة الرّضاعة الاصطناعية على الرّضع، حيث قام فيها الباحث بربط قارورة الرّضع بجهاز يقيس إيقاع و سعة الرضاعة، و جهاز كمبيوتر يثير الصوت، ففي كل مرّة الرضع يقومون بالرضاعة، المقطع الصوتي (ba) يُسمع في دقائق.

    أسفرت النتائج عن أنّ الرّضع ربطوا بين الرضاعة و الصوت، فهم عندما يسمعون المقطع الصوتي، إيقاع الرضاعة لديهم ينخفض. و هذا دليل على أنّهم هم بصدد إدراك المقطع الصوتي. 

    ثم بعد ذلك قام الباحث بتغيير المقطع الصوتي بـ (sa)، و تمّ قياس إيقاع و عدد الرضعات عند سماع الرّضع المقطع الجديد، النتيجة أوضحت أنّ إيقاع و عدد الرضعات انخفض ثم تزايد، و يرجع ذلك إلى أنّ الرّضع لاحظوا الفرق بين المقطعين الصوتيين. (PEPRKAMP, S, 2007, P 10)

فمن خلال هذه الدراسة نستخلص أنّه منذ الميلاد الرّضع يدركون الفرق بين معظم الأصوات المستعملة في لغتهم الأم أو غير المستعملة، أمّا فقدان الإحساس عندهم، فقد تُرجم على أنّه مؤشر على أنّ الرّضع تعلموا الفئات الصوتية للغتهم الأم، أو بعبارة أخرى، تمكنوا من التمييز الفونولوجي لغتهم الأم،  التي بدأت تستقر لديهم. و قد أشارت BOISSON-BARDIES, B (1996) على نفس النتائج، لكن بتقنية الرضاعة الطبيعية، ما يؤكد على أهمية هذه المرحلة الأساسية كبداية للتمييز الفونولوجي للغة.

  يضيف الباحث كوهل J KUHL, و آخرين، (1992) إلى أنّ الإحساس الفونولوجي يظهر لدى الطفل منذ الأشهر الأولى من حياته، و يتغيّر في حوالي الشهر السادس (6)، حيث يظهر عدم إدراك الرضيع للإحساسات الصوتية غير موجودة في لغته الأم.

أمّا الباحثان تييس و وركر WERKER,J,TEES,S (1998) يرايا أنّه بعد أشهر من ذلك الطفل يبدأ بإدراك الصوامت.

    ففي المرحلة ما قبل لغوية بالضبط مرحلة المناغاة يشير فيها الباحثان OLLER, D، و LYNCH, M (1992) إلى أنّ الطفل يمر تدريجيا من الألعاب الفموية-الصوتية، إلى إنتاج المقاطع الواضحة، التي تحترم خصائص لغته، و التي يكتشفها أو يتعرف عليها المحيطين به في وسطه ككلمات، و التي تظهر تدريجيا مميزاتها السمعية.

    لكن الباحثان WERKER, JTEES, R, (1984) كانا أكثر تحديدا، فأوضحا أنّ التمييز السمعي للصوامت يظهر ما بين الشهر العاشر، و الشهر الثاني عشر (10-12)، أي في الوقت الذي يكون فيه الطفل قادرا على النطق بالمقاطع الواضحة. فالطفل يأخذ الصوامت الواضحة في لغته، و يفقد القدرة على التمييز فيما بينها، فيربط بين الصوامت ليكوّن سلسلة صوتية، من خلالها يفهم بعض الكلمات. و هنا الطفل يقطّع إيقاعياً التتابع الصوتي للعناصر الكلامية، و ينّسق نطقه، و يربط بين الحروف حسب الوضعية المعاشة.

    فإنتاج المقاطع الواضحة حسب بعض الباحثين أمثال BOYSSON-BARDIES, B، (1996)، له علاقة بالتقطيع التحتي ( INTRA-SYLLABIQUE) الذي يسمح للطفل بتمييز الفونيمات (الحروف) داخل المقطع. أمّا التقطيع الفوقي SUPRA-SYLLABIQUE يسمح للطفل بعزل الفونيمات (الحروف) داخل السلسلة الصوتية. فيدرك المقاطع ككّل، ثمّ يربط بين مجموع هذه العناصر.( RYMAND, S, PLAZA,M, 2006, p 50)

و في حدود السنة يختص الطفل في لغته الأم، فإذا كان في الشهرين الطفل الفرنسي باستطاعته التفريق بين لغات المجموعة الإيقاعية المختلفة ، فيميّز بين الفرنسية و الإنجليزية، و بين اليابانية و الفرنسية، فإنّه لا يميّز بين اللغتين اليابانية و الإنجليزية.

