محددَّات البحث العلمي وضوابطه في ضوء التصويبات العقلانية لكارل بوبر pdf(Karl Popper)

"ارتدادات و إسقاطات على راهن الدراسات في العلوم الإنسانية و الاجتماعية"

د. لورسي عبد القادر

جامعة سعد دحلب البليدة

  ce présent article vise à éclairer l’esprit de tout entreprenant dans la voie de la recherche en sciences humaines et sociales sur et mettre l’accent sur la dimension incontournable de l’apport poppérien mettant en relief les vecteurs suivant :

-Les points d’ancrage de la démarche poppérienne et ses finalité.

-L’importance de l’orientation poppérienne dans le cadre du développement  de la connaissance scientifique.

-La nécessité d’édifier des traditions de théorisation dans les travaux de recherche en sciences humaines et sociales.

-Montrer la portée pratique de cette orientation dans l’étatactuel des travaux

حرصا منا على الارتقاء في البحث العلمي الجامعي عمدنا إلى تحليل عينة من الموضوعات تعكس راهن البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية واتجهنا حصريا إلى ميدان العلوم النفسية والتربوية باعتبارها الأقرب إلى مجال ممارستنا لإجراء إسقاطات المسعى الإبستيمولوجي والقرارات المنهجية مثلما تتجلى في الطرح البوبيري و منه يستهدف هذا البحث إبراز ما يلي :

-منطلقاتالفكرالبوبيريومراميه.

-أهميةالمنحىالبوبيريفيسياقتطويرالمعرفةالعلمية.

-ضرورةإرساءتقاليدالتنظيرفيالأعمالالبحثيةفيالعلومالاجتماعية.

-مدى تجسيد هذا المنحى في بحوثنا الراهنة -وتبيان ضرورة مراعاة محددّاته في كل بحث يسعى لأن يكون علميا

 الإشكالية:

يتبين من خلال تفحص وتحليل  عينة  من البحوث  في العلوم الإجتماعية المنجزة  في إطار تتويج المسارات الأكاديمية أو المقالات الموجهة للنشر أن هناك طغيان ملحوظ للطابع الإمبريقي المبني على الانطلاق المباشر من ملاحظات يستقيها الباحث في   موضوع بحثه ثم يغوص في دراستها بناءا على فرضيات يعدها  في ظل   التقيد بهذه الملاحظات ويصوغها بالكيفية التي تخدم التوجيه الضيق المرتبط بأهداف  البحث. وينشغل الباحث في كل هذا بشكل شبه مطلق بالسعي إلى تحقيقها وقد يحدث أن يصاب بشيء من الإحباط إن لم يتوفر له ذلك.

وإذا افترضنا أنّه أنجز بحثه بشكل مقبول في ظل هذا  التوجه الإمبريقي الضيق هل يمكن أن نجزم ونسلّم بعلومية البحث وإدراج نتائجه في  خانة المعرفة العلمية المضافة؟

يبدو لنا أن هناك جوانب أساسية وعميقة باتت مغفلة في منهجية تناول الموضوعات البحثية في العلوم الاجتماعية وهي جوانب ضبطية تتعلق بالتموقع النظري الذي أصبحت تكتنفه درجة ملحوظة من  السطحية والتناول الإبستيمولوجي الذي بات هو أيضا يتصف بمستوى معتبر من  المحدودية.

وإذا تتبعنا مجرى الفكر العلمي تستقطب أنظارنا تنبيهات الوجوه البارزة في الممشى المؤسس لتطويره فينبهنا  فرانسوا جاكوب   JACOB 1982أنّ المسعى العلمي لا يتمثل ببساطة في  الملاحظة أو جمع المعطيات التجريبية لاستنباط نظرية ما. والواقع أنه يمكن فحص شيء طيلة سنوات دون أن نسجل منه أية ملاحظة ذات قيمة معتبرة، لأنّ هذا التسجيل يتطلب أصلا توفر فكرة ما حول ما يجب ملاحظته ثم بعد  ذلك  فقط يتدخل المسعى العلمي وتكون  المواجهة بين ما يمكن أن يكون وما  هو واقع.

لهذا أيضا سبق وأن أشار جاستون باشلار BACHELARD أنّ نقطة انطلاق المسعى العلمي المنتج للمعرفة هي وجود مسألة أو انشغال مسبق لدى الباحث وليس الملاحظة. فهو يقول  في  هذا الصدد أنّ بالنسبة للفكر العلمي كل معرفة تمثل جوابا على سؤال مطروح. فإذا لم يطرح سؤال لن تكون هناك معرفة علمية، ثم يستطرد مؤكدا لا شيء يعطى كل شيء يبنى.

أما ألبرت انشتين ENSTEIN فيرى قطعيا أنّ النظرية  وحدها هي التي تقرر  ما يمكن ملاحظته.

والقاعدة عند كارل بوبر POPPER أنّ العلم يولد في المشكلات وينتهي إلى مشكلات والنظرية سابقة لكل إجراء  في مسعى الفكر العلمي. في ظل هذا الانشغال والسعي إلى إضفاء طابع العلومية على البحوث في العلوم الاجتماعية والرفع من درجة الفعالية في معالجة القضايا البحثية نسائل الفكر البوبيري لإبراز إسهاماته ومدى إستفادتنا منه  والوقوف عند المحكّات  التي وضعها لنميط اللثام على صدقية البحوث في تأسيس منطلقاتها وصواب منهجيتها ودقة نتائجها.

ويقودنا الحديث في سياق تحليل هذه المحكّات إلى تناول المسعى الإبستيمولوجي الذي أقره بوبر POPPER لإنتاج المعرفة العلمية والقرارات المنهجية التي حددّها والتي على الباحث أن يراعيها ويعمل على أساسها ليبلغ  عمله مصاف الموضوعية.

