أثر تعليم الموسيقى في المدرسة على الصحة النفسية للطلبة وتحفيزهم على التعلّم
pdf

 

 

 

د. رامي نجيب حداد  )الأردن(

الخلاصة:

قامت الدراسة على مراجعة النظريات والآراء التي تناولت الأثر التربوي والنفسي  للتعليم الموسيقي داخل المدرسة في تحفيز التعلّم وتحسين نفسيّة الطالب، وذلك سعياً لإثبات نظرية مفادها أن للتعليم الموسيقى أثر إيجابي في تلك العمليات، إذ قام الباحث بمراجعة النظريات والآراء التي تتناول الموضوع من وجهة نظر علمية مثبتة من بالتجارب والخبرات.

وقد توصلت الدراسة إلى عدة نتائج كان من أهمها؛ أن لدى معلّم الموسيقى تأثيرا أكثر فاعلية في سلوك الطلبة بسبب اتصاله المباشر والقريب معهم عند تعليمهم العزف والغناء، وبسبب مخاطبته لعقلهم ووجدانهم وجسدهم في آن واحد، كما أن الموسيقى هي مصدر جاذب للطالب إلى المدرسة وتساعده على فهم وإدراك وحفظ المواد الدراسية الأخرى، وهي تعمل على تعويد الطالب على الحفظ والتذكر والتحليل ولها ارتباط بالقابليات الأخرى مثل القابلية اللغوية. ومن ناحية أخرى فإن للموسيقى أثر إيجابي على الصحّة النفسيّة مما يؤدي إلى زيادة في التحصيل الأكاديمي للطلبة وتحسين علاقات الطلبة بزملائهم ومعلّميهم، كما وتعمل على زيادة الإنتاج الإبداعي للطلبة.

الكلمات المفتاحية: صحة نفسية، تعليم موسيقي، تحفيز الإبداع، موسيقى.

Abstract:

The Impact of Music Teaching at Schools on the Students’ Mental Health Learning Motivations

Prof. Haddad, Rami

The study seeks to prove the theory which emphasizes the impact of music education in a stimulating learning and improves students’ mental health at schools, by the mean of reviewing the theories and hypotheses regarding the subject from a standpoint based on scientific experiences.

The most important results were; music teachers have more effective influence on students' behavior because of the direct and immediate contact with them, and because of they talk directly to students’ minds, feelings, and body at the same time. Music in the other hand is a source of attraction for the student to come to school and help them to understand other subjects by improving their ability to remember and analyze. On the other hand, music has a positive impact on mental health, leading to an increase in students’ academic achievement, strengthening their relationships with their colleagues and teachers, and also works to increase their creative outcomes.

key words:Mental health, music education, creativity stimulation, music.

مقدمة

يخدم النظام التربوي في أي بلد كان جميع مجالات المعرفة والتي تساهم في تطوير مستلزمات العيش وتقدم البشرية حضارياً، ولذلك فتطوّر النظام التربوي والبحث عن وسائل تخدم المتعلم، والمعلم، والعملية التعليمية بكاملها بالشكل الأمثل، هي من الأولويات التي يجب الوقوف عليها، وهذا يستوجب العمل على إيجاد الدوافع التي تؤول بالمتعلم إلى قبول واستيعاب المنهاج التربوي المستطرد في التطور والتحديث والتقدم المعرفي السريع، وعليه، تبرز الحاجة إلى امتلاك الوسائل التي تساعد قدر الإمكان في تسهيل الحصول على المعرفة وجعلها أمراً ممتعاً.

يراعىعند وضع أي منهج تربوي لأي مادة تعليمية تحقيق الأهداف التربوية بأبعادها الثلاث؛ العقلية، والوجدانية، والجسدية، وبالرجوع تاريخياً إلى نظريات التربية الإغريقية، فإن الحديث عن ارتباط تلك المكوّنات قد اتخذ منحى جاد وهام سيطر على الأساس التعليمي في بناء الفرد من ناحية العقل والجسد، والوجدان وأعطى اليونان المجال الواسع لنمو الشخصية الفردية في جميع جوانبها السياسية والخلقية والعلمية والفنية (ابو مغلي وآخرون، 2002: 63)، وقد نجد في خطاب افلاطون (427-348 ق. م) الذي وجهه إلى سقراط في كتاب "الجمهورية" مضموناً فحواه أن أفضل طريقة لبناء الإنسان هي التي تبنّاها أجدادهم في جعل تربية العقل مرهونة بتعليم الرياضيات والفيزياء وعلوم الفلك، وتربية الجسد مرهونة بتعليمهم الرياضة، وتربية الروح والوجدان مرهونة بتعليمهم الموسيقى والشعر وباقي الفنون (حلاوة، 2006 :40)،      ولقد اعتبر اليونانيون الموسيقى ضرورية للحفاظ على صحة العقل والجسد، وتعمل علىشفاء الأمراض الوظيفية والعضوية، وارتبطت الموسيقى عندهم بالنفس، وقد فصلوا بين المقامات وصنفوها بحسب درجاتها، فاعتبر بعضها قوياً يشحذ النفس بالقوّة والصلابة، وبعضها الآخر رخواً يفسد الخلق.

