الصلابة النفسية لدى الأمهات العاملات بقطاع التعليم بوهران.
pdf

- دراسة سيكومترية وصفية –

أ.خيرة شويطر

أ.د. نادية يوب مصطفى الزقاي

جامعة وهران ( الجزائر)

ملخص:

أخذت الدراسة الحالية مسارين، ففي المنحى السيكومتري ، تم تقدير بعض الخصائص السيكومترية لـ"مقياس الصلابة النفسية"من صدق وثبات. إذ بالارتكاز على"التحليل العاملي التوكيدي" وباستخدام "برنامج الأموس20" (20AMOS)، تم التأكد من ثلاثية البنية العاملية للمقياس (الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي). كما قُدّر الثبات بواسطة "ألفا كرونباخ" ، و"الثبات المركب" الذي يتناسب مع دراسة النماذج العاملية، وكذا "معامل أوميغا الموزونة".

أما في المنحى الوصفي، فتم قياس مستوى الصلابة النفسية لعينة البحث المكونة من (200) أم عاملة. توصلت الدراسة إلى أن المقياس يتكون فعلاً من بنية عاملية ثلاثية طبقا لتحقق أغلب مؤشرات المطابقة الهامة، كما تتميز أبعاده بثبات جيد. مثلما أكدت نتائج الدراسة ارتفاع مستوى الصلابة النفسية لدى الأمهات العاملات.

الكلمات المفتاحية: الصلابة النفسية ،التحليل العاملي التوكيدي، الثبات المركب ، أوميغا الموزونة .

Abstract :

The present study has taken two paths ,in psychometriccurve it estimates  some psychometric characteristics of “psychological hardiness scale”validity and reliability(.The research adopted confirmatory factor analysis using "Amos 20  " to make sure of the tripartite structure of the scale )commitment , control , and challenge  (.

Reliability was also estimated by three methods:Cronbach’s Alphacomposite reliability wich correspends to studies of factor models, and "weighted Omega coefficient ". On the other hand , the present study has taken  a descriptive curve  with  a sample of 200 mothers working in educational sector. Our study found that “ psychological hardiness scale” consists a tripartite structure , and has a good level of reliability . By the way, results revealed that mothers have a high level of hardiness.

Keywords : psychological hardiness ,Confi rmatory factor analysis, Composite Reliability, Weighted omega.

مقدمة :

إن الضغوط وإن لازمت الإنسان كظلّه لم تعد السبب الكافي الذي نفسّر به تناول الباحثين "للضغط" كمتغير يضعف أداء الفرد، لاسيما في ظلّ التفطّن "لمفهوم البيئة الداخلية"التي تضمّ هي الأخرى متغيرات تنبع من داخل الأفراد، وترتبط بسمات شخصيتهم وبالمحيط الاجتماعي، من شأنها أن تعينهم على الحفاظ على صحتهم النفسية والجسدية، رغم ما يجابهون من مصاعب الحياة اليومية، والتي من متغيراتها "الصلابة النفسية". ينبغي إذن الكفّ عن تصورنا السالب للضغوط واعتبارها من المحفزات أكثر من كونها مثبّطات، شريطة أن لا تتجاوز الحدود المُطاقة. كلّ ذلك في ظلّ إيماننا بقدرة الفرد على المواجهة الفعالة للضغوط. إنها النظرة ذاتها التي لولاها ما قامت لعلم النفس الإيجابي قائمة.

ربما ذلك ما يفسر موجة الاهتمام التي غلبت على التوجهات البحثية، والتي انطبعت بطابع علم النفس الإيجابي، بدل التركيز على المعاناة النفسية.  من الجدير بنا الاعتراف بالفضل لأهل الفضل، أولئك الذين كانت لهم اليد الطولى ، وباذلي الجهود الفعالة في إنزال "الصلابة النفسية" كمتغير المنزلة التي يستحقها من الاهتمام، لاسيما وأنها بمثابة المتغير الداعم للقدرة على المواجهة لدى الفرد، من أولئك: "هينكل" "Hinkel" الذي لخص الأبحاث التي أجراها"هولهان" "Holhan" على مدى عشرين عاما، وكذلك"موس" "Moos" المتأثر في أعماله بما قدمه "هينكل" "Hinkel" ، مع عدم اغفال اجتهاد كل من "كوبازا، جارميزي"، و"روتر""Kobasa, Garmezy&Rutter"، وغيرهم من الباحثين الجادّين فيهذا الباب.

إشكالية البحث:

يعد متغير الصلابة النفسية من المتغيرات الهامة التي ينبغي استحضارها حين الحديث عن مقاومة الضغوط التي يتعرض لها الفرد ، فلا تكاد تخلو حياتنا من الضغوط سواء في المجال الشخصي، أوالعائلي، أو الإجتماعي أو المهني، وقد يصنف قطاع التعليم من بين  أكثر مجالات العمل ضغطا، وهو مجال العمل الذي  يتميز بالتحاق الإناث به بنسبة كبيرة لا يمكن نكرانها.

ينبغي الاعتراف بالإجماع المحقق حول "كوبازا""Kobasa"التي يعود لها الفضل في دراسة هذا المصطلح متأثرة  بالمدرسة الوجودية ، التي ترى أن الإنسان في حالة سيرورة مستمرة ، والتي تركز في تفسيرها لسلوك الإنسان على المستقبل لاعلى الماضي ، وترى أن دافعية الإنسان تنبع أساسا من البحث المستمر المتنامي عن المعنى، والهدف في الحياة .(حسان، 2009). تتبلور أفكار الوجوديين على شكل نظرية نفسية عند "فرانكل" "Frankle"(1982تقوم على أن حياة الإنسان تتمركز حول إرادة المعنى  وإذا ما غاب عن الإنسان الشعور بمعنى الحياة ، فإنه يخبر ما يسميه بالفراغ الوجودي ، بحيث تصبح حياته تسير بغير معنى أو هدف ، ولهذا كان العلاج بالمعنى بالنسبة"لفرانكل" هو السبيل الوحيد للخروج من حالة اللامعنى إلى حالة المعنى. يلخصذلك"ساهاكيان""Sahakian"(1995) بقوله "إنالمعنىموجوددائماوفيكلمكانحتىفيالمعاناة ،والنوعالوحيدمنالمعاناةالذيلايمكن احتماله هوذلك الذييبدوبلامعنى، فإذالمتستطعأنتفهمأسبابمعاناتكلنتتمكنمن احتمالها. إنالتعاسةفيحدذاتهاشيئيمكنتحمله،ولكنغيابالمعنى هوالذيلانتحمله، والمعاناةالتيلايمكنتفاديهاعندماتتحولإلىخبرة ذاتمعنىلاتصبح شيئ ايمكن احتماله فحسب،ولكنتصبحشيئامثيرًا للهمموروحالتحدي. (معمرية ،2012) .

كما اتفق "مادي" "Maddi"مع "كوبازا" "Kobasa" حول كون الصلابة النفسية هي عامل مرونة يحافظ على الصحة، ويحسن الأداء. كما أكدوا أنها تتكون من ثلاثة مركبات: الإلتزام، والتحكم، والتحدي .(الطاف،2010). هكذا كان لهما السبق في هذا التوجه ثلاثي الأبعاد.

بهذا الخصوص نجد عدة دراسات ركزتعلى الناحية السيكومترية لمكونات الصلابة النفسية ، فقد قام"الطاف"(2010) بتقدير صدق المقياس بطريقتين : صدق المحكمين، وكذا التحليل العاملي الإستكشافي بإستخدام طريقة المكونات الأساسية ، وطريقة "كوارتيماكس" في إجراء التدوير المتعامد. أسفر ذلك على وجود ثلاثة أبعاد للمقياس تم تسميتها بـ:"الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي". كما قام بتقدير ثبات المقياس ككل بطريقة ألفا كرونباخ فكانت (0.89) ، كما استعمل طريقة إعادة تطبيق الإختبار، وكانت قيمة الثبات (0.55) (الطاف ،2010). كما قام" مجدي"(2008) بمحاولة بناء مقياس الصلابة النفسية لمعلمي التربية الرياضية، حيث صاغ مجموعة فقرات وطبقها على عينة مكونة من(284) معلمًا ثم أجرى عليها التحليل العاملي الإستكشافي، أسفر ذلك على وجود ثلاثة أبعاد تم تسميتها بالإلتزام، والتحكم، والتحدي. قدر ثبات المقياس أيضا بواسطة التجزئة النصفية ، فكانت قيمته الإجمالي (0.85).(مجدي، 2008)

بالمثل، قام"عمارة"(2006) ببناء مقياس للصلابة النفسية يتكون من(101) فقرة، عرضها على سبعة خبراء متخصصين في علم النفس الرياضي، فبعد تحيكمهم أصبح عدد الفقرات (60) فقرة ثم عرضها مرة أخرى على الخبراء ليتم اسقاط بعض الفقرات، حيث أصبح عددها (52) فقرة أخضعها للتحليل العاملي الإستكشافي مع تحديد درجة قبول التشبع بـ(0.40)، وأن يحتوي كل عامل على الأقل على ثلاثة تشبعات. أسفرت نتائجه على وجود ثلاثة عوامل تم تسميتها كمايلي : "الإلتزام" تشبع عليه (11) فقرة، وتشبعت(7) فقرات على بعد "التحكم"، و تشبع على بعد "التحدي" (5) فقرات. أما بالنسبة لمقدار الثبات فكان (0.82) بطريقة ألفا كرونباخ .(عمارة، 2006)

