نظرية الاضمحلال الداخلي وعلاقتها باستغلال مبدأ نوافذ الفرص عند إدوين غوردونpdf

 

حداد، رامي نجيب

الجامعة الأردنية

Abstract

Edwin GordonInternal Diminishing Theory and its relation with “Windows of Opportunity”

Edwin Gordon established a contemporary theory in musical aptitude, in which he talked about diminishing of this aptitude as long as we do not consider developing it in a specific period.  He also pointed out the need to exploit this specific phase as a window of opportunity. The Aim of this study is to develop Gordon’s theory of musical aptitude by linking it to the principle which known as “windows of opportunity”.

The study came up with und some results including; human brain works according to the principle (use it or lose it) and this principle is applied also to musical aptitude, this reinforces the need to teach children music in a specific period it becomes too late, as the development of musical aptitude and motivating the child to sing and respond to the music enhances many other skills that their “windows of opportunity” open simultaneously with the “windows of opportunity” to learning music.

Keywords :Music education, Edwin Gordon, Windows of opportunity, diminishing musical aptitude

الملخص

وضع إدوين غوردن "Edwin Gordon"  نظريّة في القابليّة الموسيقيّة والتي تعتبر من أحدث النظريات في حقل التربية الموسيقيّة، وتحدّث فيها غوردون عن الاضمحلال في تلك القابليّة إذا لم يتم استغلال مرحلة معيّنة في عمر الإنسان لتعزيزها، وبذلك يكون قد أشار بطريقة ما إلى ضرورة استغلال تلك المرحلة، وعليه، فإن هدف الدراسة هو الخروج بنتائج جديدة تتمخّض عن ربط نظرية الاضمحلال الداخلي للقابلية الموسيقية مع مبدأ نوافذ الفرص الذي أشار إليه العديد من الباحثين والعلماء في جال علم نفس النمو والتربية.

وقد توصلت الدراسة إلى عدّة نتائج منها؛ أن الدماغ البشري يعمل بمبدأ الإهمال والاستعمال أيضاً في مجال القابليّة الموسيقيّة، وهذا المبدأ يعزز ضرورة استغلال نوافذ الفرص لتعليم الأطفال الموسيقى في فترة محددّة قبل أن تضمحل تلك القابليّة ويصبح من المتأخر إعادة زيادة تلك القابليّة كما لو كانت عليه عند فتح نافذة التعلّم الموسيقي، كما إن زيادة القابليّة الموسيقيّة وتحفيز الطفل على الغناء والاستجابة للموسيقى يعزز مهارات أخرى عديدة تتزامن عمليّة انفتاح نوافذها مع انفتاح نافذة تعلّم الموسيقى.

الكلمات المفتاحيّة تربية موسيقيّة، إدوين غوردون، مبدأ نوافذ الفرص، اضمحلال القابليّة الموسيقيّة

مقدمة

إدوين غوردون (Edwin Gordon) هو عازف، ومدرس، وكاتب، ومحرر، ومؤلف موسيقي وباحث في التربية الموسيقية من مواليد عام (1927) في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عرفت له إسهامات رئيسية في الدراسات الموسيقية المتعلقة بالقابلية الموسيقية، وتربية الأذن، وتعليم الموسيقا النظرية، وتدريس الأنماط الإيقاعية واللحنية، والتربية الموسيقية لدى الأطفال من مرحلة حديثي الولادة وحتى نهاية مرحلة الطفولة المبكرة أي قبل دخول المدرسة (Gordon, 2013)، كما وضع غوردون عام (1965) سبعة اختبارات أساسية تعتبر مرجعاً عالمياً لقياس القابلية الموسيقية بين سن خمسة أعوام ولغاية تسعة أعوام، فضلا عن العديد من الكتب والمقالات والدراسات والبحوث، وتعتبر تلك الاختبارات أو ما يعرف بملف تعريف الموهبة الموسيقية(The Musical Aptitude Profile) والذي يتم اختصاره بالأحرف الثلاث ((MAP معياراً أساسياً ومعتمداً في مجال اختبار القابلية الموسيقية وقد مضى على استخدامه أكثر من ثلاثينسنة من التجارب[1].

قبل أن يصبح باحثاً في مجال الموسيقا وعلم النفس، حصل غوردون على البكالوريوس والماجستير في الأداء الموسيقي على آلة الكونترباص (Contrabass) من مدرسة إيستمان الموسيقا (Eastman School of Music) وانضم بعدها إلى فرقة جين كروبا (The Gene Krupa band) قبل نيله درجة الدكتوراه من جامعة أيوا ((University of Iowaفي الولايات المتحدة عام (1958)، وشغل بعدها عدة مناصب في معاهد موسيقية مختلفة وقام بالتدريس في أماكن عدة من بينها عمله كمدرس للموسيقى في جامعة ولاية نيويورك في بوفالو وفي جامعة ولاية ايوا، كما عمل كمدرس وباحث في التعليم الموسيقي في جامعة "تمبل" في فيلادلفيا- أمريكا (Temple University in Philadelphia) حصل على أثرها على جائزة المعلم المتميز[2]

لقد عكف غوردون على وضع نظرياته في تعلّم الموسيقا وربطها بمراحل نمو الطفل منذ الولادة، وقد لاقت نظرياته رواجاً في عالم التربية الموسيقية نظراً لارتباطها بنظريات النمو ونظريات التعلّم، ومن الضروري أن يتم هذا الربط للخروج بنتائج أكثر فاعلية في نظرية غوردون.

هدف الدراسة

         تهدف الدراسة إلى الخروج بنتائج جديدة تتمخّض عن ربط نظرية الاضمحلال الداخلي للقابلية الموسيقية (Diminishing of the music aptitude) والتي تعرّض لها إدوين غوردون من خلال دعوته لاستغلال النشاط العقلي في المنطقة المسؤولة عن القابلية الموسيقية مع مبدأ نوافذ الفرص الذي أشار إليه العديد من الباحثين والعلماء في جال علم نفس النمو والتربية، حيث نادى أولئك الباحثين والعلماء إلى استغلال تلك النوافذ خلال مراحل النمو المختلفة وخصوصاً المراحل الأولى من حياة الإنسان، علماً بأن إدوين غوردون ذاته يشير إلى ذلك المبدأ بطريقة غير مباشرة. كما تهدف الدراسة التوصّل لنتائج من شأنها أن تدعم النظريات المتعلّقة بإبراز أهمية التعليم الموسيقي في مراحل الطفولة المبكّرة.

