نحو محاولة الكشف عن القيم والوسائط الناقلة لها، عبر نصوص كتاب القراءةpdf

 للسنة الخامسة ابتدائي (دراسة تحليلية)

ناصر ميزاب

جامعة مولود معمري- تيزي وزو(الجزائر)

تعتبر المدرسة وسيلة من وسائل المجتمع في نقل قيم المجتمع إلى صغاره، وتستعمل في ذلك مجموعة من الوسائل البيداغوجية. من بين هذه الوسائل الكتاب المدرسي.

تناولنا في هذه الدراسة عن طريق استعمال "منهج تحليل المضمون" تحليل نصوص القراءة المنتشرة (27 نص قراءة)، عبر الكتاب المدرسي للسنة الخامسة ابتدائي. حيث عملنا على جعل القيم المنتشرة عبر هذه النصوص كوحدات لتحليل مضمون محتوى الكتاب، كما حاولنا الكشف بنفس المنهج على الوسائط الناقلة لهذه للقيم إلى أطفال المدارس، باسطة إيجاد تكراراتها ووزنها النسبي.

    أعطى التحليل مجموعة من النتائج: منها أن القيم متنوعة ومتعددة تحاول المنظومة التربوية نقلها إلى مجتمع التلاميذ، حيث ينقص البعض منها والذي يتماشى خاصة مع عمر التلميذ. ظهرت الوسائط الناقلة للقيم على شكل وسائط بشرية وأخرى حيوانية، احتلت الوسائط البشرية الرتبة الأولى في نقل هذه القيم، كما أعطيت الأولوية لجنس الذكور على حساب جنس الإناث في نقل القيم، وبالمثل أعطيت الأولية لكبار السن كالراشدين في ذلك....

Parmi ces supports pédagogiques que l'école utilise. ces bien le livre scolaire qui acquière le premier rang.  Nous essayerons part cette occasion ; et à travers le livre  scolaire  de la 5éme année primaire de l'école Algérienne. A analyser le contenu à travers ces 27 textes qui le compose.

L'unité d'analyse  sera bien " L'ensemble des valeurs" qui se propagent à travers ces textes.

Afin d'arrivé à découvrir  les supports et les valeurs véhiculer dans l'ensemble de ses textes,

aux enfants des écoles Algériennes.

La méthode d'analyse de contenu utilisée dans ce contexte à révéler que:

-        Les valeurs que contient le livre scolaire et divers et multiple.

-        La transmission de ces valeurs se fait par deux supports distincts " supports humains et animaux".

-        Les supports Humains comme moyens de transfère de valeurs se placent en tête.

-        La priorité de transmission de valeurs et donner aux hommes adultes

-        Les femmes exercent toujours le métier de nos veilles mères.

  

مقدمة:

     إن مصادر التأثير على سلوك الطفل متنوعة، فالمجتمع بكامل ممثليه من أسرة ومدرسة، ومسجد، ووسائل إعلام، وهيئات ومنظمات اجتماعية وأفراد. يعملون جميعهم كل بطريقته الخاصة على إدماج سلوكيات الصغار ضمن القوالب الاجتماعية الجاهزة مسبقا المتمثلة في القيم. قيم المجتمع الذي يعيش فيه هذا الطفل. والمدرسة من بين هذه الهيئات الرسمية التي تعمل عن طريق خطة رسمية موضوعة مسبقا، على نقل قيم المجتمع كما تراها إلى صغاره عن طريق مجموعة من الوسائل (المادية والبشرية).

   ويعتبر الكتاب المدرسي من بين هذه الوسائل الأكثر أهمية باعتباره يرافق الطفل يوميا إلى البيت عكس الوسائل الأخرى ومن ثم فإن تأثير هذا الكتاب بما يحمله من نصوص ومواضيع يطلع عليها التلميذ في كل وقت في (المدرسة والبيت) يستدعي الاهتمام به.

الشيء الذي جعلنا نتساءل عن محتوياته من ناحية القيم التي تريد المنظومة التربوية الرسمية توصيلها إلى أطفالها، وما هي الوسائط الناقلة لهذه القيم ؟ وما هي طبيعتها؟

   1- طرح الإشكالية:

تظم كتب القراءة المقررة رسميا على تلامذة المدرسة الابتدائية بين طياتها نصوصا تحتوي على مجموعة من السلوكيات والوقائع ذات طابع ثقافي وتربوي واجتماعي وتاريخي واقتصادي...الخ.

يمكن اعتبارها انعكاسا لقيم المجتمع المحلي. تحاول المنظومة التربوية رسميا توصيلها عن طريق وسائط (شخصيات، حيوانات...الخ) ناقلة لهذه السلوكيات (القيم) إلى مجموع تلاميذ المدرسة الجزائرية.

    كتاب القراءة للسنة الخامسة ابتدائي من الكتب المدرسية المقررة رسميا من قبل وزارة التربية على تلامذة يتراوح أعمارهم بين (09 سنوات – 12 سنة). يشمل مجموعة من النصوص التاريخية والعلمية والاجتماعية والتراثية والفنية...الخ) تظهر على شكل حكايات وقصص صغيرة، ومسرحيات، واستطلاعات، ووصف للطبيعة، ومراسلات، وأشعار، يفترض أنها تشترك كلها في نقل ثقافة المجتمع المحلي إلى أطفاله. وفي آن واحد نفترض أنها تجسد مجموعة قيم المجتمع.

-      فما هي القيم التي ترمي المنظومة التربوية الحالية توصيلها إلى تلاميذ هذه المرحلة العمرية من خلال نصوص المقرر الرسمي (كتاب القراءة) ؟

-      ما هي القيم التي تكررت أكثر من غيرها من خلال نصوص هذا المقرر ؟

-      ما هي الوسائط الناقلة لهذه القيم والتي تريد المنظومة التربوية توصيلها إلى تلاميذ هذه المرحلة العمرية من خلال المقرر الرسمي (كتاب القراءة)؟

-      ما هي صفات هذه الوسائط الناقلة للقيم عبر النصوص المقرر؟

  2- ضبط مفاهيم الدراسة:

  * الثقافة:  نعرفها إجرائيا بأنها مجموعة السلوكيات والأفكار والوسائل الممارسة من قبل جماعة لحقبة زمنية طويلة، مما يجعلها تصبح قاسما مشتركا بين أفرادها. وتتحول إلى أسلوب حياة يظهر على شكل منجزات (فكرية مادية)، تنتقل عبر الأجيال بواسطة عملية التطبيع الاجتماعي مما يجعلها تتغير نسبيا عبر هذه الأجيال.وكتاب القراءة قيد الدراسة من بين الوسائل الناقلة لثقافة المجتمع إلى أطفاله.