في نفس السياق  قام"هيل وأخرون" "Hull, et,al. " (1987) بدراسة الطبيعة العاملية لمفهوم الصلابة النفسية، وتكونت عينة الدراسة من (1004) طالبا جامعيا. أشارت نتائج الدراسة إلى أن الصلابة ليست مفهومًا واحدا بل له ثلاثة مكونات :الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي.(العبدلي،2012، ص61). لعل هذا ما قد يفصح عن جودة ما تم التوصل إليه، إذ يشير"كارفر"carver "(1989) أنه عند جمع الدرجات الكلية للصلابة فإننا نفقد الكثير من المعلومات الجوهرية التي تزودنا بها أبعادها الفرعية (. (Chan,2003, p.382كما أشارت دراسة الباحثين "جيمنيز و أخرون " " et al  Jiménez " (2014) المجراة على عينة قوامها (850) من العاملين في مجال الصحة  بإستخدام التحليل العاملي الإستكشافي على مقياس الصلابة النفسية المكون من (17) فقرة (بإستخدام طريقة المكونات الأساسية) إلى أن الصلابة تتكون من ثلاثة أبعاد (الإلتزام، والتحكم، والتحدي). أما الثبات، فقدر بواسطة "ألفا كرونباخ" للمقياس ككل فكانت  (0.86) بينما بلغت ألفا لبعد "الإلتزام"(0.74)، وبعد"التحكم"(0.76)، وبعد"التحدي"(0.80)..et al , 2014)(Jiménez.

كما أن الإطار النظري الذي وضعته "كوبازا" "Kobasa" حول مفهوم الصلابة النفسية يشير إلى أنه بناء مكون من ثلاث أبعاد : الإلتزام ، والتحكم، والتحدي. كما يؤكد"مادي" "Maddi" أنه رغم الإختلافات الموجودة بين المكونات الثلاثة للصلابة إلا أنه توجد صلة مفاهيمة فيما بينها، إذ لا يمكن تعريفها في غياب أحد مكوناتها الثلاثة الأساسية، وأن الأفراد الذين يتصفون بالصلابة لابد أن تتوفر فيهم هذه الخصائص المذكورة,2008, p.14) Palyo) . في نفس الإطار نجد أن مقياس الصلابة النفسية الذي أعده "لانج" و"جوليت" "Lang and Goulet"(2003) يتكون من ثلاثة أبعاد أيضا بتسميات مختلفة :(الضبط الذاتي ، والتوجه الفعال ، ومعنى الحياة) . (قناع ، 201، ص418).

على خلاف ذلك أجرى " كارديم وآخرون" Kardum et al."(2012) دراسة حول البنية العاملية لمقياس الصلابة النفسية يتكون من (15) فقرة على عينة قوامها (597) موظفًا .اعتمدوا التحليل العاملي التوكيدي باستخدام "ليزرل" بمقارنة النماذج التالية للصلابة :النموذج الأول بعامل عام واحد، والنموذج الثاني بعاملين (الإلتزام، والتحكم) في بعد واحد، والتحدي كبعد ثاني، أما النموذج الثالث بثلاثة عوامل (الإلتزام، والتحكم، والتحدي) ، والنموذج الرابع بنموذج هرمي. أشارت نتائجها إلى أن النموذج ذو عامل عام واحد هو الأفضل، إذ تحققت فيه مؤشرات المطابقة بشكل جيد، كما أن مربع كاي كان أصغر في هذا النموذج مقارنة بالنماذج الأخرى بمعنى أن هذا النموذج يتميز عن باقي النماذج بحسن مطابقة بياناته للنموذج، ولعل مربع كاي من المؤشرات الهامة المطلوبة لجودة النموذج .et al ,2012)(Kardum

قدم كل من "فنك" "Funk"(1992)، "سينكلر" و"تيترك" "Sinclair & Tetrick"(2000) انتقادات حول ما إذا كانت الصلابة النفسية تتكون من بعد عام واحد أم من ثلاثة أبعاد منفصلة : الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي . حسبهم أن هذه المكونات الثلاثة لم تتحقق عند تطبيقه على عينات مختلفة، وأشاروا أن بعدي الإلتزام ، والتحكم، فقط يتمتعان بخصائص سيكومترية كافية.. (Chan ,2003)لقد أكد ذلك أيضا بعض الباحثين أمثال "كلارك و هارتمان" "Clark & Hartman" (1996) على أن أبعاد الصلابة النفسية ليست على حد سواء أو بنفس الأهمية من حيث نتائجها على الجانب الصحي ، ففي نظرهم بعدا الإلتزام، والتحكم أكثر أهمية من بعد التحدي.et al ,2012)(Kardum, I.,

هذا بالنسبة للدراسات التي تناولت الصلابة النفسية في سياق سيكومتري، ولكن البحوث والدراسات السابقة لم تخل من الإهتمام بهذا المتغير في سياقه الإستكشافي الوصفي لدى شرائح مختلفة من المجتمع، وسنركز على الشريحة التي يعنى بها البحث الحالي،منها دراسة " كاديمي" "Qaddumi"(2011)التي هدفت إلى تحديد علاقة بعض المتغيرات الديموغرافية بالصلابة النفسية، أجريت على ما يقارب(281) معلمًا ومعلمة بفلسطين. من أهم نتائجها، أن مستوى الصلابة النفسية كان مرتفعًا لدى عينة البحث في جميع أبعادها.)Qaddumi, 2011). كما قام "مكي وأخرون"(2011) بدراسة حول الصلابة النفسية وعلاقتها بتقدير الذات لدى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة على عينة قوامها (50) مدرسًا ومدرسة . أشارت نتائجها إلى تمتع المدرسين والمدرسات بصلابة نفسية .(مكي و براء، 2011).

بالمثل، هدفت دراسة "العطوي" (2014) إلى تحليل العلاقة بين الصلابة النفسية والتفاؤل والأمل والشكاوي البدنية على عينة قدرها (180) من المعلمات بالسعودية. من بين أهم  نتائجها أن المعلمات يتمتعن بمستوى متوسط من الصلابة النفسية.(العطوي ،2014). كما قامت "قناع "(2013) بدراسة حول علاقة الصلابة النفسية بالتفاؤل والأمل والشكاوي البدنية لدى عينة تتكون من (180) معلمة بالسعودية ، من أبرز نتائجها وجود مستوى متوسط من الصلابة النفسية لدى عينة البحث. (قناع ، 2013). بالإضافة إلى "النجار والطلاع "(2012) الذين أجروا دراسة على عينة قوامها (200) من الأساتذة المحاضرين بالجامعات الفلسطينية. طبق عليهم مقياس الصلابة النفسية، أظهرت نتائج الدراسة أن للأساتذة المحاضرين مستوى متوسط من الصلابة النفسية .(النجار و الطلاع ، 2008 )

بناءا على ماتم تقديمه من دراسات نلاحظ أن التحليل العاملي الإستكشافي طغى على بحوث الباحثين -خصوصا في الدراسات العربية-. كما نجد اتفاقهم حول البنية العاملية الثلاثية لمقياس الصلابة النفسية ، وشيوع نفس أسماء العوامل (الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي ) و إن اختلف البحث  أو الباحث . كما أن مستوى الصلابة النفسية لدى المعلمات تتأرجح بين المرتفع والمتوسط .

لعل الدراسة الحالية سوف تسير في نفس منحى الدراسات السابقة، مؤكدة أهمية الإقبال على البحث في متغير مهم كالصلابة. ساعية إلى تفقد طبيعة البنية العاملية للصلابة النفسية من جهة ، واستكشاف مستواها لدى العينة المدروسة من جهة ثانية ، متبنية الإشكالية العامة التالية :

هل تتأكد البنية العاملية الثلاثية (الإلتزام، والتحكم، والتحدي) لمقياس الصلابة النفسية، وما مقادير ثباته ، وما مستوى الصلابة النفسية لدى الأمهات العاملات بقطاع التعليم بوهران؟ أما التساؤلات الفرعية للدراسة فكانت كمايلي :            

- هل تتأكد البنية العاملية  الثلاثية (الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي)  لمقياس الصلابة النفسية ؟

- ما مقادير ثبات مقياس الصلابة النفسية ؟

- ما مستوى الصلابة النفسية لدى الأمهات العاملات بقطاع التعليم بوهران ؟

أهداف الدراسة : تهدف الدراسة الحالية إلى ما يلي:

*  التأكد من البنية العاملية الثلاثية لمقياس الصلابة النفسية عن طريق التحليل العاملي التوكيدي.

* تقدير ثبات مقياس الصلابة النفسية بطرق مختلفة .

*  الكشف عن مستوى الصلابة النفسية لدى الأمهات العاملات بقطاع التعليم بوهران.

أهمية  الدراسة  : تكمن أهمية هذه الدراسة في تناولها لمتغير هام من متغيرات علم النفس الإيجابي المتمثل في الصلابة النفسية، فضلا عن ذلك تتطرق الدراسة إلى تقدير بعض الخصائص السيكومترية للمقياس من صدق وثبات باستخدام  بعض الطرق الحديثة نسبيا، وغير الشائعة في الدراسات السابقة ، خاصة المحلية منها. مثلما تكمن أهمية الدراسة في تناولها لشريحة هامة في المجتمع، والمتمثلة في الأمهات العاملات بقطاع التعليم بغرض الكشف عن مستوى الصلابة النفسية لديهن.

