أزمـة تعريـف فكـرةحقــوق الإنسـان فـي ظـل العولـمـة الراهنة:pdf

بعض الشـواهـد علـى الأزمـة المعاصرة للعالـمـيـة الغـربيـة

قاســم حجـاج

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

مقـدمـة:

تدخل البشرية ديناميكية متسارعة من الاندماج والاعتماد المتبادل القسري والإرادي بين الثقافات والاقتصادات والدول الأمم بقيادة قوى غربية وأسيوية. وتزداد وتيرة تلك الديناميكية منذ نهاية الحرب الباردة حيث يجري تسريع خطى العولمة من طرف القوى المعولمة الكبرى تحسبا لظهور قوى غير غربية جديدة تسعى لتساهم إلى جانب بعض القوى الغربية في صناعة حضارة القرن الواحد والعشرين.

ومن بين ما تجري عولمته قيم وقوانين وقواعد ومعايير ومثل ومبادئ وأفكار ومعارف منها فكرتا حقوق الإنسان والديمقراطية الليبيرالية. ولما كانت فكرة حقوق الإنسان مثلا من بين القيم  الموروثة عن التفاعلات الفكرية- المعرفي- السياسية- الاقتصادية لعصر الأنوار والحداثة والتحديث الأوروبي، فإن ميراث ثقافة حقوق الإنسان المعاصر قد طبع بطابعها وانعكست خصائص عالمها ومستوى تطور الإنسانية وطبيعة المسلمة المعرفية التجزيئية السائدة آنذاك على معظم الأدبيات المتداولة عنها.

ومن تفاعلات العلاقات الدولية المعاصرة أن القيم "العالمية" - أي عالمية القيم الخصوصية الحضارية الغربية ومنها عالمية حقوق الإنسان كما ورثتها البشرية من التجربة الحضارية الغربية- تمر اليوم في ظل العولمة الجارية بأزمة في التصور والممارسة، حيث تتعرض للنقد المزدوج من داخل المنظومة الحضارية الغربية ومن داخل المنظومات الحضارية غير الغربية:

1)- من المنظومة الحضارية / الخصوصية الغربية: نقد فكري، فلسفي آت من جهة القوى المناهضة للعولمة ومن تيار ما بعد الحداثة الناقد لموروثات الحداثة الغربية، مستندين إلى ما يكتنف عقلانية عصر الأنوار من قصور وما تتعرض لـه  تلك المبادئ من انتهاكات بسبب وقوع ذلك المنظور في فخ المركزية والرؤية الثنائية الصراعية الغربية للإنسانية ( الغرب ضد بقية العالم / المتحضرون ضد البرابرة ) ويظهر ذلك من خلال حصيلة ممارسات قوى العولمة النيوليبرالية التي تريد تحويل جل ما في الطبيعة إلى سلعة، بينما يجري تسليع كل ما يتعلق بالإنسان من الجينوم البشري إلى الثقافة...

2)- من المنظومات الحضارية / الخصوصيات غير الغربية: حيث تساهم العولمة في إبراز التعددية الثقافية للكوكب- الوطن وتبرز الأصوات الناقدة والمثرية لثقافة حقوق الإنسان منذ بدايات استقلالات بلدان العالم المستعمَر. ومن ثمة تتعرض عالمية فكرة حقوق الإنسان لأزمة عميقة تظهر من خلال الحروب الباردة التي اشتعلت هنا وهناك بعد انهيار العالمية الشيوعية وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بالقيادة العالمية وأزمة منظومة الأمم المتحدة وظهور قوى اقتصادية جديدة غير غربية كائنة وصاعدة.

هي إذا حروب باردة بين الغرب والخصوصيات الثقافية غير الغربية ( مثل الأزمة الغربية – الصينية حول حقوق الإنسان)، وبين الغرب والإسلام وخاصة مع تداعيات تفجيرات 11 سبتمبر 2001م، مع تزايد مظاهر عولمة الوجود والحركية الإسلامية عبر القارات الخمس سلميا وبشكل غير مسبوق.

 إن الواقع، يشهد أن العولمة بقدر ما قربت وسائلها - عبر ديناميكية السوق الكوكبية والتكنولوجيات الاتصالية – بين أركان هذا الكوكب- الوطن في الزمن العالمي الحقيقي، بقدر ما باعدت بين الشعوب والأمم حقائق العولمة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية  والخصوصيات الثقافية التي طالما أقصتها الخصوصية الحضارية الغربية عن المساهمة في صناعة مستقبل البشرية باسم المركزية العرقية والتفوق الحضاري.

خصوصيات تسعى للمشاركة في صياغة منظومة حقوق الإنسان الجديـدة بعيدا عن المركزيات العرقية والحضارية والتمركز حـول الإنسان بمعـزل عـن الطبيعة التي تتعرض لاعتداءات واختلالات إيكولوجية تهدد الوجود البشري فوق الكوكب، إضافة إلى ضرورة الكـف عـن اجترار منظوماتنا الثقافية والتربوية  للأنماط التمييزيـة/ les stéréotypes discriminatoiresوتكريس العولمة الاقتصادية لأشكال من اللاتفاوتات الاجتماعية-الاقتصادية  التي تبررها الداروينيات الاجتماعية والشموليات والأصوليات المتطرفة والتعصبات الشوفينية للوطنيات والقوميات المختلفة وثقافة شعب الله المختار ومقولات الصراع بين الحضارات أو داخل الحضارات، بل على أساس القيم العالمية التي تحدد ميثاقا لـ" واجبات الإنسان" لإضفاء المزيد من الأنسنة والأخلاقية على الحضارة المادية المعاصرة، بحيث تعكس العالمية الجديدة القيم الإنسانية المشتركة لسائر البشرية المنخرطة في ديناميكية التحديث الكوكبية.