وفي ظل هذه الإشكالية يتناول هذا العرض أساسا التساؤلات التالية:

ü    ما هي منطلقات الفكر البوبيري ومراميه؟

ü    ما هي أهمية المنحى البوبيري في سياق تطوير المعرفة العلمية؟

ü    ما مدى تجسيد هذا المنحى في بحوثنا الراهنة؟

في ظل السعي للإجابة عن هذه التساؤلات نحتاج إلى وقفة مع التحديدات الاصطلاحية التي نراها ضرورية لتوضيح الرؤية وابراز معالم البحث وفيما يلي عصارة مقتضبة لأهم هذه التحديدات:

الإبستيمولوجيا :

الإبستيمولوجيا Epistemologie  مصطلح مشتق من الكلمة  اليونانية (Episteme) التي تعني المعرفة أو العلم، ولفظ (Logos) الذي يعني النظرية أو الدراسة، أي أن  مصطلح الإبستيمولوجيا بحكم  أصله الاشتقاقي يعني حرفيا "نظرية العلم" أو "نظرية  المعرفة العلمية" التي تهتم بالدراسة  النقدية لمبادئ العلوم  المختلفة وفروضها ونتائجها، وتستهدف تحديد أصلها المنطقي وقيمتها  الموضوعية.

ويرجع  هذا  المصطلح إلى الفيلسوف الأسكتلندي ج . ف فرير J.F. Ferrier، الذي كان أول من استخدم لفظ "إبستيمولوجيا" في كتابه ("سنن الميتافيزيقا") وذلك سنة 1854 عندما ميز في الفلسفة بين مبحث الوجود (الأنطولوجي Ontologique) ومبحث المعرفة (الإبستيمولوجي Epistemologique).

وإذا كان مصطلح "الإبستيمولوجيا" يطلق في اللغة الانجليزية، بالمعنى نفسه، على "نظرية المعرفة" بوجه عام، فإنّ الإختلاف بين المصطلحين يظهر في اللغة الفرنسية، حيث يتم التمييز بين ما يطلق عليه " Théorie de la Connaissance" أي نظرية المعرفة، وما يطلق عليه Epistemologie أي الإبستيمولوجيا، فعلى حين تطلق  نظرية المعرفة على مجموع التأملات، والتي تهدف إلى تحديد قيمة معارفنا  وحدودها، تعني  الإبستيمولوجيا، في جوهرها، دراسة نقدية للمعرفة  العلمية من  حيث المبادئ  التي  ترتكز عليها، والفروض التي  تنطلق منها، والنتائج التي  تنتهي إليها، بغرض إبراز أصلها المنطقي، وتحديد قيمتها الموضوعية.

وبصدد هذا  الاختلاف بين " الإبستيمولوجيا" و"نظرية المعرفة" يمكن التمييز بين موقفين  مثلما 

هو موضح في روبير بلانشي  Blanché.

الموقف الأول: هو الذي يساوي في الاستخدام بين مصطلح "الإبستيمولوجيا" ومصطلح " "نظرية المعرفة" ويرى أن علاقة الإبستيمولوجيا بنظرية  المعرفة يمكن أن تتحدد مبدئيا بالعلاقة نفسها الموجودة بين  النوع والجنس، لأن الإبستيمولوجيا تقف عند البحث في صورة خاصة من المعرفة، هي المعرفة العلمية، بينما تبحثنث نظرية  المعرفة في مبادئ المعرفة بصفة عامة.

ويعبّر عن هذا  الموقف جان بياجيه Piaget صاحب نظرية الإبستيمولوجيا التكوينية Epistemologie Genetique، الذي ذهب إلى أن المعرفة في تطور دائم لن تصل فيه إلى إتمامها، واعتبر أن كل إبستيمولوجيا تبحث في هذا التطور ستغدو بالتالي نظرية في المعرفة.

الموقف الثاني: هو الذي يفرق بين الإبستيمولوجيا ونظرية المعرفة، ويحوّل جنس المعرفة إلى نوع واحد فقط هو المعرفة العلمية، ويرفض كل ما عداها  من معارف كما يذكر روبير بلانشي ويعبّر عن هذا الموقف لوي روجيي Rougier الممثل القوي للوضعية جديدة  في فرنسا على حد تعبير  عادل السكري (1999).

 وقفة عند تخوم العقلانية النقدية:

يقودنا الحديث عن العقلانية النقدية إلى توجيه النظر إلى الأفكار التي حملها ودافع عنها قادة الفكر مثلما يسميهم طه حسين (1971 )  وبالأساس سقراط الذي رسم صورة جلية لما هو عقلانية نقدية. والواقع أن بوبر أبدى عظيم الإعجاب بسقراط ويتخذه الناطق الرسمي الأكثر براعة والأكثر نزاهة للمجتمع المفتوح. فنحن كما يقول بوبر مدينون لسقراط بأنه أوّل من صاغ المبادئ الموجهة للعقلانية النقدية ويمكن توضيح ذلك في نقاط نجملها كالآتي:

الشيء الوحيد الذي نعرفه هو "أننا لا نعرف" أي لا توجد معرفة منزهة من النقد، فمثالية معرفة متأكد منها بشكل قطعي أمر خارج عن نطاق العقل.

بالمقابل، نحن قادرون على رصد أخطائنا، فسقراط لا يعرف لكنه عن طريق منعطف المنطق فهو قادر على إدراك الفجوة أو التصدع في الحجاج أو المحاججة.

أخيرا يحذر سقراط الناس من أنهم يحملون مسؤولية القرار بكل حرية وأنهم مسؤولون بصفة شخصية عن أفعالهم واختياراتهم وعليهم أن يتحملوا هذه المسؤولية إلى النهاية. من هذا المنطلق يقدم بوبر تعريفا يميّز المجتمع المغلق والمجتمع المفتوح بقوله "أسمي مجتمع مغلق المجتمع القبلي والمجتمع المفتوح الذي يجعل الأفراد يواجهون قراراتهم بأنفسهم".

 حول أصول المعرفة الموضوعية:

إذا كان بوبر قد تأثر بسقراط في المسعى النقدي للمعرفة فإنه تأثر كذلك بالغ التأثر بكارل بوهلر Buhler في المسعى التأصيلي للمعرفة الموضوعية فاستوعب فكره وبنى عليه  وأضاف إليه. حدث هذا عندما تعرف بوبر على بوهلر سنة 1925 عندما  كان يتابع دروسه بالمعهد التربوي بفيينا حيث كان بوهلر يدرس كأستاذ في علم  النفس وكان قد اشتهر بنظريته الثلاثية حول اللغة التي رأى فيها بوهلر ثلاث وظائف هي: الوظيفة التعبيرية، الوظيفة الإشارية والوظيفة الوصفية. وأن الوظيفتان الأوليين يشترك فيهما الإنسان والحيوان بينما الثالثة أي  الوظيفة الوصفية فهي خاصة بالإنسان وحده. هذا وقد أضاف بوبر إلى هذه الثلاثية وظيفة رابعة وهي الوظيفة الحجاجية.