التعاريف الإجرائية لمفاهيم البحث:

 الصلابة النفسية : يقصد بها التزام الأم العاملة بقيمها، وأهدافها في الحياة، و إلتزامها اتجاه عملها، واتجاه الآخرين، وشعورها بالتحكم في مجريات الأحداث المُعاشة، واستمتاعها بتحدي صعوبات الحياة. تقاس إجرائيا بمجموع الدرجات التي تحصل عليها الأم العاملة على مقياس الصلابة النفسية .

الأمهات العاملات: تتمثل في الأمهات العاملات بقطاع التعليم بمراحله الثلاثة (ابتدائي، متوسط ، ثانوي) بولاية وهران.

الإطار النظري للدراسة : 

لا تكاد تخلو حياتنا اليومية من الضغوط ، ومما لاشك فيه أن الأم العاملة تعاني ضغوطات كثيرة بسبب تعدد أدوارها ، وكثرة الجبهات التي تواجهها باختلاف متطلباتها ، على الرغم من ذلك ،  فقد نجد الكثيرات ممن احتفظن بصحتهن النفسية، والجسدية. رغم ما يجابهن من مواقف صعبة  وأزمات ضاغطة . ربما يرجع ذلك إلى صلابتهن النفسية. لقد أشارت "كوبازا" "Kobasa " إلى أن الأشخاص الأكثر صلابة هم أكثر صمودا، ومقاومة، وإنجازا وضبطا داخليا، وأكثر استمتاعا بتحديات الحياة.

التعريف اللغوي للصلابة : صلٌب ، صلابةَ أي صلبا ، صلب الخشب أي إشتد  وقوي ، وصلابة أي قساوة  ، فيقال صلابة الطين أي قساوة ، ومقاومة ، كما تعني مقاومة التعب، والقدرة على الاحتمال، ويقال برهن عن صبر وصلابة أي ثبات على قرار ، أو موقف وعزيمة لاتلين على مواصلة مابدىء  به ، ويقال تحمل مصائبه بصلابة  أي رباطة جأش، وشجاعة في تحمل الألم ، ومقاساة الحرمان .( أنطوان نعمه و أخرون، 2000 ، ص845 ).

التعريف الإصطلاحي: ظهرت تعريفات كثيرة  للصلابة النفسية ، وقد يضيق المجال بذكرها كلها ، لذا يمكن الإكتفاء ببعضها على النحو التالي :

*عرفتها "كوبازا وجنتري""and Gentrykobasa "(1984) على أنها مجموعة من سمات أو خصائص الشخصية تشكل في مجملها معنى الصلابة، والتي تساهم في الحد من الآثار غير الصحية  الناجمة عن الضغوط. (Allred et Smith ,1989)

* تعريف "المخيمر" (1996) : هي نمط من التعاقد النفسي يلتزم به الفرد اتجاه نفسه وأهدافه ،وقيمه والآخرين من حوله ،وإعتقاد الفرد بأن بإمكانه أن يكون له تحكم فيما يلقاه من أحداث بتحمل المسؤولية عنها ، وأن ما يطرأ على جوانب حياته من تغيير هو أمر مثير وضروري للنمو أكثر من كونه تهديدا، أو إعاقة  له. (مخيمر،1996) .

* عرفها "أنتو فسكي " Antonovki"بأنها مصدر مقاومة يمكن من خلالها معالجة الآثار المحتملة للضغط. (الحجار و دخان ، 2006) .

عرفها "مادي" "Maddi"(2004)بأنهابناء مكون من ثلاثة مركبات كالتالي : الإلتزام ، والتحكم، والتحدي تعمل معا على تحويل الظروف الضاغطة ، أوالمجهدة إلى فرص للنمو.   (Kalantar et al ,2013)

من التعاريف سالفة الذكر ما ربط الصلابة النفسية بسمات الشخصية ، بينما يرى بعضها أنها نوع من التعاقد النفسي، في حين عرفها البعض الآخر بأنها مصدر من مصادر مقاومة الضغوط. كما كانت هناك إشارة إلى أن الصلابة النفسية بناء مكون من ثلاثة عوامل :(الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي). إلا أن الإتفاق بين جل التعاريف يتم حول كونها من الآليات التي تعين الفرد على التحكم في مجرى الأحداث التي تكون مصدر ضغط لديه.

- أبعاد الصلابة النفسية : تتألف الصلابة النفسية على النحو الذي اقترحته "كوبازا""Kobasa" (1979) في دراستها من ثلاثة  أبعاد  كالتالي:

1- الإلــتزام (Commitment):مقابل الإغتراب، ويتضمن القدرةعلىالشعوربعمقالمشاركة، والالتزامتجاه نشاطاتهمالحياتية،ومسؤولياتهمالإجتماعية (kobasa,1979 ) ، فالأشخاص الملتزمون تكون علاقاتهم مع أنفسهم ومع البيئة نشطة، ولديهم إحساس عام بالهدف في الحياة  والقدرة على إيجاد معنى في الظروف التي يتعرضون لها. (حسين وحسين ، 2006، ص 132).

يرى الفيلسوف الدانماركي "سورين كيركيغارد" "Soren Kierkegaard "أن غياب المعنى في الحياة ناتج عن عدم وجود إرتباط روحي لدى الفرد مما يولد لديه حالة من الإغتراب( Allred et al , 2011).

أشارت"كوبازا" أنالأشخاص الملتزمينلديهمنظامقويمنالإيمانيجعلهميدركونحجمالتهديداتالمحيطةبهم ، ويواجهونهامندونتراجعأوإنسحابعنالأوساطالإجتماعيةفيأكثرالأوقاتالعصيبة، ويشعرونبالإندماجمعالآخرين، ويحصلونعلى إسناداجتماعيكبير.كماأكدت "كوبازا" أنالإلتزامنحوالذات وتقديرهامنالأمور

الأساسيةالتييتمتعبهاالشخصالصلب، فضلاًعنالتزاماتهالأخرىاتجاهالمحيطينبه.(Kobasa et al, 1982)

- 2التحكم (control) : يُماثل مركز التحكم الداخلي التي تعود أصولها للعالم "جوليان روتر"  والمستمدة  من نظريته التعلم الإجتماعي. حيث قدم هذا المفهوم لأول مرة عام (1954) في شكل  مقال بعنوان " التعلم الاجتماعي وعلم النفس الإكلينيكي" ، وقد تأثر "روتر" إلى حد كبير بأعمال "هال"و"سبنس" وأفكار"سكينر" بشأن التعزيز ، وفكرة التوقع التي طورها"تولمان". كما تأثر بنظرية المجال"للوينكورت".“ Lewin Kurt (Elliott , 1993,p.39  ).

إن إدراك الضبط أمر بالغ الأهمية في التعامل مع مجريات أحداث الحياة اليومية ، إذ أن الأشخاص الذين لديهم درجة عالية من إدراك الضبط الداخلي يتمتعون بإمكانية أكبر في الحصول على المعلومات حول الأحداث التي تؤثر على حياتهم . حسب "لازروس" "lazaraus" (1996)، فإن الفرد ذو الضبط الداخلي يعتقد في كفاءته ، وقدرته على ضبط النتائج في عالمه الخاص ، وله توقعات إيجابية فيما يتعلق بالثقة ، والإعتماد على الآخرين.(معمرية،1994 ، ص40-60). كما أن الأبحاث التي ركزت على المكونات الفرعية للصلابة بينت بأن توافر الإحساس بالقدرة على الضبط الذاتي، قد يكون من أهم مكونات سمة الصلابة التي تساعد على التنبؤ بصحة أفضل. (شيلي،2008 ، ص422) .

3- التحدي"challenge": يعني إعتقاد الفرد بأنالتغيير بدلاً من الإستقرار أمر طبيعي في الحياة ، وقد أشار "يونغ" بأن الشخص الصلب يحاول أن يتطور ، ويتغير نحو الأفضل على عكس الشخص العاجز الذي يبقى حبيسا للماضي ، ويتوقف عن الحركة نحو المستقبل . كما يرى "ألرد" و"سميث " "Allred &Smith "(1989أن التحدي هو الميل إلى رؤية التغيير غير المتوقع أو التهديد المحتمل كتحدَ إيجابي وليس حدثا مهددًا ، في حين أكد كل من " نيوكم" و"هارلوأن إعتقاد الفرد في عدم قدرته على التحكم يشعره بعدم الجدوى ، والعجز. (حجازي و زميله، 2010). فضلاً عن ذلك تؤكد "كوبازا"أن الأفراد ذوي الصلابة المنخفضة لا يتمتعون بسمة التحدي. إذ يشعرون بالتهديد من التغير ويعتقدون أن الحياة تكون  أفضل عندما لا تنطوي على أية  تغيرات. (kobasa et al ,1982.).