* القيم: هي أصغر وحدة ثقافية تحكم سلوك الفرد وتحركه نحو العمل بطريقة خاصة، وتصبح مرجعا للحكم على سلوكه، بأنه مرغوب فيه أو عنه.

الوسيط الناقل: هو مجموعة الوسائل Supports البيداغوجية (إنسان، حيوان، أشياء أخرى) التي تمر بها الرسالة الحاملة للقيم إلى التلميذ، المتواجدة عبر نصوص كتاب القراءة موضوع الدراسة.

3- أدبيات الدراسة:

تم دراسة تصنيف القيم إلى فئات من قبل كل من " فيرنون، البورت، هوايت، أ. لندزي...الخ.

وصلوا إلى تصنيفها كالتالي:

-      قيم جمالية وتعني ( الاهتمام بالشكل والألوان، والتناسق، وكل ما يتعلق بالفن)

-      قيم اجتماعية وتعني ( اهتمام الفرد بالآخرين، وتكوين علاقات معهم والعيش نعهم)

-      قيم دينية وتعني (الاهتمام بمعرفة الخالق، وما رواء العالم الظاهري، والتوكل على الله، والعيش بهدف نيل الثواب عن طريق العمل من عند الله...الخ)

-      قيم ترويحية وتعني (المرح، الإثارة، الجمال، التنسيق...الخ)

-      قيم أخلاقية ويقصد بها (معرفة الحق، صنع الخير، المحبة، العدل...الخ)

-      قيم ذاتية وتعني (الاهتمام بالذات، الصحة الصبر، الصدق...الخ)

-      قيم اقتصادية وتعني (الاهتمام بالمنفعة، الثروة، الإنتاج، العصرنة...الخ)

-      قيم سياسية وتعني ( القوة ، السيطرة، التحكم...الخ).

كما أشار إلى ذلك " سبرانجر" في كتابه " Typenozman" حيث حددها في ست فئات كالتالي:

القيم النظرية، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الدينية، وهي أساس اختبار القيم الذي وضعه كل من "البورت و فيرنون" (لويس كامل مليكة، 1985).

    من حيث الدراسات السابقة للكتاب المدرسي، وبالذات حول كتاب السنة الخامسة ابتدائي. لم أجد –حسب حدود اطلاعي -  ما يشابه ذلك. إلا الدراسة التي قام بها الباحث حول كتاب القراءة للسنة السادسة أساسي وألقيت في الملتقى الدولي حول القيم بجامعة الجزائر في ماي1997. بالمقابل هناك دراسات كثيرة حول آداب الطفل، من بينها دراسة "نمر بهية " التي اهتمت بكتاب الطفل في الجزائر، انصبت دراستها على كتب الحكايات، مستعملة منهج تخليل المضمون. توصلت إلى أن كتب الأطفال من الصعب تأليفها، وأن هذه الكتب في الجزائر أكثرها عبارة عن ترجمة تحمل ثقافات غربية عن مجتمعنا. أما الكتب المحلية على قلتها فهي لا تستجيب لقواعد التأليف من أجل الأطفال، ذلك أنها لا تحترم العمر الزمني ولا العمر العقلي للطفل، كما لا تحترم تقنيات التصوير والألوان والإخراج...الخ.

حيث أكدت على أنه: "... إذا أردنا تعميق الإحساس لدى الأطفال بالانتماء لهذا الوطن وحبه، علينا أن نقدم لهم الأبطال الوطنيين الذين يحملون قيما إيجابية... كما علينا إحلال البطولة الجماعية التي ترسخ في نفس الطفل حب الغير والإيثار والإقلال من الفردية المفرطة في حكاياتنا..." (نمر بهية، 1984).

   أما دراسة " سلوى عبد الباقي"  حول "القيم التربوية في أدب الأطفال بالصحف اليومية " وقد استعملت منهج تحلي المضمون، ووصلت إلى أن عملية الامتصاص تبدو من امتصاص الطفل للمعلومات العلمية والنظرية والحقائق التي يصفها الكاتب ولا يقف الامتصاص عند هذا الحد، بل يمتد إلى امتصاص القيم الاجتماعية والدينية والقيم الأخلاقية العليا التي من شأنها أن تساهم في نشأة الطفل نشأة سليمة.

  يحدث الإسقاط النفسي مما يخلع الطفل من ذاته ومن أفكاره ومشاعره على المشاهد التي يراها أو يقرؤها، فيشاهد في الأشياء التي يواجهها من ذاته... (سلوى عبد الباقي، 1985).

   يلاحظ أن الدراستين انصبتا على قصص الأطفال المختلفة التي تباع في الأسواق أو تنشر في المجلات والجرائد اليومية مدى الاستفادة في نقلها لقيم المجتمع لأطفاله. استعملت الدراستان منهج تحليل المضمون، كما ركزتا على أطفال 12 من العمر.

   في حين تذهب دراستنا إلى تناول كتاب القراءة المقرر الرسمي لتلاميذ السنة الخامسة. وهو أحد الوسائل الرسمية لنقل ثقافة المجتمع الجزائري الرسمية إلى صغاره. والتي تتشابه مع الدراسات السابقة في استعمال منهج تحليل المضمون، وتختلف عنهما أننا نهتم بتحليل وثيقة مقررة رسميا من الدولة الجزائرية.