إشكالية الموضوع:

سنحاول التعرض لمظاهر أزمة تعريف فكرة حقوق الإنسان التي تعبر جزئيا عن أزمة شاملة قيم "العالمية" الغربية في ظل العولمة رغم الانتشار والتداول الذي تعرفه في الأوساط السياسية والعلمية والإعلامية والحقوقية. فنظرا لتلك الأزمة، فإن العولمة تبدو برغم سلبياتها، فرصة لجميع الخصوصيات – بما فيها الخصوصية الحضارية الغربية- لتجسيد عالمية جديدة بإعادة التفاوض والتحاور الحضاري السلمي حول ثقافة حقوق الإنسان بصياغة تعريف أعمق وأشمل لمفهوم حقوق الإنسان (الإنسان- الفرد والإنسان- الأسرة والإنسان- الجماعة والإنسان- الطبيعة).

ومن هنا تساؤلات هذا الموضوع:

- أي تعريف عام للعولمة عامة وللعولمة الراهنة تحديدا ؟

- أي تعريف للعولمة السياسية والحقوقية الراهنة؟

- أي فرص ومخاطر سياسية وحقوقية للعولمة الراهنة؟

- كيف تطور مسار تعريف فكرة حقوق الإنسان؟

- أي أثر للعولمة الراهنة على فكرة حقوق الإنسان؟

- أخيرا، أي مخرج ممكن من أزمة فكرة حقوق الإنسان في ظل العولمة الراهنة؟

أولا: تعريف عام للعولمة الراهنة

إنالعولمة – حسب عدد من الباحثين –مسار وسيرورة تاريخية مركبة ومتعددة الأبعاد والأقطاب. أو هي اتجاه مستقبلي ثقيل وقوي يؤثر في كافة الأنساق في المنظومة الكوكبية.  كما أنها أيضا ديناميكية موضوعية تدفع جميع المجتمعات المعاصرة - بما فيها القوى المعولمة الكبرى الرئيسية كالولايات المتحدة الأمريكية(1)– على ظهر هذا الكوكب – الوطن – على حد تعبير إدغار موران – تدفعها إلى إعادة هيكلة متعددة الأبعاد والمستويات والوتائر لقيمها وهياكلها ونظمها وقوانينها ومؤسساتها، حيث غيرت ديناميكيتها مضامين مفاهيم ومسلمات كثيرة موروثة عن قرون النهضة الصناعية وعملية التحديث الموروثة عن عهد الأنوار الأوروبية ومسلمات الدولة القومية الحديثة لما بعد معاهدة ويستفاليا لعام 1648م، مثل مفاهيم الزمان والمكان والدولة والهوية والمواطنة والديموقراطية والحدود والسيادة والاقتصاد والعمل والقيمة...الخ. حتى أضحى كثيرون يتحدثون عن أن ما يشهده العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، عبارة عن مرحلة انتقالية تاريخية ومنعطف تاريخي غير مسبوق تمر به البشرية، معبرين عن ذلك ببادئات مثــل: نهاية، ما بعد، بلا، عابر، متعدي، متعدد(2).

كما تؤدي ديناميكية العولمة إلى حدوث ردود فعل متباينة إزاءها قبولا ورفضا وانتقاء أي تأرجحا بين الرفض والقبول، بحسب الموقف والمصلحة والفهم وتفاوت القدرة على التمييز بين حقائقها وأوهامها، بين جوانبها الدعائية الأيديولوجية وجوانبها الموضوعية، فانقسم المختصون بين قائل بأنها جزء من استراتيجيات كوكبية لقوى سياسية وعسكرية دولية كبرى، وبين قائل بأنها تطور انتقالي نحو موجة حضارية ثالثة على حد أطروحة ألفن طوفلر ودانيال بيل وغيرهما.

ولعل سبب الجدل حولها أنها تحمل في طياتها عدة مفارقات منها أن العولمة الراهنة تحمل في طياتها اتجاهات متناقضة: اتجاهات توحيدية تنميطية تدفعها مثلا قوى السوق الكوكبية والقوى المؤمنة بعالمية القيم الغربية وصلاحيتها لكافة الأنساق الحضارية واتجاهات تفتيتية خصوصياتية يسعى بعضها لتأكيد الذات والآخر لاستعادة الأمجاد الوطنية المفقودة والآخر يعبر عن وجوده بمواجهة قوى السوق الساحقة للثقافات الناهبة للثروات الوطنية باسم مناطق التبادل الحر، بحيث يتجاور الفقر المدقع مع الثراء الفاحش والخطاب الديمقراطي مع ممارسات ديكتاتورية شمولية.