يندرج ضمن مفهوم التربية كل من مفهومي التعلّم والتعليم وقد وضع التربويون تعريفات عديدة لهما؛ فقد عرّف "جون جيلفورد" (1897 – 1987) (J. Guilford) التعلّم بأنه تغيّر حاصل على السلوك نتيجة استثارة منبهات (عبدالله، 2012: 201)، وعرّفه آرثر جيتس(1890 – 1972) (A. Gates) بأنه عملية اكتساب الوسائل المساعدة على إشباعالحاجات وتحقيق الأهداف وهو غالبا ما يأخذ أسلوب حل المشكلات، وتعرّفه البكري بأنه سلسلة مترابطة من المفاهيم والقوانين والإطارات النظرية التي تنشأ نتيجة للتجريب أو المشاهدة المنتظمة (البكري، 2013: 100).

أما التعليم، فيعرّفه أبو مغلي على أنه جهد منظم لمساعدة الفرد على التعلّم للوصول إلى الأهداف التربوية (أبو مغلي وآخرون، مرجع سابق: 223)، ويمكن تعريفه أيضاً على أنه استثارة لدافعية المتعلّم من أجل تعديل سلوكه.

ارتبط التعليم المدرسي في مفهومه التقليدي بوجود منهاج تم تعريفه على أنه مجموعة من المعلومات، والحقائق، والمفاهيم، والأفكار التي يدرسها الطلبة في صورة مواد دراسـية، اصطلح على تسميتها بالمقررات الدراسية والبرامج التعليمية، إلا أن التعليم بشكله الحديث تضمّن تعريفاً آخر للمنهاج على أنه مجموعة الخبرات التربوية، والاجتماعية، والثقافية، والرياضية، والفنية، والعلمية، التي تخططها المدرسة وتهيئها لطلبتها ليقوموا بتعلمها داخل المدرسة أو خارجها بهدف إكسابهم أنماطا من السلوك، أو تعديل أو تغيير أنماط أخرى من السلوك نحو الاتجاه المرغوب، ومن خلال ممارستهم لجميع الأنشطة اللازمة والمصاحبة لتعلم تلك الخبرات لتساعدهم على إتمام نموهم (الخليفة، 2010: 18)

من خلال التعريف السابق، يمكن الجزم بأن التعليم الموسيقي يدخل ضمن منهاج التربية والتعليم وليس كما يراه البعض على أنه نشاط لا منهجي، وقد تم إدراج تعليم الموسيقى في العديد من البلدان العربية على شكل حصص صفية، ويتم تدريس تلك الحصص ضمن مراحل رياض الأطفال وفي المراحل الأساسية الدنيا والعليا، كما يدخل ضمن المرحلة الثانوية في بعض البلدان، فما الهدف من وجود تدريس الموسيقى؟ وهل هناك جدوى من تعليم الموسيقى من ناحية نفسية وعقلية كما هو متعارف عليه؟ هذا ما سوف تحاول هذه الدراسة الإجابة عليه.

  تسعى معظم الدول، وخصوصاً المتقدمة منها، ومنذ عقودٍ سلفت إلى إدراج تعليم الموسيقى ضمن برامجها الدراسية، وحتى أن بعض الدول مثل كوريا الجنوبية وصلت إلى حد وضع شرط لقبول الطالب الكوري في أي تخصص في الجامعة إلى أن يكون قادراً على العزف على آلة موسيقية، وهذا يدل على مدى اهتمام مثل هذه الدولة المتقدمة في التعليم الموسيقي.