    أمّا ما بين الشهر الرابع و الخامس(4-5) يبدأ الطفل في التمييز داخل اللغات للمجموعة الإيقاعية للغته الأم، و في نفس السن الطفل الإسباني قادر على أن يفرّق بين الإسبانية         و الإنجليزية. (LE NY, J, GINESTE, M, 2002, p 24(.

    و في حوالي الشهر الثامن (8) يميّز الطفل حدود الكلمات، بطول المقاطع، و التوقفات الموّزعة في اللغة الشفوية، و هذا الذي سوف يمكنّه في الشهر الحادي عشرة (11) من تحديد حدود الكلمات. و من الشهر الثامن حتى العاشر يكون بوسع الطفل تمييز الخصائص الصوتمية (صوت الحرف) الواضحة التي تحملها لغة الأم، وهي قدرة تتنوّع و تنتظم في هذه المرحلة.  و بنهاية السنة الأولى سياقات الإدراك سوف تلعب دور أساسي في إدراك أصوات الكلام، الذي يسهم في اكتساب الكلمات.(COQUET, F, 2007, p 23)

     في حين الباحثان رونالد و بريدار BREDART,S وRONDAL,J(1982) أشارا إلى أنّه مابين السن الثالثة و الخامسة و نصف سنوات الأطفال يبرزون إحساسا للطابق الصوتي للغة، بما أنّه بمقدورهم التكوين العفوي للكلمات، و يسخرون من الأخطاء المتلفظة عند الآخرين. (, 2001, p 08 EZLIN, E)

    و قد لخصّ الباحث ماك لين MAC LEANو آخرون (1987) تطوّر الوعي الفونولوجي من السن الثالثة إلى السن السادسة من خلال هذا الجدول كما يلي: (, 2001, p 08 EZLIN, E)

الجدول رقم(1) يوضح تطوّر الوعي الفونولوجي عند الطفل

 نلاحظ من خلال هذا الجدول أنّ الطفل في السنة الثالثة من العمر يكون بمقدوره التعرّف على الحرف الأخير من الكلمات (القافية)، و معالجة المقاطع في الكلمات، ذلك بتمييزها      و تقطيعها، بينما المعالجة الفونيمية أي تقطيع الكلمات إلى فونيمات يتمكّن منها انطلاقا من السن الخامسة من العمر. 

     أمّا بالنسبة للباحث COTENT,A (1996) الكفاية الفونولوجية تظهر جليّة إلاّ إذا عرف الطفل مشكل، أين يتم تناول الرمز اللساني (الكلمات) كمهمات، وهي مواقف يتطلّب فيها من الطفل حساب، حذف، إضافة، قلب المقاطع أو الفونيمات في الكلمات. و الجدول الموالي يوضّح ذلك:

الجدول رقم(2) يوضح تطوّر الوعي الفونولوجي عند الطفل حسب السن بالنسبة الباحث COTENT,A (1996)

نستخلص من هذا الجدول، أنّ الطفل ذو خمس سنوات باستطاعته حساب المقاطع المكوّنة للكلمة، بينما تتجلى قدرته في حذف المقطع الأول، و حساب الفونيمات، و كذا حذف الفونام الأول و النهائي، مابين السادسة و السابعة من العمر ، أمّا حذف الفونام الوسط من الكلمة يتمكن منه في السن التاسعة، و يبقى حذف المقطع الوسط من الكلمة محل إشكالية في السن الثانية عشرة، ما يعكس اكتسابه المتأخر لهذه المعالجة المقطعية ما بعد هذا السن.

فيعكس الجدول الأول و الثاني ليس فقط تطوّر الوعي الفونولوجي عبر سنوات محدّدة، و إنّما كذلك تطوّر نوعي تبرزه نوع المعالجة الفونولوجية في شكل انتقال من الوحدات اللسانية الواسعة (المقاطع)، إلى الوحدات اللسانية الصغرى (الفونيمات)، و هذا ما يعبّر عنه بمستويات الوعي الفونولوجي.