 إذا هي مسار مفارقي الطبيعة، يفرض علينا التعامل معه وفق منطقها المفارقي المزدوج: فوسائلها تتيح – كإمكانية - فرصا متساوية – بفضل خصائص الثورة الرقمية والتكنولوجيات الجديدة- لبلدان ومجتمعات الشمال والجنوب على السواء. بينما حقائقها تكشف عن منطق الإقصاء والتهميش والمزيد من استفحال قوى السوق الكبرى التي تعتبر أولوية الربح على سائر الأولويات بما فيها الإنسان.

فالعولمة عولمات: عولمة الاتصالات والمعلومات والإعلام، وعولمة المبادلات الاقتصادية، التجارية، المالية، وعولمة الثقافات والأديان والأفكار، وعولمة السياسات والنظم والقوانين، وعولمة المعايير والمقاييس العلمية والتقنية، وعولمة التفاعلات الإيكولوجيا، وعولمة الاستراتيجيات الأمنية والعسكري...

لذلك استباحت الخصوصيات القوية خصوصيات ضعيفة باسم نشر قيم ولغات ومثل و نماذج عالمية (أطروحة  نهاية التاريخ لفوكويامـا..)وانهارت النظم الشمولية وتداعت أركان الديكتاتوريات واستفاقت النزعات الخصوصية القومية وما قبل القومية من النزعات القبلية، العروشية، الطائفية، اللغوية، الجهوية من قمقمها بعد طول اختفاء وكمون وكبت خلف أسوار الخطاب الأيديولوجي الدعائي التسطيحي التنميطي ( القومية، الشيوعية، الرأسمالية، الإسلامية، العلمانية..) لحقبة الحرب الباردة، لتظهر نزعات ما بعد القومية من قبلية إلكترونية وأحزاب إلكترونية وانتخابات إلكترونية وجمهوريات إلكترونية... وتزداد بذلك الاختراقات للمجالات الوطنية وللحياة الخاصة بل وللحياة الطبيعية (الهندسة الوراثية واكتشاف خصائص الجينوم الوراثي والاستنساخ..) والمحلية والأسرية والشخصية(3). مما زاد من احتمالات طمس الثقافة والدين والإنسان والبيئة والصحة...

حيث يبدو أن الشمولية – في ظل العولمة الراهنة - قد لبست حلة جديدة مع محاولات الأمركة خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، ومن خلال تنامي ظاهرة التركز المالي والمعرفي والإعلامي والثقافي والغذائي والدوائي، من خلال أمثلة استحواذ واحتكار وهيمنة شركات متعدية الجنسيات وبعض الميريارديرات (حوالي 360 ميليارديرا) على مقدرات شعوب بملاييرها مثل: الإمبراطوريات الخاصة لـ: بيل غيتس وروبيرت ميردوخ وبيرليسكوني وماكدونالد وسي.أن.أن وشركة أول- تيم ورنر ومونسونتو ولاقاردير وداسو…وخطورة تلك التركزات على مستقبل الحرية والتربيةوالقانون والعدالة.(4) خاصة وأن العديد من تلك الشركات متخصصة أصلا في قطاعات الكهرباء والإعلام الآلي وصناعة السلاح والمياه والهاتف والبناء، محولة الإعلام والتربية والتعليم إلى مجرد بضاعة وميدانا للتنافس الرأسمالي ومنه اختراق ووضع اليد على المنظومات الثقافية الأخرى.

فإذا اعتبرنا العولمة تغيرا اجتماعيا كوكبيا واتجاها ثقيلا، فإن موقف أي نظام أو فاعل اجتماعي إزاء هذه الظاهرة لا يمكن أن يشذ عن تبني إحدى الاستراتيجيات التكيفية الثلاث التالية:

1- الاضمحلال مثل الديناصورات مع أو بدون كرامة، في صمت أو في صخب.

2- تكييف متدرج وذكي -ضمن الخصوصية الحضارية والوطنية- للقيم والسلوكيات والأهداف والمنظومات الكلية للمجتمع.

3- صناعة وإبداع مستقبلات بديلة عبر القدرة على التأثير على البيئة المحيطة.

وحيث أن العولمة في أحد تعريفاتها المتكاثرة والمضاربة تعبر عن:"تقاطع/convergence عالمي للمواقف والقيم التي تساهم في إقامة أجواء نفسية، روحية، وجدانية متداخلة للمجموعة البشرية العالمية بشكل غير مسبوق فيما مضى".(5)... فما هي أهم مضامين العولمة السياسية والقانونية بالذات؟

ثانيا : تعريف العولمة السياسية والقانونية الجارية

يمكن أن نقتصر على تعريف للعولمة السياسية والقانونية من وضع أستاذ العلوم السياسية بيرترون بادي فحواه أن مصطلح العولمة " يصف عملية تشكل نظام دولي يتجه نحو التوحد في قواعده القانونية، وقيمه، وأهدافه، مع زعمه العمل على إدماج مجموع البشرية ضمن إطاره."(6)

إذا، العولمة  السياسية- القانونية تمثل من الزاويتين السياسية والقانونية، نهاية  الدولة التدخليـة، الدائمـة والشديـدة الحضـور /L’état omniprésent والتحويل للمزيد من السلطات نحو السفل أي اللامركزية مع الانخراط نحو الأعلى ضمن مؤسسات متعددة الأطراف جهويا أو دوليا والشركات والمؤسسات العابرة للقوميات الاقتصادية والاجتماعية.