وكما أن لكل مادة تعليمية أهدافاً خاصة وأخرى عامة يتم تحديدها مسبقا ومن ثم يتم وضع منهاج خاص بها يعمل على تحقيق على تلك الأهداف، فإن لمادة الموسيقى أيضاً أهدافها الخاصة والعامة (شورى، د.ت:24) والتي تتفق مع الأهداف العامة للتعليم، وقد تعددت الدراسات والآراء التي صاغت أهداف التعليم الموسيقي المدرسي، إلا أن الباحث هنا يطرح تصورا شاملاً لتلك الآراء والتي يرى أنها تتضمن العديد من النقاط وتشتمل معظم آراء التربويين (Mark, 2013: 102 - 104) و (Greata, 2006: 3-8):

أولا- الأهداف العامة للتربية الموسيقية: تعمل التربية الموسيقية داخل المدرسة بشكل عام على تحقيق الأهداف التالية:

$11-تكون الموسيقى مصدرا جاذباً للطالب إلى المدرسة، فعند ذهابه إلى مدرسته مع علمه بوجود حصة موسيقى، يفكر الطالب في أن تغييرا في الروتين سيطرأ اليوم في حصصه، إلا أن ذلك يتطلب من المعلم أن يكون قادراً على كسر روتين الحصة التقليدية، فحصة الموسيقى يجب أن تتميز عن باقي الحصص بأسلوب التعليم واستخدام الأنشطة والمشاركة الجماعية بالعزف والغناء، واستنتاج المعلومة، وما إلى ذلك، كما يجب إخراج الطلبة من غرفة الصف إلى مكان آخر كلما كان ذلك ممكناً.

$12-   تساعد الموسيقى في فهم وإدراك المواد الدراسية الأخرى، وعلى معلم الموسيقى أن يسعى جاهداً إلى ربط مادته بالمواد الأخرى لسببين؛

$1-   الأول هو في جعل تعلّم بعض الأمور ممتعاً مثل شرح مفهومي السرعة والبطء، والقوّة والضعف، وغناء بعض قصائد اللغة العربية والإنجليزية وأية لغة أخرى يتم تدريسها، واستخدام الموسيقى في تعلّم جدول الضرب وما إلى ذلك.

$1-   والسبب الثاني هو في توسعة مدارك الطالب وزيادة ثقته بمعلم الموسيقى الذي يعرف معلومات أخرى غير الموسيقى، فعند شرح درس عن موتزارت على سبيل المثال، فعلى المعلم أن يدرج في شرحه استخدام خارطة العالم الجغرافية، والإشارة إلى القارة التي تقع فيها النمسا، وتمييز علم النمسا ومكانها في القارة الأوروبية، وربما العملة المستخدمة، وهذا يكون عبارة عن مدخل للحديث عن موتزارت الموسيقي.

$13-تعمل على تنمية الوعي الاجتماعي والقومي والديني من خلال الأنشطة الموسيقية المتنوعة، وذلك من خال الأغاني والأناشيد من المواضيع ذات الصلة بالمناسبات الاجتماعية والدينية والثقافية المتنوعة، والتي تعطى للطالب مع التوضيح والشرح.

$14-  تعمل الموسيقى على خلق روح التعاون والتكامل، وتنمي الشعور بقيمة العمل الجماعي وأهمية الجماعة للفرد والفرد للجماعة، وذلك من خلال فرق الغناء والعزف الجماعي والأنشطة والمسابقات.

$15-  تحقيق التواصل العالمي من خلال تذوق الطلبة لموسيقى الشعوب والحضارات الأخرى.

$16-  العمل على تعويد الطلبة على الانضباط واحترام الدور في الكلام من خلال انضباطهم في العزف والغناء وانتظار دورهم في الأداء

$17-  تعويد الطالب على الحفظ والتذكر والتحليل، من خلال توسعة نشاط العمليات العقلية المرتبطة بتلك المهارات.

$18-  تنمية القدرة على التعبير وعن المشاعر والأحاسيس المختلفة، من خلال حصص الإيقاع الحركي والتذوق.

ثانيا- الأهداف الخاصة للتربية الموسيقية:  تعمل التربية الموسيقية داخل المدرسة بشكل خاص على تحقيق الأهداف التالية:

$11-  تقدير الموسيقى بشكل خاص، والتعريف بقيمها الجمالية.

$12-  إدراك العناصر الموسيقية والارتقاء بالذوق والاستماع الموسيقي.

$13-  اكتشاف ذوي الاستعدادات والمواهب الموسيقية لرعايتها وتوجيهها.

$14-التعريف بتاريخ الموسيقى، ونظرياتها، والشخصيات الموسيقية، وأنواع الموسيقى المختلفة، والآلات الموسيقية، والقوالب الآلية والغنائية، وما إلى ذلك.

يعد الغناء من الأنشطة الموسيقية المحببة للطفل، ووسيلة تعليمية تهدف إلى إعلاء ثقافة الطفل عن طريق نقل المعلومات القيمة من خلال كلمات الأغنية مع بث الأسس التربوية في الطفل وغرس عادات سليمة مع تربية ذوقه الفنيّ، وتستطيع الأغنية أن تجذب الطفل وتجعله ينتقل إلى عالم محبب إلى قلبه وإحساسه، بل إنها تلعب دوراً هاماً في تنميته في كافة الجوانب الجسمية والعقلية  والوجدانية والمعرفية  والاجتماعية،  لذلك فإن أغنية الطفل يجب أن تتضمن الأهداف التي تساعد على تنمية هذه الجوانب، كما يساعد الغناء الطفل في تعلّم التنفس الصحيح وطريقة إخراج الصوت وعن طريقها يمكن للمعلم إيصال الكثير من المعلومات للطفل (صادق و صبري، 1978، ص 72).

مع نمو الطفل وبدء طرائق اللعب، يقوم بأداء حركات السير، الجري، والقفز، والتي يمكن أن تتحدد جميعها في ألعاب موسيقية Kate, 1999, P 39)هذا بالإضافة إلى الألعاب الموسيقية التي تساعد الطفل في التعرف إلى الاتجاهات، والأماكن مثل (فوق، تحت، بجانب) وتقوم بتحريك دوافعه للتعلم بشكل أسرع وبعيداً عن التعقيد، فالألعاب الموسيقية تبسط لديه الامور من ناحية، وتجعله يشعر بمتعة التعلم من ناحية أخرى، فتزيد من دافعيته لتعلم شيء جديد دون أن يشعر بذلك.

علاقة الموسيقى بالذكاء: جهد العديد من الباحثين إلى تطوير نظريات لتحديد علاقة الموسيقى بالذكاء عند الإنسان،   ولعل أبرزهم كان عالم النفسالأمريكي هاورد غاردنر(Howard Gardner)في نظريته التي تتحدث عن أنواع الذكاء الإنساني والمعروفة بنظرية "الذكاءات المتعددة" Multiple) Intelligencesحيث دعى في نظريته إلى وجوب إدراك وتغذية أنواع الذكاء الإنساني المختلفة، بهدف الحصول على فرصة أفضل للتعامل بشكل مناسب مع العديد من المشاكل التي يواجهها العالم (Armstrong, 2009: 5).

لقد طوّر غاردنر أول اختبارات الذكاء، وتحدث عالم النفس في جامعة "هارفارد" (Harvard) في كتابه أطر العقل (Frames of Mind) عن وجود سبعة أنواع رئيسية من الذكاء على الأقل (Gardner, 1993: 77)،ثم أضاف ذكاء ثامنا وناقش احتمالية نوع تاسع، وكانت تلك الأنواع هي:

$11.   الذكاء اللفظي - اللغوي  Verbal – Linguistic Intelligence

$12.   الذكاء المنطقي – الرياضي  Mathematical – Logical Intelligence

$13.    الذكاء الاجتماعي Interpersonal Intelligence

$14.   الذكاء الشخصي (معرفة الفرد لقدراته)  Intrapersonal Intelligence

$15.   الذكاء الجسمي – الحركي IntelligenceBodily – Kinesthetic

$16.   الذكاء الموسيقي  IntelligenceMusical

$17.   الذكاء المكاني IntelligenceSpatial

$18.   الذكاء الطبيعي  Naturalist Intelligence

  من هنا، يبدو جلياً أن للموسيقى تحديدا، ومن بين باقي الفنون، ميزة خاصة جعلت غاردنر يصنفها ضمن أنواع الذكاء الإنساني، أي أن الشخص الذي يتميز بقدرات موسيقية خاصة لديه ذكاء من نوع خاص، فكيف يؤثر الذكاء الموسيقى على التعلّم، وما علاقتها بالقدرات العقلية الأخرى؟  

طرحت العديد من الدراسات هذا الموضوع، ولعل أبرز من أجاب عليه هو إدوين غوردون (Edwin Gordon) وهو عازف، ومدرس، وكاتب، ومحرر، ومؤلف موسيقي وباحث في التربية الموسيقية من مواليد عام (1927) في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تحدث في نظريته عن الذكاء الموسيقي "ومبدأ نوافذ الفرص" (Windows of opportunities)، فعقل الإنسان يبدأ بالنمو والتطوّر بعد بداية تمايز خلايا الدماغ وتشكّلها، ومع ازدياد حجم الدماغ تزداد الألياف العصبية (Dendrites) التي تنقل المعلومات للخلايا، والتشابكات العصبية (Synapses وحزم الألياف (Fiber Bundles والنخاع أو "المايلين" (Myelinوبالتالي، تفتح نوافذ معينة وتبعاً لكل مرحلة لمجموعة من القابليات، إذ يصبح الدماغ مستعداً لتلقي مجموعة أكبر من المستقبلات الحسية (Hodges. 2007 : 51).

مع نمو وتطوّر الدماغ والجسد معاً يتعلّم الأطفال العديد من المهارات مثل الكلام، والمسير، والجلوس، والتحكّم بعضلات الجسم، وغيرها، وتتطلّب كل مهارة مرحلة عمرية معيّنه يمكن للطفل البدء مع دخولها تعلّم تلك المهارة، وعلى الآباء والمربين استغلال تلك المرحلة العمريّة المناسبة للمهارة للقيام بتدريب الطفل وتعليمه، إذ تكون قابليّته لتعلّم تلك المهارة حينها في أفضل أحوالها، وتلك الفترة أو المرحلة العمريّة هي ما يعرف بمرحلة نوافذ الفرص (Windows of opportunity)، فعند انفتاح إحدى تلك النوافذ يستعد دماغ الطفل بشكل كبير لتعلّم المهارات المرتبطة بها وتتشكّل لديه قدرة فائقة على تنفيذها، ويشكّل التوقيت هنا عامل هاماً جداً (Herr, 2008 : 74-75).

أشار غاردنر إلى أن استغلال نوافذ الفرص لزيادة القابلية الموسيقية لا يقتصر على تحفيز تلك القابلية فقط، بل تتعداها لتعمل على زيادة القابلية في مهارات وعمليات عقليّة أخرى تتقاطع مع القابلية الموسيقية في اشتراكها بالمنطقة ذاتها في الدماغ البشري والتي تكون مسؤولة عن تلك العمليات، وبمعنى آخر، فإن المنطقة المسؤولة عن القابلية الموسيقية في الدماغ تكون مسؤولة عن قابليات أخرى منها على سبيل المثال الطلاقة اللغوية، وحيث يتم تحفيز القابليّة الموسيقية تبدأ الطلاقة اللغوية بالتطوّر والزيادة نتيجة النشاط الدماغي الذي يحصل في تلك المنطقة من الدماغ والمشتركة لكلتا القابليّتين، ومن الأنشطة العقليّة الأخرى التي يتم تحفيزها عند تحفيز القابلية الموسيقية هي قدرة الإنسان البصرية والتي تتشارك أيضاً مع القابليّة الموسيقية في المنطقة ذاتها من الدماغ والتي تنشط بازدياد النشاط الدماغي للمنطقة بالكامل (Greata, ibid : 32).

يعزو غوردون تطوّر القابليّة اللغويّة مع القابليّة الموسيقيّة بشكل متوازٍ إلى أن تعلّم الإنسان لكل من اللّغة والموسيقى يعتمد على عمليّة الاستماع والمراقبة، وفي نهاية المطاف يقوم الطفل باستخدام اللغة للتواصل وللغناء، وأثناء الغناء يقوم الطفل بالتفكير بكيفيّة استخدام المفردات التي تعلّمها وهو يعي أهميّة تناسقها وضرورة قدرته على قراءتها، ولذلك يتعلّم القراءة والكتابة، ولكن المشكلة بحسب غوردون أن بيئة الطفل اللغويّة أغنى بكثير من بيئته الموسيقيّة، فالأهل والأقارب والأصدقاء يستخدمون الكلام أكثر من الغناء (Taggart, 2011).    

خلال العقود الأخيرة أجريت العديد من البحوث لدراسة تأثير الموسيقا على النشاط العقلي، وقد كانت النتائج مذهلة، ففي دراسة قام بها دون كامبل (D. Campbell) لقياس أثر موسيقا موتزارت (W.A. Mozart)وجد باستخدامه معيار السات (SAT scores) أن الاطفال الذين يتم إسماعهم وتعليمهم موسيقا موتزارت أبدوا تطوراً في قدرتهم على التواصل الاجتماعي، والوعي العاطفي، وفهماً أفضل للعالم الفيزيائي من حولهم، بالإضافة إلى تخفيض التوتر العاطفي، وتحفيز الحركة، والقدرة اللغوية والتعبير اللفظي، والتفكير الرياضي، والذاكرة، وتحفيز الشعور القوي بهويته الشخصية (Campbell, 2002 : 8-9).

