دور التفاؤل غير الواقعي في ارتكاب الحوادثpdf

المرورية لدى السائقين الشباب

 

سعد الدين بوطبال

المركز الجامعي غليزان(الجزائر)

أجريت هذه الدراسة للتعرف على مدى شيوع سمة التفاؤل غير الواقعي لدى السائقين الشباب ،   و طبيعة الفروق بين مرتكبي الحوادث المرورية و غيرهم في هذه الخاصية، و لتحقيق ذلك طبقنا مقياس التفاؤل غير الواقعي الذي كيفه بدر الأنصاري على البيئة الكويتية ، حيث اعتمدنا في الدراسة الحالية على عينة قدرها 240 سائق . و بعد الحصول على البيانات أخضعت إلى التحليل الإحصائي بواسطة برنامج( spss )  و تبين من خلال الدراسة أن مرتكبي الحوادث المرورية الشباب يملكون مستويات أعلى في التفاؤل غير الواقعي من السائقين الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية . كما بينت نتائج الدراسة الحالية عدم وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين السائقين الشباب المتزوجين و السائقين العزاب فيما يخص التفاؤل غير الواقعي.

This study aimed to investigate the extent of the prevalence of the unreal optimism of the young drivers and the nature of the differences among the traffic accidents’ committers and others. We applied a questionnaire of the unreal optimism which was adapted on Kuwaiti environment by B.M.Alansar. we used a sample of 240 drivers. After having   the data which was subjected to a statistical analysis by SPSS program, the results show that the traffic accidents’ committers have high levels of unreal optimism than those who did not commit accidents and there were no significant statistical differences among the married drivers and single ones.

 مقدمة:

تمثلّ الإصابات الناجمة عن حوادث المرور في الجزائر تحدّيا كبيرا للصحة العامّة، نظرا لما تخلفه من آثار مأساويّة على الفرد و المجتمع، و إن كان الإنسان الضحية الأولى لهذه الحوادث، فهو المتسبب الرئيس فيها. و قد دلّت المتابعة اليوميّة للحياة الاجتماعية في ميدان حركة المرور على أنّ السائق غالبا ما يقوم بتصرفات تتنافى و متطلبات الأمن المروري، بل يُصِرّ على المخاطرة في الطريق، و هذا ما يؤدي بنا إلى أن نبحث عن الآليات النفسية و الاجتماعية و التربوية المساعدة على تفعيل الوقاية المرورية المستدامة .

لهذا يتطلب منا التناول العلمي لمشكلة حوادث المرور في الجزائر على وجه التحديد، و أن نتابع مجالات مختلفة و متكاملة من حياتنا الاجتماعية، لأن السلوكات المتسببة في الحوادث المرورية قائمة على قضايا نفسية، اجتماعية، ثقافية ....الخ، تُكوِّن في مجملها منبعا أساسيا للتصرفات المخالفة للأمن المروري. إنّ هذه المتابعة ضرورية قصد الإحاطة بأسباب المخالفات المرورية المتعددة  و المنتشرة بين السائقين،و التي تبدو ظاهرة لِلعَيان عند استعمال الطريق بصفة عامة . نذكر من بين هذه المخالفات : القيادة العشوائية، عدم احترام قواعد الطريق ،عدم إعطاء الأهمية لإشارات المرور عدم استعمال خصائص المركبة بشكل مُحْكَم،حمل أشخاص عوض البضائع في المركبة النفعية، توقيف المركبات في وسط الطريق  أو على الرصيف و بالتالي التعدي على حق المشاة، الإفراط في السرعة ...الخ، و بهذا يتورط عدد مُعْتَبر من السائقين في حوادث مرورية خطيرة . 

أولاً: الإطار العام للدراسة

1. مشكلة الدراسة و تساؤلاتها:

تشير الإحصائيات إلى أنّ السائق يتحمل نسبة كبيرة في وقوع الحوادث المرورية؛ و السائق هو الشخص الذي يتولى قيادة إحدى المركبات في الطريق العام. من المفروض أن يكون ملتزما بتطبيق قواعد المرور أثناء استخدامه للطريق،  لكنَّ السّائق يُعتبر المشكلة الرئيسة في عرقلة نظام المرور بتصرفاته المنافية لقواعد السلامة المرورية، سواء كان ذلك عن قصد أم غير قصد، وبذلك يكون قد أخلّ بالنظام الذي يجب أن يراعيه عند استعمال الطريق. ما دام السائق قد أعطِيَ له حق استعمال الطريق كان لزاما عليه أن يكون أهلا لهذه الثقة بإتباعه

قواعد السير و احترام قانون المرور و عدم مخالفته، إلا أنّ الواقع الاجتماعي يثبت لنا العكس، حيث يبين لنا أن بعض السائقين و خاصة الشباب منهم يخالفون قانون المرور بطريقة مُتَعمَّدة، و يعمدون إلى ارتكاب سلوكات خطيرة تؤدي في النهاية إلى وقوع حوادث مرورية. إنَّ المخالفات المرورية للسّائقين أثناء القيادة هي أخطاء شائعة توجد في كل زمان  و مكان وبشكل متكرر، يتعلمها الفرد و يقلّد فيها الآخرين دون إدراك لمخاطرها، و بذلك تصبح جزءا من سلوكه اليومي الذي يقوم به للتوافق مع العادات السلوكية الشائعة.

يعتقد بترسون ( Peterson,2000 ) أن التفاؤل غير الواقعي ليس مجرد تفكير إيجابي حافل بخبرات التغلب على العوائق مع غياب التفكير السلبي، بل يوجد نوعين من التفاؤل هما: التفاؤل المحدود، و يعني به التفاؤل الواقعي، و التفاؤل الكبير و يعني به التفاؤل غير الواقعي. فحسب كلا من الباحثين ( Hinze & Suir, 1997 ) يشير التفاؤل غير الواقعي إلى اتجاه تهيؤي دائم لدى الفرد يتضمن توقعاته المحتملة للمستقبل على نحو يخالف نتائج الماضي، و معطيات الحاضر، و ذلك في اتجاه المبالغة في العوائد الإيجابية. يبين بعض الباحثين منهم ( Krish et al , 1996 ) بأن التفاؤل غير الواقعي يعتبر كميكانيزم دفاعي إنكاري لخفض القلق، و كنزعة للأنانية تدفع الأفراد للتقليل من احتمالات وقوعهم في الخطر، بينما يعتقدون في وقوع الخطر  و الأحداث السيئة للآخرين دونهم ( Todesco & Hilman, 1999 ).

أشارت بعض الدراسات إلى وجود ارتباط موجب و دال بين المخاطرة و التفاؤل غير الواقعي و بينت بأن الاقدام على المخاطرة بمثابة ترجمة سلوكية للتفاؤل غير الواقعي (Peterson,2000 ). كما يضيف يمكن إثبات أنّ السائق هو المسؤول المباشر عن مخالفات السرعة التي قد تؤدي إلى حوادث مرورية متفاوتة الخطورة، و يضيفSteensberg, 1993) ( في هذا الصدد أنّ الإدراك الضّعيف للتضحية من خلال المخاطر، أي هذه التفاؤلية غير الواقعية تفسّر سلوك المخاطرة لدى السّائقين الشباب، فهم يعتقدون أنه بإمكانهم تجنب أخطار الطريق.

كما أوضح Simon et Corbett, 1992 )  ( بأن هناك صنفين من السائقين الذين يتجاوزن السرعة المحددة، الأول يمثله السائقون الذين لا يبالون و يهملون حدود السرعة أثناء السير على الطريق، أما الصنف الثاني فيمثله السائقون الذين يقصدون تجاوز السرعة المحددة لأنهم يعتقدون بأنها لا تمثل خطرا شخصيا عليهم.  