-مستويات الوعي الفونولوجي:

للوعي الفونولوجي ثلاثة مستويات هي:

1-المستوى الإبيفونولوجي: (niveau epiphonlogique)

    يشير الباحث برتان ستروندورفرBERTIN-STREMDOERFER, G، إلى المرحلة الإبيفونولوجية التي تظهر في حوالي ثلاثة سنوات، و قبل هذا السن السلوكات الإيبيفونولوجية تظهر في الألعاب الصوتية، إنتاجات للقافية، قدرته على التفريق بين أصوات لغة الأم عن الأصوات الأخرى. كما نجد الطفل يضيف فونيمات في نهاية الكلمات غير موجودة في الكلمات الأصلية. فهي مرحلة لا تتعلق بالوعي الفونولوجي، بل هي مرحلة تسمح بنمو هذا الوعي. فالاستعدادات الإيبيفونولوجية تمثّل الاكتساب الأوّلي غير الواعي حول المكوّنات الفونولوجية للغة، و هو استعداد يرتكز على الحس لا على التفكير حسب GOMBERT, J (1990) (BERTIN-STREMDOERFER, G, 2007, p 172)

فتظهر قدرة الطفل على التفريق بين الأصوات التي تنتمي إلى لغته الأم عن الصوت الآخر، فتظهر قدرته البسيطة في التقطيع كاستعداد شبه فونولوجي.

2-المستوى الميتافونولوجي: (niveau métaphonologique)

    هو مستوى أكثر تطوّرا من المستوى الإبيفونولوجي يمكّن الطفل من التقطيع المقطعي،  وهو اكتساب أوّلي غير واعي.

     حسب ماغنون و إيكال ECALLE, J MAGNAN , A (2006) الانتقال من المستوى الإبيفونولوجي إلى المستوى الميتافونولوجي يعالج قبل تعلّم القراءة بعامل التدريب.(ECALLE, J MAGNAN , A, 2007, P 64)

3-المستوى الفونولوجي: (niveau phonologique)

    هو المستوى الأكثر تطوّرا يتمكن فيه الطفل من التحليل المقطعي و الفونيمي، كما يتمكن من التعرّف على القافية، و هي معالجة معرفية بطريقة قصدية و واعية.

    إنّ الاهتمام بموضوع الوعي الفونولوجي جعل عدّة دراسات كدراسة كل من BLACHMAN, B (1983)، BRADELEY, L، و آخرون (1985)، تنبأ أنّ الأطفال الذين لديهم أداءات عالية في المهمات الميتافونولوجية في الروضة لهم حظوظا أكثر من غيرهم في أن يصبحوا قرّاء جيّدين (قراءة سريعة).(RAYMAND, S, 2006, P 43، PLAZA, M)

بينما دراسات على أطفال متعسرين في القراءة، أوضحت وجود تأخر في نظام التمثيل الذهني للكلام، كدراسة FRITH, U، SNOWLING, M (2002) التي أشارت إلى أنّ عدد كبير من المتعسرين في القراءة، يمثلون طوال تمدرسهم في الروضة (قبل التمدرس) صعوبات مميّزة في الاختبارات الفونولوجية، لكن هذه الحقيقة غير كافية فقد نجد أطفال متعسرين قي القراءة نجحوا في الاختبارات الفونولوجية ما قبل التمدرس، و يعرفون صعوبات في تعلّم القراءة، لعدم تحكمهم في مبدأ الهجاء. و عادة الصعوبات في هذه الاختبارات الفونولوجية تتضمن صعوبة في التعرّف على القافية في الكلمة المسموعة، القدرة على تقطيع الكلمة إلى مقاطع، إضافة و حذف المقاطع....الخ (BOSSE, M, 2005, P 12)

    فمن خلال هذه الدراسات، يتضح لنا أنّ الوعي الفونولوجي يصبح له دور مؤثر في تعلّم فك الترميز، الذي يحتّم على الطفل أن يعي الفونيمات. و بهذا يكون مستوى الوعي الفونولوجي، هو الذي ينبأ بالاكتساب الجيّد للقراءة في السنة الأولى. و هنا تبرز العلاقة القوية بين المعالجة الفونولوجية واكتساب قدرات القراءة.

    فالطفل يمكن أن يفهم المبدأ الحرفي، و يدخل مباشرة في الترابطات غرافام-فونام إذا كان يمتلك بعض القدرات في المعالجة الفونولوجية، و هذه القدرات تتطوّر عمليا و تدريجيا مع القراءة و الكتابة. 