إنها تجسد لسعي بعض القوى المعولمة لإضفاء العالمية والتعميم والانتشار والتبشير علـى بعض القيم السياسية والقانونية والاقتصادية المرتبطة بقيم الخصوصية الحضارية الغربية، مما يثير ردود فعل الخصوصيات الأخرى غير الغربية مطالبة بالمساهمة في إعادة تعريف محتوى القيم العالمية السياسية التي يمكن قبولها إراديا مثل قيم الديمقراطية والحريات الفردية والجماعية وحقوق الإنسان والشعوب...الخ

 ثالثا:بعض مضامين وفرص العولمتين السياسية والقانونية الراهنتين

   يمكنني أن أوجز أهم محتويات ديناميكية العولمة السياسية والقانونية الجارية في مجموعة من الخصائص والظواهر والفرص التالية:

- استمرار الدولة- الأمة رغم العولمة كقوة ووحدة رئيسية في العلاقات الدولية بحيث تعززت الدول الأمم بأساليب تكيف جديدة مع تغير – لا نهاية – الحدود الوطنية.

- التحول من الديموقراطية النيابية والمركزية إلى ديمقراطية المشاركة واللامركزية. إذ  إما أن تكون الديمقراطية محلية أو لا تكون. كما أنه لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين وبلا ثقافة وتنشئة ديمقراطية.

وتتيح آليات الديمقراطية الإلكترونية التفاعلية عدة فرص جديدة لتعزيز ديمقراطية المشاركة. التحول من ديمقراطية المجتمع الصناعي على ديمقراطية المجتمع ما بعد الصناعي من الديمقراطية غير المباشرة على الديمقراطية المباشرة الإلكترونية من الديمقراطية المركزية إلى المحلية.

- تحول أساليب إدارة الإقليم الوطني من الأساليب المركزية إلى الأساليب اللامركزية. من الهرمية على الشبكية من الإنسانية- الإنسانية إلى الإنسانية - الآلية الرقمية.

- انتشار ثقافة حقوق الإنسان ومفاهيم المواطنـة والديمقراطية السياسية والتعددية السياسية، وتزايد المطالبة المجتمعية بالمزيـد مـن الشفافية والشرعية والإدارة الديمقراطية للحكـم والشؤون العامة بحيث تطالب بجهاز دولتي فعال اقتصاديا وبأداء متميز للمؤسسات القضائية ومؤسسات الخدمات العامة.

- الانتقال من العلاقات الثنائية دوليا إلى بناء علاقات متعددة الأطراف وعقد تحالفات وتجمعات إقليمية وكوكبية عبر الاتحاد الأوروبي، مناطق التبادل الحر العربية الأورومتوسطية، الكوميسا، الإيغاد، الأزيان ، النافتا، منظمة التجارة العالمية الناتو والشراكة من أجل السلام، منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، الآبيك، الأوبيك، منظمـة التجـارة والتعـاون الاقتصـادي (OCDE) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية(UNCTAD) برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية/UNDP...الخ

- الأخذ بمبدأ النسبية الثقافية والتعددية الثقافية في بناء الجماعات الوطنية لتلافي  انفراط رابطة العقد الوطني ولتعبئة جميع الموارد البشرية الوطنية المتاحة بكافة ألوان طيفها بعيدا عن السياسات والنماذج المفرطة في التجانسية التنميطية للهوية الوطنية.

- إعادة تعريف مفاهيم سياسية كلاسيكية(7)مرتبطة بالظروف التاريخية الحضارية لظهور الدولة الوطنية الحديثة مثل: السيادة الوطنية، الهوية الوطنية، الحدود الوطني، الاقتصاد الوطني، السوق الوطنية، الهوية الوطنية، اللغة الوطنية... بحيث تنسجم مع التحولات التي تدفع إليها ديناميكية العولمة الاتصالية والاقتصادية...

- تنامي أدوار ووظائف المجتمع المدني وطنيا وعبر الأوطان وتزايد الوعي المواطني بأهمية المشاركة السياسية محليا ووطنيا وكوكبيا للحيلولة دون تداعي عدوى الأزمات والأمراض العابرة للحدود الوطنية وحلها ضمن شروط ممارسة الديمقراطية المحلية والوطنية عن طريق الحركة الجمعوية .

- الأخذ بمبدأ الحكم الصالح والشفافية ودولة القانون والإلحاح على المزيد من الشفافية والنظافة السياسية والإدارية والمحاسبية في إدارة المال العام وفي إدارة الشأن العام وتنمية الموارد الاقتصادية بعيدا عن المحسوبية والرشوة والمحاباة والغموض واللصوصية وإهدار الموارد في مشاريع ترفيه بذخية ترهن مستقبل الأجيال القادمة وتحول دون تحقيق تنمية مستديمة..

- زيادة درجة التسييس لأوساط واسعة من البشر بعد طول احتكار للمجال السياسي من طرف السياسيين وأساليبهم السرية في إدارة الشأن العام وانكشاف الكثير من ممارساتهم عبر السلطة الرابعة ومواقع الإنترنت والقنوات الفضائية والمعارضات السياسية وهذا أتاح فسحة من الإعلامية أكبر وقلص من حدة تهميش أو هامشية الدور السياسي لقطاعات سكانية كبيرة.