بالفعل، قد تفضي المخالفات المرورية في بعض الحالات إلى وقوع حوادث مرورية مميتة فيمكن أن تُعَدَّ عاملا مهددا لحياة الأفراد بفعل إهمال المبادئ الوقائية، سواء كان ذلك بسبب الجهل الوقائي أم التهور و المخاطرة أثناء مواجهة الأخطار عند استخدام الطريق. إن ما يميّز سلوك السائقين الشباب عموما هو التهور و المخاطرة أثناء القيادة، و عدم الالتزام بمبادئ الوقاية المرورية رغم خطورة استعمال الطريق، كونها في كثير من الحالات تمثل خطرا مميتا على السائقين إن هم أهملوا الإجراءات الوقائية و احترام قانون المرور.

إنّ هذه السلوكات المنتشرة في مجتمعنا وغيرها تنم عن عدم احترام الإجراءات الوقائيـة من طرف السائقين الشباب، و اختيارهم لمواجهة الأخطار دون وعيّ بتوابعها، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى  وقوع ضحايا.

و عليه يمكننا طرح التساؤلات التالية:

- هل توجد فروق دالة في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب مرتكبي الحوادث المرورية  و غيرهم  من السائقين الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية؟

- هل توجد فروق دالة في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب المتزوجين و السائقين العزاب ؟

2. فرضيات الدراسة:

1.توجد فروق دالة إحصائيا في التفاؤل غير الواقعي بين مرتكبي الحوادث المرورية من السائقين الشباب و غيرهم من الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية .

2. توجد فروق دالة إحصائيا في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب المتزوجين و غير المتزوجين .

3. أهمية الدراسة و أهدافها :

تكمن أهمية الدراسة الحالية في ندرة الدراسات والأبحاث التي تطرقت للحوادث المرورية في الجزائر بشكل عام و خاصة متغير التفاؤل غير الواقعي، و هذا ما نسعى إليه من خلال محاولة تقديم إضافة نظرية لهذا المتغير في دراسات وأبحاث الحوادث المرورية. و من جانب آخر نقدم من خلال الدراسة الحالية معلومات ميدانية تطبيقية عن الأسباب الكامنة وراء ارتكاب الحوادث المرورية، قصد استغلالها في بناء استراتيجية شاملة للوقاية من الحوادث المرورية .

وعليه تهدف هذه الدراسة إلى ما يلي:

أ‌.      إعطاء فكرة عن أسباب ارتكاب الحوادث المرورية لدى السائقين  الشباب.

ب‌.  تبيين دور التفاؤل غير الواقعي في ارتكاب الحوادث المرورية لدى السائقين الشباب.

ج‌.إبراز العلاقة بين التفاؤل غير الواقعي و متغير الحالة الاجتماعية لدى السائقين الشباب.

4. مفاهيم الدراسة :

1.4. مفهوم التفاؤل غير الواقعي :

يقصد بالتفاؤل غير الواقعي: تلك الاستجابات التي يقوم بها الفرد حول توقعه حدوث أحداث إيجابية متنوعة أكثر مما تحدث في الواقع، و توقّع حدوث الأشياء السلبية أقل مما يحدث في الواقع. كما ينظر إلى التفاؤل غير الواقعي بأنه نظرة استبشار نحو المستقبل، يجعل الفرد يتوقع الأفضل و ينتظر حدوث الخير و يرنو إلى النجاح و يستبعد ما خلا ذلك.( بدر الأنصاري، 1998 )

كما يعرف تايلور و براون ( Taylor & Brown , 1988 )  التفاؤل غير الواقعي: بأنه شعور الفرد بقدرته على التفاؤل إزاء الأحداث دون مبررات منطقية أو وقائع أو مظاهر تؤدي إلى هذا الشعور، مما قد يتسبب أحيانا في حدوث النتائج غير المتوقعة . كما يعرف التفاؤل غير الواقعي بأنه: " إدراك الفرد – على نحو انتقائي– لإيجابيات الحاضر، و تعميم أفضل التوقعات الممكنة على نتائج المستقبل ".( عادل هريدي ، 2002 ، ص. 118 )

يشير مفهوم التفاؤل غير الواقعي حسب هينز و سوير ( Hinze & Suir , 1997 ): إلى اتجاه تهيؤي دائم لدى الفرد يتضمن توقعاته المحتملة للمستقبل على نحو يخالف نتائج الماضي، و معطيات الحاضر، و ذلك في اتجاه المبالغة في العوائد الايجابية. كما يفسر بعض الباحثين التفاؤل غير الواقعي كميكانيزم دفاعي ( التفاؤلية الدفاعية ) إنكاري لخفض القلق الذي يسببه الإقدام على سلوك خطير إلى أدنى مستوياته حتى يستطيع الفرد تجسيد السلوك الخطير دون توتر نفسي كبير . و نستنتج مما سبق أن مفهوم التفاؤل غير الواقعي  يشير في معانيه إلى توهم الحصانة من الإصابة بالأذى، مما يترتب عنه التقليل من شأن السلوكات الوقائية و الحيطة و الحذر، و بالتالي عدم التردد في ارتكاب سلوكات خطيرة. ( عادل هريدي، 2002 )

و إجرائيا نعرف التفاؤل غير الواقعي من خلال الدرجة التي يحصل عليها الفرد عند استجابته لمقياس التفاؤل غير الواقعي الذي أعده ( بدر الأنصاري، 2004 )

2.4. مفهوم الحوادث المرورية :

يعرف فرج طه عبد القادر (1986) الحادثة بأنها « ...تقع ( الحادثة ) للفرد أو يتورط فيها دون معرفة أو توقع مسبق ينتج عنها أضرارا  تصيب الفرد أو الآخرين أو المعدات             أو الممتلكات » ( بوظريفة حمو و آخرون،1991، ص2 ).

و عليه نُعرِّف حوادث المرور: بأنها كل الإصابات الناجمة عن استخدام المركبة أثناء سيرها تحت ظروف معينة و ينتج عنها آثار مدمرة للأرواح و/أو الممتلكات.

و يمكن تعريف مرتكبي الحوادث المروري إجرائيا :بأنهم السواق الذين ارتكبوا ثلاثة حوادث مرورية فأكثر خلال السنتين الماضيتين . أما السواق الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية فهم الذين لم يتورطوا في أي حادث مروري من قبل .

3.4. مفهوم الشباب: عند تفحص مختلف تعاريف الشباب ندرك بجلاء أن ثمة اختلاف واضح بين الباحثين في تحديد مفهوم الشباب، فهناك من يقسم مرحلة الشباب إلى ثلاث فترات رئيسية و هي :

أ – فترة ما قبل الحلم أو فترة المراهقة و تمتد من 12 سنة إلى 15 سنة .

ب – فترة الفتوة أو فترة الشباب الأولى و تمتد من 15 سنة إلى 21 سنة .

ج – فترة الرشد أو فترة الشباب الثانية و تمتد من 21 سنة إلى 30 سنة. ( محمد عمر الشيباني ، 1983 ، ص 19)

هناك من يرى بأنّ فترة الشباب هي تلك الفترة من النمو و التطور الإنساني التي تتصف بسمات خاصة تميزها و تقسم هذه الفترة حسب هؤلاء إلى أربع مراحل هي :

أ – مرحلة المراهقة ، تمتد من 12 سنة إلى 15 سنة.

ب – مرحلة البلوغ و تمتد من 15 على 18 سنة.

ج – مرحلة الشباب المبكر و هي المرحلة التي تشمل الفترة من 18 إلى 21 سنة من العمر.