إن المكونات المترابطة للصلابة النفسية من شأنها المحافظة على سلامة الأداء النفسي للفرد، والتخفيف من الآثار السلبية للضغوط.كما ترى "كوبازا" أن توفر هذه  المكونات الثلاثة يرتبط بإرتفاع قدرة الفرد على تحدي ضغوط البيئة ، وتحويل أحداث الحياة الضاغطة إلى فرص للنمو الشخصي، وبالتالي لا يكفي  مكون واحد ليمدنا  بالشجاعة، والدافعية لتحويل نظرتنا للضغوط إلى نظرة أكثر إيجابية.

منشأ الصلابة النفسية في النماذج النظرية: لعل السؤال المطروح هنا هو ما نشأة الصلابة ؟ ولعل إجابته تكمن في اجراء نظرة تتبعية لفحص مختلف الإجتهادات في هذا السياق:

نظرية "كوبازا" "kobasa":

تعتبر أول من قدمت نظرية وصفت بالرائدة في مجال الوقاية، وقد انطلقت من التساؤل التالي: ماذا عن الأشخاص الذين لا يمرضون تحت وطأة الضغط؟ وذلك في أطروحتها للدكتوراه. لقد أشارت إلى أن  الدراسات التي سبقتها كلها ركزت على الأمراض الناتجة عن مواجهة أحداث الحياة الضاغطة. حيث قامت بدراسة حول المدراء التنفيذيين الذين يعملون في المستويات الإدارية المتوسطة والعليا، وقسمتهم إلى فئتين هما: المدراء التنفيذيون الذين تعرضوا إلى ضغوطات كثيرة خلال السنوات الثلاثة الماضية ، والمدراء الذين تعرضوا لضغوط أقل . بعد ذلك ركزت انتبهاها على المجموعة التي تعرضت لضغط شديد ، ثم قامت بمقارنة أولئك الذين يعانون من أمراض كثيرة مع أولئك الذين لديهم نسبيا القليل من الأمراض، وذلك لمعرفة ما الذي يميزهم . وجدت بأن أولئك الذين تعرضوا إلى ضغوط شديدة، ولكنهم يتمتعون بصحة جيدة لديهم مجموعة من السَمات أطلقت عليه النمط الصلب)1979kobasa,) .

إلا أن اجتهاد " كوبازا " "  kobasa" كان له امتداد عبر الزمن ، إذ يرى " رضوان " أن هذا المفهوم عند "كوبازا" "kobasaيوازي مفهوم الإحساس بالتماسك الذي قدمه "أنتونوفسكي""antonovsky" ، وله ثلاث مكونات أساسية هيالقابلية للفهم والإستيعاب، والقابلية للتأثير، والإمتلاء بالمعنى.(سامر،2002 ، ص181). حسب وجهة نظر "كوبازا" فإن الصلابة النفسية خاصية عامة تنشأ نتيجة خبرات الطفولة المعززة، والثرية التنوع  وتبرز من خلال السلوكيات والمشاعر التي تتصف بالالتزام، والتحكم، والتحدي.(حسين و زميله ،2006 ، ص 130).

في حين، أضاف كل من" Clough, Earl & Sewell " ( 2001)مكونا رابعا للصلابة النفسية أسموه بالصلابة الذهنية. ذلك استنادًا الى نظرية "مادي "و" كوبازا"، وتتطلب الصلابة الذهنية الثقة بوصفها عاملا مهما توصلوا إليه من خلال دراساتهم لأداء الرياضين .(بلوم و حنصالي  ، 2013)

نموذج " فنك " المعدل لنظرية "كوبازا ":

 قدم هذا النموذج تعديلا لنظرية"كوبازا" من خلال دراسته التي أجراها بهدف بحث العلاقة بين الصلابة النفسية والإدراك المعرفي ، والتعايش الفعال على عينة قوامها (167) جنديا. اعتمد الباحث على المواقف الشاقة، والواقعية في تحديده لدور الصلابة ، ثم قام بقياس متغير الصلابة ، والإدراك المعرفي للمواقف الشاقة، والتعايش معها قبل الفترة التدريبية التي أعطاها للمشاركين. بعد انتهاء الفترة التدريبية توصل إلى ارتباط مكوني الالتزام، والتحكم بالصحة العقلية الجيدة للأفراد ، فارتبط الإلتزام جوهريا بالصحة العقلية من خلال تخفيض الشعور بالتهديد ، واستخدام إستراتجيات التعايش الفعالة خاصة استراتجية ضبط الإنفعال، في حين ارتبط بعد التحكم أيضا ايجابيا بالصحة العقلية من خلال ادراك الموقف على أنه أقل مشقة واستخدام استراتجية حل المشكلات للتعايش. (الشمري، 2014، ص 47)

النموذج النظري لـ "لمادي و كوباسا":

قام  بتحقيقه "سلفادور مادي" ينص على أن تراكم الأحداث الضاغطة يسبب زيادة  التوتر الذي يمكن أن يظهر الفرد في شكل ردود أفعال كسرعة التهيج ، والقلق إلى غير ذلك من المظاهر. هذه الإستجابات تعكس حالة استنفار وتأهب الكائن ، واستمرار هذه الحالة يمكن أن يخلق أعراض مرضية.هذه المتغيرات الثلاث: الأحداث الضاغطة ، والتوتر، والأعراض المرضية تنشأعلاقة رئيسية التي من خلالها وصف الباحثان خاصية  الشخصية أطلقوا عليها الصلابة والتي تعتبر كمتغير وسيط في هذه العلاقة ، ومن جهة أخرى تعتبر من المصادر المهمة في مواجهة الضغوط . (يوسفي ، 2012 ، ص 125)

منهجية الدراسة وإجراءاتها :

- منهج الدراسة : اعتمدت  الدراسة الحالية على منهجين هما المنهج السيكومتري، و المنهج الوصفي، وذلك وفاء لمتطلبات البحث الذي يهدف من جهة إلى دراسة بعض المعطيات السيكومترية المرتبطة بمقياس الصلابة النفسية، وكذا استكشاف مستواها لدى عينة البحث.

– عينة الدراسة: تمثلت عينة الدراسة في(200) أم عاملة بقطاع التعليم من مختلف المراحل التعليمية الثلاثة (إبتدائي، ومتوسط ، وثانوي) بولاية وهران ، تم إختيارها بشكل قصدي .

- أدوات جمع المعطيات: إعتمدت الدراسة الحالية على مقياس الصلابة النفسية من إعداد "مخيمر"(2002)، وقننه"معمرية بشير"على البيئة الجزائرية. يتكون من)48) فقرة موزعة على ثلاثة أبعاد (الإلتزام ، والتحكم ،والتحدي) ، مع العلم أن بدائله رباعية (لا،قليلا،متوسطا، كـثيرا)،تتراوح أوزانها مابين (0- 3) درجات مع محافظتها على نفس الأوزان لكون كل الفقرات موجبة. طبقه "بشير معمرية "على عينة مكونة من (392) فردا. قام بحساب صدقه التمييزي، والإتفاقي ، والتعارضي، والإتساق بين الأبعاد والدرجة الكلية. بينما تم تقدير الثبات عن طريق إعادة تطبيق الإختبار (0.61) ، وبواسطة ألفا كرونباخ (0.83). حسب هذه الدراسة، فالمقياس صالح للإستعمال في مجال البحث النفسي وكذا في التشخيص العيادي.

في السياق ذاته، أخضعت الباحثتان المقياس المقنن في الدراسة الحالية لقراءة جديدة، وتم الوقوف على بعض الملاحظات كاحتوائه على فقرات مركبة، وأخرى غامضة، كما أن البدائل لا تتناسب مع بعض الفقرات، فعرضتا المقياس على مجموعة من المحكمين، تم استشارتهم فيما يلي: مدى وضوح الصياغة، والتركيبة اللغوية للفقرات، ومدى ملاءمة بدائل الأجوبة للفقرات .( أنظر الملحق رقم 01).

بعد تفريغ نتائج استشارة المحكمين حول المطالب سابقة الذكر، سنوضح التعديلات التي تم تنفيذهاعلى فقرات كل بعد بناء على رأي أغلبية المحكمين بالملحق رقم (02).أما بالنسبة لبدائل المقياس، اقترح المحكمون السلم الثلاثي التالي: (موافق ، موافق إلى حد ما، وغير موافق) .

الأساليب الإحصائية : تم استخدام الأساليب الإحصائية التالية :

"التحليل العاملي التوكيدي" ، "ألفا كرونباخ" ، "الثبات المركب"، "معامل أوميغا الموزونة"، "إختبار"ت "لعينة واحدة".

عرض ومناقشة نتائج التساؤل الأول :

- هل تتأكد البنية العاملية  الثلاثية (الإلتزام ، والتحكم، والتحدي) لمقياس الصلابة النفسية ؟

للإجابة على هذا  التساؤل تم اجراء التحليل العاملي التوكيدي بخطواته العملية الموضحة فيما يلي :

خطوات التحليل العاملي التوكيدي: قامت الباحثتان بإتباع الخطوات التالية:

المرحلة الأولى  : بناء النموذجModel specification": قامت  الباحثتان ببناء (رسم) النموذج  التوكيدي لمقياس الصلابة النفسية ،حيث وعلى ضوء ما تقدم في الإطار النظري لإشكالية الدراسة الحالية ، وما دافعت عنه نظرية كوبازا ومادي، والتي ذهبت في منحى يدافع عن فكرة البنية الثلاثية للمقياس، يمكن تجسيد ذلك التوجه من خلال النموذج التالي:

يوضح الشكل رقم (01) نموذجا عامليا توكيديا ثلاثي الأبعاد لمقياس الصلابة النفسية ، فبعد "الإلتزام" يضم (11) فقرة أو مؤشرًا مقاسا، وبعد "التحكم " يضم (13) مؤشرا مقاسًا، و بعد التحدي يضم (13) مؤشرا مقاسًا ، بمجموع كلي  (37) مؤشرا مقاسًا.