- تزايد وتيرة الحراك الجيلي وسرعة تنضيج وعي الصغار والشباب من الأجيال الجديدة التي عاصرت ثورة المعلومات والاتصالات وموجة الدمقراطيات الصاعدة، مما يضغط في اتجاه التجديد للقيادة والتداول الجيلي على السلطة – على أساس الإدارة عبر الفريق واللجوء إلى الذكاء الجماعي على المستويات المحلية والمركزية للتغلب على حدة المنافسة وتعقدية النظم والحركيات، خاصة لما أضحى يتطلبه الفعل السياسي من مهارات لا تكفي فيه القدرة الخطابية وكاريزما الشخصية والإنجازات البطولية قيادات الجيل المخضرم من الأجيال الشبانية السابقة.

- تعقد العمل السياسي وتزايد تكاليفه المعنوية والمادية على المستوى الفردي والمحلي والوطني والدولي مما يتطلب تكوينا مستمرا للنخب السياسية وتعبئة للذكاء الجماعي الوطني والتقليل من نموذج الدولة الشديدة التدخل في التفاصيل والمشكلات الصغيرة لمواجهة تعقدية وتسارع وتيرة الأنشطة الإنسانية المتدفقة عبر الحدود الهلامية.

رابعا: بعض مخاطر العولمتين السياسية والقانونية الراهنتين

  يمكن أن نوجز مجموعة من المخاطر والتغيرات السلبية التي تصاحب العولمة السياسية والقانونية  فيمايلي:

1- انهيار دولة الرفاهية الاجتماعية في ظل سيطرة أيديولوجيا الليبرالية الجديدة، وغياب طريق ثالث أو حلول بديلة مستقلة عن الفكر الأحادي السائد، ما عدا محاولات محتشمة لما يسمى باقتصاد السوق التضامني / الإنساني وتجارب أخرى تعيش الحصار تستند إلى الأطروحة الإسلامية.

2- أزمة تماسك الدولة الوطنية(الدولة الأمة) وابتذال سيادتها بسلطة التكنولوجيات القديمة والجديدة خاصة، وانكشافها الأمني ( الاستخباراتي )، وانطماس الحدود بين الداخل والخارج (كثافة التفاعلات العابرة للأنساق الوطنية و تزايد الاعتماد المتبادل وتلاعب الأقوياء بالتبعية المتبادلة وتسارع عمليات التدويل)، اختراق القيم الأخلاقية والدينية والثقافية والتلاعب بها باستغلال التناقضات الداخلية وإعادة تكييف المنظومات والمؤسسات الاجتماعية والدينية والقانونية الوطنية تحت مسميات الإصلاح والشراكة والتعاون.

3- التوظيف الذرائعي المصلحي التبريري والكيل بعدة مكاييل إزاء قضايا انتهاكات حقوق الإنسان والتحول الديموقراطي ومواجهة الأنظمة القمعية.

4- تفكيك البنى الوطنية والتقليدية لحساب القوى الكوكبية بتأليب إحداها على الأخرى وضرب الاقتصاديات الوطنية عبر ضرب منظومة القيم.

5-تنامي نفوذ قوى العولمة من شركات كوكبية ولوبيات ضاغطة وحكومات ومنظمات نافذةوإمبراطوريات كوكبية (شموليات جديدة) اقتصادية، إعلامية علمية، خاصة تستخدم تكنولوجيات الفضاء والإنترنت- التي تتجه إلى التصغير والإتاحة والشبكية والرخص – للتلاعب بالبنيات العقلية والإدراكية والسيكولوجية وتعلب وتسوق قيم السوق الاستهلاكية عن بعد وتضبط الأجندات السياسية لشعوب بأكملها – بحكوماتها- وفق مشيئتها.

6- انتشار الجريمة المنظمة والفساد الاقتصادي والسياسي والرشوة الدولية والوطنية مما يضفي على النشاط السياسي في أي بلد حالة من الشك وعدم الثقة.

7- استحواذ البيروقراطية والتكنوقراط على القرار السياسي الوطني وتوظيف المعرفة والخبرة التقنية والفنية في إدارة الأزمات والملفات بالتنسيق مع مثيلاتها دوليا بعيدا عن الرقابة الشعبية الوطنية والمحلية ديمقراطيا على قراراتها المصيرية.

كما أن هذا الوضع النخبوي المتأزم يدل على اختراق واستتباع أجزاء هامة من النخب الاقتصادية والإعلامية والسياسية والعلمية الوطنية فأصبحت تشكل- شعوريا أو لاشعوريا- تلك الفروع والامتدادات للنخبة البورجوازية الكوكبية التي تتلاقى مصالحها العابرة للقوميات (منتديات كرون مونتانا، ودافوس ومنظومة الأمم المتحدة ومنظومات الشركات المتعددة الجنسيات) بحيث تنقطع عن الهموم الوطنية وتنغلق في عالمها الخاص الوظيفي.

8- تزايد مخاطر خوصصة الدولة – كمجال عام – إلى جانب خوصصة الشركات العامة، على يد بعض النخب المتنفذة من مافيات المال والسياسة وتحويل قوى العولمة الاقتصادية للحكومات الوطنية إلى مجرد حكومات محلية تقوم بإدارة ملفات محلية عن طريق المناولة والشراكة والدبلوماسية الاقتصادية بحيث تحول الوطن إلى"مشروع شركة" على حد تعبير ضياء رشوان(8). وتحولت الحكومات إلى شبه إدارات أعمال محلية للشركات الكبرى الدولية.