أهمية الدراسة

         تكمن أهمية الدراسة في تسليطها الضوء على إحدى نظريات التربية الموسيقية الهامة التي ظهرت خلال القرن العشرين ولا زالت تدرّس خلال القرن الحادي والعشرين في عدد كبير من الجامعات والمعاهد العالمية التي تطرح تخصص التربية الموسيقية، كما تكمن أهمية الدراسة في ربطها للنظريّة التي وضعها إدوين غوردون مع مبدأ استغلال فرص التعلّم لدى الأطفال والذي أشار إليه العديد من العلماء والباحثين، ومن بينهم غوردون ذاته، كنهج تربوي هام لتعليم الأطفال في مراحل الطفولة المبكرة، علماً بأنه تندر في الوطن العربي دراسات مشابهة قامت بتسليط الضوء على نظريات غوردون نظراً لحداثة تلك النظريات نسبياً.

منهج الدراسة وإجراءاتها

         تعتبر هذه الدراسة من الدراسات التطويريّة (Research for Development)، وهي نوع من الدراسات التي تحاول الرجوع إلى نظرية قائمة وتطويرها للخروج بنواتج فعّالة يصار إلى استخدامها في عمليّة التعلّم (عدس، 1992 : 14)، وسوف يتم في هذه الدراسة عرض نظرية إدون غوردون التي تحدّث فيها عن الاضمحلال الداخلي، وتحليلها، والعمل على تطويرها عن طريق ربطها بمبدأ نوافذ الفرص، حيث سيتمخّض عن هذا الربط تولّد نظرية متكاملة يمكن وضعها بين يدي القائمين على التربية الموسيقية لتطبيقها والاستفادة من نتائجها في تعزيز أهمية التعليم الموسيقي بشكل عام، وفي دور الحضانة ورياض الأطفال وفي المرحلة الأساسية الأولى من التعليم المدرسي بشكلٍ خاص.

تتضمّن الدراسة الإجراءات التالية؛

$1-                    عرض نظرية الاضمحلال الداخلي عند إدوين غوردون وتفسيرها مبيناً أهمية النظرية وعلاقتها بنظريات التعلّم في المراحل العمرية الأولى.

$1-                    شرح مبدأ نوافذ الفرص وبيان أهمية استغلال فترة الطفولة المبكرة في التعلّم المستقبلي

$1-                    ربط نظرية الاضمحلال الداخلي بمبدأ نوافذ الفرص

$1-                    الوصول إلى النتائج وتفسيرها ووضع تصوّر للنظرية الجديدة والخروج بالتوصيات

مصطلحات الدراسة

$1-                    الاضمحلال؛ تلاشي القابلية أو القدرة العقلية و/أو الجسدية تدريجياً إلى أن تصل حتى أدنى مستوياتها.

$1-                    نوافذ الفرص؛ مرحلة زمنيّة محددة من عمر الطفل تكون مناسبة لتعلّم مهارة أو سلوك معيّن

$1-                    قابليّة موسيقيّة؛ الاستعداد الفطري للطفل لاستقبال عناصر الموسيقى (الإيقاع والنغم) واستيعابها وتأديتها.

$1-                    نمط إيقاعي / لحني؛ سلسلة من الأشكال / النغمات الموسيقيّة التي تشكّل ضرباً إيقاعياً أو جملة موسيقيّة.

نظرية الاضمحلال الداخلي للقابلية الموسيقية

تعتبر اختبارات غوردون من أكثر الاختبارات استخداماً على المستوى العالمي لقياس القابلية الموسيقية، والتي من خلالها دعّم نظرية الاضمحلال في الذكاء الموسيقي (Musical Intelligence) والقابلية الموسيقية (Musical aptitude)، ومفادها أنه عندما لا يتم تنشيط أماكن معينة من دماغ الإنسان والمسؤولة عن أنشطة معيّنة، فإن دماغ ذلك الشخص سيفقد جزء من قدرته في تلك المنطقة، وبالتالي سيؤثر الأمر سلباً على قدرته للقيام بالأنشطة لاحقاً ، وهذا ينطبق - بحسب غوردون - على القابلية الموسيقية والتي تعتبر بالنسبة له نشاطاً عقلياً؛ إي أن القابلية الموسيقية للفرد سوف تضمحل نتيجة الإهمال وبسبب عدم تنشيط الأماكن المسؤولة عن استخدامها في الدماغ، إذ أن التنشيط، بحسب غوردون أيضاً، يتم عن طريق تعريض الشخص للخبرات الموسيقية التي تدعم قابليّته (Greata, 2006 :32).

يشير غوردون في نظريته والتي ركّز فيها على مراحل الطفولة الأولى، إلى أن لكل طفل قدرة موسيقية معينة تماماً كما أن لكل طفل نسبة ذكاء معينة، وأنه كما لا يوجد أي طفل بدون نسبة ذكاء بغض النظر عن قيمة تلك النسبة، فإنه لا يوجد أي طفل بدون قدرات موسيقية أو ما أسماه "قابلية موسيقية" (Music Aptitude)، ويضيف قائلاً إن نسبة قابلية الطفل للموسيقى تكون أعلى ما يمكن عند الولادة، وتبدأ بعد ذلك بالاضمحلال، وعليه، فإنه من الواجب علينا البدء بتعليم الموسيقا للأطفال منذ الولادة Gordon, 1990 : 9)).

إضافة إلى ما ورد سابقاً يقول غوردون في نظريته أيضا؛ إن القابلية الموسيقية تكون لدى الأطفال فطرية ولكنها ليست بالضرورة موروثة، كما يذهب للادعاء بأن المرحلة العمرية ما بين خمسة إلى ستة أعوام هي مرحلة حاسمة لزيادة أو إنقاص تلك القابلية الموسيقية وذلك اعتماداً على ما يتلقاه الطفل من معارف موسيقية في تلك الفترة، وأنه كلما تقدم به السن تضاءلت فرصة تعليمه حتى بلوغه سن التاسعة، حيث تتحدد بعدها قابليته الموسيقية وتصبح غير قابلة للزيادة بشكل ملحوظ (Gordon, 2013, 41-42)، ويسمي غوردون فترة ما بين الولادة حتى سن تسعة أعوام فترة "تنمية وتطور القابليّة الموسيقية" (The developmental music aptitude period)، ويشير إلى أن القدرات الموسيقية لدى الطفل في تلك المرحلة تتذبذب وتكون غير مستقرّة عند مستوى معين، لكنها تصبح مائلة إلى الاستقرار النسبي عند بلوغه سن التاسعة (Greata, ibid : 33).

