الشيخوخة بين التدهور الجسدي والانهيار المعنوي
pdf

دور الأسرة والمجتمع في حماية الشيخ

Old age between physical deterioration and mental degradation

The role of family and society in protecting the elder

زقار رضوان

المركز الجامعي تمنراست (الجزائر)

ملخص:

الشيخوخة مرحلة نمائية طبيعية تحدث فيها تغيرات كثيرة. وإن كانت هذه المرحلة غالبا ما تترافق مع حالة من الوهن والضعف على مستوى مختلف الوظائف الجسدية والحسية والعقلية، فهي ليست مرضا، ويستطيع الشيخ أن يعيشها في أمن وسكينة في حدود قدراته وإمكانياته. لكن، عندما يتعرض المسار الطبيعي للشيخوخة إلى أمراض جسدية أو/ والنفسية، فإن ذلك يعقد حياة الشيخ، ويؤدي إلى صعوبات تكيفية، ويؤثر سلبا على الحياة اليومية للشيخ، ويقلل تدريجيا من مستوى الاستقلالية لدية.

من خلال تقديم حالة أيوب، يحاول الكاتب أن يبين أن سياق الشيخوخة الذي تصاحبه أمراض عضوية ونفسية يفرض ضغوطا متزايدة على حياة الأسرة، التي يفترض بأفرادها أن يتقبلوا خصوصيات هذه المرحلة، ويظهرون تفهما للمشكلات العضوية والنفسية التي يمكن أن ترافقها. كما أن تكفل الأسرة والمجتمع بدورهما هو أمر أساسي في مساعدة الشيخ على التكيف مع مشكلاته.

الكلمات المفتاحية: الشيخوخة، الشيخ، الأسرة، المشكلات العضوية والنفسية. 

Abstract:

Old age is a developmental and natural process  which contains different changes. Although it is accompanied by a state of weackness on many levels, but it is not a disease, and the elder can live this period in security and hope, in the limits of his abilities. When the process of old age is exposed to a physical or/and psychological problems, this may complicate the life of the  individual, and leads to maladjustment, through alleviating his independance, and affects negatively elder’s daily life.

Througth the case of Ayoub, we tray to show that, when  the process of old age is accompanied by physical and psychological illness, it subjects family life to increased amounts of stress, while it must deal to the specificities of this period and to be comprehensive to elder’s impairment. The role of both family and sociaty remain crutial in helping the elder to adapt to his difficulties.

Password: old age, elder, family, physical and psychological problems.

مقدمة:

الشيخوخة مرحلة نمائية يصل إليها الإنسان بعد أن يدخل في العقد السادس من حياته، وهي فترة تتميز بجملة من التغيرات الفزيولوجية والنفسية والاجتماعية، وتؤثر بصورة مباشرة على وتيرة ونوعية الحياة اليومية للشيخ والأسرة التي يعيش فيها. بسبب التقدم في السن، تضعف قوة الحواس، مما يجعل الشيخ لا يساير مجريات الحياة اليومية مثلما كان في السابق، كما أن بداية سيطرة العجز على الأطراف يجعل الحركة تتقلص لديه تدريجيا، فيؤثر هذا على علاقاته وصداقاته ومشاغله، وفي إدراكه لذاته. وهكذا يفرض مسار الشيخوخة على الإنسان نمط حياة جديد، ليس دائما من السهل التكيف معه، بالنسبة للشيخ أو الأسرة التي يعيش فيها.   

الشيخوخة مرحلة ممتدة عند البعض، قد تضم ثلثي حياته السابقة، مما يجعل خصوصياتها تختلف من فترة لأخرى. فشيخ الستينيات يختلف عن شيخ السبعينيات، الذي يختلف بدوره في درجة تبعيته، عن شيخ الثمانينيات فما فوق. فقدان الاستقلالية لدى الشيخ في جانب يختلف عن فقدانها في جوانب متعددة من حياته، وهذا ما يفرض شروطا أكثر على البيئة التي يعيش فيها الشيخ. ولا يصل كل إنسان إلى مرحلة الشيخوخة دائما في مسار حياته، لأن الموت قد يباغت الإنسان في كل لحظة. وعندما يشيخ الانسان يكون في الغالب قد فقد العديد من محبيه وأقاربه، وحتى أبناءه في بعض الأحيان. وإلى جانب أن ذلك قد ينشط حالات الحداد المعقد والمرضي في بعض الحالات، فإن الشيخ يجد نفسه وجها لوجه مع الموت، فيدرك حينها أن فناءه الشخصي يقترب يوما بعد يوم.

الإهتمام بشريحة الشيوخ يدخل في إطار الانشغال العام بالسكان، خصوصا وأن عدد الشيوخ يتزايد باستمرار في مجتمعنا، فقد تضاعف عدد الشيوخ في الجزائر ثلاث مرات، حيث انتقل بين سنوات 1966 و 2008 على التوالي من 819000، إلى 2540000 نسمة، وتشير الإسقاطات المستقبلية إلى 4300000 نسمة بحلول سنة 2020، و6700000 نسمة بحلول سنة 2030 (Sari, 2011, p :1). تظهر هذه الأرقام ضرورة الاهتمام الجدي بهذه الشريحة، التي غالبا ما تكون تعاني من مشكلات صحية مختلفة، تفرض أحيانا التعامل معها بصورة خاصة، ويتعين على الأسرة والمجتمع معا مسؤولية التكفل بهذه الشريحة التي ساهمت في بناء مجتمعها وتقدمه. 