د – مرحلة الشباب البالغ التي تمتد من 21 إلى 25 سنة و التي يحقق فيها الفرد النضج و التأقلم للحياة الاجتماعية. ( محمد عمر الشيباني ، 1983 ، ص 35 - 36)

التعريف الإجرائي :  الجدير بالذكر أن المفهوم الدولي للشباب يتناول أساسا من تتراوح أعمارهم بين 15 و 25 سنة لكن هناك تأكيد يُقّره مختلف الباحثين مفاده أن مراحل الشباب  و الانتقال من مرحلة لأخرى يختلف من فرد لآخر و من مجتمع لآخر و من ثقافة لأخرى حسب طبيعة التنشئة  و الظروف الاجتماعية التي يمر بها الأفراد ، و عليه نرى حسب خصوصية مجتمعنا أنّ فترة الشباب بالنسبة لدراستنا تمتد من 18 سنة إلى غاية 30 سنة  و هو التعريف الإجرائي للشباب المعتمد في دراستنا ، نبدأ بالسن 18 لأنه السن المسموح به قانونا للحصول على رخصة السياقة ،حيث يبدأ الجزائري في ممارسة نشاط السياقة ، أما نهاية المرحلة في السن 30 فمردها إلى خصوصية المجتمع الجزائري حيث جل أفراد المجتمع ينظرون إلى من هم دون الثلاثين على أنهم شباب و هم أنفسهم ، أي الشباب يرون ذلك .

ثانياً : السند النظري للدراسة

عند تناول حوادث المرور كعامل مهدّد للصحّة العامة ، يجب متابعة السّلوك الصحيّ باعتبار أنّ الصحة بشكل عام  تعد ثقافة و سلوكا مجسّدا في الواقع عن طريق الاهتمام بالإجراءات الوقائية ، و العمل بها لتفادي كل ما من شأنه أن يُعَرِّض صحة الفرد للخطر. إنّ متابعة حركة المرور ميدانيا أثبتت أنّ كثيرا من السائقين لا يمارسون سلوكات وقائية عند استعمالهم الطريق ، بل أكثر من هذا فإنهم يصّرون على القيام بسلوكات خطيرة و منافية لقواعد السّلامة المرورية بشكل جعلها تدخل ضمن نمط الحياة اليومية ، و باعتبار أنّ السّلوك الصحي أو الوقائي متعلق بشكل كبير بالعوامل الشخصية أردنا التحقق من عنصر نخاله هامّا في شخصية السواق ؛ألا و هو التفاؤلية الدفاعية أو غير الواقعية كسمة و استعداد نفسي لتجسيد سلوكات مرورية معينة، و التي توثر في الالتزام بالسلوكات المرورية الوقائية.

1 . مفهوم التفاؤل غير الواقعي ( التفاؤلية الدفاعية ) :

اهتمّ الباحثون في الشخصية بمفهوم التفاؤل غير الواقعي في السّنوات الأخيرة و تمّ ربطه بموضوع الوقاية و الصحّة. و الوقاية ليست مجالا محددا، و إنّما هي سلوكات مترابطة      و متكاملة من أجل ضمان الصحة ، و باعتبار أنّ الفرد دائم التفاعل في محيطه الماديّ و الاجتماعي،  تصادفه أخطارا كثيرة تؤثر على صحته النفسية و الفسيولوجية و الجسدية، و من ثَمّ فإنّ الوقاية من الأخطار عملية تتطلب الإحاطة بنوعية الخطر و كيفية تفاديه، و حوادث المرور ما هي إلا نموذج من الأخطار التي تهدّد صحة الإنسان و حياته .

يُفَرَّق بين كل من التفاؤل و التفاؤل المقارن و التفاؤل غير الواقعي، حيث أنّ التفاؤل هو أسلوب معرفي شامل و نزعة داخل الفرد للتوقع العام لحدوث الأشياء الإيجابيّة بدلا من حدوث الأشياء السلبيّة و امتلاك إدراك ايجابي للذات و للعالم الخارجي. في حين يُعَرَّف التفاؤل المقارن باعتباره كنزعة تجعل الفرد يتوقع حدوث أشياء إيجابية يستفيد منها دون غيره ، و حدوث أشياء سلبية يعاني منها الآخرون فحسب ، و بكلمة أدق يشعر البعض بحصانة تجلب لهم إيجابيات الحياة و تبعد عنهم سلبياتها  و هم متيقنون أن كل ما هو سلبي سوف يقع فيه الآخرون ، و هذا ما يسمى بالتفاؤل المقارن . بينما يُعَرَّف التفاؤل غير الواقعي على أنه نزعة تجعل الفرد يتوقع حدوث الأشياء الإيجابية أكثر مما يحدث في الواقع ويستفيد منها ، و ابتعاد كل ما هو سيئ عنه ؛ إذ يظن البعض أنهم يستفيدون مما لا يستفيد منه غيرهم : الوقاية من الأخطار رغم ارتكاب سلوكات خطيرة، كما ينظر للتفاؤل غير الواقعي كإحدى آليات الدفاع التي يستخدمها الأنا لخفض القلق الناجم عن التخوف من الأخطار.

(CHWEITZER (m.) , 2002 , p 227-228)

و بهذا يمكن للتفاؤلية الدفاعية أو غير الواقعية أن تفسر ارتفاع نسبة حوادث المرور، لأنّ بعض الأفراد لا يُقيِّمون أخطار الطريق بموضوعية ، بل يتجاهلونها و يقللون من شأنها ،الشيء الذي قد يورّطهم في حوادث مرورية قد تفضي إلى الوفاة .

2 . التفاؤل و الخطر المروري :

2 . 1 . التفاؤلية الإستعدادية :

إن عبارة "سوف لن يكون إلا الخير" تشكل فكرة شائعة الاستخدام في حياتنا الاجتماعية و عند الاهتمام بحركة المرور على وجه الخصوص، إذ تمثل هذه التوقعات المعممة أساس تصور التفاؤلية الإستعدادية  ينظر من يتبنى هذا الموقف بتفاؤل للمستقبل، غير أنَّه يصعب تحديد ما إذا كان الفرد يساهم في إِبْعَاد الأحداث السلبية عنه ، أم أنّ الأمور تتطور إيجابيا عن طريق الصدفة و يستفيد منها . قد تشكل هذه الاعتقادات الإيجابية المعممة للأحداث المستقبلية  خاصة فيما يتعلق بحركة المرور  منبعا للتورط في حوادث مرورية ، نتيجة سوء تقدير أخطار الطريق  من جهة، و إهمال السلوكات الوقائية من جهة أخرى. (CHWEITZER (m.) , 2002 , p 221)

2. 2 . التفاؤلية الدفاعية و إدراك الخطر:

إنّ إدراك الخطر من طرف الفرد ضروري من أجل القيام بسلوك وقائيّ تجاه ما يهدّده. لا يقوم الأفراد بسلوكات وقائية إلاّ إذا أدركوا الخطر و شعروا بأنّهم مهدّدون حقيقة في حياتهم ، و مقتنعون بفاعلية الإجراءات الوقائية المتاحة. إنّ القابلية للإصابة في بعض الأحيان تخضع لإدراك مشوّه و غير سليم، عندئذ يقلل الفرد من أهمّية الخطر ببساطة ، و ذلك باعتقاده أنّه أقلّ قابلية للإصابة من الآخرين، أي بعبارة أخرى لماذا يلتزم الشخص بالسلوكات الوقائية لماَّ يعتبر أنّ نسبة تعرضه للخطر ضئيلة جدا، هذا الإدراك يعبّر عن تشوّه معرفي يسمى بالنزعة التفاؤلية الدفاعية أو غير الواقعية .

يمكن أن تكون للنزعة التفاؤلية مجموعة من الأسباب المعرفية و الدافعية . فقد تكون مبنية على أساس من المعلومات الخاطئة، أو يمكن أن تنشأ عن ميول دفاعية ضد القلق ، أو على أساس حاجة لحماية قيمة الذات .

و هذا ما بيّنه استخدام مفهوم التفاؤلية في علم النفس ، إذ يتم التمييز بين التفاؤلية الدفاعية المشوهة التي لا تستند إلى إدراك موضوعي للأخطار، و التفاؤلية الوظيفيةالتي تعمل على الاقتناع بفاعلية الإجراءات الوقائية و الالتـزام بها. 