فلا تنقص الحيوان القدرة على وصف الواقع فقط بل تنقصه القدرة على المحاججة أيضا – يعني القدرة على تبرير الأفضلية المعطاة أو الممنوحة لخطاب على حساب خطاب آخر.

ولقد أدمج بوبر بشكل  خاص الوظيفتان  الوصفية والحجاجية للغة في نظريته التطورية بربط بروز المحاكمة المعرفية بالنمو التدريجي في الدماغ البشري للوظيفتين الوفية والحجاجية، فعن طريق اللغة تصبح أو تصير المعرفة الذاتية معرفة موضوعية فاتحا بذلك الطريق إلى ما سماه بالعالم الثالث أي  عالم الأفكار والنظريات.

 منحى انبثاق الفكر العلمي:

إنّ التفحص المقارن للفكر الماركسي  ومنهج إنشتاين Einstein أدى بكارل بوبر  الذي رواح سنه وقتها سبعة عشر سنة إلى بلورة تساؤلين صقلا فكره بشكل أكثر فأكثر إحكاما.

فقد علمه هذا التفحص كما يشير  إلى ذلك بودوين Baudouin 1995 أولا لا بديلية قيمة التكذيب – ففي العمق الماركسية قادرة على أن تجند لصالحها آلاف الحوادث والأمثلة ومع هذا فإن أغلبية اقتراحاتها خاطئة. بينما لم يحتاج إنشتاين إلاّ لتجربة واحدة ليكذب ويدحض النظرية النيوتونية للمادة ومع ذلك فهذا يكفي لتبيان خطئها أو على  الأقل عدم جدواها.تكذيب واحد يمثل أهمية أكبر بالنسبة لتطور المعرفة من تأكيدات متعددة.

كما علّمه هذا التفحص أيضا الدور الكبير  الذي يلعبه النقد في انبثاق الفكر العلمي – فالقرن العشرين كان من جديد مسرحا لمواجهة كبيرة وقوية بين ما يسمى من جهة بالأنظمة المغلقة التي هي على صورة الماركسية والتحليل النفسي تبني تأويل نهائي للعالم وتخترع مبررات وهمية لتتملص من النقد، ومن جهة أخرى الأنظمة المفتوحة التي على شاكلة إنشتاين  لا تتردد في المخاطرة بإخضاع نفسها لامتحان الحوادث وتقبل مسبقا بمنافسة نظريات تأويلية أخرى.

هذا وكان لابد من انتظار ظهور مؤلفه "منطق الكشف العلمي" (LDS) لكي يرقى هذا التضاد إلى أعلى مستوى مفصحا بذلك عن مبدأ التكذيب والدحض الذي يسمح حسب بوبر بإقامة الحد الفاصل الحاسم بين العلم واللاّعلم.

 الأزمنة الثلاث للكشف العلمي:بالنسبة لبوبر فإن الاكتشاف العلمي يحكمه منطق ثابت يحوي ثلاثة أزمنة متتالية:

الزمن الأول وفيه يبني رجل العلم سيناريوهات، فرضيات أو نظريات وهي محاولات لحل المشكلات اللامعدودة التي يوحى بها له الكون في تعقده.

الزمن الثاني هو زمن يخضع فيه رجل العلم المحاولات أو التخمينات التي بناها في الزمن الأول إلى اختبارات صارمة ومنتظمة تكون أكثر خصوبة إذا نجحت هذه الاختبارات في تكذيبها ودحضها.

الزمن الثالث هو تطبيق منهج المحاولة والخطأ الذي يستلزم من رجل العلم أن لا ينغلق على قناعاته الشخصية ويقبل دون تحفظ أن تناقش وتواجه تخميناته في العلن في نطاق المجموعة العلمية.

إنّ ثلاثية الأزمنة هذه تحدّد حسب بوبر الأفق الغير قابل للتجاوز للإبداع العلمي، فهي تشكل كما جاء في تحليل بودوين Baudouin 1995 المعيار الكوني الذي وإن كان مستطردا Extrapole من علوم الطبيعة فهو قابل للتطبيق في علوم المجتمع وبإمكانه أن يلهم حتى فن تسيير الحكم.

 التعزيز التأسيسي للابستيمولوجيا البوبيرية:

بإلهام من قراءته لكنراد لورانز Konrad Lorenz وداروين Darwin تمكن بوبر من تقديم لمسة تجديدية فعلية على العقلانية النقدية وذلك بربط ومفصلة وصف النشاط المعرفي بعمليات من النوع البيولوجي، إن إجراء المحاولة والخطأ الذي يعد حسب بوبر في صلب مبدأ الاكتشاف العلمي يترجم على صعيد المعرفة إجراءات التكييف والبقاء والزوال التي تحكم تطور الأجناس الحية. فالاختبارات والتجارب حسب بوبر تسمح باستبعاد الخطأ والقضاء عليه وبالتالي فهي تسمح بانتقاء النظريات بشكل أكثر ضمانا مثلما تفعل الطبيعة التي تتكفل بالقضاء  على الأجناس الغير قادرة على البقاء في خضم التحويلات الطارئة على المحيط.

ومنه فإن الإبستيمولوجيا البوبيرية تجهزت بقاعدة بيولوجية ثمينة أعفتها من اللجوء إلى التفسيرات الميتافيزيقية في تناول الظواهر.

الإقرار الإبستيمولوجي البوبيري:

يعتقد بوبر اعتقادا قويا في واحدية المنهج الفرضي – الاستنتاجي على اتساع المجالات  التي يطبق فيها. وابستيمولوجيته هي واحدة وغير قابلة للتجزيئي تحكمها ثلاثة محددّات فهي مشكلانية PROBLEMATISTE ودحضية FAIBILISTE وموضوعانية OBJECTIVISTE، وفيما يلي نتناول بشيء من التفصيل هذا المحددّات.