أمام الفقدان المستمر للاستقلالية، الناجم عن تدهور القوى الجسمية والمعنوية، يجد الشيخ نفسه في تبعية تزداد كلما تقدم به السن، وهيمنت عليه الأسقام، وفي هذه الفترة قد يجد الشيخ نفسه فارغ الأيدي. فلا هو يستطيع أن ينتفع بممتلكاته التي اكتسبها في شبابه، إن كان حقق ذلك فعلا، ولا هو قادر على أن يجد لنفسه دورا بين أفراد أسرته، لأن البيت غالبا ما تحتكره النساء، وتستحوذ على كل الأنشطة التي تدور بداخله. يخلق هذا وضعية صراعية للشيخ الذي أحيل على التقاعد، لأنه فقد مكانته في المهنة التي تعود على ممارستها لسنوات، ولم يجد لنفسه مكانا بين ذويه، لأنه لم يتعلم سابقا المهارات اللازمة المرتبطة بالمحيط الأسري الخاص به. أفلا يجعل هذا شيخوخة آبائنا تمضي في حداد مستمر يجعلهم عرضة لتعقيدات نفسية وجسدية مختلفة؟ وما الدور الذي يجب على الأسرة والمجتمع أن يؤديانه في سبيل الحد من المشكلات التي ترافق هذه المرحلة؟

ديناميكية الأسرة في المجتمع الجزائري:

تعد الأسرة في مجتمعنا حسب مظهر(2008)، مهد النظام الاجتماعي التقليدي، تتوزع فيها الأدوار بين الذكور والإناث، والصغار والكبار بصورة دقيقة، حتى وإن كانت الأمور لا تظهر بهذا الشكل للوهلة الأولى، حيث تتكفل النساء بالعمل في البيوت وتربية الأطفال، بينما يضطلع الرجال بالحماية وضمان القوت للأسر. وتفرض متطلبات الحياة الاجتماعية التقليدية على الرجال ضمان توفير المال الضروري لإعالة الأسرة، مما يجعلهم لا يهتمون بتعلم مهارات الاتصال العاطفي مع أبنائهم، فيبقى دورهم محدود داخل أسرهم، رغم أهميته، بينما تسمح الفرصة للنساء بتنمية قدراتهن ومهارتهن الاتصالية مع أبنائهن وتنعشن علاقاتهن معهم باستمرار، وبهذا تغتصب الأم الطاقة الوجدانية لأبنائها. توطد الزوجة العجوز لاحقا علاقاتها مع بناتها، وأبنائها، وأحفادها، وتساعد الجميع، من خلال التوجيه والنصح والإرشاد، في حل مشكلاته والتغلب على الصعوبات التي يواجهها. وبهذه الصورة، تتوطد العلاقة بين المرأة ومحيطها الأسري، مما يعزز لديها الشعور بالانتماء والمكانة بين ذويها. 

تظهر مكانة المرأة في المجتمع الجزائري محمية أكثر من مكانة الرجل، لأن هذه الأخيرة قد تعودت على مدار سنوات طويلة على القيام بمجموعة من الأدوار التي حافظت لها على مكانتها في المجتمع. فهي، إلى جانب ممارستها للأنشطة خارج البيت، كما هو الحال عندما تكون المرأة عاملة، فإنها تتكفل بمهام أخرى تشعرها في كثير من الأحيان بالقيمة والتقدير. إنها تبحث عن الزوجات لأبنائها، وتزوج بناتها، وتسهر على دعمهم بالنصح وهم في بيوتهم الزوجية. كما تضطلع بحل الصراعات التي تنشب من حين لآخر، وتفك الخصومات بينهم، وتعمل على توطيد العلاقات بين أفراد الأسرة والأقارب، حيث تحضر باستمرار مناسبات الأفراح وحوادث القرح، مما يسمح للأفراد بالتعارف والتقارب مع بعضهم البعض. وعندما تكون الوضعية المالية للمرأة في مجتمعنا جيدة فإن شيخوختها تمر، عموما، على ما يرام، ما لم تتعرض لأمراض نفسية أو عضوية.

تظهر وضعية الرجل في مرحلة الشيخوخة أكثر هشاشة في مجتمعنا، بالنظر إلى وضعية المرأة،   فالشيخ يجد نفسه في كثير من الأحيان في وضعية حرجة، عندما لا يجد ما يقوم به بعد أن يحال على التقاعد، إذ قد يبقى لوقت طويل في صراع مع المحيط الأسري، يبحث لنفسه عن دور يقوم به في هذه المؤسسة الصغيرة، مما قد يهدد أدوار أعضاء آخرين، وهنا قد يظهر التوتر والصراع داخل الأسرة، فينبذ الشيخ أو يهمش. وإذا كان الراشد يعتد بانجازاته المهنية وممتلكاته المادية، فإن الحاجات في مرحلة الشيخوخة تختلف، حيث تبرز الحاجيات العاطفية والإنسانية على الواجهة، ويصبح الشيخ أكثر اهتماما لنجاح أبنائه، وتميزهم، وأكثر حساسية لمواقفهم الانسانية وطيبتهم نحوه. وإذ الشيخ لم يستثمر في علاقاته العاطفية مع أبنائه وهم صغارا، فهم قد يتخلون عنه عن قصد، أو عن غير قصد في كبره، وهنا قد يصدم الشيخ من المرحلة الجديدة التي أقبل عليها. تؤذي المواقف الأسرية غير الإنسانية الشيخوخة كثيرا، وذلك عندما لا يُشعر الأبناء آبائهم بالتقدير والقيمة والاحترام، ولا يتجنبون كل ما يمكن أن ينكد عليهم العيش، ويشعرهم بالضيق.

نتيجة لتدهور القوى الجسدية للشيخ فإنه يجد نفسه مضطرا للبقاء في البيت أكثر مما تعود عليه في السابق، ليجد أن وجوده في البيت غير مرغوبا فيه دائما، لأنه قد يزاحم النسوة في الحيز الذي يسيطرون عليه منذ وقت طويل. كما أن قلة خبرته في هذا المجال قد تجعله يقدم نصائح أو توجيهات في غير محلها، فيتسبب في توترات جديدة. أما عندما يحاول أن يقوم بدور المراقب في البيت، هذا الدور الذي تعود على ممارسته في الخارج، فهو قد لا يسلم من ردود فعل عدوانية، أو انتقادات تزيد من ألمه النفسي الداخلي أكثر، إلى جانب الضعف الذي يمس قواه الجسمية وحواسه المختلفة.