  لم تقتصر دراسة التفاؤلية على أمراض خطيرة تهدد الصحة الجسمية للفرد ، مثل السيدا و السرطان  بل توسعت و شملت جميع الحوادث التي تؤثر على صحة الإنسان ، و منها حوادث المرور ، و هذا ما جعلنا نضيف عنصرا متعلقا بحقيقة و موضوعية الأخطار المهددة للفرد ، فبنظرة موضوعية يصادف مستعملو الطريق الأخطار يوميا ، و تؤثر طريقة إدراك و تقدير هذه الأخطار في الاستجابات السلوكية نحوها . و هذا ما يجعلنا نهتم بكيفية تقدير هذه الأخطار و الاستجابة لها سلوكيا ، فكان بحثنا بمثابة محاولة لتبيين السيرورات المعرفية التي تؤدي بالأفراد إلى ارتكاب الحوادث المرورية، خاصة عندما نلاحظ بعض السلوكات المرورية الخطيرة و الجريئة المتسببة في الحوادث ، و المقاومة لكل جهود التوعية و الوقاية، و هذا دون إهمال العوامل الشخصية الأخرى المتسببة في الحوادث المرورية. و الجدير بالذكر أن التفاؤل غير الواقعي  يبرز لدى السواق من خلال ميلهم إلى توقع حدوث الأشياء الإيجابية و التقليل من أخطار الطريق، و استبعاد تورّطهم في حوادث مرورية واعتبار أنفسهم محصنين منها .

2. الحوادث المرورية :

1.2.  تعريف حوادث المرور:

لقد ظهرت تعاريف كثيرة للحادث من أهمها ، تعريف السيف عبد الجليل  الذي عرف الحادث على أنه « جميع الحوادث التي ينتج عنها إزهاق للأرواح أو إصابات في الأجسام أو خسائر في الأموال أو جميع ذلك من جراء استعمال المركبة »( بن محسن محمد الصبحي عبد العزيز، 1998، ص 28).

كما عرفه المطيري « الحادث المروري هو كل ما يحدث للمركبة أو فيها أثناء سيرها بسبب توافر ظروف معينة ، و دون توقع أو تدبير سابق من أي طرف من الأطراف المشاركة في الحادث ، و ينتج عنه إزهاق للأرواح أو خسارة في الممتلكات أو إصابة في الأجسام »  . 

 ( بن محسن محمد الصبحي عبد العزيز، 1998 ، ص 29 )

و منه يمكننا القول بأن الحادث المروري يقصد به كل الإصابات الناجمة عن اصطدام المركبة بمركبة أخرى أو اصطدام بالمشاة ، أو اصطدام مع الأشجار و الأعمدة و الحيوانات ، أو الانحراف عن الطريق .....الخ .

2.2. أسباب حوادث المرور في الجزائر:

تنقسم أسباب حوادث المرور في الجزائر إلى مباشرة و أخرى غير مباشرة ، و التي سنعرضها على النحو التالي:

1.2.2. الأسباب المباشرة:

الأسباب المباشرة: هي الأسباب المتعلقة أساسا بالعنصر البشري و هي تمثل ما نسبته 90% من إجمالي حوادث المرور حسب إحصائيات السنوات الأخيرة، و العنصر البشري يتكون من صنفين:

- أولا، المشاة: المشاة هم الأفراد أو الجماعات الذين يستعملون الطرق و الشوارع  سيرا على الأقدام إذ لا يحترمون قواعد المرور عند قطع الطريق مهملين القضايا التابعة للحذر     و الانتباه.

- ثانيا، السّائق:  السائق هو من يتولى قيادة المركبة في الطريق، فيكون إما سببا أو ضحية لحوادث المرور إثر سلوك من السلوكات الآتية: الإفراط في السّرعة ، عدم التزام السّائقين الجدد بالسّرعة القانونية، عدم مراعاة شروط التجاوز و كيفياته، السّياقة بدون رخصة، السّياقة  في حالة سكر أو تحت تأثير مخدر ...الخ .

 2.2.2 . الأسباب غير المباشرة:

و هي الأسباب المتعلقة أساسا بالمركبة و الطريق و المحيط و خصائصه،حيث تمثل نسبة  10% من إجمالي عدد حوادث المرور و تُوزع على النحو التالي:

- المركبة: تعتبر المركبة عنصرا استراتيجيا ، فبواسطتها يتم تنقل الأفراد من مكان إلى آخر، و لأجلها تُشيَّّد الطّرقات و تهيّأ بطريقة ملائمة، لتسمح بالسّير السّليم للمركبة، و عليه فحالة الطريق مهمّة جدّا أثناء استعمالها، فأي تهاون في هذا الجانب قد يُودِي بأرواح بشرية بريئة إثر الأسباب التالية: اختلال في التجهيزات الضوئية، انعدام الفرامل، انعدام الأضواء، عدم صلاحية العجلات، الحمولة الزائدة ، سوء ربط و ترتيب الحمولة، ......الخ.

- الطريق: تمثل الطريق بشقيها وسط الطريق و الرصيف البيئة المرورية، و حتى تستخدم بسلامة و أمان يجب أن تُرَاعى المبادئ العلمية في هندستة عند التصميم و الإنجاز، لكن الحقيقة هي أنّ الطريق عندنا في حالة يرثى لها، إذ نجد في طرقنا حفرا متناثرة هنا و هناك، تشوهات تعيق حركة المرور، انعدام الرصيف في بعض الطرق، حفرا في الرصيف، .......الخ.

2. 3. ظروف المحيط:

إضافة إلى ما سبق، هناك أسباب أخرى متعلقة أساسا بالمحيط و حالته، مثل: الأمطار، الثلوج، الجليد، الضباب الكثيف، عبور الحيوانات....الخ، حيث تتسبب هذه العناصر في حوادث مرورية متعددة.

4.2 . أبعاد مشكلة حوادث المرور:

تشكل حوادث المرور وما ينجم عنها من وفيات وإصابات جسدية و مادية أحد أهم مشكلات العصر الحديث. تتصدر الحوادث المرورية قائمة أسباب الوفيات والإصابات الخطيرة في بعض دول العالم، وبشكل خاص الجزائر. و لهذه الحوادث تَوَابع  نفسية و اجتماعية         و صحية و اقتصادية ، و هي متسلسلة و مترابطة  بطريقة تُثْقِل سياق النمو الحضري و تقدم المجتمع ، خصوصا أن عددا كبيرا ممن يتحمل عبء هذه الحوادث هم شباب؛ أي الطاقة الفعالة في المجتمع التي تُبْنَى عليها الآمال و الاستراتيجيات.

1.4.2. البعد النفسي و الاجتماعي: تمثل الحوادث المرورية ظاهرة اجتماعية معاصرة، ما فتئت تتسبب في ازدياد عدد النساء الأرامل  ، إضافة إلى تنامي عدد الأشخاص ذوي العاهات و الإعاقات التي قد تكون في بعض الأحيان دائمة، و التي تجعل الاندماج الاجتماعي للفرد عملية صعبة ، إذ أن الفرد حينها يكون دائما بحاجة إلى مساعدة الآخرين ، ثم إنّ الفرد المعاق يمثل عبئا ثقيلا على أسرته جَرَّاء مَشَقَّة التكفل به و مصاريف علاجه ، دون أن ننسى فئة الأطفال و التي تجد نفسها في دائرة الأيتام والحرمان من الرعاية الأبوية، و هذا ما يدفع كثيرا من الأطفال إلى التخلي عن المقاعد الدراسية و التوجه نحو الآفات الاجتماعية كانحراف الأحداث ، السرقة، المخدرات ، الكحول......الخ.

من جهة أخرى يصاب الفرد المعاق بسبب حادث مروري باضطرابات نفسية عديدة ، تبدأ بعدم تقبله للإعاقة و ما بنجر عنها من عزلة و انطواء على الذات و الدخول في دوامة الاكتئاب ، زيادة على حاجته الدائمة للمساندة الاجتماعية و الاعتماد على الآخرين ...الخ . كل هذه الاضطرابات تزيد في المعاناة النفسية و الصحية للفرد.