إبستيمولوجيا مشكلانية:

يقول بوبر أنّ العلم يولد في المشكلات ويخلص إلى مشكلات وكان راسخ الاعتقاد وعلى قناعة تامة أن المسعى العلمي يتجذر في المشكلات وليس في المفاهيم. هذه القناعة القوية أملاها عليه العداء الذي أبداه تجاه المواقف الإبستيمولوجية لحلقة فيينا. فطيلة حياته بطبيعة الحال انتصب بوبر ضد مفكري ودعاة الإمبريقية المنطقية.

وقد ثار قبل كل شيء ضد الزعم الاستقرائي للملاحظة الفورية للواقع معيدا الاعتبار على العكس للطابع الإلزامي الأولي للنشاط التخميني.

هذا وقد تصدى للزعم الوضعي الداعي إلى استبعاد الميتافزيقا من محاكمة المعرفة مؤكدا الدور  الذي  أن تلعبه في صياغة التخمينات أو في بناء النظريات.

 إبستيمولوجيا دحضية:

لقد دافع بوبر على تخصص العلم كفرع من فروع المعرفة وسعى إلى البحث عن معيار تمييز بين العلم واللاعلم وقد شكل هذا المسعى  الجزء المركزي في أعماله وهو الذي ساهم دون شك في إرساء سمعته وأصالته في الحقل المحدد لفلسفة  العلوم.

فحسب بوبر فإنّ معيار العلومية scientificité لنظرية ما يكمن في  إ مكانية دحضها وتكذيبها أو بعبارة أخرى  إمكانية إخضاعها للاختبار  "التكذيب" هذه هي الكلمة الفاصلة، وهذه هي النقطة المفتاحية للنظرية البوبيرية في الكشف العلمي.

تقديم المعيار:

إنّ بناء "الدحضية" ينبثق من رفض مزدوج يتمثل في رفض الدغماتية ورفض الاستقراء ويتجلى ذلك  على النحو التالي:

رفض  الدغماتية:

يرفض بوبر بشكل مطلق الكيفية التي تسلب بها بعض الأنظمة التأويلية على غرار الماركسية أو التحليل النفسي طبعة العلم – فهما يشيّدان مبنى منصوصات تبدو ظاهريا متناسقة ويزعمان تدعيمها بعديد  من الحوادث، لكن يعطونها المناعة في نفس الوقت بواسطة عدد من  الحيل لتكون  في منأى من الحوادث التي من شأنها أن  تدحضها  أو تحايدها.

رفض الاستقراء:

يرفض بوبر بنفس الكيفية المسلمة الوضعية positiviste التي تنص على أن التراكم التكراري ملاحظات قارة ومتطابقة تسمح بكيفية أكيدة إقامة "صدقية" أو "خطئية" قاعدة عامة.

وبشكل أدق يمكن القول أنه في إطار الفعل ضد "التحقيقية" vérificationnisme ذو الأصل الكارنابي (نسبه لـ Carnap) أقام بوبر مبدأ اللاتماثل ومضمونه أنه لا يمكن  أبدا تأسيس منطوق عام وقاعدة عامة انطلاقا من سلسلة منتهية لمنطوقات خاصة (الإثبات) ويمكن  بالعكس أن نستخرج حجة  من منطوق خاص لزعزعة المنطوق  العام (التكذيب أو الدحض).

فلا يمكن لنظرية أن توصف بالعلمية أو التجريبية إذا لم تمنح أي فرصة لدحضها، إذا كانت تمنح نفسها المناعة بشكل مسبق ضد التجربة أو الاختبار الحاسم.

إنّ المقام المعطى "للدحض" على حساب "التحقق" يحمل عدة انعكاسات يمكن إجمالها على النحو التالي:

ü    النظرية  ذات الزعم العلمي يجب بالمقام  الأول أن  تستجيب لشرط الاختبارية.

ü    المعيار البوبيري يجب بالمقام الثاني أن يفهم كقاعدة تفضيل وليس كقاعدة تبرير، لا يمكن أبدا لرجل العلم أن يؤسس إيجابيا منطوقا أو إثباتا عاما، بل يمكنه بالمقابل تفضيل منطوق عن منطوق آخر إذا واجه بفعالية  أكبر امتحان التجربة.

ü    أخيرا  النظرية  ليست إلاّ محاولة لفهم  العالم، فلا يمكن أبدا  التحقق  منها،  ويمكن بالعكس أن تكون موثوقة ومؤيدة.

والنظرية تحظى بالتأييد والثقة إذا انتصرت ونجحت في مقاومتها للاختبارات الأكثر صرامة ولم تعوض أو تستبدل بنظرية مضادة أكثر ملاءمة.

هذا ويحذر بوبر  من أن  النظريات  الأكثر  أداء ليست أبدا نظريات  صحيحة  بل هي  فقط نظريات لم تصبح بعد خاطئة.

Ø    تطوير المعيار:

إذا كان بوبر لم يتساهل أبدا حول الأهمية التي يمنحها للدحض كمنفذ حاسم للمعرفة، فهو لم يتردد بالمقابل من تمحيص الأداة إمّا بالقضاء على بعض اللبس، وبتدقيق بعض التشابهات.

 المعرفة  كسيرورة تطورية:

حاول بوبر إدماج المكتسبات  الرئيسية للنظرية  التطورية في فلسفته للعلوم ولم يتردد  في  هذا الصدد في التحدث عن "إبستيمولوجيا تطورية" فالإبستيمولوجيا التطورية كما يقول تسمح لنا بفهم أحسن للتطور وللإبستيمولوجيا من حيث  أنّهما يتطابقان مع المنهج العلمي.

فانطلاقا  من الفكرة القائلة أنّ "كل العضويات هي مقحمة ليلا نهارا في حل المشكلات، فإنّ بوبر أقام علاقة تشابه بين العلاقات التي تقيمها الأجناس الحيوانية أو النباتية تجاه التحولات التي تصيب المحيط الإكولوجي والعلاقات التي تقيمها تخميناتها تجاه التجارب  الموجهة لدحضها.