بحسب غوردون إذاً فإن الطفل الذي لديه قابلية موسيقية جيدة ولكنه لم يتلقى العناية بتلك القابلية بدءاً منذ الولادة حتى سن الخامسة، فإنه سوف يفقد جزء كبير من تلك القابلية بين سن الخامسة وحتى سن التاسعة، أي أن قابليته الموسيقية في تلك الحالة سوف تبدأ بالاضمحلال بعد سن الخامسة وصولاً إلى الاستقرار النسبي عند سن التاسعة، وعليه، فإن العناية بالطفل موسيقياً وتزويده بمعززات لزيادة قابليته الموسيقية منذ الولادة وحتى سن الخامسة هي أساس متين في بناء القدرات الموسيقية المستقبليّة لديه مع دخوله سن الخامسة وحتى بلوغه التاسعة من العمر، ويطلق غوردون على هذه المرحلة ما أسماه "نافذة فرصة التعلم الموسيقي" (window of opportunity to learn music).

إن ما توصّل إليه غوردون نتيجة البحث والدراسة يرتبط بنظريات التعلّم الأخرى ولا سيما تلك التي تدعو إلى الاهتمام بموسيقية الطفل الأولى، فقد أكّد الكثير من علماء تربية الطفل الأوائل من أمثال فريدريك فروبل (F. Fröbel)، وجون بستالوتزي (J. Pestalozzi)، وماريا منتيسوري (M. Montessori) وجين ديكرولي (J. Decroly)، وجان جاك رسو (J. Rousseau)، وغيرهم، على أن النمو الإنساني في مراحله الأولى ما هو إلا عملية تفجير واكتشاف لطاقات وقدرات ومواهب الطفل (بهادر، 2003 : 20)، فعلى سبيل المثال، وفي كتابه "هكذا تعلّم جيرترود أطفالها" (HowGertrude Teaches her Children) الذي قام بنشره عام (1801)، نصح المصلح التربوي سويسري جون بستالوتزي (1746 – 1827)الأمهات أن تقمّن بتعليم أطفالهن منذ الصغر، وأشار في ذات الكتاب إلى أنّ تعلّم الموسيقا يجب أن يبدأ من الأغاني التي تغنيها الأم لطفلها في المهد (Greata. ibid :5).

خلال أبحاثه في الذكاء الإنساني وضع هاورد غاردنر[3] (H. Gardner) تصنيفه لذكاء الإنسان في منظومة أسماها "الذكاءات المتعددة" (Multiple Intelligences)، وذكر في كتابه أطر العقل (Frames of Mind) وجود سبعة أنواع رئيسية من الذكاء على الأقل منها الذكاء الموسيقي، وقد أضاف ومؤخرا ذكاءاً ثامناً وتحدث عن احتمالية وجود نوع تاسع من الذكاء، وقد قال؛ إنه لأمر ذو أهمية قصوى أن ندرك ونغذي كل أنواع الذكاء الإنساني، نحن جميعا نختلف بشكل واسع، ذلك لأننا جميعا لدينا أشكال مختلفة من الذكاء، وإذا أدركنا ذلك، أظن أننا سنحصل على فرصة أفضل للتعامل بشكل مناسب مع العديد من المشاكل التي نواجهها Armstrong, 2009 : 6-7)).

لم يعرّف غاردنر الذكاء الموسيقي كذكاء منفرد فقط، بل ذهب إلى القول بأنه أول أنواع الذكاء الذي يتطوّر عند الإنسان، وأضاف أيضاً بأنه يجب علينا كأهل ومربين الاهتمام بتحفيز كل أنواع الذكاء وإلا فإن إهمالنا لأي نوع من أنواع الذكاء سيعرضه للاضمحلال (Gardner, 1993 : 45)، وتؤكد نظرية غاردنر على ما جاء به غوردون، إذ تعني القابلية الموسيقية، بحسب ما تمت الإشارة إليه سابقاً، بأن كل شخص لديه استعداد فطري للموسيقا، في حين أن الذكاء الموسيقي هو مقدار النمو في قابليته الموسيقية والتي عرّفها غاردنر بأنها؛ القدرة على تعلّم وعزف آلة موسيقية وتأليف الموسيقا، وهذا الأمر مرتبط بشكل كبير بالقابلية (Baltus, 1997 : 142)، ولقد أشار غاردنر إلى أهمية الإنجازات في قياس مستوى امتلاك الشخص للقدرة على الأداء ضمن ذكاء معين، الأمر الذي  أغفله المنظرون السابقون؛ حيث اعتبر كثير منهم أن الذكاء هو القدرة على حل المشكلات وأغفلوا الإنجازات (Gardner, ibid : 64)، ومن غير المنصف هنا الحديث عن قدرة الشخص دون ربط تلك القدرة بقابليته التي تحفّز قدراته.

مبدأ نوافذ الفرص

         يبدأ عقل الإنسان بالنمو والتطوّر بعد بداية تمايز خلايا الدماغ وتشكّلها، وبالرجوع للدراسة المتعلّقة بتطوّر الدماغ البشري نجد أن وزن ذلك الدماغ عند الولادة يعادل ثلاثين بالمائة (30%) من وزن دماغ الإنسان البالغ، وفي عمر السنتين يصبح وزن الدماغ سبعين بالمائة (70%) وفي عمر ست سنوات يكون وزنه ق وصل تسعون بالمائة (90%) ومع ازدياد حجم الدماغ تزداد الألياف العصبية (Dendrites) التي تنقل المعلومات للخلايا، والتشابكات العصبية (Synapses)، وحزم الألياف (Fiber Bundles)، والنخاع أو "المايلين" (Myelin) وبالتالي يصبح الدماغ مستعداً لتلقي مجموعة أكبر من المستقبلات الحسية (Hodges. 2007 : 51).

مع نمو وتطوّر الدماغ والجسد معاً يتعلّم الأطفال العديد من المهارات مثل الكلام، والمسير، والجلوس، والتحكّم بعضلات الجسم، وغيرها، وتتطلّب كل مهارة مرحلة عمرية معيّنه يمكن للطفل البدء مع دخولها تعلّم تلك المهارة، وعلى الآباء والمربين استغلال تلك المرحلة العمريّة المناسبة للمهارة للقيام بتدريب الطفل وتعليمه، إذ تكون قابليّته لتعلّم تلك المهارة حينها في أفضل أحوالها، وتلك الفترة أو المرحلة العمريّة هي ما يعرف بمرحلة نوافذ الفرص (Windows of opportunity)، فعند انفتاح إحدى تلك النوافذ يستعد دماغ الطفل بشكل كبير لتعلّم المهارات المرتبطة بها وتتشكّل لديه قدرة فائقة على تنفيذها، ويشكّل التوقيت هنا عامل هاماً جداً (Herr, 2008 : 74-75).