أثناء دراساتهما لاستجابات الأطفال في سن سبعة – تسعة أعوام توصّل كل من فلور وميلر (Flohr & Miller) وخلال التجارب التي أجرياها على عيّنات من الأطفال تم تعليمهم الموسيقا في سن ثلاث – خمسة أعوام، أظهرت أن هؤلاء الأطفال لديهم استجابات أفضل للغة العروضية والتعبيرية من الأطفال الذين لم يتلقوا تعليماً موسيقياً، وتلك الاختلافات في الأداء جاءت متوازية مع تغيرات في نشاط الدماغ الكهربائي (Electrophysiological Brain Responses) الذي يظهر مدى النشاط الكهربائي للدماغ عند قيامه بأي عملية عقلية (Hodges, ibid : 59).

أشارت دراسات متأخرة بشكل واضح بأن التدريب الموسيقي يطور فيزيائيا الجزء الأيسر من الدماغ المعروف بأنه يعالج العمليات اللغوية، والذي من الممكن فعلا أن يصل دوائر الدماغ بطرق معينة، عوضاً عن الفوائد اجتماعية والجسدية التي ترافق نشاط الغناء والعزف، ويقول الدكتور "كايل بروت" ( (Kyle Pruett، الأستاذ في علم النفس السريري للأطفال في مدرسة "ييل للطب" (Yale School of Medicine)، كما أنه موسيقي ممارس؛ إن التطور اللغوي عند الطفل مع الوقت يميل الى تحفيز أجزاء من الدماغ التي تساعد في العمليات الموسيقية" كما يذهب للقول بأن الخبرة الموسيقية تقوي قدرة الكفاءة اللفظية للطفل (Brown, 2016وقد أجريت دراسة من قبل "إ. جلين شيللنبيرغ" (E. Glenn Schellenberg) في جامعة تورونتو (University of Toronto) وتم نشر الدراسة في مجلة علم النفس (Psychological Science) الكندية عام (2004) بينت وجود زيادة في درجة الذكاء لأطفال في السادسة من العمر حيث تم إعطاؤهم دروس أسبوعية في الغناء والبيانو، وقد أثبت "سشيلينبرج" أنه خلال (9-12)  شهر من دروس البيانو والغناء لأطفال في عمر ست (6) سنوات، وبعد إجراء اختبارات ذكاء لمجموعتين من الأطفال، فقد تبين أن درجة الذكاء للأطفال الذين تم إعطاؤهم دروس موسيقى خلال العام الدراسي حققوا معدل زيادة بثلاثة درجات عن المجموعة الأخرى (Brown, 2016).

في دراسة أدارها كل من "إيلين وينر" (Ellen Winner)أستاذ في علم النفس في جامعة بوستون (Boston College) و جوتيفرد شلاوج (Gottfried Schlaug) أستاذ علم الأعصاب في كلية هارفارد الطبية (Harvard Medical Schoolلاحظ الباحثان تغير في صور الدماغ للأطفال الذين تم إعطاؤهم دروس موسيقى على شكل أسبوعي ولمدة خمسة عشرة شهرا، ولوحظ في عينة الدراسة زيادة في تمييز الأصوات ودقة في الحركات الدقيقة، وبينت الصور الدماغية تغير في الشبكة في الدماغ متلازمة مع هذه القدرات، حسب مؤسسة دانا (Dana Foundationوهي منظمة خيرية خاصة تقوم بدعم أبحاث الدماغ (Brown, 2016).

أثر تعليم الموسيقى على صحة الطالب النفسية        : لصحة النفسية العديد من التعريفات، فقد تم تعريفها على أنها القدرة على العطاء والحب دون انتظار لمقابل، وتُفسر على أنها التوازن بين الغرائز، والرغبات الخاصة، والذات، والضمير، كما تم تعريفها على أنها القدرة على التأرجح بين الشك واليقين (عكاشة، 2008 : 124، 132).

ومن تعريفات الصحة النفسية ما وضعته منظمة الصحة العالميّة (WHO)، إذ عرّفتها بأنها "ليست مجرّد غياب الاضطرابات النفسية، بل هي حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة والتكيّف مع حالات التوتّر العادية والعمل بشكل منتج ومفيد والإسهام في مجتمعه المحلي"[1]، وتعني أيضاً أن يكون الفرد في حالة تسمح له أن يدرك من خلالها قدراته ويستطيع أن يتكيف مع الضغوطات الطبيعية في الحياة وأن يعمل بشكل منتج ومثمر، كما ويكون قادراً من خلالها على المساهمة في مجتمعه.