2.4.2. البعد الصحي: تمتد آثار الحوادث المرورية إلى القطاع الصحي، من خلال الزيادات المضطردة للمعاقين خاصة إذا ما علمنا أن الإعاقة قد تكون في بعض الأحيان أقسى من الموت على صاحبها من جهة ، و زيادة أعباء التكفل بالجرحى و المصابين في الحوادث المرورية ، ثم إنّ هذه الحالة تثقل القطاع الصحي بأكمله و تشكل عائقا حقيقيا في التكفل بالأمراض الخطيرة الأخرى التي تهدد المجتمع بِرُمَّتِه، فحوادث المرور تمثل عقبة في تنمية الصحة بصفة عامة في البلاد. 

3.4.2. البعد الاقتصادي: تحتاج المجتمعات إلى تظافر جهود كل طاقاتها البشرية لإحداث التنمية الشاملة التي يسعى إليها كل مجتمع، و لتحقيق هذه الغاية لابد من الاهتمام بالطاقة البشرية التي تُعدّ العامل الرئيس في التنمية الاقتصادية للبلاد ، لكن كيف يكون عليه الحال و نحن نعلم أنّ حوادث المرور تستهدف بشكل كبير فئة الشباب؟ التي تعتبر قوة إنتاجية ضرورية و محرك التنمية الاقتصادية.

تُخَلِّف حوادث المرور في الجزائر خسائر مادية معتبرة تقدر بالملايير من الدينارات سنويا، إنّه رقم ضخم يعكس بصدق آثار حوادث المرور على الجانب الاقتصادي للبلاد، زيادة على التكاليف المالية المعوضة من طرف شركات التأمين ، إضافة إلى مصاريف الاستشفاء و أيام العطل المرضية التي تُمْنَح للأفراد، و مصاريف إصلاح المنشآت المتضررة في البيئة المرورية . هذا ما يؤثر على  ترشيد استعمال الموارد المالية للبلاد و استغلالها بشكل فعّال، أي استثمارها في عدة ميادين تعود إيجابا على المجتمع بأكمله.

3 . مرحلة الشباب:

تعد مرحلة الشباب فترة أساسية في حياة الإنسان، فهي بوابة النضج الجسماني و الانفعالي و الاجتماعي. يؤكد المختصون في علم النفس النمو على أن فترات العمر تبدأ  بفترة الطفولة ثم فترة المراهقة فالشباب ثم فترة الرشد، ثم فترة الكهولة، ثم الشيخوخة. بالنسبة لفترة الشباب هناك اختلاف بين المختصين في تحديدها ، فمنهم من يقر بأنها تمتد من الثانية عشرة أو الخامسة عشرة إلى الخامسة والعشرين، وهناك من يرى أنها تمتد من الخامسة عشرة إلى الثلاثين، وهناك من يحدد بوابتها بسن الثامنة عشرة ، وأما بالنسبة للدراسة الحالية فقد أخذنا بالتحديد الرأي الأخير؛  و هي الفترة التي تمتد ما بين الثامنة عشرة والثلاثين .

1.3. خصائص و سمات فترة الشباب:    

 1.1.3خصائص جسميه: تتميز مرحلة الشباب بنمو متسارع  من الناحية الجسمية،  بينما لا يصاحبه  بنفس  الدرجة  النمو العقلي أو الانفعالي أو الاجتماعي ويؤدي هذا  حالة من القلق  والخوف  والصراع  لدى الشاب .

2.1.3. خصائص عقليه:  يتميز الشاب بقدرته على التفكير التجريدي و إدراك المعاني المجردة ، و القدرة على حل المشكلات .

3.1.3. خصائص نفسيه انفعاليه:  لعلّ  أهم  خصائص هذه المرحلة  هي محاولة الشاب التعرف على ذاته  والتعرف على الجنس الآخر والاهتمام  بالميول  المهني ، والرغبة  في الاستقلال والاعتماد على  الذات. و من بين الخصائص النفسية المتعلقة بسلوك قيادة السيارات نجد : الاندفاع، محدودية الخبرة الاجتماعية، التعجل، الحماس، حب الظهور، حب الاستعراض، حب إثبات الذات والتميز ، الجرأة و ركوب المخاطر،  الثقة الزائدة أو المفرطة في النفس، حب المغامرة، عدم تقدير المواقف تقديراً سليماً... الخ . إن هذه الخصائص تميز الشباب بصفة عامة بغض النظر عن الاختلافات الموجودة بين فرد و آخر من جهة، و بين مجتمع و آخر من جهة أخرى.

4.1.3 .  خصائص اجتماعيه:  من بين الخصائص الاجتماعية المرتبطة بسلوك قيادة السيارات نجد ما يسمى بالمعيارية. من المتعارف عليه أن سلوك الأفراد محدد بمجموعة من القيم و المعايير الاجتماعية السائدة ، فهؤلاء ملزمون بالتقيد المعنوي بهذه النظم و المعايير حتى يتجنبوا ردود أفعال اجتماعية معينة . وتعني المعيارية في علم النفس أن بعض الأشخاص يخترقون النظم و المعايير الاجتماعية بسلوكات معينة لتحقيق أهداف نفسية بالدرجة الأولى  .

2.3. الشباب و سلوك قيادة السيارات :

تعتبر المركبة في واقعنا الاجتماعي وسيلة للتنفيس و الافتخار حيث يقود بعض الشباب مركباتهم بطريقة عشوائية و ملفتة للانتباه، و يجوبون  بها الشوارع و الطّرقات بسرعة عالية، و تنعدم عندهم روح المسؤولية أثناء القيادة . وكلّما كانت المركبة حديثة و قويّة كلّما أدى ذلك إلى زيادة الثقة بالنفس لدى بعض السائقين الشباب ، و كثيرا ما يلجأ بعض السّائقين إلى الألعاب الاستعراضية أمام مرأى و مسمع الآخرين ، خاصة في مواسم و أيام الأفراح، أين لا يُحترم فيها قانون المرور تحت غطاء الفرح الذي طالما يتحول في حالات مختلفة إلى قرح و أحزان.

تعطي المركبة في مجتمعنا الفرد مكانة اجتماعية خاصة، لذلك يعتقد الأفراد أنّ نوع المركبة و طرازها له أهميّة في قلوب الناس، و من خلالها يتمّ الحكم على صاحبها، فالمركبة في منظور البعض تمثل برهانا على نجاح اجتماعيي عندئذ تصبح برهانا لِرُقيّ الفرد في السّلم الاجتماعي و الاقتصادي، حيث نجده يغيّر مركبته في كلّ مرة بما هو أرقى منها ليحسّ من خلال ذلك بالنجاح في الحياة و أنه ذو شأن بالنسبة للآخرين، فالمركبة حينها ما هي إلاّ وسيلة لجلب  الإعجاب و التقدير من الآخرين و إثبات الذات في الواقع الاجتماعي.

كثيرا ما يتباهى الأفراد في مجتمعنا ، خاصة الشباب منهم ، بقيادتهم الخطيرة و الجريئة ذات السّرعة العالية ، و اعتبار ذلك دليلا واضحا على التحكّم في فنّ قيادة السيارات ، لهذا يُتَّهم الفرد الذي يقود مركبته بتأنّ بالجبن وجهل فنّ السّياقة ، و نقص الشّجاعة ، فالإفراط في السّرعة عند هؤلاء يعدّ معيـارا أساسيا للحكّم على قدرة الفرد في إتقان فنّ قيادة السيارات.