     فرضية ثانية تناولتها العديد من الدراسات كدراسة الباحث MORAIS, J (1979)،  مفادها أنّ تعلّم القراءة يؤثر على الوعي الفونولوجي، و يطوّر نظام الكتابة، فتعلّم القراءة يسمح بوعي الوحدات المكوّنة للكلمة، و بذلك يصبح الوعي الفونولوجي نتيجة لاكتساب القراءة، و ليس له تأثير على اكتساب القراءة.

أمّا الفرضية الثالثة في موضوع هذه الدراسات ركزت على علاقة الكفاية الفونولوجية بالقراءة، و السببية المتبادلة، و تحكّم أحدهما في الآخر يكون حسب نوع الوعي الفونولوجي، و هو رأي دعمه الباحث PERFETTI, C و آخرون (1987)  .(RAYMAND, S، PLAZA, M، 2006، ص43).

    فحسب هذا الأخير أنّ تعلّم القراءة يتطلّب وعي الوحدات اللسانية. فالقراءة حسبه تعتبر كنشاط لغوي ثانوي يرتكز على سياق لغوي أولي. و هي قدرة تتطلّب طرق مميّزة بفضلها ينجح الطفل في تكوين علاقة أو رابط بين اللغة الشفوية و اللغة الكتابية. فحسب الباحثان LIBERMAN, I، SHANKWEILER, D(1979) القارئ المتعلّم يدخل قبل كلّ شيء في السلسلة الكلامية، و يقطّعها إلى كلمات التي بدورها تمثّل اللغة الكتابية بنسخها لبنيتها الفونولوجية، و هذا النسخ ليس له معنى عند القارئ المتعلّم إلاّ إذا استوعب التحليل المقطعي للكلمات المسموعة(KANTA, T, REY, V, 2003, P 136)

    فالقارئ المبتدئ يفهم لماذا كلمة "جَلَسَ" تمثل ثلاثة حروف، إذا كان قادرا أن يتعرّف على ثلاثة فونيمات لهذه الكلمة، و هذا ما يسميه مورايس MORAIS, J (1998) اكتشاف "مبدأ التهجي".

    فالباحثان PERFETTI, C، RIEBEN, C  (1991) يرايا أنّ الآراء المختلفة التي تناولت الموضوع هي ممكنة، فمن جهة الوعي الفونولوجي يكون ناتج عن تعلّم القراءة التهجئية، و بفضل القراءة يتطوّر الوعي الفونولوجي، فأعمال MORAIS, J،  BERTELSON, P (1989) التي كانت على الأفراد الأوميين أكدت هذه الفرضية، حيث وجدا تشابهات بين القدرات الميتافونولوجية للأوميين و القراء الصينيين الذين ليس لهم رجوع للكتابة التهجئية، و لا يطوّرون الوعي الفونولوجي.

    و من جهة أخرى الرأي القائل بأنّ الوعي الفونولوجي يكوّن الاكتساب الأولي لتعلّم القراءة و الكتابة، فتكون هنا قدرات الوعي الفونولوجي هي التي تمكن من تعلّم القراءة         و الكتابة. (KANTA, T, REY, V, 2003, P 138)

    و من هذا المنطلق ظهرت أعمال ركزت على أهمية التدريب واستنتجت أنّ التدريب المنظّم للمهمات الفونولوجية قبل التعرّف على القراءة كان له تأثير إيجابي على التحكّم العالي في القراءة كدراسة الباحثين كل من COTENT, A، MORAIS, J،و آخرين(1982).(RAYMAND, S, 2006, p 44، PLAZA, M).

    هذا التدريب سمح للأطفال بفهم أنّ الكلمات يمكن أن تقطّع، ما يساعد في إدماج النظام التهجي، و هو سياق معرفي يتطلّب ترجمة سلسلة من الحروف المقروءة إلى سلسلة من أصوات.

    الباحث BRADELEY, L بدوره استطاع أن يتابع حتّى السن الثالثة عشرة (13)، مجموعة من الأطفال شاركت في دراسة، واستنتج أنّ التدريبات المبكرة، لها تأثير على المدى الطويل، بالمقارنة بمجموعة من نفس المستوى لم يتلقوا تدريبات، فالمجموعة المتدرّبة تداركت تقريبا كل تأخرّها في التعلّم بأقل من 10%، و منهم من عرف إعادة التربية طوال فترة التمدرس.(LEFEUBURE,L, 2006, p 06HUBENS,M,).