المرحلة الثانية: مرحلة تعيين النموذج" Model Identification" : لحساب تعيين النموذج نقوم بحساب مايلي: (تيغزة، 2011 ، ص 203) 

*حساب عدد المعلومات التي يوفرها النموذج== = 703.

* حساب عدد المعلومات التي يتطلبها النموذج العاملي المفترض : لحساب عدد المعلومات التي يتطلبها النموذج العاملي المفترض نقوم بـ :

 1- حساب عدد العوامل الكامنة الحرة : فالنموذج العاملي يحتوي على ثلاثة عوامل كامنة (الإلتزام، والتحكم ، والتحدي) ، فمعنى ذلك توجد (3) بارمترات حرة تتمثل في قيم التباين للعوامل الثلاثة .

2- حساب عدد أخطاء قياس المؤشرات: لدينا ثلاثة عوامل كامنة بحوالي (37) مؤشرا مقاسًا، ولكل مؤشر مقاسْ خطأ قياس، وبالتالي لدينا (37) خطأ قياس.

3- حساب التغاير أو الإرتباط بين العوامل الكامنة: فالنموذج يحتوي على ثلاث عوامل كامنة وبالتالي لدينا ثلاثة تغايرات.

4- حساب عدد تشبعات المؤشرات المقاسة على عواملها الكامنة: تمثل عدد البارامترات الحرة ، و غير المثبتة بقيمة معينة سلفا، وبالتالي لدينا:

* العامل الكامن الأول: المتمثل في "الإلتزام "  ثبت بمسار واحد مع العلم أن عدد مساراته (11) وبالتالي لدينا (10) مسارات حرة تحتاج الى تعيين.

* العامل الكامن الثاني : "التحكم " ثبت بمسار واحد مع العلم أن عدد مساراته (13) وبالتالي لدينا (12) مسارا حرا يحتاج الى تعيين .

* العامل الكامن الثالث : المتمثل في "التحدي "  ثبت مسار واحد مع العلم أن عدد المسارات (13) وبالتالي لدينا (12) مسارًا حرا يحتاج إلى تعيين . أي المجموع الكلي = 34 مسارًا حرًا يحتاج إلى تعيين.

* أما المجموع الكلي لعدد المعلومات التي يتطلبها النموذج = 3 + 37 + 3+ 34= 77.

بالتالي عدد المعلومات التي يوفرها النموذج، أو عدد القيم غير المتكررة لتباين وتغاير مصفوفة المؤشرات المقاسة أو العينة =703. أماعدد المعلومات التي يتطلبها النموذج، أوعدد البامترات الحرة للنموذج  العاملي المفترض=77. ولمعرفة نوع تعيين النموذج نقوم بحساب درجات الحرية علما بأن النموذج دون التعيين ينطوي على درجات حرية سالبة، والنموذج المشبع عدد درجات حريته يساوي صفرا، في حين يحتوي النموذج متعدد التعيين على عدد موجب من درجات الحرية. تبعا لذلك يمكن التوصل إلى ما يلي :

عدد درجات الحرية =عدد القيم غير المتكررة لتباين وتغاير مصفوفة المؤشرات المقاسة أو العينة – عدد البامترات الحرة للنموذج المفترض . ( تيغزة محمد، 2011 ، ص 73).

عدد درجات الحرية = 703- 77= +626  .فالنموذج إذن متعدد التعيين. الأمر الذي يفصح عن توفر البيانات الإمبريقية بشكل يفوق حجم المعلومات التي يكون النموذج بحاجة إليها.

المرحلة الثالثة : تقدير معالم أو بارمترات النموذج " Estimation of the model parameters" : سيتم تقدير تشبعات الفقرات على أبعادها بالدرجات المعيارية ، وذلك كما يلخصه الجدول الموالي رقم ( 01) :

   بعد هذه  الخطوة قامت الباحثتان بحذف التشبعات الضعيفة مع العلم أنهما حددتا التشبع (0.30) كدرجة قطع للفصل بين التشبعات الضعيفة والقوية، وبناء على هذا المحك تم حذف الفقرات ذات التشبعات الضعيفة على أبعادها، والمسطر تحتها بخط في الجدول أعلاه. ثم أعيد رسم النموذج مرة أخرى بعد حذف التشبعات الضعيفة كالتالي :

يمثل الشكل رقم (02) نموذجا عامليا توكيديا ثلاثيا للصلابة النفسية، حيث وعلى ضوء الإحتكام لقيم التشبعات على كل عامل أصبح عدد فقرات بعد "الإلتزام"(9) ، وفقرات بعد التحكم (6) ، وبعد التحدي (11) فقرة ، بمجموع كلي (26) فقرة.

ثم أعيد تقدير التشبعات بالدرجات المعيارية  بعد حذف  التشبعات الضعيفة كما يوضحها الجدول الموالي رقم ( 02) :

 

يتضح من الجدول أعلاه أن تشبعات الفقرات على أبعادها بالدرجات المعيارية تراوحت مابين (0.32 و0.50) بالنسبة لبعد "الالتزام" ، في حين تراوحت ما بين (0.30 و 0.48) بالنسبة لبعد "التحكم"، و انحصرت مابين (  0.33 و 0.58) بالنسبة لبعد "التحدي"، وكلها قيم مقبولة.

المرحلة الرابعة: تقدير مؤشرات جودة المطابقة الخاصة بالنموذج" testing model goodness of fit " : تستهدف اختبار مطابقة النموذج النظري الذي يضعه الباحث للبيانات، ويقصد بالمطابقة إلى أي حد استطاع النموذج أن يوظف كافة المعلومات التي تنطوي عليها البيانات الأصلية، أو إلى أي حد تمكن النموذج من تمثيل بيانات العينة، بحيث لم يبتعد عنها كثيرا. (تيغزة ، 2012 ، ص229). فيما يلي أهم مؤشرات المطابقة الأكثر فعالية، ملخصة في الجدولرقم (03) :

يتضح من خلال الجدول رقم (03) أن أغلب مؤشرات المطابقة تدل على حسن مطابقة النموذج  فمثلا نجد "مربع كاي"=(1244.097) بدرجات حرية (626) وهو دال إحصائيا، ممايدل على رفض الفرض الصفري الذي ينص على عدم وجود فرق بين النموذج المفترض والنموذج الحقيقي المناظرله في المجتمع (تيغزة،2012 ، ص 114). غير أن الدلالة الإحصائية لهذا المؤشر تتأثر بحجم العينة، فبمجرد توسيع حجم العينة تصبح أي قيمة دالة إحصائيا، حيث أن حجم عينة الدراسة الحالية كبير نوعا ما. في حين أن أكثر مؤشرات المطابقة فعالية وهو الجذر التربيعي لمتوسط خطأ الاقتراب (RMSEA) في النموذج الحالي يساوي (0.07) وتدل على وجود  خطأ تقارب معقول في المجتمع أي درجة مطابقة مقبولة.

من جهة أخرى نجد أن مؤشر جذر متوسط مربعات البواقي (RMR) كلما كان أصغر كان أفضل، ففي النموذج الحالي قيمته (0.02) مما يدل على مطابقة جيدة. كما أن قيمة مؤشر الصدق التقاطعي المتوقع (ECVI) للنموذج المفترض(3.804) أدنى من مؤشر النموذج المستقل (7.069) مما يدل على حسن مطابقته. كذلك محك المعلومات لأيكيك (AIC) فقيمته  في النموذج المفترض (757.067) وهي أدنى من النموذج المستقل (1406.756) مما يدل على حسن مطابقته . كما أن قيمة محك المعلومات المتسق لأيكيك (CAIC) و قيمته الحالية في هذا النموذج المفترض تساوي (993.475) أدنى من المستقل (1518.512) مما يدل على حسن مطابقته أيضا. بالتالي تجيب المؤشرات المستخدمة بالإيجاب على التساؤل القائم حول قدرة النموذج الحالي على أن يقترب من المعلومات الأصلية، أو قدرته على تمثيل بيانات العينة. من ثم يمكن الاطمئنان لجودة المطابقة التي تميز بها النموذج المقترح، مع الاعتراف بأن ذلك ليس بالدليل الذي يؤكد  أنه النموذج الصادق الوحيد.

أكدت نتائج التحليل العاملي التوكيدي في الدراسة الحالية أن مقياس الصلابة النفسية يتكون من بنية عاملية  ثلاثية:(الإلتزام ،والتحكم ، والتحدي)،إذ أشارت أهم مؤشرات المطابقة على وجود مطابقة مقبولة عموما، وتتفق نتائج الدراسة الحالية مع ما قدمه "هيل وأخرون" Hull, et,al"(1987) التي أشارت إلى أن الصلابة النفسية ليست مفهوما واحدا بل له ثلاثة مكونات (الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي). (العبدلي،2012 ، ص61). هذا ما يتفق مع دراسة الباحثين"Jiménez "B.M et al(2014) المجراة على عينة قوامها (850) من العاملين في مجال الصحة . أجروا التحليل العاملي الإستكشافي على مقياس الصلابة النفسية بواقع (17 فقرة)، بإستخدام طريقة المكونات الأساسية. إذ أشارت نتائجه إلى أن الصلابة تتكون من ثلاثة أبعاد .( الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي) . (Jiménez et al , 2014).