بهدف تنظيم وفهم عمليات النمو قام بعض العلماء بوصف عمليات تطوّر النمو في مراحل أطلقوا عليها اصطلاح الفترات (Periods)، ومن أكثر تلك التقسيمات لتك الفترات استخداماً جاءت مراحل التقسيم الآتية؛ مرحلة الرضاعة (Infancy)، الطفولة المبكرة (Early childhood) الطفولة المتوسطة والمتأخرة (Middle and late childhood)، المراهقة (Adolescence)، البلوغ المبكّر (Early adulthood)، البلوغ المتوسط (Middle adulthood)، والبلوغ المتأخر (Late adulthood) وخلال تلك المراحل تتطوّر لدى الإنسان مهارات عقلية وجسدية تختلف باختلاف كل فترة (Santrock, 2001 : 39)، وما يهمنا هنا هي المراحل الثلاث الأولى والتي تتطوّر خلالها القابلية الموسيقية بحسب غوردون، ويشير سانتروك (Santrock) في المرجع المذكور بأن الطفل في مرحلة الرضاعة (تمتد من الولادة حتى 12 – 24 شهراً) يعتمد على الآخرين بشكل أساسي ويبدأ بتطوير مهارات عديدة مثل اللغة (Language)، والدوافع الحسية (Sensorimotor)، وغيرها، ويرى عالم النفس والفيلسوف السويسري جين بياجيه (J. Peaget)، والذي أطلق على هذه المرحلة اسم مرحلة الدوافع الحسيّة، إن الطفل الرضيع يقوم بفهم العالم من حوله عن طريق تفاعل الخبرات الحسية لديه مثل السمع والبصر(Santrock, ibid : 50)، الأمر الذي يدعونا للتفكير جلياً بأن نافذة تعلّم الأصوات قد بدأت فعلاً بالانفتاح مع بداية ولادة الطفل وأصبحت تشكّل لديه خبرات سمعيّة.

أشار العديد من التربويين إلى أهمية المرحلة العمرية في تحفيز القابلية الموسيقية ضمن فترات عمرية محددة، فعلى سبيل المثال يقول سلطان كوداي (Kodaly)؛ إن الخبرة الموسيقية الحاسمة في حياة الطفل تأتي بين عمر (6-16) عام؛ ويكون الطفل في حينها أكثر تقديراً ويُظهر موهبة أكبر خلال هذه المرحلة (شوني، 2010 : 16)، وهذا تأكيد واضح على أهمية المرحلة العمرية في حسم موضوع فرصة تعليم المهارة الموسيقية في سن معيّنة، بالرغم من أن كوداى قام بتوسيع تلك المرحلة لمدة عشرة أعوام وبدأها في سن متأخرة (ستة أعوام)، إلا أن ذلك قد يُعزى لاعتماد كوداي على الملاحظة دون استخدامه أدوات قياس أكثر دقّة مثل تلك المتوفرة في العصر الحالي والتي قام غوردون باستخدامها. 

العلاقة بين الاضمحلال الداخلي ومبدأ نوافذ الفرص

بطرحه نظريته الخاصة لتعليم الموسيقا للأطفال يقول إدوين غوردون؛ أن جُلَّ انشغاله ينصب على ثلاثة أمور وهي "ماذا .... ومتى .... ولماذا" نعلّم الموسيقا للأطفال وهي بالنسبة له أكثر أهميّة من "كيف نعلِّم الموسيقا" لهم (Mark& Madura, 2010 :32)، وبذلك يكون غوردون قد وضع أول إشارة له نحو ضرورة تحديد الوقت الملائم لتعليم الموسيقا بالإضافة إلى تحديد ماهيّة الأمور الموسيقية التي يجب أن نعلّمهم إياها وتبرير الأسباب التي دعتنا إلى تعليمهم تلك الأمور.

من الواضح أن ثلاثيّة غوردون ارتبطت مع بعضها البعض بشكل وثيق، ومن غير المنطقي أن يتم فصلها، فعندما نريد أن نعلّم الطفل مهارة أو نشاطاً موسيقياً محدداً، فإنه لا بد لنا أن نحدد تلك المهارة أو ذلك النشاط بالسؤال "ماذا" نريد أن نعلّم الطفل؟ أي أننا نسأل أنفسنا هنا عن المحتوى، وبعد ذلك يبرز السؤال التالي وهو؛ هل يمكن تعليم الطفل ذلك السلوك أو تلك المهارة في تلك المرحلة العمريّة؟ وهنا نكون قد سألنا أنفسنا ضمنياً "متى" يمكننا البدء في تعليمه تلك المهارة أو ذلك النشاط ؟ وتالياً يفترض أن نقوم بطرح السؤال الثالث على أنفسنا وهو؛ ما الفائدة أو الهدف الذي سيحققه الطفل من تعلّمه تلك المهارة أو ذلك النشاط ؟

ولتوضيح الفكرة أعلاه سيتم طرح المثال التالي: إذا أردنا تعليم الطلبة في المدرسة بعض المهارات الموسيقية، فيجب أن نسأل أنفسنا "ما المهارات التي نريد أن نعلّمها للطالب في هذه المرحلة؟" أو بمعنى آخر؛ ماذا نريد أن نعلّمه؟، ولنفترض بأننا حددنا أربعة مهارات وهي؛ المهارات السمعيّة الإيقاعية أو القدرة على محاكاة الإيقاع،  والمهارات السمعيّة النغميّة أو القدرة على محاكاة النغمات والمسافات الصوتيّة، ومهارة الغناء أو القدرة على أداء الأغاني والأناشيد، ومهارة التذوّق الموسيقي أو القدرة على استيعاب وفهم الموسيقى ووصفها وتحليلها. يأتي بعد ذلك تحديد السؤال التالي "متى يمكن أن نبدأ بتعليمه كل من المهارات الواردة الذكر؟" في إشارة هنا إلى أن بعض المهارات تحتاج إلى مرحلة معيّنة واستعدادات فطريّة وعقليّة يمكننا خلالها تعليم الطفل لتك المهارات، ومن المتعارف عليه أن تعليم الإيقاع وتنمية الحس الإيقاعي يأتي في مراحل عمريّة مبكّرة وهو اللبنة الأساسية في الموسيقى (Choksy and others, 2001 : 44)، في حين يحتاج تدريب الطفل على الاستماع والتذوّق الموسيقي تطوير مهارات أخرى متقدّمة في مراحل عمريّة أكبر مثل القدرة على فهم التعابير والاصطلاحات المتعلّقة بالجمال والديناميكيّة الصوتية. يرد بعد ذلك السؤال "ما الهدف من تعليمه تلك المهارات أو الأنشطة؟" أي يجب السؤال؛ ما الهدف من تعليمه تلك المهارات أو الأنشطة، أي "لماذا" نريد تعليمه إياها؟