    من خلال هذه الدراسات نستنتج أنّ التحكّم الفونولوجي هو مهم، و أساسي للدخول في القراءة،  و الاضطراب في الكفاية الفونولوجية يؤدي إلى الصعوبة في القراءة و بالتالي عسر القراءة التطوّري.

    لكن رغم هذه التناقضات في نتائج الدراسات، يتضّح لنا أنّ الوعي الفونولوجي هو اكتساب أوّلي قبل القراءة، و تطوّره ناتج عن تعلّم القراءة.

    لهذا يبقى علينا كأخصائيين أرطوفونيين، و بيداغوجيين من المهم جدّا فهم طبيعة الوعي الفونولوجي، مستوياته، كيفية تطوّره، و الكشف عنه مبكرا، و ذلك بتطبيق اختبارات متنوعة مستعملة لتقييم الوعي الفونولوجي، لكن قبل ذلك، للوقاية لا بدّ من إعطاء أهمية للتدريب على أنشطة الوعي الفونولوجي، خاصة في  المرحلة ما قبل المدرسة ، و هذا من شأنه أن يساهم في تعلّم القراءة، و التهجي في مرحلة مبكّرة،  و بذلك يضمن هذا التدريب الدخول في اللغة الكتابية، كما يضمن تعلّم بدون صعوبات قراءة .

المراجع:

  • الكتب باللغة الأجنبية:

1-    GINESTE, M, LE NY, J, (2002), « PSYCHOLOGIE COGNITIVE », EDITION DUNOD, PARIS, FRANCE.

  • المجلات باللغة الأجنبية:

2-     COQUET, F, (2007), « PHONOLOGIE : NOTIONS COMPLEMENTAIRES POUR LA PRATIQUE ORTHOPHONIQUE», IN REEDUCATION ORTHOPHONIQUE, 45eme ANNEE, N° 229, MARS, PP17-26.

3-    - ECALL, J, MAGNAN, A, (2007), « SENSIBILITE PHONOLOGIQUE ET APPRENTISSAGE DE LA LECTURE », IN REEDUCATION ORTHOPHONIQUE, 45eme ANNEE, N° 229, MARS, PP61-71.

4-    KANTA,T, REY, V, (2003), « RELATION ENTRE LA CONSCIENCE PHONOLOGIQUE ET L’APPRENTISSAGE D’UNE LANGUE SECONDE, IN TRAVEAUX INTERDISCIPLINNAIRE DU LABORATOIRE PAROLE ET LANGAGE, VOL 22, PP135-174

5-    LEFEBURE, L، HUBENS, M, (2006), « DETECTER ET SEGMENTER, DEUX CAPACITES METAPHONOLOGIQUE LIEES A L’APPRENTISSAGE DE LA LECTURE », IN GLOSSA, N°98, (4-20).

6-    RYMAND, S, PLAZA,M, (2006), « DYSLEXIE DEVELOPPEMENTALE ET REPRESENTATION SENSORIMOTRICE DU PHONEME : LE SYSTEME ALPHABETIQUE NE REPRESENTE PAS SEULEMENT LA DEMONSIEN SONORE DE LA PAROLE », IN GLOSSA, N°97, PP : 42-70.

 7-    -BERTIN-STREMSDOERFER,G,(2007),”LA REEDUCATION DE LA CONSCIENC EPHONOLOGIQUE-ORTHOPHONISTE”, IN REEDUCTION ORTHOPHONIQUE 45eme ANNEE,MARS,N°229,PP :169-180.

8-    PEPRKAMP, S, (2007), « LA PERCEPTION DE LA PAROLE ET L’ACQUISITION DE LA PHONOLOGIE », IN REEDUCTION ORTHOPHONIQUE, MARS N°229, PP : 03-15

مواقع الإنترنت:

9-     EZLIN, E, (2001), « CONSCIENCE PHONOLOGIQUE ET ACQUISITION DE LA LECTURE DU POINT DE VUE NEURO PSYCHOLOGIQUE », 2eme CONGRES DES AMERIQUES, « LANGAGE ECRIT ET MAUX DES MOTS »,29-30 ET 31OCTOBRE 2001, WTC-JARRY-GUADELOUPE. http:22062202/450 Actes cgs Amoct2001, 21/10/20010 .