كما أن الإطار النظري الذي وضعته "كوبازا" "Kobasa"(1979) حول الصلابة النفسية يشير إلى أنها بنية مكونة من ثلاث أبعاد (الالتزام، والتحكم ، والتحدي) ، وأكد "مادي"Maddi" أن المكونات الثلاثة للصلابة رغم الإختلافات الموجودة بينها ، ولكن توجد صلة مفاهيمة فيما بينها ، ولا يمكن تعريفها في غياب أحد مكوناتها الثلاثة الأساسية المذكورة آنفا.  ( Palyo, 2008, p. 14 )

من جهة أخرى، أشار"كارفر" "carver" (1989) أنه عند جمع الدرجات الكلية للصلابة فإننا نفقد الكثير من المعلومات الجوهرية التي تزودنا بها أبعادها الفرعية (Chan,2003). بالمثل، أجرى " جيمينيز وزملاؤه"

" Jiménez et al "(2014) التحليل العاملي التوكيدي على نفس المقياس باستخدام "برنامج الأموس" وذلك على عينة قوامها (380) من رجال الإطفاء بمدريد، حيث قاموا بمقارنة ثلاثة نماذج عاملية للصلابة النفسية ، في النموذج الأول تتجمع جميع الفقرات تحت عامل واحد متمثل في الصلابة النفسية ،وينطوي النموذج الثاني على ثلاثة أبعاد ( الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي)، أما النموذج الثالث فينطوي على نموذج هرمي من الدرجة الثانية ،حيث  تنضم الأبعاد الثلاثة تحت عامل واحد عام يتمثل في الصلابة النفسية.أشارت نتائج الدراسة إلى أن النموذج الهرمي الذي يحوي عاملا كامنا عاما ويتفرع على ثلاثة عوامل كامنة بمؤشرات مطابقة أفضل من النماذج الأخرى . et al , 2014) (Jiménez

كما قدم كل من"كارفر" "Carver(1989)،و"فنك" "Funk(1992) ،"سينكلر"و"تتريك" "Sinclair & Tetrick"(2000) انتقاداتهم حول بنية الصلابة النفسية إن كانت تتكون من بعد عام واحد أم تتكون من ثلاثة أبعاد منفصلة (الإلتزام ، والتحكم ، والتحدي)، انتهوا إلى عدم ظهور هذه المكونات الثلاثة- حسبهم- عند تطبيق المقياس على عينات مختلفة. في سياق آخر، نجد أن مقياس"كونر و ديفيدسون" Connor&Davidson" (2003) للمناعة النفسية يشتمل على الصلابة النفسية كبعد فرعي فضلا عن بعدي التفاؤل والمصادر. إذ نجد الصلابة هنا ليست عبارة عن مكونات فرعية، وإنما بعد واحد متضمن ضمن الأبعاد الفرعية لهذا المقياس .( الشيخعلي ،2014) هذا ما لا يذهب مذهب الدراسة الحالية.

عرض ومناقشة نتائج التساؤل الثاني:ما مقادير ثبات مقياس الصلابة النفسية ؟

 تم تقدير ثبات أبعاد مقياس الصلابة النفسية بثلاثة طرق مختلفة ، كما يلي :

1- تقدير ثبات الاتساق الداخلي لألفا كرونباخ: قامت الباحثتان بتقدير ثبات أبعاد مقياس الصلابة النفسية بواسطة الاتساق الداخلي لألفا كرونباخ ، فكانت النتائج كالتالي : 

الملاحظ من خلال الجدول رقم (04) أن قيم "ألفا كرونباخ" لأبعاد مقياس الصلابة النفسية تراوحت ما بين (0.55) و (0.70) وهي مقادير ثبات يمكن الاطمئنان إليها.

2- تقدير ثبات أبعاد مقياس الصلابة النفسية بالاعتماد على الثبات المركب (Composite Reliability) :تم تقدير

أبعاد المقياس عن طريق "الثبات المركب".

      يدل الثبات المركب أو ثبات المفهوم أو التكوين الفرضي على مدى دقة أو اتساق المؤشرات التي قد تتمثل في الفقرات، أو قد تكون مقاييس جزئية أو فرعية، أو قد تتخذ أشكالاً أخرى في قياس مفهوم معين، إذ يتوقع  في المؤشرات (فقرات مقياس مثلا) التي يفترض الباحث أنها تنتمي إلى مفهوم معين أن تنطوي على نسبة من التباين المشترك بينها وبين المفهوم. أما باقي التباين الذي لا يحدده المفهوم في الفقرة يدعى بالخطأ. (تيغزة، 2008).

يدل التعبير على مجموع تشبعات المؤشرات (الفقرات) على العامل ، كما يدل التعبير على مجموع تباين الخطأ للمؤشرات أو الفقرات (أو مجموع خطأ القياس للمؤشرات) ، وخطأ القياس للمؤشرات في سياق التحليل العاملي ولاسيما التوكيدي ، يمكن تقديره بتربيع تشبع كل مؤشر على العامل وحذف نتيجة تربيع التشبع من الواحد الصحيح .( تيغزة ، 2008)

 طبقا لما سبق ، تم حساب مربع مجموع التشبعات ، ومجموع الأخطاء  لكل بعد من الأبعاد ، ذلك ما يوضحه الجدول رقم (05) .

           يتضح من الجدول رقم (05) أن قيمة الثبات المركب لأبعاد مقياس الصلابة تراوحت ما بين(0.53) و(0.74) فهي مقبولة على العموم .

3 - تقدير الثبات عن طريق "معامل أوميغا الموزونة" : قامت الباحثتان بتقدير ثبات أبعاد مقياس الصلابة النفسية أيضا عن طريق

 أوميغا الموزونة ، مع العلم أن قانون أوميغا الموزونة كالتالي :

  حيث تدل "دلتا مربع " على مربع التشبع النمطي لمؤشر معين أو فقرة معينة على عامل معين ، لذلك يدل على الدرجة الحقيقية

للفقرة ، وحذف مربع تشبع الفقرة من الواحد الصحيح يدل على الخطأ كما هو مبين في المقام  ، فالكسر يعبر عن نسبة الدرجة

الحقيقية إلى الخطأ ، ويمثل وزن فقرة معينة أو مدى أهميتها في تحديد المفهوم . (تيغزة محمد : 2008).

لعل الجدول الموالي رقم (06)، يوضح ثبات أبعاد مقياس الصلابة النفسية باعتماد "معامل أوميغا الموزونة":                                                                                                             

 نلاحظ من خلال الجدول أنه يمكننا  قبول مقادير ثبات أبعاد مقياس الصلابة النفسية بطريقة "معامل أو ميغا الموزونة" مع

العلم أن قيمها تراوحت ما بين (0.60) و (0.83) .

          إذن أكدت نتائج التساؤل الثاني أن أبعاد مقياس الصلابة النفسية (الإلتزام، والتحكم، والتحدي) تتمتع بمستوى مطمئن

من الثبات ، حيث تراوحت مقاديرها عموما بين (0.55 و0.83) باستخدام الطرق الثلاثة السابقة (ألفا لكرونباخ ، والثبات

المركب ، ومعامل أوميغا الموزونة)، التي كانت مرتفعة مقارنة بالمعاملين السابقين، مع الإشارة إلى أنها أكثر دقة

 منهما ( تيغزة، 2008)

             تتفق هذه النتيجة مع نتائج الدراسات السابقة، والتي من بينها دراسة "برناردو جيمينيز" و زملاؤه  "Jiménez et al  "(2014) إذ كانت قيمة ألفا لكرونباخ،بالنسبة لبعد الإلتزام (0.74) ، والتحدي (0.80) ، والتحكم (0.76). كذلك أجرى "الطاف"(2010) دراسةسيكومترية حول مقياس الصلابة النفسية، قدر الثبات بطريقة "ألفا كرونباخ" للمقياس ككل فكانت (0.89 (. كما استعمل أيضا طريقة إعادة تطبيق الإختبار، فكانت قيمة الثبات (0.55). (الطاف، 2010).أيضا أشارت دراسة " مجدي"(2008) أن قيمة الثبات لأبعاد مقياس الصلابة النفسية بواسطة التجزئة النصفية كانت كالتالي: بعد الإلتزام (0.58) ، وبعد التحكم ( 0.83) ، وبعد التحدي (0.85). كذلك قام "عمارة" (2006) بتقدير الثبات الكلي لمقياس الصلابة النفسية  بطريقة ألفا كرونباخ  فكان مقدارها (0.82). والملاحظ أن الدراسات  المشار إليها  لم تختلف في نتائجها حول ثبات مقياس الصلابة النفسية عن النتائج  التي آل إليها البحث الحالي.