 

ثالثاً:  منهجية الدراسة و إجراءاتها

1.      المنهج المتبع في الدراسة:

إنّ مشكلة حوادث المرور معقدة ، ذلك لأنها تتعلق بالتفاعل اليومي للأفراد و استعمالهم الطريق وفق نمط حياتهم اليومي ، هذا ما جعلنا نعتمد أولا على المنهج الوصفي، الذي يمكّن الباحث حسب" لامورو" (Lamoureux,1995) من التصوير الدقيق للظاهرة المدروسة    و إقامة علاقات بين عناصرها المختلفة، و هذا ما قمنا به عن طريق جمع معلومات حول السلوكات المرورية للسائق، ثم صنفناها من أجل إخضاعها للمنهج التحليلي الذي اعتمدناه ثانيا، و في هذا الإطار يؤكد ( المشوخي ، 2002) أن المنهج التحليلي يعنى بتمحيص الوقائع و إخضاعها لتفسيرات سببية  أو علية و مقارنات ،و اختبار صحة الفروض، و حسب الكاتب دائما، يهدف هذا المنهج إلى إيضاح مكونات الظاهرة و جوهر خصائصها، و يضيف مؤكدا بأنه جرت العادة بين الباحثين إلى استخدام كلا المنهجين، ليكمل كل منهما الآخر وفق مقتضيات البحث، لأن الوصف يعتمد على تجميع الحقائق و تحليلها و تبويبها في إطار أقرب إلى ما هو كائن، في حين ينحو التحليلي لتعميق الدلالات  و تفسيرها و تحليلها،  في إطار ما يجب أن يكون، و يضيف قائلا : كلا المنهجين يستهدف الوصول للحقائق العلمية، و اختبار صحتها و تنبؤاتها و صياغتها للانتفاع بها .

2.      مجتمع و عينة الدراسة :

من الصعب على الباحث أن يشمل بالدراسة كل مجتمع السواق ، لأنه مجتمع غير محدود فكل يوم يتغير هذا المجتمع، لذلك اقتصرت دراستنا على عينة مقصودة قدرت بـ 240 فرد من زوار مؤسسات التأمين عن السيارات المنتشرة في إقليم  ولاية البليدة، و الذين يتراوح سنهم مابين 20 و 30 سنة، قصد الحصول على عينة تحتوي على مرتكبي الحوادث المرورية من السائقين الشباب من جهة، و من جهة أخرى عينة من السائقين الشباب الذين  لم يرتكبوا حوادث مرورية، و جاءت خصائص عينة الدراسة كالآتي :

الجدول ( 01 )  : توزيع عينة الدراسة حسب متغير الجنس

يظهر لنا من خلال الجدول أن نسبة 82.5% من عينة الدراسة ذكور، بينما النسبة المتبقية و المقدرة  % 17.5 إناث، و تعكس هذه النسبة ما هو واقع في الحياة الاجتماعية ، إذ أن قيادة السيارات لازالت نشاطا ذكوريا، بالرغم مما يظهر في السنوات الأخيرة من تزايد لافت لعدد السائقات في الطرقات.

الجدول ( 02 ): توزيع عينة الدراسة حسب متغير السن

يبين لنا هذا الجدول أن نسبة %63.33 من عينة الدراسة تتراوح أعمارهم مابين 25 و 30 سنة، و بالمقابل نجد نسبة %36.67 من عينة الدراسة يندرجون في الفئة العمرية مابين 20 و 25 سنة.

الجدول ( 03 ) : توزيع عينة الدراسة حسب متغير المستوى الدراسي

يظهر من خلال هذا الجدول أن نسبة %44.58 من عينة الدراسة مستواهم الدراسي توقف في المرحلة الثانوية ، بينما نجد ما نسبته %37.5 من عينة الدراسة وصلت إلى المستوى الجامعي في تحصيلها الدراسي، و بالمقابل نستنتج أن ما نسبته % 17,92 من عينة الدراسة أن حياتهم الدراسية توقفت في المرحلة المتوسطة .

الجدول ( 04 ) : توزيع عينة الدراسة حسب متغير الحالة العائلية

نستنتج من خلال هذا الجدول أن %53.33 من عينة الدراسة متزوجون ، و بالمقابل نجد ما نسبته %46.67 من عينة الدراسة لازالوا عزابا.

3.      أداة الدراسة :

استخدم الباحث في هذه الدراسة مقياس التفاؤل غير الواقعي الذي أعده محمد بدر الأنصاري؛ حيث يحتوي المقياس على 24 بند  يجاب على كل منها على مقياس ثماني ( من 10%  إلى  80 ( % ، 12 بند خاص بالأحداث السارة و التي تحمل الأرقام ( 1 ، 2 ، 4 ، 6 ، 8 ، 10 ، 12 ، 14 ، 16 ، 17 ، 18 ، 21 )، أما بقية البنود و التي تدور حول الأحداث المفجعة فهي ذات الأرقام  (  3 ، 5 ، 7 ، 9 ، 11 ، 13 ، 15 ، 19 ، 20 ، 22 ، 23 ، 24 ) فإنها تصحح بشكل معكوس ثم تجمع مع درجات بنود الأحداث السارة لاستخراج الدرجة الكلية للمقياس، و كيّفه على البيئة الكويتية، و تم حساب الخصائص السيكومترية لأداة الدراسة على عينة قدرها 60 سائقا؛ حيث توصلنا إلى ما يأتي:

1.3 ثبات المقياس : تم حساب ثبات المقياس بطريقة التجزئة النصفية، فكان معامل الارتباط بعد التصحيح مساويا لـ ( 0.77 ) و هي قيمة تدل على ثبات المقياس. بينما كان معامل الثبات بطريقة ألفا كرونباخ مساويا لـ ( 0.69 ) و هي قيمة معتبرة تدل على ثبات المقياس.

2.3 . صدق المقياس : تم عرض نسخة من المقياس على أساتذة علم النفس و علوم التربية قصد الحكم على محتواه و قياسه الفعلي للتفاؤل غير الواقعي ، فاتفق أغلبية الأساتذة على صدق المقياس في قياس خاصية التفاؤل غير الواقعي . كما يمكن حساب الصدق الذاتي للمقياس الذي يساوي الجذر التربيعي لمعامل الثبات ( 0.83 ) و منه يمكن اعتبار المقياس صادقا في قياسه لسمة التفاؤل غير الواقعي.

4.      إجراءات الدراسة :

تم تطبيق المقياس وجها لوجه مع السائقين زوار بعض مؤسسات التأمين، قصد تفادي عدم فهم بعض السائقين لمحتوى بعض البنود أو فهمها على نحو خاطئ. و تم استرجاع المقياس في نفس الوقت الذي طبق فيه. كما تمت الاستعانة ببعض طلبة علم النفس في تطبيق الأداة  و ذلك بعد تدريبهم على كيفية تطبيق المقياس.

5.      الأساليب الإحصائية المستخدمة:

استعملنا في الدراسة الحالية أساليب إحصائية عديدة منها : المتوسط الحسابي و الانحراف المعياري ، كما استعملنا إختبار ت للفروق قصد دراسة الفرق في مستوى التفاؤل غير الواقعي بين مرتكبي الحوادث المرورية و غيرهم من السائقين . و كذلك بين السائقين الشباب  المتزوجين و غير المتزوجين . علما أنه تمت معالجة بيانات الدراسة باستخدام برنامج              ( spss ) الإصدار العاشر.

رابعاً: عرض نتائج الدراسة

1. نتائج التساؤل الأول : للإجابة عن التساؤل الأول الذي مفاده " هل توجد فروق دالة إحصائيا في التفاؤل غير الواقعي بين مرتكبي الحوادث المرورية و غيرهم من السائقين " تم تطبيق اختبار ت لعينتين مستقلتين ، فكانت النتائج ملخصة في الجدول الآتي : 

الجدول ( 05 )  : يوضح نتائج اختبار ت للفروق في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين مرتكبي الحوادث المرورية  و غيرهم من الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية . 

من خلال الجدول أعلاه يتضح لنا أنه توجد فروق ذات دلالة إحصائية ( مستوى الدلالة = 0.045 )  في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب مرتكبي الحوادث المرورية         ( المتوسط الحسابي =  10.4113 ) و السائقين الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية ( المتوسط الحسابي = 09.3583 )  لصالح مرتكبي الحوادث المرورية، حيث أنهم يملكون مستوى أعلى في التفاؤل غير الواقعي من السائقين الشباب الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية .

و هذا يعني أن الشباب مرتكبي الحوادث المرورية يتسمون بدرجات أعلى في التفاؤل غير الواقعي، الشيىء الذي يفسر تورطهم في حوادث مرورية أكبر من غيرهم، فمن خلال التفاؤل غير الواقعي الذي يعني استبعاد الإصابة بالأذى رغم خطورة الموقف نتيجة الإدراك المشوه و غير الموضوعي للفرد، يقدم السائق على اختراق حدود السرعة القانونية، و التي تقترن عادة بتجاهل أخطار الطريق و اعتبار السائق نفسه في منأى من الحوادث المرورية ،فهذا دليل واضح على ميل بعض السواق إلى الإفراط في السرعة .

إنّ الإفراط في السرعة قد يرجع لاعتقادات السواق بأنهم قادرون على مواجهة أخطار الطريق المحتملة، وهذا ما يثبت أنّ عددا من السائقين الشباب يميلون إلى اعتماد سرعة عالية و غير آمنة، فيقومون بالتجاوزات الخطيرة في المنعطفات و الخطوط الأرضية المستمرة، عدم استعمال الإشارات بشكل سليم أو عدم استعمالها بتاتا.

الدخول في الطريق مباشرة دون احترام إشارة التوقف، قيادة دراجة نارية في الطريق السريعة و دون استعمال خوذة الأمان، قيادة المركبة دون استعمال حزام الأمن، قيادة المركبة مع استعمال الهاتف النقال. إنّ هذه السلوكات قد يقوم بها السائق الشاب نتيجة استبعاده الوقوع في حوادث مرورية، أو توقعه أنّ الأمور ستسير إيجابيا  و لصالحه؛ أي من خلال الإدراك الذاتي للخطر من طرف السائق قيّمه على أنّه لا يمثل تهديدا بالنسبة إليه شخصيا،و يعتبر في نفس الوقت أنّ هذا الأمر قد يحدث لآخرين، أما هو فلا، و هذا جوهر ما يعنيه مفهوم التفاؤل غير الواقعي . كما أن السائق و هو داخل مركبته يحسّ بالحصانة من حوادث المرور، و هذا ما يفسر سلوك السائقين عموما و سائقي الشاحنات خصوصا في استعمال الطريق و عدم مراعاتهم لسلامة سائقي المركبات الخفيفة، باعتبار أنهم شخصيا بعيدون عن الإصابة بحوادث مرورية طالما أنّهم يحسون مسبقا بالحصانة من الحوادث.

إنّ السائقين مرتكبي الحوادث المرورية عادة ما يستبعدون التورط في حوادث مرورية خطيرة، أي أنّهم يقومون بسلوكات خطيرة ،و لاستبعاد القلق الذي تسببه هذه الوضعية يقوم بتفاؤل غير واقعي مفاده أنّه شخصيا بعيد عن الوقوع في حوادث مرورية، بعبارة أدق يعتقد أنه يتمتع بالحصانة الكافية تجاه أخطار الطريق .

المتتبع لحركة المرور في حياتنا الاجتماعية يدرك أنّه كثيرا ما يقول مرتكبو حوادث المرور: إنّ الحادث مقدّر، أي أنّه كان حتمي الوقوع ، إنّ هذا السلوك يجعل مرتكب الحادث المروري لا يشعر بمسؤوليته في وقوع الحادث نتيجة سوء تصرفاته و اعتماده سلوكات خطيرة و عدم أخذه بالإجراءات الوقائية اللازمة،هذا ما يؤدي بالسائق إلى معاودة تكرار المخاطرة بعد الحادث طالما أنّ الحادث كان مقدرا ولا يمكن رده بأي حال.

و من خلال ما سبق يمكن أن نقول: إنّ التفاؤل غير الواقعي المجسّد في سلوكات الإحساس بالحصانة من الحوادث و تقليل  احتمالات الوقوع فيها  رغم ارتكاب سلوك مروري خطير، و اعتبار السائق أنّه من غير الممكن أن يتعرض لحادث مروري ، يؤدي به إلى ارتكاب سلوكات مرورية خطيرة قد تصل به إلى حد ارتكاب حوادث مرورية جسيمة . و عليه يمكننا أن نستنتج أن التفاؤل غير الواقعي سمة تميز بين السائقين مرتكبي الحوادث المرورية و غيرهم من الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية.

2. نتائج التساؤل الثاني : قصد الإجابة عن التساؤل الثاني  " هل توجد فروق دالة إحصائيا في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين المتزوجين و غير المتزوجين " قمنا بتطبيق اختبار ت لعينتين مستقلتين، فكانت النتائج كالآتي :

الجدول ( 06 ) : يبين نتائج اختبار ت للفروق في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب المتزوجين و غير المتزوجين .

يوضح هذا الجدول الفروق في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب المتزوجين  ( المتوسط الحسابي = 9.3708و السائقين غير المتزوجين (  9.3729 ) ، و الملاحظ أنه لا توجد فروق دالة إحصائيا ( مستوى الدلالة = 0.49بينهم مما يعني أن الحالة الاجتماعية لا تتعلق بالتفاؤل غير الواقعي لدى السائقين الشباب خاصة في مجال قيادة السيارات، حيث يتورط عدد كبير من السائقين الشباب المتزوجين في حوادث مرورية خطيرة مثلهم مثل السائقين الشباب غير المتزوجين نتيجة عدم التزامهم بالسلوكات الوقائية، و تجاهلهم لأخطار الطريق الموضوعية . و بالتالي لا توجد فروق جوهرية في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب المتزوجين وغيرهم من غير المتزوجين 

خامساً: مناقشة النتائج

1. مناقشة نتائج التساؤل الأول المتعلق بالفرضية الأولى:

أوضحت الدراسة الحالية أن التفاؤل غير الواقعي لديه علاقة بارتكاب الحوادث المرورية لدى السائقين الشباب، نتيجة التقليل من المخاطر الموضوعية للطريق، و اعتبار السائق نفسه بعيد عن الإصابة بأذى. إنّ هذا الإدراك المشوّه يساهم في خفض القلق و التوتر الناجم عن ارتكاب سلوكات مرورية خطيرة و التي بدورها تهدد التوازن النفسي للإنسان، و ذلك ما توصلنا إليه من خلال الفروق الدالة إحصائيا في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب مرتكبي الحوادث المرورية و غيرهم من السائقين الذين لم يرتكبوا حوادث مرورية ، و يمكن تفسير هذه النتيجة باعتبار أن التفاؤل غير الواقعي يعمل على تشويه إدراك الفرد لمخاطر الطريق  و التقليل من آثارها المحتملة، مما يجعل السائق يقدم على ارتكاب المخالفات المرورية و التي تؤدي بدورها إلى حوادث مرورية خطيرة قد تفضي إلى الوفاة. و هذا ما أشار إليه ماكنا ( Mckenna , 1993 ) حينما أكد على وجود قاسم مشترك بين المخاطرة و التفاؤل غير الواقعي فكلاهما يتغافل بدرجة كبيرة عن بعض معطيات الواقع و الممكن  خاصة تلك المعلومات المتصلة بالخطر. كما توصل ( عادل هريدي ، 2002 ) الى وجود ارتباط دال و موجب بين التفاؤل غير الواقعي و المخاطرة؛ حيث يمكن القول بأن سلوك المخاطرة ما هو إلا ترجمة للاعتقاد التوهمي  والمعبر عنه بـ " التفاؤل غير الواقعي "، و هي نتيجة مدعمة لما توصل إليه نيس و وليامس ( Ness & Williames , 1996و يمكن التأكيد هنا على أنّ التفاؤل غير الواقعي يجعل السائق يُقبل على ارتكاب المخالفات المرورية الخطيرة، و التي يعبر عنها بسلوكات خطيرة قد تفضي بدورها إلى حوادث مرورية خطيرة. و بالتالي يمكن القول بأن الفرضية الأولى قد تحققت.