ليس من السهل تحديد فيما إذا كان الشخص يتمتع بالصحة النفسية أم لا، لأن الموضوع في مجمله نسبي، فاعتبار الشخص طبيعي أو غير طبيعي ضمن مفهوم الصحة النفسيّة أمر يخضع لمعايير متعددة، إلا أن هناك بعض الصفات المألوفة والتي بواسطتها يمكن الاستدلال إلى حد كبير على مدى تحقيق صحة الفرد النفسية، وهذه المعايير يمكن إجمالها فيما يلي (Baltus, 1997 : 209):

·      تقبّل الشخص لذاته؛ أن يكون لدى الشخص اتجاه إيجابي لواقعه الحقيقي.

·      يمكن للشخص التعايش مع ظروفه الحالية.

·      قادر على تلبية رغباته الكليّة بشكل مقبول.

·      يمكنه حل مشاكله واتخاذ قراراته بشكل فعّال.

·      يمكنه فهم قلق الآخرين ومخاوفهم.

·      قادر على إبراز مشاعره بشكل مقبول وبطريقة بناءة.

·      لديه مسؤوليّة تجله الآخرين.

·      راضٍ بشكا أساسي، لكنّه متحمّس ليصبح لتحقيق ذاته.

للموسيقى تأثير نفسي على الطفل تجعل منه شخصاً هادئ ومستمع جيّد، ففي كتابها "العمل مع الأطفال" تقول جودي هير (Herr, J.) إن للموسيقى القدرة على تنمية إحساس الطفل في اتصاله مع الآخرين، كما أنها تتيح له الفرصة ليتعلم مهارات لغوية وحسابية وتزوده بشعور داخلي سار أثناء لعبه، وأكله، ونومه، وتكسبه القدرة على التعبير عن ذاته والتفاعل مع مشاعر الآخرين، فالأطفال عندما يستمعون للموسيقى وعندما يُغنّون إنما يتعلمون كلمات جديدة وأصوات جديدة، كما تساعد الإيقاعات الموسيقية على النمو الجسمي السليم للطفل ((Herr, ibid : 385-386، وإلى جانب ذلك يضيف أستاذ التربية الموسيقيّة ومدير معهد الأبحاث الموسيقيّة في جامعة شمال كارولاينا في غرينزبورو (University of north Carolina in Greensboro) البروفيسور "دونالد هادجز" (D. Hodges) قائلاً؛ لا شيء يقوم بتحفيز عدد كبير من مناطق الدماغ كالموسيقا، كما إن الموسيقى تضيف بعد هام للجانب الجمالي والعاطفي لكل الأطفال بغض النظر عن قدراتهم الجسديّة والعقليّة (Boyer & Rozmajzl, 2012: 9).

لقد استخدم كل من ميتشل وزانكر)Mitchel & Zanker(الموسيقى كأسلوب في العلاج النفسي ووجدا لها قيمة كبيرة في الأمور التالية (عيسوي،1984. ص 258):

1.   تقوية العلاقات الشخصية الداخلية.

2.   إطلاق الانفعالات.

3.   المساعدة على خلق التكامل في الشخصية.

وقد وجدت العديد من الدراسات بأن الموسيقى تعمل كمساعد في تفريغ الشحنات الانفعالية وازالة التوتر، حيث يستمع المريض الى قطع موسيقية أو يقوم بعزف الموسيقى ويقوم المعالج بدوره بتسجيل ردود الأفعال الناتجة وتفسير المريض لكل مقطوعة، كما ويمكن ان يضاف الغناء الى الموسيقى في عملية المعالجة (عيسوي،مرجع سابق. ص 259).

ملخص نتائج الدراسة:

يؤثر معلم الموسيقى في طلبته وسلوكياتهم أكثر من غيره من المعلمين، والسبب في ذلك هو اتصاله المباشر والقريب معهم عند تعليمهم العزف والغناء، فهو يخاطب عقلهم وجسدهم ووجدانهم في آن واحد ويتفاعل معهم فيحقق هدف المعرفة بالاتصال اللغوي، ويحقق الهدف الحركي بالاتصال الأدائي في العزف والذي يجب أن يتوافق فيه كل من يحضر للعزف أو الغناء خصوصاً عند ممارسة الغناء والعزف الجماعي، أما الهدف الوجداني فيتحقق بدخول الألحان الموسيقية إلى أعماق النفس مخاطبةً اللاشعور، وفي المحصلة، فإن للموسيقى تأثيراً مزدوجاً على طالب المدرسة يتلخص فيما يلي:

أولاً – فيما يتعلق بتأثير الموسيقى على التعلّم

1-  تعتبر الموسيقى مصدرا جاذباً للطالب إلى المدرسة وتساعد الموسيقى في فهم وإدراك وحفظ المواد الدراسية الأخرى.