             
           
           
           
           
           
           
           
           
           
           

عرض  ومناقشة نتائج  التساؤل الثالث: ما مستوى الصلابة النفسية لدى الأمهات  العاملات بقطاع التعليم ؟ للإجابة على هذا التساؤل، قامت الباحثتان  بمقارنة  المتوسط  النظري  بالمتوسط الحسابي باستخدام اختبار "  ت "  لمجموعة واحدة، ذاك ما سيوضحه الجدول رقم (07) :


   نلاحظ من خلال الجدول أعلاه أن قيمة "ت" المحسوبة لمجموعة واحدة =(1.445)، ودالة عند مستوى (0.001) مما يدل على وجود فرق بين المتوسطين لصالح المتوسط الحسابي، الذي كانت قيمته (65.67) وهي أكبر من قيمة المتوسط النظري (52). بالتالي يمكننا القول أن الأمهات العاملات بقطاع التعليم لديهن مستوى مرتفع من الصلابة النفسية.

تفصح نتائج هذا التساؤل إذن، عن وجود مستوى مرتفع من الصلابة النفسية لدى الأمهات العاملات بقطاع التعليم، إذ كانت قيمة " ت "المحسوبة لمجموعة واحدة تفصح عن وجود فرق جوهري بين المتوسطين الحسابي والنظري. تتفق هذه النتيجة مع نتائج دراسة " كاديمي" " Qaddumi" (2011) ، حيث أشارت إلى أن المعلمين والمعلمات يتمتعون بمستوى مرتفع من الصلابة النفسية. كما تتفق كذلك مع دراسة" مكي و زميله " (2011) ، والتي كان من ضمن نتائجها تمتع المدرسين والمدرسات بالصلابة . كما تتفق النتيجة الحالية مع دراسة "النجار و زميله"(2012) حيث توصلوا إلى أن للأساتذة المحاضرين مستوى متوسط  من الصلابة النفسية.

       لعل بعض الخصائص المرتبطة بالعينة المدروسة في هذا البحث من شأنها أن تقدم تفسيرا مقبولاً لما آلت اليه هذه النتيجة، إذ للعمر دور هام في الصلابة النفسية ، حيث أن متوسط عمر عينة الدراسة الحالية يساوي (42) ، فقد أكد " جونزالس" على تطور الصلابة النفسية عبر فترات الحياة ، وربطها بتحقيق الأهداف المنشودة التي تؤدي للوصول إلى جودة  الحياة (محبوب، 2012 ، ص 13 ) . فكلما يكبر الفرد من المفروض أن يزداد خبرة وصلابة في الحياة ، لمروره بخبرات وضغوط في حياته تكسبه خبرة، وقدرة على مواجهتها في الحاضر والمستقبل بصورة أفضل، فالتجارب السابقة قد تمنحهم قدرة أكبر في مواجهة الضغوط ، ومعالجتها بصورة أكثر كفاءة. (حجازي وزميله ، 2010).

        ينبغي التذكير هنا بأن " ايركسون" "Erikson" افترض ثمان مراحل للنمو الإجتماعي ، والتي يمكن اعتبارها أساساً لبناء صلابة الشخصية  ، حيث تعتبر مرحلة "مبدأ تعلم  تكامل الأنا " مقابل العجز واليأس ، والتي تكون في عمر سنوات الرشد المتأخرة ، فعندما يتكامل الأنا بشكل سليم داخل الفرد يصل إلى درجة من الصلابة والتكيف ، ويشعر بالاستقلال. (مكي و زميله  ، 2011)

كما يمكن أن تكون هذه العينة منحدرة من بيئات أسرية اتسمت بالرعاية الوالدية ، إذ أشارت "هولهان وموس" "Holhan & Moos"(1985)أن البيئة الأسرية التي تتسم بالدفء تجعل الفرد أكثر صلابة ، وقدرة على التحدي. (بدر،  2001 ، ص 139)  . كما يرى "Amerikaner et al"(1994) أن للتواصل الجيد مع الوالدين، وتعزيز المشاركة من قبل الوالدين دور في  تحسين الصحة النفسية،  والصلابة لأعضاء العائلة. ( راضي، 2008 ، ص 55)

إن الصلابة النفسية تنبع أساسا من البحث  المتنامي ، والمستمر عن المعنى والهدف في الحياة  والتي أشار إليها الوجوديون  أمثال "فرانكل" ( حسان ، 2009) . كما  أن لعامل الدين أثر في زيادة مستوى الصلابة، فالدين الإسلامي مثلا يدعو الفرد للبحث عن معنى في حياته، فخلقه كان لأداء رسالة محددة، ولم يخلق في الحياة عبثا. كما أنه من باب المفاضلة أن ينظر للمؤمن القوي على أنه خير من المؤمن الضعيف. لقد توصلت "كوبازا ومادي، وكوهن"  "Maddi &Khoenkobasa ," إلى أن ذوي الصلابة النفسية المرتفعة ملتزمون بنظام ديني ، وقيمي يقيهم من الإصابة بالأمراض ، وأنهم يمارسون العادات الصحية كالرياضة، والنظام الغذائي ، كما أنهم يزدادون صلابة مع التقدم في العمر لأنها في حالة نمو مستمر .(الشواف : 2010 ، ص 83).

فضلاً عما سبق، فالمستوى التعليمي المرتفع للعينة من شأنه تفسير المستوى المرتفع للصلابة النفسية، فقدت أكدت دراسة " الشيراوي "(2012) أن المستوى التعليمي يؤثر في زيادة مستوى  الصلابة النفسية.  (الشيراوي: 2012). كما أن كل عينة البحث من المتزوجات، فلعل مساندة أزواجهن لهن تزيد من صلابتهن، فقد أشارت دراسة "هولهان وموس"  " Holahan & Moos" و"جانلين وبلاني"  "Ganellen & Blaney " ، و" مخيمر" ، ومادي و أخرون "alMaddi & " إلى أن المساندة الإجتماعية تقوي من الصلابة النفسية، وتزيد من الشعور بالقيمة والأهمية ، ومن القدرة على التحدي ومواجهة الضغوط. ( الشواف ، 2010 ،  ص 110)

في المقابل، فقد يكون كل من تناقص قيم التعاون و ندرة اقتسام المتاعب، ومخلفات الضغوط، ناهيك عن عوامل أخرى قد لا يتسع المجال لذكرها هنا ، بمثابة العوامل التي دفعت أفراد العينة ليتحدوا  مع ذواتهم ، ويعتمدوا على أنفسهم  في مجابهة ما يتلقونه.

مقترحات:

أخيرًا وعلى ضوء ما توصلت إليه نتائج الدراسة الحالية، يبقى المأمول هو مواصلة البحث عن أجرأة جديدة لمفهوم "الصلابة النفسية" وذلك بما يناسب أكثر العينات المدروسة، وفي إطار معطيات البيئة العربية.

ينبغي اقتراح أكثر من نموذج أو  بنية  عاملية لمفهوم "الصلابة النفسية"، مع سنّ مقارنة فيما بينها حتى يتسنّى الخروج بنموذج يتميز بمؤشرات مطابقة أفضل، سياقها البيئة العربية، مع الالتفات للنماذج الهرمية التي لم تنل حقها من اهتمام الباحثين عربا وأجانب.

من الجدير أيضا إعادة إجراء هذا البحث على عينات أخرى ومنحدرات جغرافية أخرى، مما قد يعين على تفحص   الصدق الخارجي للنتائج الحالية...

كما أنه من المستحسن إعادة إجراء هذا البحث على عينات بأحجام واسعة، ونطمح أن تستثير نتائج هذا البحث بحوثا أخرى. ولا ينبغي إغفال ضرورة اقتراح برامح ارشادية تنمي الجوانب الإيجابية للعاملات كالصلابة النفسية، حتى تدعم مقاومتهن للضغوط.

المراجع :

* أنطوان نعمة و أخرون (2000 ). المنجد في اللغة العربية المعاصرة ، بيروت: دار المشرق

* بدر، فائقة محمد .(2001) .علاقة الخبرات الإنفعالية المرتبطة بمواقف الغضب بالصلابة النفسية لدى المعلمات . مستقبل التربية العربية- مصر ، 13 (48): 123-158.

* بلوم محمد و حنصالي مريامة (2013) المقاربة النظرية لإحدى سمات الشخصية المناعية : الصلابة النفسية  ، مجلة علوم الإنسان و المجتمع . (8) ، 271-287.

* تيغزة ،أمحمد بوزيان.(2008). البنية المنطقية لمعامل ألفا كرونباخ – ومدى دقته قي تقدير الثبات في ضوء افتراضات نماذج القياس - ، مركز البحوث كلية التربية ، جامعة الملك سعود : الرياض ،1-53.

*تيغزة ، أمحمد بوزيان .(2012) . التحليل العاملي الإستكشافي والتوكيدي : مفاهيمهما و منهجيتهما بتوظيف حزمة spss وليزرل LISEL  . ط 1 ،  عمان :  دار المسيرة.

* تيغزة ، أمحمد بوزيان . (2011). اختبار صحة البنية العاملية للمتغيرات الكامنة في البحوث : منحى التحليل والتحقق ، بحث علمي محكَّم  ، مركز بحوث  كلية التربية ، جامعة الملك سعود.

الحجار، بشيرإبراهيمودخان، نبيلكامل (2006).الضغوطالنفسيةلدىطلبةالجامعةالاسلاميةوعلاقتهابالصلابةالنفسيةلديهم ،مجلةالجامعةالإسلامية( سلسلة الدراسات الإنسانية غزة- فلسطين)،14(02): 369-397.