4- الإجراءات المنهجية للدراسة:

- منهج الدراسة: سنتبع في هذه الدراسة "منهج تحلي المضمون" الذي عرفه "كابلان Kaplan " بأنه يهدف إلى التصنيف الكمي لمضمون معين، وذلك على ضوء نظام للفئات صمم ليعطي بيانات مناسبة لأسئلة وفروض محدودة خاصة بهذا المضمون..." عن (طعيمة رشدي، 1987).

وستكون وحدات تحليلنا لمحتو الكتاب المدرسي هي "القيم " بأنواعها المختلفة وهذا حسب هدف الدراسة الحالية. والملاحظ أن هذه القيم قد تكررت أكثر من مرة واحدة في النص الواحد، وهذا ما جعلنا نقرأ النص والمحور عدة مرات والعمل على إخراج القيمة أو القيم السائدة أو الظاهرة به فقط، دون حصر الأفكار الجزئية أو الإيحاءات وما تحملها من قيم.  كما تواجدت أكثر من قيمة واحدة في النص الواحد والمحور الواحد.

  كما قد تستعمل القيمة الواحدة في عدة موضوعات مختلفة حسب سياق النص أو الحدث المرتبطة به وفي مجالات مختلفة من الحياة، كقيمة "الحب" مثلا التي يمكن استعمالها في حب الوطن، وحب الأم والأب وكل الأسرة، حب الآخر، حب الطبيعة، حب العمل، حب الله...الخ. وكقيمة " الشر" التي يمكن استعمالها في الضرر بالناس، تخريب الأملاك، الاعتداء، نصب الحيل للغير، أكل مال الغير بغير حق...الخ.

  5- عينة الدراسة: سيكون محتوى كتاب القراءة للسنة الخامسة عبارة عن" مدونة الدراسة" بكل نصوصه النثرية والشعرية ورسوماته وألوانه. يتكون الكتاب من 10 محاور تضم 27 وحدة (نص قراءة) مضاف إليها (10 نصوص توثيقية، و 10 قصائد شعرية) تعطى على شكل محفوظات للتلاميذ. موجه إلى تلاميذ السنة الخامسة ابتدائي، الذين تتراوح أعمارهم بين (09 سنوات إلى 12 سنة) وهي سنة شهادة "السيزيام" كما تسمى في الأوساط الشعبية في الجزائر.

6- أدوات الإحصاء: سنستعمل في تحليل المضمون الإحصاء الوصفي (التكرارات، والنسب المئوية) ذلك أنها دراسة وصفية استطلاعية،  سنحاول أن نجيب فيها عن سؤال "ما هو ؟ " فقط. على أمل أن تدعم هذه الدراسة مستقبلا نحو البحث عن الأسباب وإجراء المقارنات.     

7- عرض نتائج الدراسة ومناقشتها:

7- 1- عرض عناوين المحاور، والوحدات، والقيم المشتملة عليها:

جدول رقم (1): عرض القيم الخام المستخرجة من مختلف نصوص كتاب القراءة

يلاحظ من خلال الجدول رقم (1) أن المؤلف عمل على وضع لكل محور مجموعة من القيم كمحور القيم الإنسانية الذي أشتمل على قيم السلام، احترام الآخر، احترام الحقوق والواجبات، وعدم احترام الواجبات. وهكذا بالنسبة لبقية المحاور الأخرى والقيم المشتملة عليها. حيث يلاحظ أن كتاب السنة الخامسة احتوى على 10 محاور أساسية،  و 27 نص أساسي، وحوالي 32 قيمة أساسية التي يمكن استخراج منها قيم فرعية وأخرى عكسية، وأخرى لها معاني مختلفة

جدول رقم (2)    ضبط القيم الإيجابية والسلبية ومدى تكرارها ووزنها النسبي

تم استخراج في الجدول رقم (2 ) القيم الإيجابية والسلبية الخام المستخرجة من وحدات ونصوص كتاب القراءة للسنة الخامسة ابتدائي. ولأن القيم في كل المجتمعات تتعدد وتظهر عموما بمظهرين :

-      قيم إيجابية يحاول المجتمع تعزيزها وتدعيمها عن طريق التشجيع والترغيب، وتقدير من

 يتعامل بها. كما يمكن يستعمل فيها وسائل التأديب للحض على التعامل بها مع الآخرين. وجعلها محكا لكل سلوك إيجابي.

-   قيم سلبية: يحاول المجتمع ذمها وتثبيطها عن طريق رفضها, وعدم قبول من يعمل بها بل يصل المجتمع إلى استعمال وسائل التأديب للابتعاد عنها. وجعلها محكا لكل سلوك سلبي.

     يلاحظ من خلال نفس الجدول أن مؤلف الكتاب أعطى اعتبارا أكثر للقيم الإيجابية من حيث عددها وتنوعها وتكرارها على خلاف القيم السلبية التي جاءت محدودة من حيث العدد ومن حيث تكرارها. وهذا يتماشى و نتائج الدراسات في علم نفس الطفل ففي سن (10 سنوات – 12 سنة) يصبح الطفل من ناحية النمو العقلي يميز بين المفاهيم وتجريدها، وعموميتها، وثباتها كمفهوم العدل والظلم والصواب، والخطأ الخير والشر. ويقترب بذلك من مفاهيم الكبار

( حامد زهران، 1981). وهذا ما يسميه " بياجيه" مرحلة التفكير المجرد عكس المراحل السابقة.  حيث ذهب "جيرسيلد " إلى التأكيد على أن أطفال هذا العمر يفضلون بعض ألأنماط السلوكية عند المدرسين أهمها:

-      الصفات الإنسانية (رحيم، بشوش، طبيعي، معتدل المزاج)

-      الصفات التأديبية ( عادل، ثابت، يحترم الأطفال... الخ).

-      المظهر العام (أنيق،صوته حسن، جذاب...الخ).

-      الصفات التعليمية ( يساعد الأطفال، ديمقراطي، متحمس...الخ. " عن ( حامد عبد السلام زهران، 1981).