بنفس الكيفية التي يمكن أن يحدثها تحول حاسم في المحيط بتكيف بعض الأجناس والقضاء على البعض الآخر كذلك من نتيجة تجربة دحضية يمكن تبني نظرية (قد يكون تبني مؤقت) وفي نفس الوقت استبعاد نهائي لنظرية سابقة، فالتجارب تسمح للعلماء بإجراء انتقاءات بين النظريات المتنافسة.

رهان المعيار البوبيري:

هناك  اعتراضات قوية وجهت للمعيار الذي وضعه بوبر للتمييز بين العلم واللاعلم، وقد قبل أن تطبيقه بدون شك يكون أسهل في ميدان علوم  الطبيعة منه في ميدان المجتمع، ومع هذا فإنّ ترقية القابلية للتكذيب falsifiabilité إلى مرتبة المبدأ الملهم للكشف العلمي يحمل نتائج نظرية معتبرة تتجاوز الصعوبات المحتملة في تطبيقه وهو الأمر الذي جعل رادنتسكي Radintski يقول أن بوبر كان دون إعلان ذلك صانع ثورة قوبرنيقية حقيقية في مجال  العلوم. وإذا قبلنا بهذه  الفكرة يمكننا  أن نقدر هذا الرهان بكيفيات ثلاث:

-       أولا بوبر هو رجل منهج  ومنهجية إن صح التعبير ممنهج méthodiste أكثر منه  منظر. فهو لم يكن يهمه بناء نظرية جديدة للعلم بل كان على  العكس منهمكا في عقلنة وتدوين الإجراءات الموجهة لجعل المحتوى المعلوماتي للمنطوقات العلمية يبلغ مداه  الأقصى، فمشكلته الكبرى كانت كالتالي:                                 

-       ما هي  القواعد التي  يجب أن نتبناها إذا أردنا أن تكون تخميناتنا جد خصبة  في البحث عن الحقيقة وقد نحى بوبر  إلى أن أسلوب المحاولة والخطأ  هو الأحسن لتحريك "المعرفة العلمية".

-       ثم إنّ  بوبر منح للخطأ الدور الحاسم في عملية الاستزادة في  معارفنا "أخطاؤنا تعلمنا" كما يقول، مضيفا "تلك هي القاعدة لكل إبستيمولوجيا ولكل منهجية".

وهو راسخ الاعتقاد في أنّ اكتشاف الخطأ عن طريق إعلامه لنا بجهلنا، يفتح في نفس الوقت السبيل لمعرفة جديدة، فالعلم ليس سوى استبعاد غير متناهي للخطأ.

أخيرا أعلن بوبر  دون  تردد نهاية المثالية  اليقينية في العلم نازعا عنه الهالة التي غالبا ما تحيط به مؤكدا ذلك بقوله "إنّ التصور الخاطئ للعلم يتجلى في التعطش للصحة والسداد لأنّ ما يشكل رجل العلم ليس هو امتلاك معارف وحقائق لا يجادل فيها وإنما البحث العنيد والنقد الجريء للحقيقة. (منطق الكشف العلمي).

فبينما كل ثقافتنا العلومية scientiste والوضعية positivité  تماثل العلم بالصحة justesse وبينما كذلك تطور اللغة يتكفل تخصيص مفهوما لليقين شديد الطابع لعبارتي المعرفة أو العلم: فإنّ بوبر أعاد إدخال الشك واللااستقرار بالتصريح أن نظرياتنا ليست موضوعة لتبجّل وإنما هي مرشحة لتهدم وأن رجال العلم يجب أن يستبعدوا اليقين من أفقهم.

 إبستيمولوجيا موضوعانية:

إنّ الإبستيمولوجيا البوبيرية موضعانية objectiviste فهي تضادد "بشكل رادكالي ذاتية رجل العلم بموضوعية العلم".

ذاتية رجل العلم:

 يبتعد بوبر بكل حزم عن الحكم المسبق المتصلب الذي يريد أن تكون موضوعية العلم قائمة على موضوعية العالم، إن المثالية الوضعية لعلم خالص ومحايد قادر على التحرر من القيم والمصالح يبدو له غير معقول فهو يقول في هذا الصدد "لا يمكننا أن ننزع من رجل العلم تحيزه بدون أن ننزع منه في نفس الوقت إنسانيته، كذلك لا يمكننا أن نمنع أو أن نحطم أحكامه المسبقة دون أن نحطمه في آن واحد كإنسان وكرجل علم".

وبهذا الصدد فإنّ بوبر لا يقيم تمييزا بين "علوم الطبيعة" و"علوم" "الثقافة" وهو يقول بهذا الشأن أنه من الخاطئ تماما الاعتقاد أن الذي يمارس علوم الطبيعة يكون موضوعيا أكثر                                         من الذي يمارس العلوم الاجتماعية فهو كذلك منحاز (أي رجل العلوم الطبيعية) مثله مثل الرجال  الآخرين.

 موضوعية العلم:

إنّ موضوعية العلوم الطبيعة والعلوم الاجتماعية لا تتأسس على روح التحيز الموجودة عند رجال العلم، لكنّها تتأسس ببساطة على الطابع العمومي والتنافسي للمؤسسة العلمية يقول بوبر. هذه هي نقطة الانطلاق، فالعلم يبرز ويبزغ لما من معرفة ذاتية مؤسسة على اعتقاد رجل علم نمر إلى معرفة موضوعية مبنية على المجابهة النقدية (المناظرة) لوجهات النظر، وهو ما يسميه بوبر "البين ذاتية" كما يذكر بودوين (Baudouin, 1995).

" إن بوبر حين يتحدث عن العلم كنظرية  من خلال كتاباته  يتناول بالتحليل مشكلاته في صورة تساؤلات وأراء. على سبيل المثال مشكلة الاستقراء . وهي أول حديث  لبوبر في" المعرفة   الموضوعية " و هي كذلك في" منطق الكشف العلمي ". هذه المشكلة في رأي بوبر لتوضع  وضعا صحيحا يجب علينا أن نميز أولا  بين العلم و اللاعلم " science et non science"  ثم  نميز منطق المعرفة "  " logique de la connaissance من سيكولوجية المعرفة "  la connaissancepsychologie de  " هذا من جهة ثانية. كما يبدو من الضروري طالما نحن في ميدان العلم أن نستبعد الذاتية " subjectivisme "التي قد تفسد على العلم موضوعيته، هذا ما يعرف عند بوبر بالقرارات المنهجية ".  ( ماهر، 1985 : 32 )

إن بوبر ينظر للنظريات العلمية على أنها نظريات وصفية، فهي تشير إلى ما قد نلاحظه في أي قطاع من الزمان والمكان إذا توافرت الشروط الدقيقة.( ماهر، 1985: 34).