لا تشفع الممتلكات المادية للشيخ دائما بالظفر بتقدير ملائم من طرف ذويه عند كبره، كما أنها لا تضمن له دائما دورا بينهم. فبعد جهد وعناء كبيرين، في سبيل تحقيق ثروة ما، قد يجد الشيخ نفسه فارغ الأيدي في الانتفاع والاستمتاع بها. وهو قد يرغب، طواعية، في وضعها بين يدي أبنائه، غير أن طريقة استغلال هؤلاء لهذه الممتلكات، قد يكون طفوليا، مما قد يؤدي إلى تبدد هذه الثروة أمام أعين الشيخ، مما يزيد الأسى والضيق في نفسه. ثم إن الأبناء أحيانا، بسبب قلة نضجهم، قد ينتهزون كل فرصة لتحويل ممتلكات الوالد إلى حيزهم الشخصي، ومنهم من يستعجل غياب الشيخ حتى يُفسح له المجال للاستمتاع بإرثه، مما يجعل الشيخ يتأذى من هذا الموقف، ويثور كلما وجد إلى ذلك سبيلا. إن افتقاره للمهارات الاتصالية مع أفراد أسرته لا يسمح له بالانخراط في شبكة العلاقات الأسرية والاجتماعية بسهولة.

إن إفراط الرجل في مجتمعنا في الانشغال بالمسؤوليات المهنية، والمشاريع المرتبطة بتحقيق الثروة والممتلكات، ومحدودية دوره في مجال تربية الأولاد ورعايتهم، يجعله يدفع الثمن في شيخوخته، وبعد أن يحال على التقاعد، وذلك عندما يجد نفسه يفتقر أحيانا إلى المهارات التواصلية التي تسمح له بالاتصال بسهولة مع ذويه.

الإحالة على التقاعد:

الإحالة على التقاعد حق من حقوق الشيخ، عندما يستوفي شروطا قانونية لذلك، ويمكن أن يطلب العامل الإحالة على التقاعد المسبق، كما هو الحال في بلدنا منذ سنوات، كما يمكن لبعض العاملين أن يؤخروا تقاعدهم أحيانا. وإن من بين ما ينتبه إليه الشيخ المتقاعد مباشرة بعد إحالته على المعاش هو انخفاض راتبه، الذي قد يؤثر على العديد من جوانب حياته النفسية والاجتماعية والاقتصادية. إلى جانب أن المعاش أحيانا لا يكفي الشيخ لإشباع حاجاته المختلفة، فإنه يجد نفسه مضطرا أحيانا للتكفل بحاجيات أبنائه وبناته البطالين. أما وضعية الشيوخ الذين ليست لديهم هذه المعاشات فتكون أكثر تعقيدا، إذا لم تكن لديهم موارد أخرى يستخدمونها في قضاء حوائجهم المختلفة.

 تعني الإحالة على التقاعد أن العمل لم يعد واجب بالنسبة للشيخ، حيث يدرك شيئا فشيئا أن قواه الجسدية تتدهور بالتدريج، وأن حواسه تضعف مع مرور الوقت، وأن وإمكانياته في عمله تتضاءل، فهو يجابه العجز الذي يصيب قواه المختلفة باستمرار، إنه الآن أصبح غير قادر على إنجاز طموحاته، حتى وإن توفرت له الأموال، وكثرت لدية الخبرة في إدارة مجريات الميدان الذي أبلى فيه حياته. تؤثر هذه الوضعية الجديدة على معنويات الشيخ وحالته النفسية، ويمكن أن تكون هذه البدايات الأولى التي يباشر فيها عمل حداد جراء الفقدانات المختلفة التي تميز هذه الفترة.

بتقدمه في السن، غالبا ما يكون الشيخ قد بلغ مكانة راقية في عمله، وتقلد مركزا اجتماعيا، ومنصبا مهنيا مرموقا في مؤسسته، حيث تكثر علاقاته، ويرتفع فيها تقديره لذاته جراء نجاحه، وكنتيجة لما يقدمه للناس من خدمات. تصبح إنجازات الشيخ في مهنته والإشباعات التي يأخذها من بيئة عمله، عاملا معززا لبقاء الشيخ في مكان عمله، حتى ولو كانت قواه الجسدية والنفسية لا تسمح له بذلك. تولد هذه الوضعية حالة من الصراع النفسي يصعب حلها، فمن جهة، يرغب الشيخ في مواصلة العمل للحفاظ على تقديره لذاته، ومن جهة أخرى، فهو يميل لأن يتقاعد بسبب العجز الذي يهيمن على وظائفه. وحتى إن كانت الصحة الجسدية للشيخ لا تزال على ما يرام، فقد يجد نفسه وسط بيئة إنسانية لا تنسجم مع سنه، بسبب الجيل الجديد الذي لا يقاسمه نفس المباديء والأفكار ولا الاهتمام. كما أن فقدان بعض الأصدقاء والزملاء المقربين، يزيد في عزلته النفسية، حتى وإن كان وسط الجماعة.

تخلق مرحلة الشيخوخة والتقاعد الذي أحيل عليه الشيخ معا، وضعية جديدة بالنسبة للشيخ، الذي يرى نفسه يفقد فيهما العديد من الإمكانيات تحد من استمتاعه بالحياة. تتقلص شبكة العلاقات الاجتماعية للشيخ بسب وفاة معارفه ومحبيه من جهة، وبسبب ضعف قدرته على إنعاشها نتيجة الضعف الذي يعتري حياته. كما يفقد أيضا الدور الاجتماعي الذي كان مرتبطا في السابق بوظيفته المهنية، وما ينجر عن ذلك من فقدان للمكانة والتقدير. وتكون في الغالب هذه الظروف البدايات الأولى التي ينشأ عنها الشعور بالأسى واكتئاب الشيخوخة. "وفترة التقاعد التي تبدأ بترك العمل لا يرحب بها الناس عادة، ويعتبرونها فترة خسارة حيث تتتابع فيها أنواع مختلفة من الخسائر يترتب بعضها على البعض الآخر، ففيها خسارة مادية بسبب نقص الدخل، وهناك خسارة الصحة التي تتمثل في أمراض الشيخوخة التي تبدأ في الظهور، ويترتب على ترك العمل أن يخسر الشخص النفوذ الذي كان يستمده من وظيفته ومنصبه...وإذا أصابه عجز بسبب الأمراض فإنه يخسر قدرته على الحياة المستقلة دون الاعتماد على الآخرين، هذا إضافة إلى كثير من المشاعر النفسية السلبية"(الشربيني، 2001: 130).