     كما يلاحظ على الجدول أن بعض القيم الإيجابية كـ "المساعدة، احترام الحقوق، التضامن، ...الخ.  وكذلك القيم السلبية مثل: "عدم أداء الواجب، الخداع، إهدار الوقت. الخ. قد تكررت أكثر من غيرها. في حين احتلت بعض القيم الإيجابية الأخرى مؤخرة الترتيب كـ " الاعتزاز بالوطن، الاعتزاز بالثقافة، الاهتمام بالصحة، الاهتمام بالمسرح والحرف...الخ. بينما لم تظهر نهائيا قيم الممارسة الدينية. وهذا له معناه في التوجه العام لنقل القيم للمتعلمين من الأطفال.

    الملاحظ على هاتين القائمتين من القيم الإيجابية والسلبية من منظور المجتمع المحلي يمكن أن تكونا ناقصتين. ذلك أنه إذا رجعنا إلى ما تقرره الدراسات الأكاديمية في علم نفس النمو في هذه المرحلة العمرية بالنسبة للجانب الاجتماعي مثلا. نجد أن الطفل يصبح ملكا لجماعته وأقرانه يأتمر بأوامرها وينفذ معاييرها، وبالمقابل تقل علاقته بأفراد أسرته عكس المراحل السابقة من النمو. إذ يغلب على السلوك الاجتماعي طابع التأثر بالجماعة والإعجاب بالبارزين فيها وتقليدهم (محي الدين توق، 1984).

كما أن جماعة الرفاق (جماعة المدرسة، جماعة الهوايات، جماعة الحي...الخ) تعمل كمتنفس لمشاعر الغضب والعدوان التي غالبا ما تكبت في البيت وبالتالي تعمل جماعة الرفاق عملا علاجيا للتخلص من قيود الكبار والبيت بشكل خاص بتصرف (محي الدين طوق، 1984). من هذا المنطلق رأينا أن القيم الإيجابية خاصة التي تمس فئات القيم الاجتماعية ناقصة كقيمة الصداقة مثلا التي لم نجد لها مثالا بارزا. أما عنصر الجماعة (العلاقة وجه لوجه) لم نجد له اثر وقد تظهر هذه العلاقات بين أفراد الأسرة، التي غابت كليا من هذا الكتاب، بينما وجدناها في كتاب السنة الثالثة من نفس السلسلة.

وكما تظهر هذه العلاقة في جماعة "الهوايات" التي غابت تماما من هذا الكتاب. كما غابت القيم الدينية كالكلام على أداء الصلاة أو الصوم مثلا لأن في هذا العمر يبدأ في مجتمعنا عادة التدريب على أداء الصلاة والتمرس على الصوم بالأخص.و المرافقة إلى المساجد...الخ.

7-2- تبويب القيم وتصنيفها في فئات:

  سنحاول في هذا الجزء من البحث توزيع مفردات القيم الإيجابية والسلبية إلى فئات ، مما سيساعدنا أكثر على التحليل والمناقشة.

 جدول رقم(3): فئة القيم الاجتماعية

يلاحظ من الجدول أعلاه أن قيمة " التضامن " احتلت المرتبة الأولى بنسبة 36.84%"  ، ثم تلتها  قيمة "تقديم الخدمات" بنسبة 31.57%  ، ثم تلتها قيمة "التعاون بنسبة 21.05%  ،  وهي كما هو ملاحظ عبارة عن قيم تخدم بعضها البعض فالتضامن، والتعاون، تقديم الخدمات لمن يحتاجها من الآخرين في السراء والضراء، وتلك الصور المهيبة التي ظهرت في نكبات زلزال بومرداس، والأصنام، وفيضان باب الواد و غرداية وبشار ...الخ نماذج من أخلاق هذا الشعب . فلا غرابة أننا وجدنا مؤلف الكتاب المدرسي يعطيها العناية الكافية بأن يضعها في المقدمة

جدول رقم (4): فئة القيم الأخلاقية

يلاحظ من الجدول رقم (4) ترتيب القيم الأخلاقية فظهرت قيمة "التضحية" بنسبة 37.5%، ثم تلتها قيمة " احترام الآخر" بنسبة 25%  ، ثم تلتها قيمة " الواجب" بنسبة 20.83%  . ويلاحظ أنها كلها قيم علائقية أي ممارسة الأخلاق مع الآخرين. وهذا ما يجب فعله في هذا العمر , بمعنى يجب أن يفهم الطفل بالجانب التجريبي الميداني وليس فقط الجانب النظري.

   كما يرجع ذلك أن في هذا العمر (الطفولة الوسطى) يكون الطفل وفيا لزملائه باعتباره يبحث دائما عن مكانة بينهم، وهذا ما يدعوه للوفاء إليهم أكثر. كما أنه وفي للمبادئ التي يعتز بها ويدافع عنها. وقد يرجع ذلك إلى بروز الشخصية (الذات) ومحاولة تأكيدها بواسطة سلوكيات تجلب انتباه الآخرين.

إن ما يزيد القيم الأخلاقية أهمية في هذا العمر ما ذهب إليه " بياجيه" حيث النمو الأخلاقي إلى مراحل منها مرحلة " الاستقلال الذاتي" وتظهر هذه الأخيرة في السن 12 وما بعدها، حيث يظهر الطفل نوعا من الانصياع الذاتي لمعايير الواجب وما هو صواب، ويتحكم في هذه المرحلة الحكم الذاتي على أساس أن المعايير الخلقية صنعها الناس لتناسب مواقف معينة ويساعد على ذلك نمو الذكاء الذي يساعد على فهم النسبية في الأحكام الخلقية. بتصرف (سعد جلال، 1985).