2. مناقشة نتائج التساؤل الثاني المتعلق بالفرضية الثانية:

 كما بينت الدراسة الحالية أنه لا توجد فروق جوهرية في التفاؤل غير الواقعي بين السائقين الشباب المتزوجين و غير المتزوجين فالحالة الاجتماعية لا ترتبط بالتفاؤل غير الواقعي لدى السائقين الشباب.  وفي هذا الصدد توصل ( النافع و السيف ، 1988 ) إلى أن السائق المتزوج كان أكثر سلامة و أقل تعرضا للحوادث من غيره ، غير أن دراسات أخرى من بينها دراسة آتز ( Etz , 1968  ) وصلت إلى تفاعل متغير الحالة الاجتماعية مع متغير السن حيث كان المتزوجون من فئة سن أقل من 25 سنة كانوا أكثر في الحوادث مقارنة بالعزاب في نفس الفئة العمرية، و أمام هذا التناقض توصلنا من خلال الدراسة الحالية إلى عدم وجود فروق جوهرية بين السائقين الشباب المتزوجين و غير المتزوجين في التفاؤل غير الواقعي، بمعنى أن الزواج لا يسهم في التقليل من مستوى التفاؤل غير الواقعي لدى السائقين الشباب  والذي يرتبط بدوره بارتكاب الحوادث المرورية.

 خلاصة الدراسة:

يدرك الجميع بأنّ المشكلة المرورية أصبحت تؤرق الجميع ، نظرا لما تخلفه من آثار نفسية   و اجتماعية و اقتصادية على الفرد و المجتمع على حد سواء، لذلك يجب استغلال كل ما من شأنه أن يسهم في إرساء مبادئ السلامة المرورية المجسدة فعليا في الحياة الاجتماعية من خلال سلوكات مرورية آمنة.

من خلال الدراسة الراهنة يمكن أن ننوه باستغلال السيرورات المعرفية للسائقين الشباب التي تدفعهم إلى المخاطرة و ارتكاب الحوادث المرورية في تقديم البرامج التربوية و التوعوية     و من ضمنها التفاؤل غير الواقعي ،إذ أنّ  الاعتماد على التخويف و الترهيب قصد جعل الأفراد يلتزمون بسلوكات معينة قد لا يؤتي أكله ، لأنّ التعريف بالخطر و تعميم المعرفة بوجوده و التحذير منه  يبقى عاجزا من الدخول إلى نفسية الفرد و التأثير على إدراك الخطر الذاتي له ،أي احتمال تعرض الفرد نفسه للخطر، هذا ما يفسر بعض سلوك السائقين الشباب و المتمثل في اعتمادهم  لسلوكات مرورية غير آمنة في بعض المواقف،لأنّهم يتوقعون مسبقا أنّ احتمالات تعرضهم لحادث مروري ضئيلة جدّا بشكل يجعلهم يتجاهلون الخطر و لا يلتزمون بالسلوكات الآمنة في استعمال الطريق، ثمّ إنّ التقليل من الآثار الناجمة عن حوادث المرور في مجتمعنا هدف تربوي غرضه جعل المبادئ التي يتلقاها الأفراد من خلال التربية و التوعية المرورية أفعالا حقيقية مجسّدة على أرض الواقع ، و ذلك بتوجيه إدراك الأفراد من التقليل من شأن مخاطر الطريق إلى تقديرها تقديرا سليما بشكل يضمن الأمن و السّلامة لمستعملي الطريق عموما، لأنّه ببساطة الوعي الحقيقي لأخطار الطريق المهددة لسلامتنا هو الذي يدفعنا إلى الالتزام بالسلوكات الوقائية و الآمنة في استعمال الطريق، و التي تتطلب جهدا و مثابرة ،و عليه فالوقاية المرورية الجادّة تكمن في وعي الفرد لإمكانية تعرضه للخطر المروري ،بما يعني تغيير التفاؤل غير الواقعي لدى الأفراد الذي يتجاهل الأخطار الحقيقية و الواقعية إلى تفاؤل واقعي يرتكز على إدراك الفرد أنّه إن التزم بالإجراءات الوقائية اللازمة سوف لن يصاب بأذى، في حين أنّه إن أهمل السلوكات الوقائية من المحتمل جدا أن يحدث له حادث مروري قد يفارق الحياة على إثره.

التوصيات:

استنادا للنتائج التي تم التوصل إليها يمكن اقتراح بعض التوصيات الآتية:

1.  إجراء دراسة معمقة للخصائص و السمات المعرفية للشباب و أثرها على سلوكهم المروري بصفة خاصة؛ حيث يمكن أن تكون مدخلا قصد تفعيل الوقاية المرورية .

2.  إعطاء أهمية كبيرة لتشوه الإدراك لدى الشباب " التفاؤل غير الواقعي مثالا" و علاقته بالسلوك غير المرغوب اجتماعيا، و من بينه السلوك المروري اللاوقائي أو المخاطر.

3.  ضرورة الاعتماد على مبادئ التربية الحديثة القائمة على الحجة و الإقناع ، و محاولة تغيير مدركات الشباب في سبيل تحقيق السلوك المروري الآمن. مع تفادي إجراءات التربية التقليدية القائمة على الترهيب و التخويف .

4.   ضرورة اعتماد برامج التوعية المرورية على الخصائص المعرفية للشباب قصد حثهم على الالتزام بإجراءات الوقاية المرورية.

 قائمة المراجع :

أ. باللغة العربية:

1. الزيات، فتحي مصطفى ( 2001 ). علم النفس المعرفي،  مداخل و نماذج و نظريات ، مصر: دار النشر للجامعات ، الطبعة الأولى.

2. الساعاتي، حسن( 1982 ). تصميم البحوث الاجتماعية نسق منهجي جديد، بيروت: دار النهضة العربية للطباعة و النشر .

3. السيد، فؤاد البهي؛ سعيد ،عبد الرحمان (1999 ). علم النفس الاجتماعي رؤية معاصرة، القاهرة: دار الفكر العربي.

4. الشرقاوي، أنور محمد ( 1992 ). علم النفس المعرفي المعاصر، القاهرة: المكتبة الانجلومصرية، الطبعة الأولى.

5. الشيباني، محمد عمر( 1983). الأسس النفسية و التربوية لرعاية الشباب، بيروت: دار الثقافة .

6. القذافي،رمضان محمد ( 1999 ). الصحة النفسية و التوافق،الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث، الطبعة 3.

7. بن محسن محمد الصبحي، عبد العزيز( 1998 ). الآثار الاجتماعية للحوادث المرورية في المملكة العربية السعودية، رسالة ماجستير، الرياض .

8. المركز الوطني للوقاية و الأمن عبر الطرق: دراسة تحليلية لحوادث المرور، الجزائر 2005 .

ب. باللغة الأجنبية :

1.DEKKAR,n. et BEZZAUCHA,a.( 1985 ). Les accidents de la circulation en algerie,  Alger : S.N.E.D .

2.LAMOUREUX ,a. ( 1995 ) .Recherche et méthodologie en sciences humaines ,Canada : Editions études Vivantes  .

3.SCHWEITZER,m.( 2002 ).psychologie de la santé,modèles ,conceptions et méthodes , Paris : édition dunod .

ج. شبكة الانترنت :

1.  منظمة الصحة العالمية: مارجي بيدين و آخرون، التقرير العالمي عن الوقاية من الإصابات الناجمة عن حوادث المرور.الموقع على شبكة الانترنت هو:

http://www.who.int/world-healthday/2004/infomaterials/world_report/en/index.html

2. الأنصاري(محمد بدر)، التفاؤل غير الواقعي البناء النظري و القياس ،جامعة الكويت.

الموقع على شبكة الانترنت هو:

www5.kuniv.edu.kw/baderansari/word/FTPpr/paper22.doc – Résultat complémentaire

3.        http://www.dgsn.dz/ar/statistiques_de_securite_publique.