يخلق الاكتئاب في الشيخوخة خصوصا، مشكلات كثيرة في ممارسة نشاطات الحياة اليومية، وكثيرا ما يكون مرتبط بتزايد درجة التبعية لدى الشيخ وتقلص حيز الاستقلالية لديه، واعتماده على أعضاء الأسرة أو المؤسسات الصحية. ويمكن أن يكون وفاة الزوج أحد الأسباب الأولية لظهور الاكتئاب، لأن الشعور بالوحدة يعيق الاستمتاع بزينة الحياة، وتتعقد حياة الشيخ أكثر عندما يتعرض إلى الفقر أو المرض، أو يدمن على مواد مضرة بالصحة. فقد لوحظ أن الأرامل والمطلقين أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، وأن النساء مهيئات أكثر للإصابة به من الرجال، وأن الاكتئاب عند الشيوخ أكثر انتشارا بالمقارنة مع الراشدين(Dhara and Jogsan, 2013 :2).    

الشيخوخة والتدهور الجسدي:

الشيخوخة ليست مرضا، رغم ارتباطها الكبير بالعديد من الأمراض، وإنما هي مرحلة نمائية يدخل فيها الانسان عند تقدمه في السن. وقد تحسنت بعض جوانب الرعاية الصحية لدى الشيوخ عبر العالم، غير أن هذا التحسن لا يمس الطبقات الفقيرة من الشيوخ في الغالب، لأنهم عاجزون على التمتع بهذه  المزايا، التي ليست في متناولهم دائما. وكثيرا ما ترتبط الشيخوخة بالمرض لأن الوهن الذي يمس مختلف الأعضاء، ونقص المناعة يجعل الفرد عرضة للعديد من المشكلات الصحية، كما يحدث أن تتراكم ضغوط الحياة في السنوات الماضية فتظهر في شكل أمراض سيكوسوماتية مختلفة لا يفهم طبيعتها من يحيطون بالشيخ دائما.

تنجم العديد من الأمراض العضوية في مرحلة الشيخوخة بسبب سوء التغذية ونقص الرعاية الصحية وكذلك من العادات السيئة التي كان قد تعود عليها الشيخ قبل هذه الفترة، كالتدخين والتبغ، وحتى إدمان الكحول وسوء استخدام الأدوية. ومن الممكن أن يقود التناول المزمن لهذه المواد السامة إلى أتلاف مختلفة على مستوى النسيج البشري، بما في ذلك بنية الدماغ الانساني، فيترتب عن ذلك اختلالات مختلفة على الصعيد الجسدي أو النفسي أو العقلي أو الاجتماعي. وقد يصاب الشيخ بأمراض الشيخوخة المعروفة، كمرض باركنسون، أو الزهايمر.

تولد الصراعات والضغوط الناجمة عن التوترات النفسية والاجتماعية، حسب البنية النفسية للفرد، مشكلات صحية تزيد في تعقيد حالة الشيخ. الضغوط النفسية المتزايدة على جسم تزداد أعضاؤه هشاشة بمرور الزمن، قد تتسبب في أمراض سيكوسوماتية، أو اضطرابات نفسية أو عقلية، تقلل من القدرة على التكيف والتفاعل الناجح مع المحيط. وقد يكون المرض السيكوسوماتي أحيانا وسيلة الشيخ الوحيدة لجعل من يحيطون به ينتبهون لحاله، ويهتمون لشأنه، بعدما أصبح يشعر بالتهميش وتدني قيمة ذاته. وهناك انعكاسات سيكولوجية مباشرة على حياة الشيخ جراء معاناته من إصابة جسدية أو مرض عضوي أو عقلي، قد تزيد حياته تعقيدا، فينتشر التدهور النفسي إلى جانب الاضطراب العضوي.

الشيخوخة والانهيار النفسي:

إذا كان المرض العضوي معترف به في مجتمعنا، ويحظى صاحبه بالرعاية الطبية في الغالب، فإن المرض النفسي ليس دائما مفهوما من طرف المجتمع، كما أن البعض لا يتقبله بسهولة، مما يجعل المريض يعاني من نبذ المحيط الذي يعيش فيه. ولما يرتبط المرض العقلي أو النفسي بمرحلة الشيخوخة كمرحلة طبيعية، يصبح أحيانا من الصعوبة بمكان تمييز الظواهر المرضية المرتبطة بالمرض، من تلك التي تتعلق بحالة العجز والضمور الطبيعي للوظائف البيولوجية في مختلف الأعضاء وأجهزة الجسم.

يواجه الفرد في مرحلة الشيخوخة أيضا تدهورا في معنوياته، حيث تطرح فكرة الموت في ذهن الشيخ كلما تقدم به السن، لأن الضعف الذي يعترى مختلف أعضاء جسمه يذكره به في كل وقت. كما أن وفاة أقرانه والأقارب، وإدراك اضمحلال الأعضاء وعدم تمكن الشيخ من إنجاز المثل التي كان يصبوا إليها، كلها عناصر تحرك لديه فكرة الموت(Debray, Granger, Azais, 2005, : 276وتجعله يشعر بقرب فنائه الشخصي، حتى ولو أن ميكانيزمات الانكار والرفض والنكوص تعمل باستمرار على جعل الانسان يتغافل عن هذه الحقيقة، ويبعدها عن حيز وعيه أحيانا.

يمكن تشبيه الشيخوخة بمرحلة عنوانها الفقدان، تتضمن أعمال حداد مستمرة، حيث ترتبط بجملة من الفقدانات التي تجعل الحالة النفسية للشيخ في صراع وتأزم. إن فقدان السمع والبصر الذي يصيب بعض الشيوخ يرتبط بعمل حداد نفسي قد يُتمكن من إرصانه وقد يفشل، وفي كلا الحالتين، فهو لا يخلو من متاعب ومشقة كبيرة. كما تؤدي الإصابة بالمرض المفاجيء أحيانا إلى حداد صدمي، يجعل الشيخ يمر بفترة من الهشاشة النفسية تجعله مرشحا للإصابة بأمراض مختلفة، حتى ولو كان يحاول التكيف مع متطلبات المرحلة الجديدة التي أقبل عليها.كمايفقد الشيخ قواه الجسدية، وتقل حدة حواسه أو تفقد، وتتدهور قدراته العقلية، ويفقد الدور الوظيفي وما يرتبط به من إشباعات، وتتقلص أو تتلاشى علاقاته الانسانية بسبب فراق الأحبة وموت الأقارب(الزوج، الأبناء...).   