 يكون العلم موضوعيا عند بوبر بمعنى قيام نظرياته لا يمكن أن ترد إلى محتوى الشعور لأي فرد، بمجرد قيام النظرية تعرض للاختبار في مقابل حالات الأشياء الملاحظة، وفيما يتعلق بأي اختبار تتعرض له النظرية فإنه إما أن تبقى النظرية أو ترفض. وعملية اختبار النظرية على النحو المشار إليه، لا تتضمن أولا تعتمد على الاعتقادات الذاتية لأي فرد، فما دام الاختبار سيقوم به فرد ما يمكن تكراره مرات ومرات بواسطة أي فرد آخر في أي زمان ومكان ( ماهر، 1986:39).

الاختلاف بين المعرفة العلمية و المعرفة ما قبل العلمية " pré-scientifique " هو أن النوع الأول معرض دائما للنقد الواعي بصورة نظرية منهجية )ماهر، 1985: 50 ).

نمو المعرفة العلمية و النقد العقلي:

لجأ بوبر إلى استخدام مبدأ " التكذيب " الذي يستند بدوره لمفهومه عن " نمو المعرفة العلمية "  لأن مفهوم النمو حيوي وضروري لكل من جانبي المعرفة العقلية و الأمبريقية . فطريقة نمو العلم هي التي تجعل العالم يميز بين النظريات التي لديه و يختار أفضلها . كما تتيح له الفرصة لإبداء الأسباب لرفض النظريات و اقتراح الشروط التي لابد من توافرها ، حتى يمكن القول عن أية نظرية أنها مقنعة .

وهكذا فإن الخصم الكبير للفكر الوضعي " positivisme " هو وجهة النظر التكذيبية" falcificationnisme " للعلم التي يدافع عنها بوبر و التي تنال انخراط عدد كبير من الباحثين والفلاسفة و هي وجهة النظر التي يثني شالمرس Schalmers, 1991 : 23) ) على جوانبها العامة ، حيث يذكر أن النظريات العلمية قابلة للتكذيب و يمكن أن تخضع للتحسين أو التعويض أي الاستدلال , ومن حيث أنها تزعم تأكيد شيء ما حول العالم , فيمكن التحقق منها بمواجهتها فيما بينها . ويمكن استفادة    من ذلك اعتبار تاريخ العلوم كتاريخ بقاء " survie " للنظريات الأكثر تكيفا التي اجتازت بنجاح الاختبارات الأكثر صرامة.

وفكرة النمو عند بوبر تعنى صورة من صور التقدم، وبالتالي يصبح معيار التقدم هو ما يحدد نمو العلم. فإذا كانت لدينا نظرية ما، مرت بمراحل الاختبار واجتازتها، فإن النظرية عندئذ تصبح أفضل من غبرها من النظريات التي لم تخضع للاختبار و بالتالي فإنه يمكن لنا كما يذكر (ماهر، 1985 ) تطبيق هذا المعيار على نمو المعرفة العلمية

إن هدف العلم من وجهة نظر بوبر هو أن يقترب أكثر فأكثر من الصدق والعلم يستطيع أن يفعل ذلك عن طريق منهج النقد العقلي. وهذا المنهج بطبيعة الحال يتضمن الصياغة الواضحة للمشكلات، و الاختبار المنتظم للحلول المقترحة وفقا للقواعد المنهجية. ومن ثم فإن نمو المعرفة يتقدم ابتداء من حذف الخطأ.

عندما لاحظ كارل بوبر شيوع التناقضات بين العلماء اقترح عليهم في عام 1981 مجموعة من "آداب المهنة " أولها: حظر الوصاية على التفكير العلمي حتى إن صدرت من مختص، والثاني: هو الاعتراف باحتمال وقوع العلماء في الخطأ بشرط تحليل الأخطاء والتعلم منها بدلا من التستر عليها والثالث: هو احترام المشتغل بالعلم لحرية الآخرين في النقد والاعتراف بحقهم في تنبيهه إلى أخطائه، فذلك أدعى إلى تصحيحها من الاكتفاء بالنقد الذاتي، والرابع: هو ألا ّ يكون اهتمام المشتغل بالعلم بتنبيه الآخرين إلى أخطائهم شاغلا له عن الانتباه إلى أخطائه  (عفيفي، 2002: 60)

وفي تحليله لفكر بوبر يقول نفادي، 1996: 93 إن " العلم يتعامل مع النظريات، والنظريات معرضة دوما للتكذيب، ومعرضة بالتالي للنقد و الرفض دوما. و أحسن النظريات التي دحضت، ذلك لأنها أخلت المكان لنظرية جديدة، بحيث يمكن للعلم أن يسير إلى الأمام بلا نهاية . وأن تتطور بالتالي المعرفة العلمية. وعلى هذا النحو ينتج أن المعرفة العلمية كلها تتميز عن المعرفة العادية بأنها ذات طابع افتراضي.

 ويرى بوبر أن عملية النمو المطرد للمعرفة العلمية أنها تتم بطريقة المناقشة النقدية للنظرية ( أو النظريات ) العلمية و استبعاد الخاطئ منها .

إن العلم في منظور بوبر لا يقول ما هو الصحيح. ولكن يقر ما هو خاطئ . فبالنسبة لبوبر المقصود هنا ليس لغة لاستبعاد السؤال المتعلق بالحقيقة العلمية بل بالعكس فهو جهد يحمل المؤشر الرئيسي للتمييز بين ما هو خطاب علمي و الإنتاجات الإنسانية الأخرى. فليس درجة الدقة ولا درجة التناسق الداخلي للخطاب هي التي تسمح بالحكم على علوميته " scientificité " من وجهة نظر ما  بل الذي يسمح بهذا الحكم هو التواضع الذي يميز هذا الخطاب( Johsua et Dupin , 1993 ).

كما يرى أيضا أن بناء النظرية لا يتم بطريقة استقرائية خاصة،  بل يلعب التخيل العلمي  والإبداعي دورا في ذلك و لكن بوبر  لا يلغي التجربةو الملاحظة في الإطلاق لصياغة النظرية العلمية ، ويؤكد دور الاستدلالية في التحقق من صدق  مشتقات النظرية ، حيث يرى وجوب استخدام منطق استدلالي لاختبار نظرية ما   واشتقاق أقوال فردية من النظريات بحيث تكون هذه الأقوال قابلة للملاحظة  و يمكن اختبارها ، ويسمي بوبر الأقوال الفردية المشتقة من النظرية بالأقوال الأساسية , ويرى أنها قابلة للتكذيب , والأقوال الأساسية هنا تعنى جميع الأقوال الفردية التي  تكون متماسكة ذاتيا . ويرى بوبر أن النظرية لكي تكون قابلة للتكذيب يجب أن توصف بأنها تجريبية ( العلاف، 1991: 82 ).

ويعتبر منهج العلم عند بوبر هو منهج التجربة و استبعاد الخطأ: أنه منهج طرح فرضيات جزئية، يجب إخضاعها للنقد الصارم بهذا الكشف عن أخطائنا و ضلالاتنا على حد تعبير( نفادي، 1996: 94)

و يصر بوبر  كما جاء على لسان( ماهر، 1986 : 38 ) على أن كل الملاحظات , بدون استثناء لا بدّ وأن تجري في ضوء نظرية ، أي لا توجد قضايا ملاحظة أولية تتجاوز ما هو نظري يمكن ان   تشيد النظرية العلمية على متنها .

وفي أواخر الستينات طرح بوبر نظرية العالم الثالث ". و العالم الأول عنده ، هو عالم الأشياء ، أو عالم الموضوعات الفيزيائية ، و العالم الثاني هو ميدان التجربة الذاتية ، ميدان الأحاسيس و الأفكار أما العالم الثالث فهو عالم الأقوال و النظريات و المشكلات و الأحكام النقدية و مضمونها بالمعنى المنطقي ، كما هو مبين في ( تفادي ، 1996 : 94 ) .

 وهذه العوالم الثلاث متميزة تماما من الناحية الأنطولوجية وهي كما ذكرها( ماهر، 1986: 38 ) عالم الحالات الفيزيائية وهو العالم الأول , وعالم الحالات العقلية و هو العالم الثاني، أما العالم الثالث فهو عالم تعقل الأفكار بالمعنى الموضوعي ، وهو عالم الأشياء الممكنة بالنسبة للفكر .ومحتوى هذا العالم هو محتوى الكتب ، و الموضوع السليم للابستيمولوجيا يقطن فيه لا في العالم الثاني الذي هو عالم الوعي و الشعور و الحالات العقلية و الميول السيكولوجية والمعتقداتو المدركات كما تذكر  ( الخولي ، 2003 : 93 ).

إن العالم الثالث كما يقول بوبر هو من صنع الإنسان ولكنه يغدو فيما بعد مستقلا عنه، لأنه ينطوي على الكثير من الأشياء غير المتوقعة، من الأشياء التي تشكل نتائج نشاط الناس الهادف. و يشير بوبر كما جاء على  لسان (  ماهر، 1986 : 38 ) إلى أن تفاعلنا مع العالم الثالث يماثل تماما التطور الحياتي، ويقول أنه من خلال هذا التفاعل بين ذواتنا و بين العالم الثالث فإن المعرفة الموضوعية تنمو .

و بشأن العلاقة بين العوالم الثلاث فتقول ( الخولي , 2003 : 94 ) أنها متداخلة . فالعالم الأول مستقل عن العالم الثالث – لكن العقل – العالم الثاني هو الوسيط الذي يربط بينهما و بواسطة علاقاته بكليهما. إذ له وثيق الصلة بالعالم الثالث . فهو الذي يخلقه ثم يظل يدرسه و يضيف إليه ويحذف منه.

و خلاصة القول في العلاقة بينهما، أن العالم الثاني يربط بين العالمين الأول و الثالث وأن هناك عملية تغذية راجعة للعالم الثالث من العالم الثاني بل وحتى من العالم الأول .

  إن تأثير كارل بوبر  على القرن العشرين كان قويا إلى حد بعيد , وذلك بتشديده على الحاجة إلى فحص نقدي للأفكار , كما كان له  تأثير قوي على الجماعة العلمية ، حيث  أن دعوته العلماء أن يبحثوا عن تكذيب أفكارهم أكثر من التحقق منها لم يمض دون انتباه ، وأيضا الخط المقترح  لوضع الحدود الفاصلة بين العلم الحق و العلم الزائف ، فقد كان له أثر مفيد .  ( نفادي، 1996 : 95 )

ويتحدث بوبر عن تصور جد تفاؤلي للقدرة التي يملكها الإنسان لتمييز الصحيح و الوصول إلى المعرفة.

إن مذهب الطابع الظاهري للحقيقة يتواجد في أساس هذه النظرة المتفائلة و الجديدة لإمكانية المعرفة. فالحقيقة يمكن أن تكون محجوبة و لكن بإمكانها أن تظهر . فإذا لم تنكشف بنفسها ، يمكننا أن ندفع بها إلى الظهور . إن رفع الستار عنها ليس بدون شك أمرا يسيرا، لكن بمجرد ما تتعرى يمكننا أن نراها، ونميزها عن الخطأ و أن نعلم فعلا أنها حقيقة.

 إنه تحت بصمة هذه الابستيمولوجيا التفاؤلية التي يعد كل من بيكون و ديكارت Bacon   وDescartes  رائديها الأساسيين ولد العلم و التقنيات الحديثة. هؤلاء علمونا أنه لا يوجد على الإطلاق افتعال سلطة في موضوع الحقيقة لأن مصادر المعرفة هي في كل منا : إما في القدرة الإدراكية التي تسمح بالملاحظة الدقيقة للطبيعة , إما في الحدس العقلي الذي يعمل لتمييز الصحيح من الخاطئ( POPPER , 1998 : 24 – 25( .