9- تزايد عمليات عولمة وتوحيد وتنميط المقاييس والمعايير والقوانين عبر العديد من المنظمات والتكتلات العابرة للقوميات التي تعد مجالا حيويا للتأثير والنفوذ الحضاري للخصوصية الغربية واتساع تلك العملية من المجال التكنولوجي، البيئي، العلمي، الاقتصادي إلى المجال السياسي والتربوي - التعليمي، الإعلامي والديني مما يهدد الخصوصيات الوطنية والحضارات غير الغربية بالسحق الحضاري. ومن أمثلة ذلك الاتجاه دفع الولايات المتحدة الأمريكية بمشاريع " إصلاحية" للمنظومات التعليمية والدينية والثقافية إلى البلدان العربية تحت ستار مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه(خطة ابنة ديك تشيني – باول لدمقرطة مجتمعات الشرق الوسط ).

10- سهولة استثارة النزعات الأقلياتية وصناعة الهويات الانفصالية عبر التوظيف الذرائعي المصلحي لثقافة حقوق الإنسان لتهيئة الأجواء للمزيد من النهب والاستحواذ على الثروات الوطنية التي أساءت بعض النخب المحلية إدارتها لصالح تنمية وطنية متوازنة ودائمة ناجحة لصالح الأجيال الصاعدة الجديدة.

11- ترهل الرابطة الوطنية وامتهان رموزها وتحول الخطاب الوطني إلى نوع من الضحك على الأذقان وممارسة التضليل السياسي على الممارسات اللاوطنية واللاديموقراطية عبر انتشار لغة الخشب والرقابة على الفكر الحر والتضييق على الحريات الفردية والجماعية وتنامي القيتو الجهوي والطائفي وألوان من التعصب القبلي والعروشي واللغوي والمذهبي والأيديولوجي والحزبي الضيق كتعويض عن فشل الانتماء الوطني التنميطي الذي ساد خلال تطبيق نظم الحزب الواحد، وخاصة فشله في تحقيق المساواة والحريات والإشباع الكافي للحاجات الإنسانية الأساسية في الغذاء والصحة والتعليم والسكن... بما يحفظ الكرامة الإنسانية.

ذلك أن الانتماء مطامنة للقلق الأساسي، ومعزز للأمن مع الذات ومع الآخرين، ولا يترسخ الأمن إلا بالمقدار الذي تتكامل فيه حلقات الانتماء ويتسع مداها، لكن الأمن يضيق عندما تتأخر  وتتصارع حلقات الانتماء وتبرز التناقضات بينها، تناقضات تغذيها قوى ذات طموحات ضيقة ومصالح ومآرب معينة في الداخل والخارج. فيصبح الانتماء في حلقاته الأضيق – خلال الأزمات- ملاذا للكثيرين ومنطلقا لتشكيل قوى المعارضة السياسية التي يمكن في أن لحظة أن توظف من قوى العولمة.

حيث أن مشكلة أزمة الانتماء الوطني ليس في الواقع ناتجة عن التمايزات الطبيعية المتأتية من السن والكفاءة والجنس ومكان الميلاد، لأن التعددية والتنوع ثراء للذات الفردية والجماعية وليست تهديدا لها، إذ التمايز ضروري لإغناء الذات، ويمكن من التكامل والتفاعل طالما أنه لا يشكل وسيلة لزيادة الامتيازات ومن ثمة الإخلال بالعدل والمساواة مما يؤدي إلى تزايد الخلل والمظالم الاجتماعية ومنه إلى التباعد والتفكك فالانفجار إذ لم تتحرك قوى الاندماج السياسي- الاجتماعي الإيجابي والوفاق الديموقراطي مع النفس ومع الآخرين ضمن الوطن الواحد.(9)

12- صعود نفوذ وسلطة التكنوقراط والأدوكراسي /L’ah-docratie على حساب السياسة والسياسيين في تقرير مصير الحياة العامة للدولة- الأمة. ومن هنا أطروحة نهاية السياسة وأزمة السياسة التي تتغذى - من وجهة نظر الفلسفة السياسية - من فرضية نهاية الحداثة وبداية ما بعد الحداثة. إذ الأمر يتعلق بخفوت وهج السياسة وهامشيتها خاصة مع انتعاش الخطاب النيوليبيرالي مع العولمة الجارية منذ الثمانينيات الأخيرة وصعود التقنوقراطية الوطنية والدولية التي تدافع عن ضرورة استقلال المؤسسات الدولية عن السياسة لضمان فاعليتها في أداء وظائفها على أكمل وجه بعيد عن النزعة التمركز حول الذات التي تميز السياسة والسياسيين.. علما أن الخطاب التقنوقراطي يستند إلى مطلبين أساسيين:

أ)- إزالة الهالة على السياسة وعن قدرتها الأسطورية الحالمة وتحويل وظيفته على مجرد وظيفة تسييرية لأمور المدينة(الدولة)

ب)- التخفيف الأقصى من تأثير السياسة على المؤسسات المتعددة الأطراف. فالخبير كفيل بإيجاد الحلول والإجابة اللائقة تقنيا على المشكلات القائمة.