يعتبر اكتئاب الشيخوخة أحد أكثر الحالات النفسية التي تعتري الفرد في هذه المرحلة، التي غالبا ما تترافق بفقدانات متعددة وإحباطات مختلفة. ويمتد الاكتئاب من الحالات الاكتئابية الخفيفة والعابرة، إلى الاضطرابات الوجدانية الأكثر حدة وخطورة. ويقدر كابلان وشادوك(Kalpan and Shadock, 1996)انتشار اكتئاب الشيخوخة بين 15% و 20 %، وهو أحد المشكلات الأكثر ضررا على مسار الحياة الطبيعية للشيخ، وله أثار مدمرة عليه، ويكون في الغالب معقدا، وكثيرا ما يصعب تشخيصه بسبب الأمراض الجسدية التي يحتمل أن تصيب الشيخ في هذه الفترة، كتناذرات خرف الشيخوخة. فالوصول إلى تشخيص دقيق من قبل العيادي يتطلب منه التمييز بين الاكتئاب وبين الآثار التي تلي كارثة ما، أو أنماط أخرى من الإصابات الدماغية والأمراض(Dhara and Jogsan, 2013, :1).

هكذا، يكون التدهور المعنوي للشيخ مرتبط بطبيعة هذه المرحلة ومختلف الحوادث والظروف التي تميزها، وعليه فإن التخفيف من حدة هذه الضغوط يكون بالوقوف إلى جانب الشيخ، من خلال ضمان إطعامه وكسوته والحديث إليه، والتجوال معه. حتى وإن لم يظهر الشيخ تجاوبا إيجابيا معنا في إحساننا إليه، فإنه يشعر بالاحترام والتقدير من السلوكات الإيجابية التي نتعامل بها معه. فما هي السبل الكفيلة بجعل الشيخ ينعم بحياة أفضل في هذه المرحلة؟ 

دور الأسرة والمجتمع في حماية الشيخ:

 في الواقع، لا يمكن لأي كان أن يعيد الزمن إلى الوراء، ولا تستطيع الأسرة ولا المجتمع أن ينزع الشيخوخة ممن تقدم بهم السن، لكننا في المقابل جميعا قادرون على تقديم ما بوسعنا لشيوخ أسرنا. كيف لا؟ وقد ضحوا بحياتهم في سبيل أسرهم يوما ما. أن يتعرف أفراد الأسرة على حاجات شيخهم، فذاك أول خطوة نحو مساعدته والأخذ بيده نحو شيخوخة أفضل. كما أن مساعدة الشيخ على معرفة طبيعة المرحلة التي يمر بها سيمكنه من استقبالها وتقبلها بصورة أحسن. فزيادة الوعي ونشر الثقافة الصحية أمر أساسي في تحسين وضع الشيخوخة، ويساهم في هذا أطراف أساسية هي: الأسرة والمجتمع.

دور الأسرة اتجاه الشيخ:

عندما يكون الشيخ واعيا بالتغيرات الطبيعية المقبل عليها، فهذا يساعده على التقبل التدريجي لها، والتقبل لوضعه الجديد، ويتعلم كيفية العيش في حدود ما تسمح له به إمكانياته الحسية والحركية والعقلية. كما أن تقبل الشيخ لمساعدة الآخرين من أبناء أو أفراد الأسرة، يساعده على قضاء العديد من حاجاته، وييسر له الحياة ولو جزئيا. وإن مقاومة مشاعر اليأس والتغلب على القنوط يتأتى للشيخ عن طريق التعود على القيام بنشاطات بسيطة تتماشى وقدراته وظروفه. كما أن حرص الأسرة على تناول الشيخ لدوائه في وقته المحدد وبالكيفية المنصوح بها، إن كان مريضا، يسمح له بالمحافظة على صحته، ويخفف من أعباء المحيط في رعايته، ويعطيه حظوظا كبيرة في الشفاء، ويشجع المحيط على التعاون معه.

يساعد سهر الأسرة على حماية ورعاية شيخها، حتى وإن كانت ظروفها المادية محدودة، على إشعاره بالقيمة والتقدير، فهي تعتبر أول المسؤولين عنه وعن إشباع حاجياته المختلفة. وإلى جانب ضمان حاجياته اليومية وما تتضمنه من تغذية وملبس ورعاية صحية، يتعين أيضا التفكير في جعل الشيخ يمارس هوايات وأنشطة مهما كانت خفيفة، لأن ذلك يخفف عنه الشعور بالضيق والملل. عندما تبرمج الأسرة جولات قصيرة، أو خرجات لزيارة الحمامات المعدنية فإن هذا يساعد على تغيير الجو للشيخ، ويسمح له بالراحة ولو لوقت قصير، وأن تنظر للشيخ بعين التقدير والاحترام، وأن تقترح عليه كل ما تراه في مصلحته وصحته الجسدية والنفسية، وأن تسهر على رعاية الشيخ في تناوله للدواء حسب وصفة الطبيب. حيث تفيد التقارير أن كبار السن يميلون إلى زيادة استخدام الدواء عن الحد المطلوب بل إلى سوء استعمال بعض العقاقير(الشربيني، 2001: 148).  

إن عدم انتهاك حدود الشيخ وحمايته، يقلل من تنشيط التوتر لديه، وإن تجنب إشعاره بالمهانة وعدم الاعتداء عليه لفظيا، على حد تعبير القرآن الكريم: "فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما" يجنبه الشعور بالاضطهاد والظلم، ويشعره بالطمأنينة والأمن النفسي، وهذا أقل ما يمكن أن توفره الأسرة لشيخها. كما يكون مفيدا أن تقوم الأسرة بملء فراغ الشيخ بما يتناسب وقدراته(تعليم الصغار، إرشادهم، مرافقتهم) لكي يشغل وقته، ويبتعد عن سلوكات قد تضر بصحته النفسية والجسدية، والقيام ببعض الأنشطة اليدوية السهلة، إن كان قادرا عليها.  

دور المجتمع في رعاية الشيخوخة :

 تؤدي المؤسسات التعويضية الاجتماعية دورا كبيرا في حماية ورعاية الشيوخ. يمكن لديار الرحمة مثلا أن تضمن الحاجيات الأساسية للمسنين الذين ليس لديهم من يرعاهم، أو يتكفل بهم، حتى ولو أننا نعتبر أن عزل الشيخ عن بيئته الأسرية هو في حد ذاته إساءة إلى شيخوخته(Aruna et al. 2011, :93)، ولكن مع ذلك يبقى ضمان الحاجات الأساسية أمر ضروري لكل مسن ليس له من يتكفل به، سواء قامت بهذا الدور الأسرة، أو جهة أخرى تعوضها.

إن ضمان المجتمع معاشا للشيخ يحفظ له كرامته، ويجنبه عناء الطلب أو التسول يدخل في إطار حماية الشيخوخة. على أن تراعى طريقة تقديم هذه المعاشات حسب ظروف وقدرات الشيخ. فالشيخ الصحيح بدنيا ونفسيا يختلف عن من كان مصابا بمرض أو اضطراب ما، كما أن الشيخ الأمي يختلف عن الشيخ المتعلم. فقد نجد أحيانا الشيخ الأمي بعدما أفنى حياته في العمل يجد نفسه عاجز عن سحب نقوده من مركز البريد لأنه لم يعد يعرف إمضائه بصورة دقيقة، فيصبح تحت رحمة وشفقة عون البريد. ولماذا يرغم الشيخ على الوقوف في طابور ممتد لوقت طويل، لاستلام معاشه، ولا تتم دراسة حالات المسنين، حسب ظروفهم، وترسل لهم معاشاتهم فيستلموها في بيوتهم؟

كلما تجنب كل من المجتمع والأسرة أن يشعرا الشيخ بأنه شخص بلا مهام، أو إحساسه بأنه مهمش، كلما ساعد ذلك على ضمان بيئة سوية توفر الأمن والهدوء وتسمح بحياة طبيعية للشيخ، في حدود ما تسمح به إمكانياته. فليس من النادر أن نجد الشيخ ينجح عندما يجد محيطا سويا يتوفر على مؤسسات تعويضة تساعده على التغلب على مشاعر القلق والضيق. يمكن مثلا، أن يشجع الشيوخ على دخول مدارس محو الأمية، أو المدارس القرآنية، أو النوادي التي تتماشى وظروفهم، أو الانخراط في الجمعيات المحلية كأعضاء شرفيين(المسجد، الأحياء...). يمكن أن تعمل لهم منافسات تسمح لهم بأداء فريضة الحج لمن يرغب في ذلك. وتعتبر زيارة المساجد والحرص على تأدية الصلوات الخمس في المسجد من ضمن الأنشطة الهادفة التي يمكن أن يشجع عليها الشيوخ الذين يجدون استقرارهم النفسي في ذلك.

نتعرض فيما يلي لحالة نحاول من خلالها أن نبين الدور الهام لكل من الأسرة والمجتمع في مساعدة الشيخ على التخفيف من المعانات التي قد تصاحب مرحلة الشيخوخة.

عرض حالة:

أيوب 69 سنة، تربى في أسرة متواضعة، والداه متوفيان، وقد كان أيوب بكر إخوته العشرة (3 بنات، و7 ذكور)، فرحت به أسرته كثيرا، وفضلت جدته أن تتكفل بتربيته لأن أبنائها كلهن بنات، إلا واحدا(أب أيوب). فحظي بحب وتقدير من جده وعماته. كانت طفولته مرتبطة بالآلام والمتاعب التي ميزت عالم الطفولة أثناء الاستعمار الفرنسي وثورة التحرير الوطني، ولا تزال بعض صدماتها مغروسة في ذاكرته. بدأ أيوب العمل في سن مبكر، إذ لم يلتحق بالمدرسة، كما هو حال أقرانه عموما. بدأ العمل كمساعد لجده في الفلاحة، لينتقل بعدها، في مقتبل العمر، إلى العمل في شركات مختلفة وقتها. وقد وصف من طرف أقرانه بأنه ذكي ونشيط "شاطر"، وقد كانت علاقته بجده وجدته جيدة، وكذلك مع عماته، لكن علاقته مع والديه وإخوته لم تكن بنفس المستوى، ولم تكن بالقدر الكاف من الدفء العاطفي، وأحيانا تتعرض هذه العلاقة إلى التوتر مع بعض إخوته، الذين لا يبادلونه مشاعر الأخوة، بسبب مشاعر الغيرة أو الحسد. فقد تعرض إلى التهديد والعدوان وهو مع بعض أبنائه، من طرف أخيه الأصغر منه.

أب لعشرة أبناء، انتهى به الأمر لأن يستقر كعامل في مؤسسة وطنية، وقد جعلته براعته في مهنته راض عن عمله ومستمتعا به، وكان ذلك مصدرا لإشباعات كثيرة. فقد كان يُنظر إليه في محيطه الصغير كإنسان ناجح، بالنظر إلى أقرانه. مكان عمله البعيد في أغلب الأحيان، فرض عليه التغيب عن بيته، فلا يأتي إلا أسبوعيا، وأحيانا مرة في شهر أو أكثر. كان سائق آلة متعدد الوظائف، وكانت له مكانته في مؤسسته بحكم مهارته في عمله حينها، وكان يستمتع كثيرا بهذا. مستواه الاقتصادي متوسط، لكن أعباء أسرته المتزايدة جعلته يواجه صعوبات في السنوات الأخيرة التي سبقت إحالته على التقاعد.  

في سنوات العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر اضطرت أسرة أيوب إلى تحويل الإقامة من الريف مسقط رأسه إلى المدينة، فوقعت الأسرة في ضائقة مالية، وبدأت صعوباته التكيفية تظهر تدريجيا، بالتوازي مع إعادة هيكلة المؤسسة التي كان يعمل بها، وكان من بين العمال الذين اقترح عليهم التقاعد المسبق، وباتت حالته النفسية تسوء مع مرور الأيام. مع هذه الصعوبات، عمل لوقت قصير في القطاع الخاص، ووجد عدة فرص أخرى للعمل، لكن قدراته الجسدية والنفسية كانت تتدهور ببطء وباستمرار فتعيقه عن مواصلة العمل، فيتوقف، إلى أن يئس واستسلم وتوقف عن ممارسة أي نشاط.

لم تكن البيئة الجديدة التي انتقلت إليها أسرة أيوب ملائمة له كما ينبغي، فقد ابتعد عن معارفه أصدقائه، وأقاربه، وأصبحت حياته العلائقية فقيرة، ومقتصرة على أفراد أسرته المنشغل بعضهم بالسعي وراء أهدافه وتحقيق طموحه. لكن عدم تعلم كلا الطرفين المهارات التواصلية الفعالة بينهما(الأب والأبناء) لم يساعدهما على أن يتفاعلا مع بعضهما بصورة جيدة، رغم معرفة الأبناء أن أبيهم بدأ يطرح مشكلات صحية نفسية وجسدية تستدعي الاهتمام.

بعد تنقل قصير بين الأطباء، وإثر القيام بفحوص طبية، انتهى التشخيص الطبي إلى أن أيوب يعاني من مرض باركنسون. وبدأت الأعراض تظهر بالتدريج: تصلب في حركة الأطراف، صعوبة في الحركة، الارتعاش، اضطراب في الذاكرة والكلام، سيلان اللعاب... قاوم أيوب في بداية الأمر المرض، وكان يحترم الوصفات الطبية التي توصف له، لكن تحت التدهور التدريجي استسلم، وأصبح لا يبحث عن علاج، وحتى يقاومه أحيانا، بعدم رغبته في تناول الأدوية. لم يتفهم كل أعضاء أسرته هذا الموقف، فيغضب منه البعض، ويحمله آخرون مسؤولية عدم شفائه، خصوصا وأنهم يشترون له الدواء باستمرار. إلى جانب هذا فهو يظهر أعراضا اكتئابية لا تساعد من يحيطون به على تقديم يد المساعدة إليه. إن تقديره لذاته في تدهور مستمر، وهو يتغذى من الضعف الذي يصيب قدراته الجسدية ومعنوياته كلما أدرك دوره يتقلص، والتهميش يحيط به. الخرجات التجوالية التي تعمل له، والحمامات التي يؤخذ إليها، والزيارات التي تأتيه لا تفلح إلا للتخفيف الجزئي عن حاله، وربما قاوم كثيرا هذه الأنشطة التي تقترح عليه.

أصبحت حالة أيوب أكثر سوءا عندما بدأ يفقد استقلاليته في رعاية ذاته، وزادت تبعيته للمحيط أكثر. فقد تم تشخيصه فيما بعد على أنه يعاني من مرض الزهايمر، فكانت الأسرة مطالبة بتقديم الدعم اللازم للتعامل مع الوضعية الجديدة التي فرضتها الشيخوخة من جهة، والتدهور الجسدي والنفسي من جهة أخرى. عندما يمرض الرجل العجوز، لا يجد من يتكفل به إلا زوجه، لأن العلاقات العاطفية مع أبنائه تفتقر إلى المهارات اللازمة، وهكذا يسقط العبء على الزوجة العجوز التي تصبح في مخاطر كبيرة من الإصابة بالمرض أيضا، نتيجة التمريض المستمر لشيخها من جهة، وللواجبات المنزلية المتكررة من جهة أخرى. واقتصر دور الأبناء على تغطية الحاجيات المادية أكثر، والمساهمة في إطعامه، ونقله.

ربما كانت هذه الأسرة تحتاج إلى إعادة هيكلة أكثر عمقا في توزيع الأدوار بين أعضائها لكي تتعامل بصورة أحسن مع الحالة الحرجة التي ألمت بشيخها، إذ بدل أن تبقى متشبثة بالأدوار التقليدية المقسمة بين الأعضاء حسب الجنس والسن، كان من اللازم أن تُحدث نوع من المرونة في أنشطتها تسمح بتكامل أحسن في تأدية دورها. على الأقل، كان من واجب الأبناء الذكور القيام بأداء بعض المهام(تحضير مائدة الطعام، غسل الأواني، تنظيم البيت) للتخفيف من عبء مهام الأم، بدل التشبث بأدوار تقليدية تعودوا عليها منذ سنوات.

 موقف الأسرة من حالة أيوب:

 لم تنجح الأسرة في التجاوب مع مرض شيخها بصورة جيدة. فهم بعض أعضائها وتقبل حالة الشيخوخة التي يمر بها الشيخ، لكنه لم يفهم حالة المرض التي يعاني منها. كما أن أفرادا آخرين تقبلوا حالة المرض العضوي، لكنهم لم يفهمو الأعراض النفسية التي يعاني منها، والتي كانت تصاحب المظاهر الجسدية. ولأن الشيخ لم يكن يشتكي من آلام محددة جسديا، اعتقد بعض الأبناء أن أبوهم ليس مريضا، وقال أحدهم أن أباه يتظاهر بالمرض أو يدعي فقط أنه مريض. وبسبب نقص الوعي الصحي لدى أفراد الأسرة، لم يفهم الأبناء أعراض المرض، ولم يتفاعلو معها بالصورة المطلوبة: يندهش أحدهم لأن أباه أصبح لا يعرف الجلوس، فيرى أن الأب يتعمد السقوط. ويرى آخر اللعاب يسيل من فيه، فيخجل وقد يؤنب الشيخ على ذلك.

مع ظهور الأعراض الاكتئابية(التباطؤ النفسي الحركي، الكئابة، القلق، فقدان الرغبة، التشاؤم...)، تعقدت حالة المريض أكثر، وقادت إلى مواقف متناقضة بين أعضاء الأسرة، مما لم يساعد على تبني استراتيجية لتقديم المساعدة الملائمة لشيخهم المريض جسديا ونفسيا، فتملص بعض الأفراد من مسؤولياتهم اتجاه والدهم، ووقع عبء رعايته على البعض منهم فتعبوا، وضاق بعضهم من الآخر، فرآه مقصرا، وهكذا بدأت تظهر الصراعات بين الأعضاء، وتنشأ الخلافات، والتأزم بينهم في البداية.

إن تأزم الأسرة لا يساعد عموما على تقديم يد العون للمريض، بقدر ما يكون سببا في نشوء اضطرابات جديدة لدى أعضاء آخرين. فمرض أحد أعضاء الأسرة، يرفع احتمالات إصابة أفراد آخرين، مما يعقد الوضعية الأسرية أكثر، ويجعلها تعيش صراعات متكررة أو حادة.

في مثل هذه الوضعيات المعقدة يجدر بالأسرة ككل أن تعيد هيكلة توزيع الأدوار بين أعضائها تبعا للظروف والحالة التي يقتضيها مرض شيخها بدل أن تبقى متمسكة بنظام تقليدي يقضي على أفرادها واحدا تلو الآخر. كما لا تكون ديار العجزة هي أحسن مكان للشيخ في حالة توفر أسرته، حيث لا يمكن أن يغني تغطية الحاجيات المادية للشيخ عن الحاجيات النفسية والاجتماعية والدفء الانساني الذي تتميز به العلاقات الانسانية السوية.

بدل عزلهم في بيوت العجزة أو الشيخوخة، وديار الرحمة، بعيدا عن الدفء الإنساني الأسري، يجدر بالمجتمع أن يوفر المؤسسات التعويضية التي تساعد الشيخ على استثمار أيامه، والتمتع بوقته، وكذلك تقديم التسهيلات التي تسمح للشيخ بأن يقضي حاجاته حسب ظروفه الصحية النفسية والجسدية. بالنسبة للشيخ السليم فإن الأمر يتوقف على مدى تقدمه في السن، لكن الأمر يختلف بالنسبة للشيخ الذي يعاني من مرض عضوي مزمن، أو مرض نفسي أو عقلي أو يعاني من إعاقة أو عدة إعاقات. تستدعي هذه الحالات دراسات فردية تحدد مسؤوليات الأسرة ونوعية التسهيلات التي يجب أن يمنحها المجتمع لها.

خلاصة:

  الشيخوخة مرحلة نمائية طبيعية تحدث فيها تغيرات فيزيولوجية ونفسية واجتماعية في حياة الشيخ، وهي ليست مرضا، ويستطيع الانسان أن يعيشها في أمن وسكينة في حدود ما تسمح به قدراته وإمكانياته. لكن يصاحبها دائما وهن وضعف على مستوى مختلف الوظائف الجسدية والحسية والعقلية، مما يجعلها مرحلة حساسة تتطلب عناية خاصة من طرف المحيط الذي يعيش فيه الشيخ.

عندما يتعرض المسار الطبيعي للشيخوخة إلى توترات وضغوط، نتيجة الإصابة بمرض ما، ونتيجة حالة الحداد التي يمكن أن يعيشها الشيخ جراء الفقدانات التي من المحتمل جدا أن يتعرض لها،  أو بسبب الجو الأسري غير المتفهم لطبيعة هذه المرحلة، والظروف الاجتماعية غير الملائمة، يمكن أن تترافق الشيخوخة بأمراض جسدية أو/و نفسية، وهذا يؤثر بصورة مباشرة على الحياة اليومية للشيخ، ويقلل تدريجيا من مستوى الاستقلالية لدية، فينعكس ذلك سلبا على حياته، وحياة الجماعة العائلية، وقد يتسبب في تأزم وضعية هذه الأخيرة، في حالة بقاء أعضائها على جهل بخصوصيات فترة الشيخوخة، وما هو منتظر من كل واحد منهم في سبيل التخفيف من الأعباء التي تفرضها.

أمام التدهور الجسدي والانهيار المعنوي الذي قد يمس الشيخ، فإن دور الأسرة والمجتمع أساسي في حمايته، إذ يتعين على كل طرف منهما التكفل بمسؤوليته اتجاه الشيخ. يجدر بالأسرة السهر على ضمان الحاجيات البيولوجية للشيخ، وكذلك الحاجات النفسية والاجتماعية، كما يتطلب الأمر من المجتمع توفير المؤسسات التعويضية التي تكفل الرعاية الصحية والاستغلال الحسن لوقت الشيخ، حتى يشعر بالقيمة والتقدير. فلا يليق بكل من الأسر والمجتمع التفريط في شيوخهم، وقد ضحوا من أجلهم الكثير.

إن قلة الدراسات حول الشيخوخة في مجتمعنا، وقلة هياكل الاستقبال لهذه الشريحة، ونقص تدريس وحدة علم نفس الشيخوخة وعلم النفس المرضي للشيخوخة، تجعلنا ندرك أن الشيخ لا يحض بالمكانة التي تليق به، ويحتاج إلى من يلتفت إليه ويحسن من نوعية حياته. وإنه لمن المؤسف للغاية، كيف لأسر أو لمجتمعات أن تستفيد في فترة ما من قوة وعبقرية وتضحيات أفرادها، حتى إذا خارت قواهم الجسدية ووهنت حواسهم وانحطت معنوياتهم، وعجزوا عن رعاية أنفسهم، تركوا لحالهم، يعانون الوحدة والإهمال قبل أن توافيهم المنية.

قائمة المراجع:

الشربيني لطفي عبد العزيز(2001)، أسرار الشيخوخة، مشكلات المسنين وكيفية العلاج، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان.

مظهر سليمان(2008)، علم النفس الاجتماعي، نظرية المواجهة النفسية الاجتماعية، ثالة، الجزائر.

Aruna Dubey, Seema Bhasin, Neelima Gupta, and Neeraj Sharma (2011), a study of elderly living in old age home and within family set-up in Jammu, in stud home com sci, 5(2): 93-98.

Debray Quentin., Granger Bernard., Azais Franck.(2005), Psychopathologie de l'adulte, Masson, Paris, 386p.

Doshi Dhara R and yogesh A Jogsan( 2013), depression and psychological well-being in old age, in j. psychol. Psychother. Vol. 3, 1-4.

Sari Djilali(2011), l’état des lieux de la population vieillissante en Algerie, actes du colloque internationnal de Maknès, Maroc, Mars, 17-19.

Wadd Sarah(2014), the forgotten people, drug problems in later life, a repport for big lottry fund, Tilda Goldberg Centre for Social Work and Social Care, University of Bedfordshire.