2-  تعمل الموسيقى على تعويد الطالب على الحفظ والتذكر والتحليل.

3-  للقابلية الموسيقية ارتباط بالقابليات الأخرى مثل القابلية اللغوية.

ثانياً - فيما يتعلق بأثر الموسيقى على الصحة النفسية للطالب

$11-للموسيقى أثر إيجابي على الصحّة النفسيّة مما يؤدي إلى زيادة في التحصيل الأكاديمي للطلبة كما أن لها أثر في علاقات الطلبة بزملائهم ومعلّميهم.

$12-  للموسيقى أثر إيجابي على الصحّة النفسيّة مما يؤدي إلى زيادة الإنتاج الإبداعي للطلبة بشكل كبير.

المصادر والمراجع :

أولاً: العربية

-      أبو مغلي، سميح، وآخرون (2002). المدخل إلى لتربية والتعليم، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، 236.

-      البكري، أمل (2013). علم النفس المدرسي، دار المعتز للنشر والتوزيع، ط1، عمان – الأردن، 266.

-      حلاوة، عزيز (2006). تاريخ الموسيقى – من أصول الموسيقى حتى عصر النهضة، الكتاب الأول، معهد مانيفيكات لتعليم الموسيقى، القدس - فلسطين، 223.

-      الخليفة، حسن جعفر (2010). المنهج المدرسيّ المعاصر، مكتبة الرشد، ط3 الرياض – السعودية، 305.

-      شورى، نبيل (د.ت.) دليل معلم الموسيقى في التربية والتذوق، منشورات كلية التربية الموسيقية – جامعة حلوان، القاهرة – مصر، الصفحات من 2425.

-      صادق، آمال و صبري، عائشة (1978) تعليم الأناشيد والفنون المدرسية، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة – مصر، 248.

-      عبدالله، رويدا (2012). علم النفس التربوي – نحو رؤية معاصرة، دار البداية ناشرون وموزعون، ط1، عمان – الأردن، 341.

-      عكاشة، أحمد (2008) الرضا النفسي - الباب الملكي للصحة والسعادة، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة – جمهورية مصر العربية، 152.

-      عيسوي، عبد الرحمن (1984) العلاج النفسي، دار النهضة العربية، بيروت - لبنان.

ثانياً – الأجنبية

$1-    Armstrong, T. (2009), Multiple Intelligences in the Classroom, 3rd Edition, Association for Supervision & Curriculum Development.

$1-    Baluts, K. R. (1997) Personal psychology for life and work, 4th Edition, Glencoe/McGraw-Hill, USA, 442.

$1-    Boyer & Rozmajzl, (2012), Music fundamentals, methods, and materials for elementary classroom teacher, fifth edition, Pearson education, Inc. publishing as Allyn and Bacon, USA, 398.

$1-    Campbell, D. (2002) The Mozart effect for children – awaking your child’s mind, health, and creativity with music, Quill- An imprint of Harper Collins Publishers, USA, 272.

$1-    Gardner, H.(1993), Frames of Mind: The Theory of Multiple Intelligences. USA: Basic Books Inc. A Member of The Pursues Books Group, New York.

$1-    Greata, J. (2006) An Introduction Music in Early Childhood Education, Thomson Delmar learning. USA, 270.

$1-    Herr, Judy Ed. D. (2008) Working With Young Children. The Goodheart- Wilcox Company, Inc. 6th Edition Illinois USA, 733.

$1-    Hodges, D. A. (2007) The musical brain. The child as a musician – a handbook for musical development, edited by; Gary McPherson, Oxford University press, London. P.p. 51 – 68.

$1-    Kate, E. Gefeller (1999) Music: A Human Phenomenon and Therapeutic Tool – (Introduction to Music Therapy – theory and practice), McGraw – Hill College – Second edition – Boston U.S.A.

$1-    Mark, M. (2013) Music education – 4th edition, Routledge publications, U.S.A, 330.

ثالثاً – مراجع شبكة الانترنت

$1-    Brown, L. (2016). Citing Website. In http://www.pbs.org/. Retrieved January 02, 2016 from -http://www.pbs.org/parents/education/music-arts/the-benefits-of-music-education/

$1-    Taggart & others. (2011). Citing Website. In http://users.rider.edu/~vrme/. Retrieved January 02, 2015 from -http://www-usr.rider.edu/~vrme/v17n1/visions/article2.



[1]التعريف مأخوذ من موقع منظمة الصحة العالميّة http://www.who.int/topics/mental_health/ar/