* حجازي ، جولتان  و أبو غالي ، عطاف .(2010) . مشكلات المسنين (الشيخوخة) وعلاقتها بالصلابة النفسية : دراسة ميدانية على عينة من المسنين الفلسطنين في محافظات غزة . مجلة جامعة النجاح للأبحاث (العلوم الإنسانية)، 24 (1): 111- 155.

 * حسان، منال رضا (2009) الصلابة النفسية في علاقتها بقلق المستقبل لدى عينة من معلمات ماقبل المدرسة بمحافظة الغربية " دراسة ارتباطية ". مجلة كلية التربية ، ( 40)  ،182- 226.

* حسين ، طه عبد العظيم و حسين ، سلامة (1997) . استراتجيات ادارة الضغوط التربوية والنفسية ، الطبعة الأولى ، عمان : دار الفكر .

حنصالي مريامة .(2013 ). إدارة الضغوط النفسية وعلاقتها بسمتي الشخصية المناعية          ( الصلابة النفسية والتوكيدية) في ضوء الذكاء الإنفعالي : دراسة ميدانية على الأساتذة الجامعيين الممارسين لمهام إدارية . رسالة دكتوراه غير منشورة في علم النفس العيادي ، جامعة محمد خيضر،  بسكرة.

* راضي،زينب نوفلأحمد. (2008). الصلابة النفسية لدى أمهات شهداء انتفاضة الأقصى وعلاقتها ببعض المتغيرات . رسالة ماجيستير غير منشورة في الصحة النفسية ، الجامعة الإسلامية ، غزة.

*سامر، جميل رضوان.(2002). الصحة النفسية . ط1 . عمان : دار المسيرة.

* الشمري، محمد بن بحل منور.(2014) . الضغوط النفسية وعلاقتها باالصلابة النفسية لدى المصابين ببعض الأمراض السيكوسوماتية :دراسة تطبيقية على عينة اكلينيكية في مستشفى الملك خالد العام محافظة حفر الباطن . رسالة ماجيستير غير منشورة  في العلوم الإجتماعية والنفسية ، تخصص رعاية  وصحة نفسية ، الرياض.

* الشواف ،غادة علي حسين.(2010). الصلابة النفسية كمتغير معدل للعلاقة بين القدرات الإبداعية والضغوط النفسية لدى الفتيات المراهقات في المملكة العربية السعودية. رسالة  ماجيستير غير منشورة في التربية الخاصة ، جامعة الخليج العربي، البحرين .

*الشيخ، علي أحمد.(2014) .مستوياتالمنعةالنفسيةلدىخريجيدوررعايةالأيتاموعلاقتهابالتكيف الأكاديمي والتحصيلالدراسي . المجلةالأردنيةفيالعلومالتربوية،10 (4): 411-430.

* الشيراوي، أماني عبد الرحمان.(2012) .أسلوب مواجهة الأرملة  للضغوطات النفسية  اليومية وعلاقته بالصلابة النفسية  ، مجلة العلوم التربوية والنفسية ،13( 1): 12- 39.

*  شيلي ، تايلور(2008) . علم النفس الصحي ، ( ترجمة  بريك ، وسام درويش و طعمية ، فوزي شاكر) . عمان: دار حامد.

* الطاف ، مدحت عباس .(2010). الصلابة النفسية كمنبئ بخفض الضغوط النفسية و السلوك العدواني لدى معلمين المرحلة  الإبتدائية ، المجلة  العلمية لكلية التربية ، 26 (1):127-236.

* العبدلي،خالدبنمحمدبنعبد الله.(2012). الصلابةالنفسيةوعلاقتهابأساليبمواجهةالضغوطالنفسية لدىعينةمنطلابالمرحلةالثانوية المتفوقيندراسياوالعاديينبمدينةمكةالمكرمة . رسالة ماجيستير غير منشورةفيعلمالنفس، تخصصإرشادنفسي، جامعة أم القرى ، السعودية .

* العطوي ، حنان صالح حسن . ( 2014) .علاقة الصلابة النفسية  بالتفاؤل والأمل والشكاوي البدنية لدى عينة من المعلمين والمعلمات في المملكة العربية السعودية .رسالة ماجيستير غير منشورة  في الإرشاد النفسي والتربوية ، كلية الدراسات العليا ، الجامعة الأردنية .

*عمارة ، أحمد عبد الحميد علي . ( 2006). بناء مقياس الصلابة النفسية للرياضين .مجلة جامعة المنوفية للتربية البدنية والرياضية، (9)، 1- 24.

* قناع ، سماح محمود فايز (2013).  غياب الأب وعلاقته بالصلابة النفسية والقلق الإجتماعي لدى المراهقين . رسالة ماجيستيرغير منشورة في الإرشاد النفسي والتربوي ، الجامعة الأردنية .

*مجدي  ، محمود فهيم محمد.( 2008) . بناء مقياس للصلاية النفسية لمعلمي التربية الرياضية . مجلة البحوث التربوية والنفسية ، (2) ، 69 -111.

* محبوب ، حنان محمد أمين عبد الرزاق. ( 2012) . فعالية العلاج بالمعنى في تنمية الصلابة النفسية و الإحساس بجودة الحياة لدى عينة من المراهقات الكفيفات بمدينة مكة المكرمة . رسالة دكتوراه غير منشورة في الفلسفة ، تخصص صحة نفسية ، المملكة العربية السعودية.

* مخيمر،عمادمحمد. (1996) . إدراكالقبول / الرفضالوالديوعلاقتهبالصلابةالنفسيةلدىطلابالجامعة.مجلةدراساتنفسية-مصر ،6 (2): 275-299.

* معمرية بشير .(1994) . الفروق والعلاقات في مصدر الضبط و العصابية لدى طلاب الجامعة في ضوء بعض المتغيرات: الجنس، التخصص الدراسي، المستوى الدراسي. رسالة ماجيستير غير منشورة في علم النفس العام، جامعة وهران.

* معمرية بشير .(2009) . مصدر الضبط والصحة النفسية (سلسلة بحوث ودراسات متخصصة في علم النفس)، الطبعة الأولى  ،مصر : المكتبة العصرية.

* معمرية بشير (2012) معنى الحياة : مفهوم أساسي في علم النفس الايجابي . المجلة العربية للعلوم النفسية ، (34- 35) ، 86-104

* مكي، لطيف غازي و براء، محمد حسان (2011). صلابة الشخصية وعلاقتها بتقدير الذات لدى التدريسين في الجامعة ، مجلة البحوث التربوية والنفسية- العراق ،  (31) ،403-353.

* النجار، يحي محمود و الطلاع ،عبد الرؤوف أحمد.(2012). الصلابة النفسية وعلاقتها بالتوافق المهني لدى الأكاديمين العاملين في الجامعات الفلسطينية  في قطاع غزة . مجلة جامعة الخليل للبحوث ، 7 (01): 1-30.

* يوسفي حدة. ( 2012) . فاعلية برنامج ارشادي (معرفي – سلوكي) في تنمية بعض المتغيرات الواقية من الضغوط النفسية لدى طلبة الجامعة : دراسة شبه تجربية . رسالة دكتوراه غير منشورة في علم النفس ، جامعة باتنة .

*Allred, K. D., & Smith, T. W. (1989). The hardy personality: Cognitive and physiological responses to evaluative threat. Journal of Personality and Social Psychology, 56(2 ), 257-266.

*Chan, D.W.(2003)  .Hardiness and its role in the stress–burnout relationshipamong prospective Chinese teachers in Hong Kong  Teaching and Teacher Education ,19(4) ,381–395.

*Elliott, J. 1993. Locus of Control in Children with Emotional and Behavioural Difficulties: An Exploratory Study. Journal of Durham E-Theses. Durham University: Durham Theses.

*Jiménez ,B.M., Muñoz,A.R., Hernández,E.G., &   Blanco , M . B. (2014). Development and validation of the Occupational Hardiness Questionnaire. Psicothema , 26 (2),207-214

*Kalantar , J., Khedri ,L., Nikbakht , A., & Motvalian , M.. (2013). Effect of Psychological Hardiness Training on Mental Health of Students .International Journal of Academic Research in Business and Social Sciences, 3 (3) ,68-173

*Kardum, I., Hudek-Knezevic, J., & Krapic, N. (2012). The structure of hardiness, its measurement invariance across gender and relationships with personality traits and mental health outcomes. Psychological Topics, 21(3), 488-507.

* Kobasa, S. C. (1979a). Personality and resistance to illness. American Journal of Community Psychology, 7(4), 413-423.

Kobasa , S.C.,Maddi .S.R., Puccetti, M.c. (1982). personality and exercise as buffers in the stress- illness relationship .journalof behavioral medicine , 5 (4) , 391-404.

*Palyo, S. A. (2008) Resiliency in response to an analogue stressor: Exploring the relationship between hardiness and posttrauma reactions (Unpublished doctoral dissertation). Buffalo, New York: University at Buffalo, SUNY.

* Qaddumi, H. (2011). the influence of selected demographic variables on hardiness of EFL teachers in Palestine. Journal of Al-Quds Open University for Research and Studies, 25(1), 9-42.

الملاحق: