الإصلاحات السياسية في الجزائر1988-pdf1990

 الأستاذ: مصطفى بلعور

  جامعة قاصدي مرباح ورقلة

تمهيد:

    في خضم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي عاشتها الجزائر ، خاصة مع منتصف الثمانينات، والصراع الذي برز داخل النظام السياسي بين التيار الانفتاحي، والتيار المحافظ، شهدت الجزائر مجموعة من الإصلاحات السياسية شكلت أحداث أكتوبر 1988 مدخلا لها،وقد عبرت تلك الأحداث عن أزمة نظام الحزب الواحد و كان لها انعكاسات على النظام السياسي الذي أعلن عن مجموعة من الإصلاحات السياسية قصد التكيف مع الظروف والأوضاع الطارئة.نعالج في هذا المقال الإصلاحات السياسية في الجزائر منذ 1988 في النقاط التالية :

 أولاً: أحداث أكتوبر 1988

ثانيا : الإصلاحات السياسية كآلية لتكيف النظام السياسي .

الكلمات المفتاح:النظام السياسي , الإصلاحات السياسية.

أولاً : أحداث أكتوبر 1988:

عاشت الجزائر قبل أحداث 05 أكتوبر 1988 ظروفاً صعبة ناتجة عن الأزمات  المتعددة الجوانب التي أصبح يعاني منها النظام السياسي والمجتمع، فعلى مستوى النظام السياسي برزت أزمة مراكز قوى في النظام بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ حول التوجهات السياسية والاقتصادية الكبرى للبلاد، أمّا على مستوى المجتمع فكانت الأوضاع تتميز بارتفاع نسبة البطالين، وتدني القدرة الشرائية للمواطنين واختفاءاً مريباً للسلع الضرورية حتى أنّ منظر الطوابير المنتشرة في مدن البلاد أصبح ظاهرة تطبع كل المدن1 كماسبقت أحداث أكتوبر 1988أوضاعا وظروفا تميزت بما يلي :

1-حملة واسعة ضد الفساد، وتوزيع الثروات بطرق غير شرعية وتبذير الأموال العمومية،  مست هذه الحملة الرئيس وأفراد عائلته، وبعض أعضاء التيار الإصلاحي، بحيث طرحت في الشارع القضايا التالية 2:

-قضية تحويل الأموال من البنك الخارجي.

-قضية مركب رياض الفتح.

-قضية توزيع أراضي مزرعة بوشاوي.

-قضية ثانوية ديكارت بمدينة الجزائر.

-قضية النساء الفرنسيات المتزوجات بجزائريين.

2-الإعلانات المتعددة عن الإضرابات العمالية خاصة في المنطقة الصناعية بالرويبة دامت هذه الاضرابات حتى نهاية سبتمبر 1988 حيث قام عمال الشركة الوطنية للسيارات الصناعية بالاحتجاج على عمليات إختلاس عرفها المركب، كما طالبوا بزيادة رواتبهم، وتضامناً مع هؤلاء قام 30000 عامل الآخرون الموجودون في منطقة الرويبة الصناعية بإضراب دام 03 أيام انتهى بصدام مع قوات الأمن3. وقد طالت موجة الإضرابات قطاع الطيران والبريد والنقل أيضاً.

3-خطاب رئيس الجمهورية يوم 19 سبتمبر 1988 والذي وجه فيه انتقادات لاذعة لبعض العناصر داخل الحزب والحكومة وكان يقصد بالتحديد التيار المحافظ في الحزب والمعارض لسياسته الليبيرالية، كما حمّل أصحاب المصالح الخاصة والمضاربين والرشويين الذين جمعوا ثروات طائلة دون أن يبذلوا أي جهد، مسؤولية غلاء المعيشة وندرة المواد الاستهلاكية4

من خلال هذا الخطاب يكون الرئيس بن جديد قد شنّ نقداً صريحاً وعلنياً على الجهات التالية : القيادة الحزبية، الحكومة، الإدارة والمؤسسات، القطاع الخاص، الشريحة المرتبطة بفرنسا والمهاجرين. فمثلاً بالنسبة للإدارة والمؤسسات عامة قال : « ... نقول من لم يستطع تأدية واجبه فليعترف بأنه غير قادر.»، وبالنسبة للقطاع الخاص قال : « ... فالقطاع الخاص ينمو بصفة فوضوية دون إشراف، فالمعروف أن كسب الملايين يتطلب سنوات عديدة من العمل، لكن مع المؤسف اليوم نرى أن الناس تكسب الملايين في ظرف قصير جداً. ».5 أمّا عن الشريحة المرتبطة بفرنسا والتي ظهرت على حقيقتها عقب غلق ثانوية "ديـكـارت" بمدينة الجزائر قال :  « ... الشيء المؤسف هو نساء بعض الجزائريين الموجودين في الجزائر هم وأبناؤهم يذهبون للتظاهر، وعلى هذا الزوج الذي يريد ثقافة أجنبية أن يأخذ زوجته وأبناءه وليذهب للبلد الذي يريده... هناك فئة قليلة من الجزائريين لهم عقدة لأنهم لا يثقون في لغتهم وفي شخصيتهم وفي حضارتـهم وفي دينهم ».6

لقي هذا الخطاب تجاوباً في الأوساط الشعبية ،وفي ظل حركة الإضرابات، بدأ الحديث عن تنظيم مظاهرات مناهضة للنظام يوم 05 أكتوبر 1988 بدأت بوادرها يوم 04 أكتوبر ليلاً بالعاصمة و انتشرت في صباح 05 أكتوبر لتشتد وتعم العاصمة ونواحي أخرى من الوطن.7 ضمّت هذه المظاهرات العديد من الفئات الشعبية وخاصة الموجودة على خطوط المواجهة مع تدهور أحوالها المعيشية بحيث تصدرها المفصولون عن الدراسة والعاطلون عن العمل والكهول والعزاب.8 لقد كانت أحداث أكتوبر 1988 موجهة خاصة ضد رموز السيادة الوطنية مثل البلديات ومقرات الحزب وبعض مقرات الوزارات والمؤسسات التربوية التي تعرضت إلى عمليات الحرق والنهب وشتى أنواع التخريب الأخرى9

وفي أول رد فعل له اعتبرها المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني في اجتماعه يوم 05 أكتوبر 1988 بأنها أعمال شغب قامت بها مجموعة لا تتمتع بالحس المدني مدفوعة بأيدي خفية من الخارج، وتبعاً لذلك قرر رئيس الجمهورية إعلان حالة الحصار يوم 06 أكتوبر مما استوجب تدخل الجيش لإعادة الهدوء للبلاد.10 أسفرت تلك الأحداث حسب الإحصائيات الرسمية عن حوالي 189 قتيلاً و1442 جريحاً، وضمن هذا الاطار ألقى رئيس الجمهورية خطاباً في 10 أكتوبر مندداً فيه باحتكار السلطة ومتأسفاً عن الخسائر الناجمة عن الأحداث ووعد الشعب بإصلاحات سياسية كبيرة.11

ثانيا:الاصلاحات السياسية كآلية لتكيّف النظام.

أفرزت التحولات مجموعة من الإصلاحات السياسية كانت آثارها واضحة في التعديلات و التغيرات التي طرأت على بنية و هيكل النظام السياسي الجزائري ، و سنتناول في هذا الإطار التحولات السياسية التي أخذ منها النظام آلية للتكيف مع مدخلات البيئتين الداخلية والخارجية،وأهم هذه التحولات السياسية:

-         التعديل الجزئي للدستور في 03 نوفمبر 1988.

-         الإصلاحات في دستور فبراير 1989.

-         قانون الجمعيات السياسية في 05 جويلية 1989.

-         قانون الانتخابات المؤرخ في 07 أوت 1989.

-         قانون الإعلام المؤرخ في 03 أفريل 1990.

و فيما يلي شرح لهذه الإصلاحات السياسية الهامة:

أ‌-                                                                        - 1التعديل الجزئي للدستور في 03 نوفمبر 1988:

تمثل أول تحول سياسي عقب أحداث أكتوبر 1988 في التعديل الجزئي لدستور 1976 حيث قرر رئيس الجمهورية أن يعرض على الشعب عن طريق استفتاء ينظم في 03 نوفمبر 1988 مشروع تعديل للدستور يتعلق بتنظيم جديد للوظيفة التنفيذية يختار بمقتضاها رئيس الجمهورية رئيسا للحكومة يكون مسؤولا أمام المجلس الشعبي الوطني.12 لكن تمت صياغة مشروع هذا التعديل دون مشاركة حزب جبهة التحرير الوطني كطرف في الإصلاح، بسبب الممارسات الفاشلة التي اتهم بها ،وحتى تأخد الإصلاحات مصداقيتها لأنه في أحداث أكتوبر 1988  تمّ تحميل الحزب جزءا كبيرا من المسؤولية جراء الركود الإقتصادي والسياسي والإجتماعي الذي أصاب البلاد.13  ويهدف إستحداث منصب رئيس الحكومة إلى إبعاد رئيس الجمهورية عن المواجهة السياسية، و جعل الحكومة تتحمل مسؤوليتها في التسيير، و بالتالي إمكانية إقالتها عندما تقتضي الضرورة ذلك.

            لقد تم إعادة صياغة المادة (05) من دستور 1976 بشكل واضح و أصبح، « بإمكان رئيس الجمهورية أن يرجع مباشرة إلى إرادة الشعب »، و هو ما عزز من علاقته بالشعب، خاصة أنه وعدهم بإصلاحات سياسية عميقة في خطاب 10أكتوبر1988الذي ندد فيه باحتكار السلطة. ورغم وجود المادة (111) الفقرة (14) التي تنص بأنه « يمكن له أن يعمد إلى استفتاء الشعب في كل القضايا ذات الأهمية الوطنية »، لكنّ الصياغة غير وافية و لا تمنحه سلطة كافية في الرجوع إلى الشعب خاصة عندما يتخذ المؤتمر موقفه بالأغلبية باعتبار أن المؤتمر يتولى- حسب القانون الأساسي للحزب- بحث القضايا التأسيسية للدولة إنطلاقا من المادة (95) الفقرة (09) من قانون الحزب.14

        إن إلغاء الفقرتين (02 و09 ) من المادة (111) اللتين تعبران عن تجسيد رئيس الجمهورية لوحدة القيادة السياسية للحزب و الدولة و ترأسه الاجتماعات المشتركة لأجهزتهما تعد مسألة في غاية الأهمية،لأنّ هذا التعديل يبعد الحزب من مراكز القيادة السياسية ويفصله عن الدولة، ويحرير المنظمات الاجتماعية و المهنية من وصاية و سيطرة الحزب، و يفسح المجال للترشح في المجالس المنتخبة دون شرط إجبارية العضوية في الحزب حسب المادة (120) من قانونه الداخلي،لكنّ  أهم إصلاح سياسي شكل تحولا سياسيا حقيقيا في الجزائر تمثل في دستور 1989.

 2- الإصلاحات في دستور 23 فبراير 1989.

يعتبر دستور 1989 نقطة تحول في الحياة السياسية الجزائرية لأنه نقل الجزائر من نظام الحزب الواحد إلى نظام التعددية السياسية ،حيث تم تنحية الحزب كهيئة دستورية تحتكر وحدها العمل السياسي.15 لقد كان رئيس الجمهورية يرى أنه لا يمكن القيام بإصلاحات اقتصادية حقيقية دون إصلاحات سياسية ،ونظرا لمعارضة القوى المحافظة في حزب جبهة التحرير الوطني فقد تمت صياغة المشروع النهائي لدستور 1989 من طرف شخصيات في رئاسة الجمهورية دون مشاركة الحزب.16 و تتمثل المحاور التي تضمنها دستور 1989 في النقاط التالية:17

-         التخلي عن الخيار الاشتراكي.

-         نص على الفصل بين السلطات الثلاثة التشريعية و التنفيذية و القضائية

-         الاعتراف بحق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي.

-         نص على إحترام حقوق الأساسية للإنسان و حرياته.

-         الإ علان إنشاء مجلس دستوري لضمان الرقابة على دستورية القوانين.

-         التأكيد على ضمان الملكية الخاصة.

لقد أنشأ دستور 1989 الشروط القانونية للتعددية مما أعطى للجزائر منذ الاستقلال توجها سياسيا جديدا يختلف عن التوجه السياسي السابق، يمنع إحتكار الحياة السياسية من طرف الحزب الواحد و إيديولوجيته الشعبوية، و اممارساته البيروقراطية التي ميزت الفترة السابقة.18 و تجسيداً لدولة القانون وحفاظا على الشفافية في تسيير أمور المجتمع، مما يسمح للحريات الفردية و الجماعية أن تعبر عن آراءها في كل القضايا التي تخص الدولة و المجتمع تم تدعيم تلك المفاهيم  بمجموعة من النصوص القانونية في دستور 1989 أبرزها المواد التالية:

-  المادة (36) التي تنص على « حرية الإبداع الفني و العلمي » و بناءاً على هذه المادة فحرية التفكير و الابتكار في المجالات الفنية و العلمية مفتوح و عليه لا يجوز حجز أي مطبوع أو تسجيل، أو أية وسيلة أخرى من وسائل التبليغ و الإعلام إلا بمقتضى أمر قضائي.

-  المادة (39) و تنص على  « حرية التعبير و تأسيس الجمعيات و عقد الاجتماعات »19، ومن ثم فحرية التعبير أو الرأي مضمونة للمواطنين في شكل فردي أو جماعي.

-  المادة (40) و تنص أن « حق إنشاء الجمعيات ذات الطابع السياسي معترف به »20 يتضح من خلال هذه المادة أن الدستور قد ضمن حق التعددية الحزبية لكنه وضع قيدا عليه و هو عدم التدرع بهذا الحق للمساس بالحريات الأساسية و الوحدة الوطنية و السلامة الترابية و استقلال البلاد و سيادة الشعب.و قد أصاب المشرع الجزائري عندما استعمل مصطلح "معترف به" للدلالة على أن التعددية الحزبية كانت قائمة في الواقع السياسي الجزائري من قبل بيد أن نشاطها ظل سريا و لذلك فالاعتراف القانوني بحق التحزب في هذا الدستور الجديد جاء ليقنن ذلك الواقع.21

3 - قانون الجمعيات ذات الطابع السياسي في 05 جويلية 1989.

        إستكمالا للإصلاحات السياسية التي جاء بها دستور 1989 و تدعيما للتعددية الحزبية، تم إصدار قانون الجمعيات ذات الطابع السياسي في 05 جويلية 1989 الذي فتح المجال لتشكيل جمعيات ذات طابع سياسي كمرحلة أولى للمرور الى التعددية الحزبية ،و يمثل هذا الانتقال إلى نظام التعددية الحزبية جوهر الإصلاحات السياسية المعبر عنها بمرحلة الديمقراطية في الجزائر. جاء هذا القانون ليؤطر العمل السياسي، وتناول عبر أبوابه الخمسة الإجراءات التي تحكم إنشاء الأحزاب السياسية الجديدة و أهدافها و ممارساتها و ترتيباتها المالية، و كذلك العقوبات و الإجراءات الممكن توجيهها إلى الحزب في حالة مخالفته للقانون حفاظا على الاستقلال الوطني و الوحدة الوطنية، كما منع  القانون لأول مرة أعضاء الجيش الوطني الشعبي و موظفي مصالح الأمن من الإنخراط في أية جمعية ذات طابع سياسي حسب نص المادة (07) من قانون الجمعيات ذات الطابع السياسي، رغم أن دستور 1989 كان قد حدد دور الجيش و حصره في الدفاع الوطني و الحفاظ على الاستقلال ووحدة البلاد و كل ما يمس سلامتها و أملاكها و تجسد ذلك فعليا باستقالة إطارات الجيش في 03 مارس 1989 من اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني.22 ويهدف تأكيد قانون الجمعيات السياسية على إبعاد المؤسسة العسكرية من السياسة و التحزب إلى المحافظة على وحدتها و إبعادها عن الصراعات الحزبية، ضمن هذا الصدد يقول الرئيس الشاذلي : « الجيش الذي يدخل في السياسة جيش سيدخل في الصراعات، في الماضي كان هذا مقبولا لأنه يوجد حزب واحد، أما اليوم فهناك تعدد أحزاب...و إذا سمحنا للضباط بأن يدخلوا إلى جبهة التحرير الوطني فإنني لا أستطيع أن أمنع ضباطا آخرين من دخول أحزاب أخرى ».23

      بعد صدور قانون الجمعيات السياسية أقبل العديد من الأشخاص على إنشاء الأحزاب حتى بلغ عددها ما يقرب 60 حزبا و يمكن تفسير هذا الاقبال بعدة عوامل هي:24

1- التعطش إلى ممارسة العمل الديمقراطي و التسابق لإسقاط النظام التي هزته الأزمة و تآكلت شرعيته.

2- فقدان الثقة بين الأفراد في المجتمع و الصراع بين الأشخاص الذين مارسوا العمل السياسي قبل الثورة التحريرية و أثناءها و في ظل نظام الحزب الواحد.

3- عامل التسهيلات المفرطة التي يقدمها قانون الجمعيات ذات الطابع السياسي للحصول على الاعتماد حيث تكتفي المادة (14) منه بـ 15 شخصا على الأقل ليؤسسوا جمعية سياسية، أما الشروط الأخرى المحددة في المادة (12) و(13) فهي مجرد التعريف بالجمعية و تنظيمها و الحالة المدنية لأعضائها.

4-التسهيلات المالية و المادية من طرف الدولة فقد شجعت الدولة الأحزاب بالاعتمادات المالية السنوية و المقرات بحجة تنشيط الحياة الديمقراطية.

5- عامل التغاضي عن المبادئ الأساسية في إصدار الاعتماد و نقصد احترام المادة (05) التي تنص « ألا ينبني تأسيس الجمعية السياسية أو عملها على قاعدة دينية أو لغوية أو جهوية أو قاعدة الانتماء إلى جنس أو عرف أو وضع مهني معين » و هو ما انعكس سلبا على الحياة الحزبية في الجزائر بحيث ظهرت أحزاب سياسية تركز في عملها و نشاطها على مقومات الهوية الوطنية المتمثلة في الإسلام و العروبة و الأمازيغية.25

 4- قانون الانتخابات في 07 أوت 1989

        يفترض إنتقال النظام من الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية إعادة النظر في القوانين المنظمة للانتخابات، وهذا بادخال تعديلات وتغييرات عليها، وهو ما عرفه قانون الانتخابات الصادر في 25 أكتوبر 1980 الذي ألغي بعد صدور قانون الانتخابات في  07 أوت 1989، وأهم التغييرات التي طرأت على القانون السابق هي:

-   كان الترشح للمجالس المنتخبة يتم عن طريق الحزب حسب نص المادة (66) من قانون الانتخابات لسنة 1980، التي تنص أنه « ينتخب أعضاء كل مجلس شعبي من قائمة وحيدة للمترشحين يقدمها حزب جبهة التحرير الوطني »، فتم إلغاء هذه الكيفية و أصبح حق الترشح مسموحا به للجميع طبقا للمادة (66) من قانون الانتخابات الصادر في 1989، سواء كان هذا الترشح باسم جمعية ذات طابع سياسي أو عن طريق الترشح الحر.

-   بالنسبة لنمط الاقتراع فقد جمع قانون الانتخابات لسنة 1989 بين نظامين الأغلبية المطلقة،و الأغلبية النسبية، فإذا حصلت قائمة على الأغلبية المطلقة في دائرة ما تحصل على كل مقاعد الدائرة الانتخابية، أما إذا لم تحصل أية قائمة على الأغلبية المطلقة يتم تقسيم المقاعد على القوائم وفقا لقانون التمثيل النسبي، و بعد تعديل هذا القانون تم إلغاء طريقة التمثيل المطلق و اعتماد طريقة التمثيل النسبي بحيث نصت المادة (61) من قانون الانتخابات رقم 90/06 المعدل لقانون 1989 علىأن: « انتخاب المجلسين الشعبي البلدي و الولائي يكون لمدة 05 سنوات بطريقة الاقتراع النسبي على القائمة مع أفضلية الأغلبية في دور واحد ».26

-  أما بالنسبة لانتخابات المجلس الشعبي الوطني فقد حددت المادة 84 من قانون الانتخابات لسنة 1989 طريقة الاقتراع النسبي على القائمة مع أفضلية الأغلبية في دور واحد.27 لكن تم تعديل هذه المادة وفقا لقانون رقم 90/06 و أصبحت طريقة الاقتراع على الاسم الواحد بالأغلبية في دورين.

-    سمح القانون للمترشحين أو ممثليهم بالمشاركة في عملية الفرز و حتى حضور عمليات التصويت حيث نصت المادة (49) من قانون الانتخابات أنه« ... يمكن لكل مترشح أو ممثليه أن يراقبوا جميع عمليات التصويت، و فرز الأوراق، و تعداد الأصوات في جميع المكاتب التي تجري بها هذه العمليات، و أن يسجل في محضر كل الملاحظات أو المنازعات المتعلقة بسير هذه العملية ».

هذه أهم الإصلاحات التي جاء بها قانون الانتخابات الصادر في 07 أوت 1989 و سنرجع إلى بعضها عند الحديث عن تجربة الإنتخابات التعددية في الجزائر و ما طالبت به بعض الأحزاب من تعديلات على هذا القانون.

 5- قانون الإعلام في 03 أفريل 90.

جاء قانون الإعلام المؤرخ في أفريل 1990 هو الآخر كنتيجة للإصلاحات التي كرسها دستور 1989، مما جعل قطاع الإعلام و الاتصال يعرف تحولا جذريا وضع حدا خاصة في الصحافة المكتوبة لاحتكار الدولة و الحزب الواحد لميدان الإعلام.28 و قد نص قانون الإعلام على حق المواطنين في الحصول على الإعلام الكامل و الموضوعي للوقائع و الآراء التي تهم المجتمع على المستوى المحلي و الدولي، و كذا حقهم في المشاركة في الإعلام لممارسة حرياتهم الأساسية.و نصت المادة (14) من هذا القانون على وضع نهاية لاحتكار و سيطرة الدولة على قطاع الصحافة المكتوبة، حيث يصبح من حق الجمعيات و الأحزاب الامتلاك و النشر،29 إلا أن تحول قطاع الصحافة من صحافة مناضلة إلى صحافة مهنية و موضوعية و ذات مصداقية لم يمنع النظام من الإبقاء على الاحتكار في قطاع التلفزيون و الإذاعة.30 وقد اعترف قانون الاعلام بالعناوين الصحفية التي تنشئها الأحزاب و الأشخاص الطبيعيون و المعنويون الخاضعون للقانون الجزائري إلى جانب وجود قطاع الإعلام العمومي، كما وضع الوسائل التنظيمية الجديدة للتكفل بصلاحيات السلطة العمومية و ضمان استقلالية الإعلام و تمثيل المهنة على مستوى السلطة، كوزارة الإعلام ، و المجلس السمعي البصري، و المجلس الأعلى للإعلام.31يعتبر المجلس الأعلى للإعلام وفقا لهذا القانون سلطة إدارية مستقلة للضبط و التنظيم مكلفة بحياد أجهزة قطاع الإعلام و عدم تحيزها في نقل الأخبار و غيرها و تفادي تركيز العناوين و الأجهزة الإعلامية لدى مالك واحد قد يكون له تأثير مالي أو سياسي أو إيديولوجي عليها، كما حدد القواعد التي تحكم سير الحملات الانتخابية في إطار قطاع الإعلام العمومي.

         رغم صدور قانون الإعلام الذي عزز من حرية الصحافة ، إلا أنها بقيت تحت رحمة السلطة نظرا لصعوبات الطبع كما أن الجرائد المستقلة لا تستطيع الاستفادة من إعانات مالية مباشرة أو غير مباشرة من شخص طبيعي أو معنوي أو من حكومة أجنبية، و قد برر المشرع ذلك بالخوف من سيطرة رأس المال الأجنبي على الإعلام الوطني. بالإضافة إلى وجود بعض المواد القانونية التي تقيد من حرية الصحافة و النشر كالمادة (36) التي تنص عن المصالح العليا للوطن، وقد استعملت عدة مرات لتوقيف العديد من الصحف أو الصحافيين. و مهما يكن فقد أفرز قانون الإعلام الصادر في 03 افريل 1990 العديد من الصحف و العناوين ،حيث بلغ عددها أكثر من 100 عنوانا بين يوميات و أسبوعيات و دوريات.32

تلكم هي أهم الإصلاحات السياسية التي أفرزتها التحولات السياسية، وحاول النظام السياسي التكيف من خلالها مع الأوضاع الجديدة في الساحة السياسية . 

 الخاتمة:

            شكلت أحداث أكتوبر 1988 مدخلاً للتحولات السياسية التي انعكست على النخبة الحاكمة، وعلى هيكل النظامالسياسي، وبعبارة أخرى ساعدت الأحداث على التسريع من وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي شرع فيها النظام من قبل، وفي نفس السياق أعلنت رئاسة الجمهورية عقب تلك الأحداث عن مجموعة من الإصلاحات السياسية مست جبهة التحرير الوطني وتجاوزت ذكرى الحزب كجهاز مؤسساتي في محاولة لإحداث تغيير راديكالي في مكانة جبهة التحرير الوطني داخل النظام السياسي الجزائري، وذلك بإلغاء احتكار الجبهة للمجال السياسي منهية وصايتها على المنظمات الجماهيرية وألغت العمل بالمادة (120) من قانون الحزب وحدت من تدخلها في شؤون الدولة، مما أدى إلى دمقرطة ولو محدودة للحياة السياسية. كما أ علنت الرئاسة عن إجراء تعديل دستوري يمس الوظيفة التنفيذية في 03 نوفمبر 1988 ، لكن عقب الاستفتاء على دستور 1989 صدرت عدة قوانين تنظم الساحة السياسية منها قانون الجمعيات ذات الطابع السياسي في 05 جويلية 1989، وقانون الانتخابات في 07 اوت 1989، وقانون الاعلام في 03 افريل 1990. تندرج تلك الاصلاحات السياسية التي شرع فيها النظام في اطار تكيفه مع التحولات السياسية، وفي اطار تفاعلاته مع مدخلات البيئتين الداخلية والخارجية ، وبقصد الحفاظ على توازناته ومصالحه .

الهوامش :

[1]  تمالت، محمد، الجزائر من فوق بركان حقائق و أوهام (1988-1999). الجزائر: ب د ن، 1999 ، ص08.

2 خوجة، محمد، سنوات الفوضى و الجنون الانحدار نحو العنف. الجزائر: ب د ن، 2000 ص40.

3 محمد تمالت، مرجع سابق، ص10.

4 محمد،جمال، « الجزائر الجمهورية الثانية ». مجلة الحوار، عدد(20)، فيفري 1989، ص14.

5 خطاب رئيس الجمهورية ليوم 19-09-1988 أمام إطارات الدولة والحزب ومكاتب التنسيق الولائية.

6نفس المرجع

7 بو الشعير، سعيد، النظام السياسي الجزائري. الجزائر: دار الهدى، 1990، ص178.

8 الكنز، علي، الأزمة خمس دراسات حول الجزائر و العالم العربي. الجزائر: دار بوشان للنشر،1990,ص09

9 الزبيري، محمد العربي، المؤامرة الكبرى أو إجهاض الثورة. الجزائر: المؤسسة الجزائرية للطباعة، 1989 ، ص40

10  سعيد بوالشعير، مرجع سابق، ص178

11 نفس المرجع ، ص178.

12«  بيان رئاسة الجمهورية حول تعديلات دستورية و إصلاحات سياسية ». المجاهد الأسبوعي ، عدد    (1472)، يوم 21-10-1988، ص6.

13 Abedelkader, Djegloul,« Lemultipartisme à l’Algérienne », Maghreb-Machrek, N°) 127(, 03 Janvier-Mars 1990, p 196.

14  سعيد بوالشعير، مرجع سابق، ص184.

15LAMCHICHI, Abderahim, L’Algérie en crise : crise économique et changements politiques. Paris : éditions L’harmattan, 1990,p290.

16 عمر، فرحاتي، "إشكالية الديمقراطية في الجزائر". ( رسالة ماجستير، معهد العلوم السياسية و العلاقات الدولية، جامعة الجزائر، 1992)، ص80.

17Abderahim Lamchichi, op. cit, 291.

18 Ibid, p 291.

19 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، دستور 1989. الجزائر: وزارة الداخلية، ص 13.

2.0 نفس المرجع ، ص13.

21 صدوق، عمر، آراء سياسية و قانونية في بعض قضايا الأزمة. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية,1995,ص74.

22  عمر فرحاتي، مرجع سابق، ص84.

23 رشيد، بن يوب، دليل الجزائر السياسي. الجزائر: المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، جانفي 1996، ص15

24 « الرئيس الجزائري في حوار مع الشرق الأوسط ». جريدة الشرق الأوسط، العدد (3961)، يوم 02 اكتوبر، سنة ,1989,ص07.

25  بهلول، محمد بلقاسم حسن، الجزائر بين الأزمة الاقتصادية و الأزمة السياسية تشريح وضعية. الجزائر: مطبعة دحلب، 1993، ص 84-86.

26 ركزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في نشاطها السياسي على الإسلام، واعتمدت جبهة القوى الإشتراكية على الأمازيغية .

27 حسن بهلول، مرجع سابق، ص 104.

28 نفس المرجع ،ص 104.

29 بورادة، حسين، الإصلاحات السياسية في الجزائر. الجزائر: ب د ن، 1996، ص187.

30 رشيد بن يوب، مرجع سابق، ص34.

30 نفس المرجع ، ص 34.

31 حسين  بورادة، مرجع سابق، ص187.

32 رشيد بن يوب، مرجع سابق، ص35.