 الخلاصة:

و كاستخلاص مما سبق يمكن القول أنه قبل بوبر   كان اهتمام فلاسفة العلم مركزا على الكيفية التي كانت تبلغ بها العلوم الحقيقة وتبرهن عليها. وفي مركز هذه الاهتمامات يتواجد مشكل الاستقراء بمعنى الكيفية التي تبرهن بها سلسلة من التجارب عن قيمة نموذج .

وإذا كان بوبر قد احتفظ بالنسبة للحقيقة بنظرة كلاسيكية فبالنسبة إليه المشكل المركزي لفلسفة العلوم يبقى مبررات قابلية صدق الاقتراحات. فهو قد جدد بعمق مشكل الاستقراء .

والانقلاب الذي أحدثه التناول البوبيري يمكن التعبير عنه كالآتي : بدل  أن نمبهر بالتجارب ، يكون من الأهم أن نشدد الاهتمام على النظريات .

ألا يكون من الأجدر النظر إلى العلوم أولا كخلق لنظريات أو نماذج و الاعتقاد في أن الأفكار تنبثق عندما نستكشف حدود النماذج السابقة ؟

وحسب وجهة النظر هذه فالعلماء أو رجال العلم يتناولون العالم دائما بأفكار في أذهانهم. فيحاولون أولا استخدام هذه التصورات. لكن ممارستهم الخاصة كعلماء تتمثل في البحث عن حدود عمل هذه النماذج . وعندما تصبح هذه الحدود واضحة فإن دينامية البحث تؤدي برجال العلم إلى تخيل تصورات نظرية جديدة تعطي نتائج مطابقة للنماذج السابقة بالإضافة إلى حل بعض الصعوبات القائمة كما يذكر فوريز   ( Fourez , 2002 : 70 ) .

ومن مزايا منظور بوبر أنه يبرز جانبا ملموسا في مسعى رجال العلم الذين عموما ما يتناولون مسألة بمعتقداتهم الأولية، لكن البحث يصبح مهما عندما يصلون إلى رفضها، و في هذه العملية يتخيلون نموذجا جديدا. فما أدركه بوبر هو هذا المنطق للمسعى العلمي: الأهم ليس عملية التحقق من الفرضية و لكن عملية تحليلية للبحث عن كيفية تجنب الصعوبات المعترضة.

هذا ويطلعنا بوبر في كتابة المعنون "في البحث عن عالم أفضل" الصادر سنة 2011 في أطروحته الخامسة التي قدمها بشأن البحث في العلوم الإجتماعية أن هذه الأخيرة مثلها مثل العلوم الأخرى تنجح وتخفق، فهي واعدة أو فارغة، خصبة أو عقيمة، ذلك حسب الضعف أو القوة في المشكلات التي تعكف على تناولها، وكذلك حسب الضعف والقوة في الصدق وفي سداد الحكم وفي البساطة التي يتصف بها البحث عند تناولها. وليس بالضرورة أن تكون المشكلات محل المعالجة مشكلات نظرية. هناك مشكلات عملية خطيرة مثل الفقر، الأمية، الإضطهاد... قدمت للعلوم الإجتماعية نقطة انطلاق ثمينة لكن هذه المشكلات العملية تؤدي إلى تفكير، وإلى تنظير ومن هنا تؤدي إلى التوازن طبعا مع درجة إقدام وأصالة الحل المقترح كل ذلك هو الذي يحدد قيمة أو تفاهة الخدمة  العلمية.

 المراجع باللغة العربية:

1-يمنى طريف الخولي (2003): فلسفة كارل بوبر، منهج العلم، منطق العلم، مطابع الهيئة العامة للكتاب، الطبعة الثانية، القاهرة.

2-عبد القادر محمود  علي ماهر (1986): منطق الكشف العلمي، دار النهضة العربية، بريوت، لبنان، تأليف (Popper, K).

3-عادل السكري (1999): نظرية العرفة- من سماء الفلسفة إلى أرض  المدرسة، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.

4-عفيفي محمود عفيفي (2002): هذا هو علم البيولوجيا، سلسلة عالم المعرفة المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، العدد 277، الكويت، تأليف)(Mayr

5-السيد نفادي (1996): اتجاهات جديدة في فلسفة العلم، مجلة عالم الفكر، المجلد 25، العدد 2، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت.

6-لخضر مذبوح (2009): فكرة التفتح في فلسفة كارل بوبر منشورات الاختلاف الجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان.

7-روبير بلانشي (1972): نظرية العلم  (الإبستيمولوجيا)، ترجمة محمد يعقوبي، ديوان المطبوعات الجامعية  الجزائر.

8-طه حسين( 1971 ) :  قادة الفكر  دار المعارف  القاهرة  مصر 

المراجع باللغة الأجنبية:                                                                     

1-Bachelard ,G(1993) :la formation de l’esprit scientifique ,Editions VrinParis

2-Baudouin, J (1995) : Karl Popper – que sais je collection Puf – Paris.

3-Colloque (1979) : de Vienne à Frankfurt, Popper –Adorno, la querelle allemande des sciences sociales.

4-Fourez, G (2002) : la Construction des sciences – la logique des inventions scientifiques, éditions De Boeck et Larcier – Bruxelles.

5-Jacob, F(1982): le jeu des possibles, Librairie   Arthem, Editions Fayard Paris.

6-Johsua, S & Dupin, JJ (1993) : Introduction à la didactique des sciences et des mathématiques- édition puf, Paris.

7-Piaget, J (1970) : Psychologie et Epistémologie – pour une théorie de la connaissance, éditions Gontier – Denoel, Paris. 

8-Piaget, J (1967) :logique et connaissance  scientifique ,Editions  Galimard  Paris                   

9-Popper, K (1978) : Des sources de la connaissance et de l’ignorance – éditions Payot et Rivages, Paris – Traduction Michelle Irene et Marc De Launay.          

10-Popper, K (1978) : La Connaissance Objective, éditions Aubier, Paris.

11-Popper, K (1979) : La Société Ouverte et ses Ennemis, éditions du Seuil, Paris.

12-Popper, k (1986) : Conjectures et Réputations, éditions Payot, Paris

13-Popper, k (2011) : A la recherche d’un monde meilleurs – société d’édition les belles lettres – traduction Jean-Luc EVARD – paris 

 14-Schalmers, A (1991) : la Fabrication de la science – Editions de   la découverte .Paris.