كما يرى الوظيفيون والبنيويون أن السياسة فقدت من جوهر وظيفتها بسبب تحكم الاحتكارات في الزمن العالمي، فالخيارات السياسية الوطنية تجد نفسها محكومة بمنطق الأسواق المالية المعولمة. وحتى من جهة السياسات الاجتماعية الوطنية نجد النخب الوطنية تتبنى استراتيجياتتضفي مرونة على قوانين سوق العمل والتأمينات الاجتماعية الموروثة عن الثورة الكينيزية ودولة الرفاهية الاجتماعية بهدف حفز الاستثمارات الأجنبية المباشرة/IDE، للدخول إلى الأسواق الوطنية.

كما أن نهاية وأزمة السياسة يرتبط بنهاية الإقليم الوطني ونهاية الدولة الأمة ونهاية الحدود بمفهومها التقليدي الذي طالما كان فضاء تنمو وتنتعش فيه الرابطة الاجتماعية الوطنية الواحدة، ذلك أن الإقليم طالما شكل المخيال السياسي للإنسان خلال القرون الثلاثة الأخيرة. لكن التبادلات والتدفقات والاتصالات المادية واللامادية العابرة للقوميات والحدود قد فجرت الهوية المتماسكة للإقليم الوطني ومن ثمة للوحدة الوطنية بمفهومها التنميطي الموروث عن التجربة الحداثية التنموية الأوروبية منذ عصر الأنوار. 

مما سبق نفهم كيف يحدث ابتعاد السياسة والسياسيين عن المواطن العادي بحيث تصبح السياسة مجالا وامتيازا تحتكره اللوبيات الوطنية المتحالفة مع اللوبيات والطبقات والهيئات الدولية الكبرى التي لا تعبأ بآراء ومواقف ومصالح المواطن المحلي والوطني كثيرا (10)، والتي باتت تشكل طبقة كوسموبوليتية كوكبية لها تقاطعاتها الأيديولوجية والمصلحية.

ومن هنا نفهم أيضا – حسب نظرية يورغن هابرماس حول السيطرة-كيف تحدث أزمة الدافعية وهي أزمة تكامل اجتماعي، تضاف إلى أزمة العقلانية التنويرية في المجتمعات الغربية الرأسمالية بالذات. وهي إحدى أزمات التكامل في النسق الاجتماعي عامة ومصدر أزمة الشرعية، حيث أن الدولة لا تصبح في هذا الوضع أداة للتوفيق بين المصالح المتضاربة لمواطنيها الذين تحكمهم، بل يصبح مبرر وجودها محل تساؤل وجدل.

وإذ يؤثر طغيان الدولة وزيادة سيطرة الطبقة التكنوقراطية على وظائف الدولة وعلى فعالية الفعل السياسي - سيطرة لازمة ويا للمفارقة، لإدارة الأزمات - فإنه يؤثر على إضعاف دافعية الناس للمشاركة السياسية مشاركة فعالة في النظام على أي وجه من الوجوه. بل إن الملاحظ هو تراجع الدافعية عن المشاركة في الحياة العامة في معظم الديمقراطيات الكلاسيكية.(11)

إذا كانت أزمة الدولة – الأمة في المراكز الغربية حقيقة تشهد بها القوى المناهضة للعولمة داخل الغرب نفسه، وتشهد بها الدراسات الأكاديمية – مثلا دراسات يوغان هابرماس الاجتماعية النقدية وأعمال السوسيولوجي الفرنسي إغار موران- التي ما تنفك تنبه إلى وقوع الدول الوطنية المعاصرة رهينة قوى إنتاجية متطورة متمركزة بيد أقلياتية ذات روابط شبكية كوكبية تتذرع بسلطة بيروقراطية وإيديولوجيا تنموية رأسمالية تقنوية علموية شمولية ذات أقنعة قمعية تتمثل في بنياتها المعرفية التفكيكية المتأزمة، التي باتت تعمل مستقلة عن الأهداف والغايات العليا التي رسمت لها ابتداء، فأضحت بلا  مبرر أخلاقي إذ هي بعد أن سيطرت على الطبيعة تسعى إلى بسط سلطتها على الإنسان كنوع، من خلال مشاريع التلاعب الجيني والانتشار النووي والاختلالات المناخية والأزمات المالية المتتكررة...

خامسا: حقوق الإنسان: أزمة في المرجعية وفي السيرورة التاريخية لانتشار الفكرة

تبلور مفهوم حقوق الإنسان في عصر النهضة، من أصول يونانية-رومانية، في ظروف أوروبية، وأمريكية محددة في التاريخ بمميزاتها الاجتماعية والسياسية. "فالإعلان العالمي عن حقوق الإنسان -حسب الباحث السياسي السوري جوزيف يعقوب(12)-يحمل لون الحقبة الزمنية التي ولد فيها وفيه مذاق الفضاء الذي ولد فيه أيضا وهو الفضاء الغربي"(13)

وقد أسس للفكرة فلاسفة عصر النهضة العقلانيين على أساس فكرة "حالة قانون الطبيعة". وهناك من يعيد أساسه إلى فكر العقد الاجتماعي لـ جون جاك روسو.

"إنَّ البحث عن أصل المثلث الفرنسي: الحرية والمساواة والإخاء؛ الذي جاء على رأس الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن (الثورة الفرنسية 1789م)، يؤدي بنا إلى الإعلان الأمريكي للاستقلال سنة 1776م.