جدول رقم (5): فئة القيم الدينية

يلاحظ من الجدول رقم (5) أن أول قيمة دينية هي "إحياء التراث" التي نالت نسبة 50%، ثم تلتها مباشرة قمتي "إحياء الأعياد ، والدعوة إلى حب العمل" بنسبة 25% على التوالي. في حين لم نجد الدعوى إلى الإيمان بالله وترسيخه. إن الملاحظ أن هذه القيم المذكورة ليست فقط في الإسلام ولكن يمكن إيجادها في كل الديانات الأخرى وحتى عند الأدينيين. مما يعني أن مؤلف الكتاب لم يول العناية بالقيم الدينية رغم أن قاعدة الشخصية الجزائرية مبنية على الإيمان. والدين الإسلامي، معطى تاريخي عقائدي لا يجب تحييده مثل ما هو ملاحظ. بينما كان يمكن إظهار بعض الأطفال وهم برفقة أحد أبويهم داخل المسجد، أو إحياء سهرة رمضانية مع الأسرة في البيت مثلا... الخ. إن طفل الطفولة الوسطى مازال يطرح أسئلة حول كل ما يحيط به خاصة حول ما يتصل بالدين باعتباره مجردا. وقد يجد بعض الأجوبة من محيطه المباشر (الأسرة، التلفزيون، المدرسة، المسجد) وهذا يدعم لديه ترسيخ الإيمان أكثر.

إن الدين شعور معقد يصعب تحديده، ويرتبط بالقيمة الأخلاقية في فترة الطفولة الوسطى بتمثل معاني السلطة الأبوية وارتقاء أحكامها. بتصرف ( عبد المنعم المليجي، 1957). كما أن العاطفة الدينية تنظيم ينمو بالتدريج من تفاعل النفس البشرية مع الحياة المحيطة بها، ويتخذ مظاهر متنوعة بارتقاء الشخصية ( سمية فهمي، 1977)

جدول رقم (6): فئة القيم الاقتصادية

أظهر جدول رقم (6) القيم الاقتصادية في أربع فئات بالترتيب التالي، احتلت قيمة "العصرنة" المرتبة الأولى بنسبة 33.33%  ، تلتها بقية القيم الأخرى بنسبة 16.66% . حيث يلاحظ أن هناك تكاملا بين هذه القيم فالعمل مصدره الثروة، والعصرنة تؤدي بالضرورة إلى التطور والمنافسة. وكل هذا يحتاج إلى التنظيم.

جدول رقم (7): فئة القيم السياسية

يوضح الجدول رقم (7) فئة القيم السياسية التي احتلت فيها قيمة "الاعتزاز بالتراث" المرتبة الأولى تلتها قيمة " الهوية"، ثم رتبت بقية القيم كـ " حب الوطن، المساواة" في المرتبة الثالثة. حيث يلاحظ أن هذه القيم أصبحت مرتبطة أكثر بالاهتمام بالتراث الوطني وبالهوية، وحب الوطن أكثر منها التصاقا بسياسات ظرفية. 

جدول رقم (8): فئة القيم الترويحية والجمالية

يظهر الجدول رقم (8) فئات القيم الترويحية والجمالية. إذ احتلت قيمة " حب المغامرة المرتبة الأولى، بنسبة 33.33%. تلتها بقية القيم الأخرى كـ " الروح الرياضية، العالم الخارجي، المسرح، الفن، بنسبة 16.66%. وهذا يتماشى مع الحقائق العلمية، فالطفل يحب المغامرة في هذا العمر، لأنه مازال في مرحلة استكشاف، بالإضافة نمو جسمه مما يسمح له أكثر بالحركة والنشاط، وحب البحث في محيطه القريب، والبعيد. وهو بذلك يجرب إمكانياته، وهو في كل ذلك يحاول أولا أن يثبت لذاته أنه قادر على سلوك الكبار، وثانيا أمام الآخرين. كما تبدأ تظهر لديه هوايات وخاصة الأشغال اليدوية، والتفكيكية، فهو صانع ماهر، أما بالنسبة للرياضة فهو حركي ونشيط ومحب للمنافسة.

   غير أن الكاتب لم يظهر قيمة " المطالعة" مثلا باعتبارها كما يرى كل من" تيرمان و ليما"، " ...أنها رغبة يقصد بها الترويح والإطلاع، تصل قيمتها بين سن الثانية عشر والثالثة عشر..." عن ( سلوى عبد الباقي، 1985). ولا هوايات أخرى كالموسيقى والتصوير، وتربية الطيور والأسماك والحيوانات الأليفة، وعليه تلعب النوادي والجمعيات الثقافية هنا دورا كبيرا في تنمية هذه الهوايات. أما إذا لم توفر أسباب النجاح المبكر، أي في سن (12، 13، 14،) وهي من الأعمار المواتية، فقد ينعكس الوضع، وتبدأ تظهر بذلك بدايات الفشل الدراسي والتشرد والهروب والسرقة والتخريب، وبيع السجاير والكسرة، والحمالة، وتعاطي المخدرات،...الخ. وبناء على ذلك تصبح القيم الترويحية جد مهمة في هذا العمر، مما يحتم على المؤلف إعطائها اعتبارا خاصا.

جدول رقم (9) فئة القيم البيئة

بين الجدول رقم (9) فئات قيم احترام البيئة، حيت رتبت كما يلي العناية بالحيوانات بنسبة 50%، ثم تلتها قيم المحافظة على البيئة بنسبة 37.50%، وأخيرا قيمة الاهتمام بالماء بنسبة 12.50%. حيث يلاحظ أن الاهتمام بالبيئة عموما موضوع جديد في المقررات الرسمية، وهذا يعكس السياسة الجديدة التي تتبعها الدولة الجزائرية، خاصة بعد التصديق على نتائج اجتماع "كيوتو" بكندا. وهذا التوجه في الحقيقة له ما يبرره في هذا العمر، بحيث نجد الصغار يهتمون بالحيوانات، والنباتات، ويحبون التجوال في الطبيعة. وهذا في نظرنا يجب استغلاله لدى الطفل بتربيته على ذلك. حتى يصبح مدافعا على المجال الحيوي الذي يعيش فيه على الأقل.

مقارنة مجموع القيم عبر النصوص من خلال وزنها النسبي ورتبتها

جدول رقم (10) مقارنة القيم المختلفة من خلال وزنها النسبي

يبين الجدول رقم (10) اختلاف القيم في ما بينها عبر نصوص كتاب القراءة، حيث يلاحظ أن المؤلف أعطى أهمية أكبر للقيم الأخلاقية حيث جاءت في المرتبة الأولى، ثم تلتها القيم الاجتماعية، بينما جاءت القيم الدينية والترويحية في آخر الترتيب. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه سياسة التربية، بمعنى ماذا يريد المجتمع الجزائري أن يكون عليه أبناءه في المستقبل، أي ما هو النموذج الذي نريد توصيله لمجتمع المستقبل؟ فهل يا ترى توافق فلسفة المجتمع الجزائري مجموع هذه القيم. ؟ وبهذا الترتيب كذلك؟ 

7- 3- الكشف عن الوسائط الناقلة للقيم والمميزات التي تتصف بها

      يعتبر الوسيط الناقل هو الوسيلة " Support " البيداغوجية التي تمر بها الرسالة الحاملة للقيم إلى التلميذ. لذلك يؤثر هذا الوسيط بصفاته وسلوكياته ومظهره وما يحمله من أفكار وشكله، وجنسه...الخ، ومن حيث أنه إنسان أو حيوان، كبير أو صغير، أنثى أو ذكر، مزاول لمهنة فكرية أو عضلية، كما يتأثر هذا الوسيط بهذا القيم خيرها أو شرها. وبالتالي فإن هذا الكل يؤثر بدوره في شخصية التلميذ عن طريق عملية التطبيع.

إن الملاحظ على كتاب القراءة أن الوسائط الناقلة للقيم انقسمت بدورها إلى فئات كالتالي:  

3-1- الوسائط البشرية: وهي مجموعة الأفراد الذين أشار إليهم المؤلف في الكتاب وجعلهم يعبرون عبر سلوكيات معينة تحمل قيما أختارها مؤلف الكتاب أو الجهة الوصية ويريد توصيلها إلى مجموعة التلاميذ.

وقد حاولنا تحليل صفات هذه الوسائط انطلاقا من متغيرات المهنة ونقصد بها كل (المهن التي ذكرت في نصوص المقرر)، والعمر (ويؤخذ العمر من خلال ملامح الصور البشرية المنتشرة عبر النصوص)، والجنس (صور الذكور والإناث كما هي موجودة في الكتاب). والجدول التالي يوضح ذلك:

جدول رقم (11): صفات الوسائط البشرية وفق متغير المهنة، السن، والجنس

يظهر الجدول المركب رقم (11) ما يلي:

بالنسبة لمتغير المهن الموجودة عبر النصوص يمك ترتبيها في رتبتين اثنتين فقط، انطلاقا من وزنها النسبي. حيث وجدنا مهنة الفلاحة، والصيد، والمطافئ، المكتشف، ورجل الفضاء، كلها مهن رتب بنفس الترتيب وفي المقدمة، بنسبة 15.78%، بينما نجد مهنة النجارة، الشرطي، والطبيب، والرياضي، والحرفي، رتب في المرتبة الثانية. بنسبة 10.52%. وهذا يعني من ناحية ما تفرزه هذه المهن من قيم، أن المؤلف لم يفرق بين المهن المختلفة، سواء أكانت مهن فكرية أو عضلية، مما يعني محاولة تغيير فكرة توجه المجتمع نحو المهن الفكرية على حساب المهن العضلية (كمهنة الطبيب، والمحامي والمهندس...الخ). حيث يظهر من الناحية العملية إن هذه المهن التي كان المجتمع يوجه إليها أبناؤه قد تجاوزها الزمن، حيث أصبحت أي مهنية عضلية قد تعطي مردودا ماديا أكثر من أي مهنة فكرية.

بالنسبة لمتغير السن: يلاحظ من خلال نفس الجدول أن "شخص الراشد" كوسيط ناقل للقيم يحتلالمرتبة الأولى وذلك بنسبة 56.51% ، وهي نسبة عالية تدل على توجه نحو مجتمع الكبار وقيمهم أكثر من قيم الصغار إن صح التعبير. ثم يليه في المرتبة الثانية " شخص الطفل" بنسبة 39.53%، بينما احتل المرتبة الثالثة "شخص الشيخ" بنسبة 11.62% ، كوسيط ناقل للقيم، حيث يلاحظ أن الكاتب انحاز كثيرا إلى شخوص الكبار كناقلي القيم للصغار. بالرغم أن الحقائق التربوية تثبت أن الطفل في هذا العمر ينتمي أكثر إلى عالم أقرانه من عالم الكبار، وبالتالي فإن نماذج قدوته هم زملاؤه القريبين منع عمريا.  لماذا لأن الطفل ينمو إلى الأمام نحو مجتمع الكبار نعم، ولكن يجب كذلك أن يعيش فترة طفولته بصورة طبيعية، فهو في هذا العمر يريد أن يشارك في الأحداث ويريد أن يؤلفها، ويريد أن يكون بطلها، أي بطلا حقيقيا وليس خياليا كما كان سابقا. وهذا ما لم ينتبه له الكاتب في هذا المؤلف الرسمي.

  بالنسبة لمتغير الجنس: من خلال الجدول يلاحظ أن "جنس الذكور" الذين ينقلون القيم للأطفال عبر نصوص القراءة يحتلون المرتبة الأولى بنسبة 68.75% ، في حين يحتل "جنس الإناث" لنقل نفس القيم نسبة 31.25% ، حيث يلاحظ أن هناك فارقا كبيرا بين الجنسين في نقل قيم المجتمع إلى أطفاله. حيث يلاحظ ميل الكاتب نحو توصيل القيم للأطفال عبر جنس الذكور أكثر ، وهذا ما يدعمه كذلك ميل المؤلف نحو المهن الذكورية أكثر.

3-2- الوسائط الحيوانية : ونقصد بها مجموعة الحيوانات التي أشار إليها المؤلف في كتاب القراءة للسنة الخامسة ابتدائي واستعملها كوسيلة لنقل بعض السلوكيات التي تعكس قيما إيجابية أو سلبية إلى التلاميذ السنة الخامسة. والجدول التالي يبين نوع الحيوان (الوسيط) والقيم الإيجابية والسلبية التي يحملها.

جدول رقم (12): نوع الوسيط الحيواني وما يحمله من قيم إيجابية أو سلبية

يلاحظمن جدول رقم (12) أن المؤلف جعل كثيرا من الحيوانات كـ (الأرنب، والدجاجة، النملة، الصرصور، العصفور، والكلب، والغزال، والحوت، والتمساح، والجمل) تحمل في عمومها قيما إيجابية إلى الأطفال، مثل (السلام، التعاون، الصداقة، العمل والجد، رفض الإستغلال،...الخ). عكس بعض الحيوانات الأخرى كـ (الثور البري، الذئب، الثعلب، التعبان) جعلها تحمل قيما سلبية. مثل (الخوف، الخيانة، المكر...الخ).

    8- نتائج الدراسة:

   إن كتاب القراءة لسنة الخامسة ابتدائي المقرر الرسمي للدول الجزائرية نعتبره صورة مفتوحة لما تريد الدول الجزائرية توصيله عبر المنظومة التربوية، وهو نوع من تأسيس لمجتمع تأمل الجهات الرسمية أن يوجد وأن يتواصل مستقبلا من خلال ما يحمله هذا الكتاب وأمثاله بين أوراقه من قيم سيسير ضمنها سلوك أفراد المجتمع المأمول. وكتاب القراءة للسنة الخامسة حمل كثيرا من الأحداث المعبرة عن وقائع متنوعة مرتبطة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بسلوكيات تريد المنظومة التربوية الجزائرية إيصالها إلى تلاميذ السن (09- 12 سنة) عن طريق وسائط متنوعة قريبة إلى حد كبير منه وأحيان بعيدة عنه.

إن الملاحظ من خلال مجموعة نصوص الكتاب أنها تضم نوعين من القيم، البعض منها ظاهر يستطيع التلميذ الكشف عنه وقيم أخرى ضمنية موحية.

كما أن هناك قيما إيجابية وأخرى سلبية وقد تغلبت القيم الإيجابية على السلبية من حيث العدد وهذا طبيعي. كما أن الملاحظ أنه عند ذكر القيم الإيجابية لم يتطرق الكتاب إلى كثير من القيم المناسبة لهذا العمر، فنجد مثلا غياب قيمة "الصداقة" التي يولع بها الطفل في هذا العمر، وقيمة "الثقة بالنفس " التي ظهرت مرة واحدة في نص واحد فقط.

   بينما نحن نعرف أن الطفل في هذا العمر يمر بأزمة هوية وعدم ثقة النفس فكان الأجدر بالمؤلف التركيز على هذه القيمة من خلال وقائع كثيرة يبرز فيها ممارسة هذه القيم خاصة من قبل الأطفال وليس الكبار فقط. وقيمة "حب القراءة والمطالعة " التي لم نجد لها أثر في الكتاب بينما أثبتت كثير من دراسات علم النفس أن الطفل في هذا العمر ولوع بالقراءة والإطلاع على الكتب، والقصص. وقيمة "العيش في وسط الجماعة " بالاعتبار الطفل في هذا العمر على خلاف السابق ينتمي إلى جماعة زملائه أكثر من أسرته ويخضع لمعاييرها وتوجيهها أكثر من أوامر أسرته. وقيم كثيرة أخرى ناقصة مثل الكرم، والإيثار، طلب العلم، التواضع الأدب وقيم أخرى.

   كما يظهر أن هذه القيم نقلت إلى أطفالنا عبر وسيلتين بيداغوجيتين (الوسيط البشري، والوسيط الحيواني) حيث جعل المؤلف الوسيط البشري يتفوق في نقل هذه القيم عن الوسيط الحيواني .

بالنسبة للوسيط البشري وجدنا المؤلف حاول أن يعامل متغير المهن في المجتمع الجزائري بنفس المستوى القيمي، رغم أن المجتمع المحلي يميل إلى المهن الفكرية أكثر من العضلية. وبالنسبة لمتغير العمر وجدنا المؤلف أعطى الأولوية في نقل القيم للكبار أكثر من الصغار، بالرغم من أن الطفل في هذا العمل يميل إلى أخذ نماذج سلوكه من أقرانه أكثر من الكبار. بالنسبة لمتغير الجنس، أعطى المؤلف الأولوية في نقل القيم إلى جنس الذكور على حساب جنس الإناث.

وبناء على هذا العمل التشخيصي، يمكن لنا طرح فرضية أساسية تحتاج الجواب عليها:

   - إن المنظومة التربوية التي تنوب عن المجتمع الجزائري، يظهر أنها مازالت في مرحلة البحث بطريقة المحاولة والخطاء عن أي قيم تصلح لهذا المجتمع؟

إن كتاب القراءة ليس مجرد نصوص تحمل تداعيات بل هو تأسيس لمجتمع مستقبلي، وأفكار هادفة هدفها بناء جيل الغد لذلك يتحتم الاهتمام به عند تأليفه انطلاقا من أول ورقة به إلى أخر ورقة منه  "... إن الكتاب هو وعاء الكلمة والكلمة هي وعاء الفكرة، والفكرة صانعة الحضارة وصنيعتها... " ( حسن شحاته، فيوليت فؤاد إبراهيم، 1989).

9- اقتراحات الدراسة :

       على ضوء ما سبق يمكننا القول بأن المنظومة التربوية الرسمية من خلال كتاب القراءة للسنة الخامسة ابتدائي. حاولت إيصال القيم لأطفالنا ولكنها لم تراع بعض العناصر في عكس الواقع. مما جعله يظهر مشوها ومضطربا أحيانا، وهذا مما لاشك فيه ينعكس بالسلب على شخصية الطفل الذي نريده متوازن الشخصية تلقائيا في سلوكه مقدرا لقيمه، عارفا لخصوصيات مجتمعه ومدافعا عنها مطلعا على محيطه. وهذا ما يحتم إعادة النظر في هذا الكتاب من حيث:

-      التركيز على القيم التي يمارسها مجتمعنا أولا، ثم التي نشترك فيها مع الإنسانية ثانيا.

-      التركيز على القيم التي تتماشى مع عمر التلميذ وتقريبها إليه من خلال قصص واقعية وعلمية وأخرى خيالية تماشيا مع العمر الزمني والعقلي.