  إن الإجابة على تلك الأسئلة التي تشغل بال غوردون إذاً تقودنا للبحث عن المراحل العمرية الملائمة لتعليم المهارات الموسيقية المختلفة واستغلالها في تطوير قدرات الطفل الموسيقية، كما أن غوردون ذاته قد أشار في نظريته إلى أن قدرة الأطفال على الاستماع وفهم الموسيقا تتطوّر خلال مراحل عمرية مختلفة، فمن غير الممكن أن يكون الطفل قادراً على فهم الموسيقا بعناصرها؛ الألحان (Melodies)، والإيقاعات (Rhythms)، والتوزيع الموسيقي (Instrumentation)، وتعدديتها الصوتية (Harmony) ، كما يفهمها البالغ وذلك يعود إلى ارتباط فهم تلك العناصر بفهم الاصطلاحات اللغويّة المرتبطة بها وما تعنيه تلك الاصطلاحات مثل اللون الصوتي (Tone color)، والديناميكيّة الصوتيّة (Dynamics) والتعبير (Expression)، كما إن التعدية الصوتيّة تحتاج إلى تطوير قدرة الأذن السمعيّة بشكل كبير من خلال الممارسة والتدريب، ولذلك يجب علينا استغلال كل مرحلة من مراحل نمو الطفل وتطوّر القدرات الموسيقية لديه في تحفيز قابليته الموسيقية، بدءا من تعليمه تصفيق إيقاعاتٍ بسيطة وغناء أصوات منفردة، انتقالاً إلى تعليمه إيقاعات أكثر تعقيداً وصعوبة وغناء مسافات لحنية، ومن ثم الذهاب إلى أبعد من ذلك، وبهذا التدرّج، وباستغلال نافذة كل مرحلة من مراحل تطوّر القدرات الموسيقية (Window of opportunity to learn music)، نكون قد أسهمنا في تنمية قدرات الطفل الموسيقية وعملنا على زيادة مداها للوصول إلى أقصى الحدود والإمكانيات التي يمكن لذلك الطفل الوصول إليها ومكّناه من الانتقال من مرحلة إلى أخرى من مراحل تطوير قدراته الموسيقيّة بشكل تسلسلي وانسيابي ومنطقي يساعده على الفهم والأداء بشكل أفضل، وقد دعّم هذا المبدأ عالم النفس التربوي برونر (J. Bruner) الذي يقول بأنه يمكننا تعليم أي موضوع بفاعليّة إذا تم تقديمه على مستوى استعداد الطفل وجاهزيته (Boyer & Rozmajzl, 2012 : 4 وفي المقابل، فإن عدم استغلالنا للمرحلة في الوقت المناسب والتي فتحت فيها نافذة تعلّم واكتساب المهارة الموسيقية، فإن ذلك سيؤدي إلى اضمحلال القابلية الموسيقية بحيث يصعب من بعدها تطوير قدرة الطفل إلى الحد الذي كان من الممكن الوصول إليه لو أننا قمنا باستغلال الفرصة التي فتحت عندها نافذة تعلّم الخاصة بتلك المهارة.     

مراحل التطوّر الموسيقي عند الطفل

أطلق غوردون اصطلاحاً جديداً في مجال فهم موسيقيّة الإنسان وهو ما أسماه التصّور الداخلي للموسيقى[4] (Audiation)، ويعني بحسب غوردون؛ القدرة على الفهم الذاتي للموسيقى داخل عقولنا، أي الكيفيّة التي يستوعب بها العقل للموسيقى ويتصّورها حتى في حال غيابها، وبمعنى آخر؛ إعطاء الموسيقى أو الصوت معنى خاص به بحسب فهمنا لذلك الصوت أو لتلك الموسيقى (Gordon, 2013).

لقد فرّق غوردون بين الفهم الداخلي للموسيقى (Audiation) وبين الفهم خلال الاستماع للموسيقي (Aural perception)؛ فالأول يحدث في حال وجود الموسيقى أو غيابها، في حين يحدث والثاني بوجودها فقط، فبالنسبة له، يعتبر الفهم الداخلي للموسيقى الأساس لموسيقيّة الإنسان، وهذا يعني أن يكون الشخص قادر على استحضار الموسيقى في مخيّلته في أي وقت يريد، وبالتالي ربط مشهد معيّن، أو تذكّر حادثة قديمة، أو قراءة قصّة، أو تذكّر أحداث فلم سينمائي سوف يقود الشخص الذي لديه قدرة على الفهم الداخلي للموسيقى إلى استحضارها، ولكن غوردون كان قد تحدّث أيضاً عن وجود ثلاثة أنواع من الفهم الداخلي للموسيقى والتي تعمل على تطوّر القدرات الموسيقيّة الأساسية للطفل وزيادة فهمه للموسيقى وقد ربط غوردون تلك الأنواع بمراحل نمو الطفل العمريّة وأعطى لها ترتيباً زمنياً محدداً على النحو الآتي (Greata, ibid :34 -36):

النوع الأول اطلق عليه اصطلاح "تبادل الثقافة" (Acculturation) ويتم ضمن ثلاثة مراحل؛

$11.                 مرحلة الامتصاص (Absorption)؛ حيث يجمع الطفل الأصوات الموسيقيّة من البيئة المحيطة ويحتفظ بها، وتكون من الولادة حتى سن ثمانية عشر شهراً. ولذلك يتوجب على الأهل في هذه المرحلة تعريض أطفالهم إلى بيئة غنيّة من الأصوات الموسيقيّة والتي تثري ذاكرتهم الموسيقيّة وتكسبهم خبرات صوتيّة عديدة ومتنوّعة.

$12.                 مرحلة الاستجابات عشوائية (Random response)؛ حيث يقوم الطفل بحركات عشوائية تبعا للموسيقى التي يستمع إليها، كالرقص والاهتزاز وغيرها، وتكون من عمر سنة حتى سن ثلاث سنوات.

$13.                 مرحلة الاستجابات القصدية (Purposeful response)؛ وذلك بمحاولة القيام باستجابات منتظمة للموسيقى، وتكون من عمر ثمانية عشر شهراً حتى سن ثلاث سنوات.

ولدعم موسيقيّة الطفل خلال هذه المراحل يتوجّب القيام بما يلي:

$1·                     إسماع الطفل موسيقى جيدة بأنواع مختلفة.

$1·                     تشجيع الطفل على الاستجابة والحركة مع الموسيقى.

$1·                     تشجيع الطفل على تأليف أغانيه الخاصة.

$1·                     الغناء للطفل بأنماط إيقاعيّة ولحنيّة محددة ومحاولة إشراكه في الغناء.

النوع الثاني أطلق عليه غوردون اصطلاح "التقليد" أو "المحاكاة" (Imitation)، ويتم ضمن مرحلتين؛ 

$11.                 مرحلة اسقاط الأنانية (Shedding egocentricity)؛ حيث يعي الطفل أن حركاته وصوته لا يناسب من حوله من الأشخاص، وتكون من عمر سنتين حتى سن أربع سنوات، لكن على الأغلب، فإن قابليّة الطفل الموسيقيّة تتّحد مع مرحلة الامتصاص لتحديد السن التي سوف ينتقل فيها الطفل إلى المرحلة التالية، وبالتالي، فإن الإسراع في استغلال انفتاح نافذة معيّنة لدخول الطفل في مرحلة ما سوف يعجّل من دخوله في المرحلة التالية.

$12.                 مرحلة كسر الرموز (Breaking the codes)؛ حيث يحاكي الأصوات الموسيقية الدقيقة من خلال غنائه وحركاته، وتكون من عمر ثلاث حتى خمس سنوات.

لدعم موسيقيّة الطفل خلال هذه المراحل يتوجّب القيام بما يلي:

$1·                     غناء أنماط إيقاعية ولحنية بسيطة.

$1·                     الملاحظة والاستماع للطفل أثناء محاولته محاكاة الموسيقى.

$1·                     الصبر والسماح للطفل بجعل ما يكتشفه أو يؤلفه من موسيقى يسير تبعاً للسرعة التي يريدها هو.

$1·                     تشجيع الطفل على الانتقال للمرحلة اللاحقة فقط عندما نتأكد من أنّه قادر على تمييز ما يقوم به من غناء ومن حركات بشكل مختلف عن الآخرين.

النوع الثالث هو ما أسماه غوردون بالاستيعاب (Assimilating)، وضم مرحلتين أيضاً؛

$11.                 مرحلة التأمل أو الاستبطان (Introspection)؛ حيث يعي الطفل أن غنائه لا يناسب مع تنفسه وما يقوم به من حركات، وتكون من عمر ثلاث حتى خمس سنوات.

$12.                 مرحلة التنظيم أو التنسيق (Coordination)؛ حيث ينظم الطفل غنائه مع حركاته وتنفسه. وتكون من عمر أربع حتى ست سنوات

لدعم موسيقيّة الطفل خلال هذه المراحل يتوجّب القيام بما يلي:

$1·                     غناء أنماط لحنية وإيقاعية بسيطة أيضاً.

$1·                     تشجيع وتحفيز الطفل للتحرّك تجاه تلك الأنماط.

خلاصة الأمر، فإن نظريّة غوردون في تعزيز موسيقيّة الطفل لا تتم بشكل عشوائي، كما أنها لا تتم دون تعزيز ومراقبة من قبل الأهل أو المربين، عوضاً عن أن بيئة الطفل الموسيقيّة هي بمثابة نافذة تعزز انتقاله من مرحلة إلى أخرى وتعمل على تطوّر قدراته الموسيقيّة تبعاً للكم الذي يتعرض له الطفل الاستماع للأصوات ومحاكاتها، وفي هذا الشأن أشار عالم الاجتماع الإنجليزي هيربرت سبنسر(Herbert Spencer) في مقالته "أصل وتأثير الموسيقى" (The Origin and Function of Music) إلى أهميّة البيئة في إثراء المخزون الموسيقي لدى الإنسان، كما أن لها أثر في تنوع وطبيعة الموسيقى التي يعرفها، حيث يدّعي بأنَّ الشعوب التي قطنت الغابات وسمعت العديد من الأصوات قد شكلّت مخزوناً ضخماً من الأصوات وبالتالي جاءت موسيقاها غنيّة بالتعدديّة الصوتية، في حين أن قاطنوا الصحراء والذي استمع إلى القليل من الأصوات افتقر إلى تلك التعدديّة وبالتالي جاءت موسيقاهم بسيطة وتعتمد الصوت الواحد[5]      

استغلال نافذة تعلّم الموسيقا لتعزيز مهارات أخرى

لا تقتصر عملية استغلال نوافذ الفرص لزيادة القابلية الموسيقية على تحفيز تلك القابلية فقط، بل تتعداها لتعمل على زيادة القابلية في مهارات وعمليات عقليّة أخرى تتقاطع مع القابلية الموسيقية في اشتراكها بالمنطقة ذاتها في الدماغ البشري والتي تكون مسؤولة عن تلك العمليات، وبمعنى آخر، فإن المنطقة المسؤولة عن القابلية الموسيقية في الدماغ تكون مسؤولة عن قابليات أخرى منها على سبيل المثال الطلاقة اللغوية، وحيث يتم تحفيز القابليّة الموسيقية تبدأ الطلاقة اللغوية بالتطوّر والزيادة نتيجة النشاط الدماغي الذي يحصل في تلك المنطقة من الدماغ والمشتركة لكلتا القابليّتين، ومن الأنشطة العقليّة الأخرى التي يتم تحفيزها عند تحفيز القابلية الموسيقية هي قدرة الإنسان البصرية والتي تتشارك أيضاً مع القابليّة الموسيقية في المنطقة ذاتها من الدماغ والتي تنشط بازدياد النشاط الدماغي للمنطقة بالكامل (Greata, ibid : 32).

يعزو غوردون تطوّر القابليّة اللغويّة مع القابليّة الموسيقيّة بشكل متوازٍ إلى أن تعلّم الإنسان لكل من اللّغة والموسيقى يعتمد على عمليّة الاستماع والمراقبة، وفي نهاية المطاف يقوم الطفل باستخدام اللغة للتواصل وللغناء، وأثناء الغناء يقوم الطفل بالتفكير بكيفيّة استخدام المفردات التي تعلّمها وهو يعي أهميّة تناسقها وضرورة قدرته على قراءتها، ولذلك يتعلّم القراءة والكتابة، ولكن المشكلة بحسب غوردون أن بيئة الطفل اللغويّة أغنى بكثير من بيئته الموسيقيّة، فالأهل والأقارب والأصدقاء يستخدمون الكلام أكثر من الغناء (Taggart, 2011).    

خلال العقود الأخيرة أجريت العديد من البحوث لدراسة تأثير الموسيقا على النشاط العقلي، وقد كانت النتائج مذهلة، ففي دراسة قام بها دون كامبل (D. Campbell) لقياس أثر موسيقا موتزارت (W.A. Mozart) وجد باستخدامه معيار السات (SAT scores) أن الاطفال الذين يتم إسماعهم وتعليمهم موسيقا موتزارت أبدوا تطوراً في قدرتهم على التواصل الاجتماعي، والوعي العاطفي، وفهماً أفضل للعالم الفيزيائي من حولهم، بالإضافة إلى تخفيض التوتر العاطفي، وتحفيز الحركة، والقدرة اللغوية والتعبير اللفظي، والتفكير الرياضي، والذاكرة، وتحفيز الشعور القوي بهويته الشخصية (Campbell, 2002 : 8-9).

أثناء دراساتهما لاستجابات الأطفال في سن سبعة – تسعة أعوام توصّل كل من فلور و ميلر (Flohr & Miller) وخلال التجارب التي أجرياها على عيّنات من الأطفال تم تعليمهم الموسيقا في سن ثلاث – خمسة أعوام، أظهرت أن هؤلاء الأطفال لديهم استجابات أفضل للغة العروضية والتعبيرية من الأطفال الذين لم يتلقوا تعليماً موسيقياً، وتلك الاختلافات في الأداء جاءت متوازية مع تغيرات في نشاط الدماغ الكهربائي (Electrophysiological Brain Responses) الذي يظهر مدى النشاط الكهربائي للدماغ عند قيامه بأي عملية عقلية (Hodges, ibid : 59).

للموسيقى تأثير نفسي على الطفل تجعل منه شخصاً هادئ ومستمع جيّد، ففي كتابها "العمل مع الأطفال" تقول جودي هير (Herr, J.) إن للموسيقى القدرة على تنمية إحساس الطفل في اتصاله مع الآخرين، كما أنها تتيح له الفرصة ليتعلم مهارات لغوية وحسابية وتزوده بشعور داخلي سار أثناء لعبه، وأكله، ونومه، وتكسبه القدرة على التعبير عن ذاته والتفاعل مع مشاعر الآخرين، فالأطفال عندما يستمعون للموسيقى وعندما يُغنّون إنما يتعلمون كلمات جديدة وأصوات جديدة، كما تساعد الإيقاعات الموسيقية على النمو الجسمي السليم للطفل ((Herr, ibid : 385-386، وإلى جانب ذلك يضيف أستاذ التربية الموسيقيّة ومدير معهد الأبحاث الموسيقيّة في جامعة شمال كارولاينا في غرينزبورو (University of north Carolina in Greensboro) البروفيسور "دونالد هادجز" (D. Hodges) قائلاً؛ لا شيء يقوم بتحفيز عدد كبير من مناطق الدماغ كالموسيقا (Boyer & Rozmajzl, ibid : 1)، كما إن الموسيقى تضيف بعد هام للجانب الجمالي والعاطفي لكل الأطفال بغض النظر عن قدراتهم الجسديّة والعقليّة (Boyer & Rozmajzl, ibid : 9).

عرض النتائج ومناقشتها

لم يكن القلق الذي راود غوردون خلال أبحاثه خفياً عن أي قارئ لدراساته، ومقالاته التي نشرها، وتصريحاته التي أعلنها على الملاء، فقد انصبت اهتماماته على إحاطة الطفل بالبيئة الموسيقيّة لأن اهتمام الأهل بتعليم أطفالهم اللغة بالإضافة إلى غِنى البيئة اللغوية المحيطة بالطفل هي أكثر بكثير من البيئة الموسيقية، إذ أن القلق الذي راوده هو "فقر بيئة الطفل بالأصوات الموسيقيّة" وبالتالي اضمحلال قابليّته الموسيقيّة (Taggart, ibid)، ولقد خلص الباحث في هذه الدراسة التحليليّة لنظرية غوردون بالنتائج التالية:

$1·تكون قابليّة الطفل الموسيقيّة أكبر ما يمكن في لحظة الولادة، ثم تبدأ بالاضمحلال حتى بلوغ الطفل سن التاسعة، حيث تميل قابليّته الموسيقيّة إلى الاستقرار، ولا يمكن لتلك القابليّة الوصول إلى المستوى التي كانت عليه عند الولادة.

هذا ما دفع غوردون والعديد من الموسيقيين التربويين إلى الدعوة لإغناء بيئة الطفل بالموسيقا منذ لحظة الولادة، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الحفاظ على مستوى مرتفع من تلك القابليّة وبالتالي زيادة قدرة الطفل على فهم وتعلّم الموسيقا مستقبلاً، وفي المحصّلة سوف يزداد عدد الأشخاص الذين لديهم وعي موسيقي وتذوّق للموسيقا الراقية ورفض للموسيقا السيئة، كما سيتكون هناك فرصة أكبر لوجود موسيقيين ذوي براعة كبيرة في العزف، والتلحين، والتأليف الموسيقي بشتى أنواعه، وهذا أمر جيّد من الناحية الفنيّة والعمليّة.  

$1·     يعمل الدماغ البشري بمبدأ الإهمال والاستعمال، وهذا المبدأ يعزز ضرورة استغلال نوافذ الفرص لتعليم الأطفال الموسيقا وأي مهارة عقليّة أخرى في المرحلة العمرية المناسبة.

يُعد هذا المبدأ نافذة ينطلق منها التربويون وعلماء نفس النمو لدراسة المهارات العقليّة والجسديّة عند الإنسان وتحديد ما يمكن تعلمه والآليّة المناسبة لذلك التعلّم، وتشترك القابليّة الموسيقيّة مع القابليات الأخرى بهذا المبدأ مما يشير إلى أن الذكاء الموسيقي موجودٌ فعلاً، وهو إحدى المحفّزات الأساسيّة للعمليات العقليّة الأخرى التي يقوم بها الدماغ.