-   جعل التلميذ بطل القصص وتكليف هذا البطل بسلوكيات تحمل قيما يعيشها الطفل في حياته اليومية، وأخرى يأمل أن يعيشها مستقبلا لأن الطفل ينمو إلى الأمام.

-   وضع نصوص غير كاملة تناقش قضايا من اهتمامات التلميذ في هذا العمر، ومطالبته بتكملتها وهذا فيه تطوير للخيال ولكل المنظومة المعرفية لدى الطفل.

-   محاولة توزيع النصوص على قضايا الحياة المختلفة دون تركيزها على بعض الموضوعات فقط، ولو اقتضى الأمر وضع ملاحق (قراءة حرة) تابعة لكتاب القراءة، وهي صفة يمتاز بها الطفل في هذا العمر خاصة كما جاء في هذا البحث.

-      إطلاع الطفل على الجانب العملي من الحياة وإظهار المهن المختلفة بنفس المستوي دون محاولة ترغيبه في البعض منها على حساب البعض الآخر.وهذا نراه قد تحقق جزئيا في هذا الكتاب.

-      إعادة النظر في القيم الجمالية والترويحية وإعطائها نفس الاهتمام الذي أعطي لبقية القيم الأخرى. حيث لا يمكن الاستغناء عنها في كل الأعمار.

-      إعادة النظر في القيم الدينية وإعطاءها مكانها اللائق بها في منظومة القيم، لأنها من القيم التي تسير بقية القيم الأخر.

-   إعادة النظر في الوسائط الناقلة للقيم سواء كانت بشرية أو حيوانية مع الاهتمام بالوسائط البشرية خاصة، وذلك بتشجيع الطفل على الأعمال ذات الاستعمال العضلي والفكري وليس واحدة على حساب الأخرى. فكلاهما ضروريان للحياة.

-   الاهتمام بدور المرأة من خلال تكليفها بممارسات تحمل قيما إيجابية تجذب التلميذ إلى احترامها كما يفعل مع الرجل. وذلك لتنمية لدى الطفل نظرة تقدير للجنس الآخر.

-      إعادة النظر في الوسائط الحيوانية من حيث مدى تواجدها في بيئة الطفل وقربها منها لأن ذلك يشجعه على الاهتمام بها والدفاع عنها مستقبلا.

-   إعادة النظر في القيم التي تحملها هذه الحيوانات وذلك حسب فائدة كل حيوان أو ضرره مما يتيح للطفل اختيار السلوك الأنسب للتعامل، معها ومن ثم مشاركة الطفل في العمل على توازن الطبيعة منذ صغره للدفاع عنها في كبره.

-   جعل الطبيعة مجال مفتوح يكتشف فيه الطفل بعض قوانينها، للوصول إلى معرفة عن طريق حب الاستطلاع، أنه مجرد جزء من هذه الطبيعة، وأن عدم حمايتها يعني القضاء على بني جنسه.

  مراجع الدراسة:

1-  إبراهيم مدكور،(1975)، معجم العلوم الاجتماعية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة

2-  حامد عبد السلام زهران،(1981)، علن النفس النمو، ط5، دار العودة، بيروت.

3-  راجب عنايت،( 1966)، مسرح الأطفال بين الواقع والأسطورة، مجلة الطليعة، مصر

4-  سلوى عبد الباقي،( 1985)، "نحو حملة وطنية وقومية لغرس عادة القراءة عند الأطفال"

في القيم التربوية في ثقافة الطفل، الحلقة الدراسة الإقليمية، مصر

5-  سعد جلال،( 1985)، المرجع في علم النفس، مكتبة المعارف الحديثة، دار الفكر العربي،

القاهرة.

6-  سمية فهي،(1977)، الأسس النفسية للاتجاه الديني، المصرية للدراسات النفسية، الكتاب

السنوي، مصر.

7-  السيد عويس،( القيم الاجتماعية التي يجب أن تغرس في نفوس الأطفال"، في القيم التربوية

   في ثقافة الطفل، الحلقة الدراسية الإقليمية، مصر.

8-  طعيمة رشدي،(1987), تحليل المحتوى في العلوم الإنسانية، دار الفكر العربي، القاهرة.

9-  عبد المنعم المليجي،( 1975)، النمو النفسي، ط3، مكتبة مصر.

10-عبد الحفيظ مقدم،( 1989)، القيم الاجتماعية في المجتمع الجزائري، حوليات جامعة الجزائر، العدد 8 ، الجزائر.

11- عبد التواب يوسف،(1985)، " نحو حملة وطنية وقومية لغرس عادة القراءة عند

الأطفال «، في القومية التربوية في ثقافة الطفل الحلقة الدراسية الإقليمية، الهيئة المصرية

 العامة للكتاب، القاهرة.

12- عبد التواب يوسف،(1985)، " الطفولة والقيم " في القيم التربوية في ثقافة الطفل، الحلقة

الدراسية الإقليمية، القاهرة.

13- عبد اللطيف الفاربي وآ خرون،(1994)، معجم علوم التربية ، سلسلة علوم التربية

9-10، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب.

14- محي الدين طوق، عبد الرحمن عدس،( 1984)، أساسيات علم النفس التربوي، جون

وايلي وأبنائه، مالطا.

15- نمر بهية،(1994)، الطفل والكتاب في الجزائر، رسالة ماجستير، معهد علم الاجتماع،

جامعة الجزائر، الجزائر.

16- هادي نعمان، (1977)، أدب الأطفال، فلسفته، فنونه، وسائطه، الدار القومية للنشر

والتوزيع، العراق.

17- يعقوب الشاروني،( 1989)، " عناصر الجاذبية والتشويق في كتب الأطفال" في الطفل والقراءة، الحلقة الدراسية الإقليمية لعام 1987، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

18- M. J Herskovitz, (1967) Les bases de l’anthropologie culturelles, POYOT, Paris

19- Cuvilier (1963), Manuel de sociologie, PUF, Paris

20- H. Pieron,(1957), Vocabulaire de la psychologie, PUF, Paris