$1·إن استغلال مبدأ نوافذ الفرص يعمل على انتقال الطفل من مرحلة إلى أخرى بسهولة ويسر ويمهد لتحفيز القابليّة الموسيقيّة للمرحلة التالية بحدودها القصوى، وهذا هو المبدأ الذي تقوم عليه العديد من نظريات التعلّم التي نادى بها معظم التربويين والباحثين والعلماء المتخصصين في مجال تربية وتعليم الأطفال.

$1·  من المهم التركيز على الفهم الداخلي للموسيقى (Audiation) أكثر من الفهم خلال الاستماع، وذلك لأن الفهم الداخلي يمكن أن يحدث في أي وقت حتى أثناء غياب الموسيقى ويعمل من خلال استقبال الموسيقى والاستجابة لها داخل العقل واسترجاعها في أي وقت.

$1· إن زيادة القابليّة الموسيقيّة وتحفيز الطفل على الغناء والاستجابة للموسيقى يعزز مهارات أخرى عديدة تتزامن عمليّة انفتاح نوافذها مع انفتاح نافذة تعلّم الموسيقى، والتي تكون مشتركة معها في ذات المنطقة من الدماغ

الخلاصة

بعد استعراض نتائج الدراسة فإن نظريّة إدوين غوردون في الاضمحلال الداخلي سوف تكون أكثر شموليّة وأهميّة إذا ما تم ربطها بمبدأ استغلال نوافذ الفرص في المراحل العمرية المختلفة، على أن يتم تحديد المهارات الموسيقيّة والمهارات العقليّة الأخرى المتزامنة معها في كل مرحلة، وعليه، يوصي الباحث بإجراء دراسات تجريبيّة يتم فيها التعرّف على نوافذ المهارات العقليّة والجسديّة المتزامنة مع انفتاح نوافذ تعلّم المهارات الموسيقيّة وقياس مدى تأثيرها ببعضها البعض.

المصادر والمراجع

أولاً - العربية

1-بهادر، سعدية محمد (2003) برامج تربية أطفال ما قبل المدرسة، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان – الأردن، 271.

2-شوني، أيرشيبيت (2010) تطبيق مبادئ كوداي – منحى التربية الموسيقية حسب منهجية كوداي، ترجمة حداد، رامي وعبدالحفيظ، إياد، دار الفكر، عمان – الأردن، 122.

3-عدس، عبدالرحمن (1992) أساسيات البحث التربوي، دار الفرقان للطباعة والنشر والتوزيع، عمان – الأردن، 302.

ثانياً - الأجنبية

4-Armstrong, T. (2009) Multiple Intelligences in the Classroom. 3rd Edition, Association for Supervision & Curriculum Development. USA, 256.

5-Baluts, K. R. (1997) Personal psychology for life and work, 4th Edition, Glencoe/McGraw-Hill, USA, 442.

6-Boyer & Rozmajzl, (2012), Music fundamentals, methods, and materials for elementary classroom teacher, fifth edition, Pearson education, Inc. publishing as Allyn and Bacon, USA, 398.

7-Campbell, D. (2002) The Mozart effect for children – awaking your child’s mind, health, and creativity with music, Quill- An imprint of Harper Collins Publishers, USA, 272.

8-Choksy, L., Abramson R., Gillespie A., Woods, D., & York, F. (2001) Teaching music in the twenty-first century, second edition, Prentice-Hall Inc., USA, 432.      

9-Gardner, H. (1993) Frames of Mind: The Theory of Multiple Intelligences. 10th Edition, Basic Books Inc. A Member of the Pursues Books Group, New York. USA, 496

10-Gordon, E. (1990) A music learning theory for newborn and young children. GIA Inc. publications USA, 166. 

11-Gordon, E. (2013) All about Audiation and Music Aptitudes. Music Educators Journal, Vol. 86 Nr. 2, Sage Publications, Inc. USA, P.p. 41-44.

12-Greata, J. (2006) An Introduction Music in Early Childhood Education, Thomson Delmar learning. USA, 270.

13-Herr, Judy Ed. D. (2008) Working With Young Children. The Goodheart- Wilcox Company, Inc. 6th Edition Illinois USA, 733.

14-Hodges, D. A. (2007) The musical brain. The child as a musician – a handbook for musical development, edited by; Gary McPherson, Oxford University press, London. P.p. 51 – 68.

15-Mark, M. L. & Madura, P. (2010) Music education in your hand – an introduction for future teachers, Routledge Publications (Taylor & Francis Group) New York and London, 156.

16-Santrock, J. W. (2001) Educational psychology, McGraw-Hill companies, Inc. USA, 535.

ثالثاً - شبكة الانترنت

17-Gordon, E. (2013). Citing Website. In http://giml.org/. Retrieved November 12, 2013 from http://giml.org/gordon/.

 University of South Carolina (2009) Citing Website. In http://library.sc.edu/ Retrieved February 18, 2014 from - http://library.sc.edu/music/gordon.html

18-Taggart & others. (2011). Citing Website. In http://users.rider.edu/~vrme/. Retrieved December 07, 2013 from -http://www-usr.rider.edu/~vrme/v17n1/visions/article2.



[1] الاختبار عبارة عن ثلاثة عناصر أساسية تندرج تحتها عناصر فرعية هي:التخيّل أو التصوّر النغمي ويشتمل عنصرين فرعيين؛ اللحن والهارموني، والتصوير الإيقاعي ويشتمل عنصرين فرعيين؛ الإيقاع والمقياس الزمني، والحساسية الموسيقية وتشتمل ثلاثة عناصر فرعية؛ الجُمل اللحنية، والتوازن، والبناء. ويستغرق الاختبار كاملاً حوالي ثلاثة ساعات ونصف الساعة. - الباحث

[2]These informations were gained fromUniversity of South Carolina (2009) Citing Website library.sc.edu/music/gordon.html

[3]  عالم نفس أمريكيولد عام 1943  في ولاية بنسيلفانيافي الولايات المتحدة الأمريكيةوهو أستاذ الإدراك والتعليم في جامعة هارفاردفي كلية الدراسات العليا، وقد عرف بنظريته حول نظرية الذكاءات المتعددة (الباحث).

[4]  ترجمة الاصطلاح خاصة بالباحث.

[5] نشر سبنسر مقالته عام 1857 في مجلّة Fraser’s Magazine وقد أعاد نشرها عدة مرات وكانت له نظريات في أصل الموسيقى وعلاقة الموسيقى باللغة، حيث أشار إلى أن الإنسان عرف الموسيقى قبل أن يعرف اللغة من خلال تقليده لأصوات الطبيعة - الباحث