وقد أكد "جلينك" أنَّ إعلان حقوق الإنسان كان نتيجة حركة الإصلاح الديني وليس للثورة الفرنسية"(14). "وقد جاء الإعلان لينهي السلطة المطلقة للمَلِك والكنيسة والإقطاعيين وينهي الامتيازات"(15)

وهنا يتساءل الدكتور محمَّد عابد الجابري عمَّا إذا كان "فلاسفة أوروبا في القرن الثامن عشر قد لجؤوا إلى الدين في محاولتهم تأسيس "عالمية حقوق الإنسان؟""(16). فيجيب قائلا: "إنَّ نص إعلان الاستقلال الأمريكي قد وظف في تقريره لـ "حقوق الإنسان" مفاهيم دينية صريحة مثل "الخالق" و"الحاكم الأعلى للكون" و"العناية الإلاهية"، وبالرغم كذلك من أنَّ "إعلان حقوق الإنسان"، الذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية قد أشار في ديباجته إلى "رعاية الكائن الأسمى" [أي: الله] إنـَّه بالرغم من هذا وذاك فإنَّ الدين لم يكن بصورة من الصور، المرجعية التي تؤسس "حقوق الإنسان تلك"، بل (..) قد نُودِيَ بها أصلا من طرف الفلاسفة ضدَّ أعلى جميع السلطات التي كانت تتحكم في الإنسان الأوروبي في ذلك الوقت، وعلى رأسها سلطة التقاليد وسلطة الكنيسة (..).بل لقد عمدوا إلى بناء مرجعية عقلية مستقلة تتجاوز سلطة الكنيسة وتعلو عليها، تتألف من ثلاث فرضيات رئيسية هي:

- القول بالتطابق بين نظام الطبيعة ونظام العقل.

افتراض ما أسموه بـ"حالة الطبيعة"(17)

- ثمَّ فكرة "العقد الاجتماعي" فالانتقال من "حالة الطبيعة" إلى "حالة المدنية" كما قرر جون جاك روسو (1712-1778م).

ويرى الجابري أنَّ الصفة العالمية المؤسسة لمفهوم حقوق الإنسان مستمدة من تجاوزها للخصوصيات الثقافية ورجوعها إلى "البداية" أو إلى "ما قبل" كلّ ثقافة وحضارة إلى "حالة الطبيعة" "(18)

وتتضمن فكرة حقوق الإنسان: حقَّ حرية التفكير والملكية والصحافة والاعتقاد والتعبير والتنظيم وغيرها من الحقوق والحريات الفردية والجماعية.

كما عُرفت الحرية بأنَّها حقّ القيام بكلِّ ما لا يسئ إلى الآخرين. وبما أنَّ الناس أحرار عالميا، فلا بدَّ من ضمان احترام حقوقهم عالميا، بالبرهنة على وجود "قانون طبيعي" أي وجود حقوق ملازمة للطبيعة البشرية سابقة لأي انتماء إلى أي مجتمع، أي حق مستقل عن أي تميز ثقافي؛ حق أعلى من القانون الوضعي الذي هو القانون الوطني لأي دولة. هذه الفكرة يفترض أن تساعد على ترقية حق عالمي يجمع بين مبادئ مشتركة للأمم المتحضرة.(20)

إنَّ "الحقوق مظهر لكرامة الإنسان، فهي تتجاوز الزمن والظروف والتاريخ وتسمو إلى فعل الخلق... وهي [لذلك] غير قابلة للتلاعب بها إذا كانت أصيلة وليست معلقة بإرادة ملك أو برلمان أو طبقة اجتماعية، أي إذا كانت هبة من الطبيعة أو بالأحرى من إله، وأن تكون قد بدأت مع خلق الإنسان"(21)

وهذا يطرح مرَّة أخرى إشكالية قانون الطبيعة الذي تستند كل من فكرة العالمية وأحد أهم الأفكار المتفرعة عنها: وهي هنا فكرة حقوق الإنسان(22) بما  أنَّ إعلانات حقوق الإنسان مرتبطة بحيثيات محددة وتاريخ خاص بالمجتمعات الأوروبية التي كانت تعيش تحت سطوة مؤسسة الكنيسة وهو واقع ليس عالمي آنذاك. كما أنَّ مفهوم الدين والتجربة الدينية التاريخية ليسا واحدا لدى المجتمعات قديما وحديثا.

لذلك يمكن التساؤل: لماذا الاعتراض على عالمية حقوق الإنسان؟

أوَّلاً: هناك من لا يؤمن بعالمية قيم "العالمية" وبالتالي لا يؤمن أنَّ قانون الطبيعة عالمي يعلو على القانون الوطني.

ثانيا: هناك من يشعر بالحرج من عبارة "قانون" الطبيعة خاصة إزاء القانون الوضعي فكلمة "قانون"(23) حسب تعريف نوبيرتو بوبيو/Noberto Bobbio تعني: "واجب العمل بمقتضى قاعدة تسبب مسبقا آثارا تعويضية في حالة خرقها".

إذا، فالحق الطبيعي - مع الأسف- لا تسنده الوسائل الإكراهية التي يتمتع بها القانون الوضعي.

ثالثا: القانون الطبيعي ليس قانونا ولكن تعبير عن نوايا حسنة، مرتبط بالفلسفة الأخلاقية.

رابعا: حقوق الإنسان حقوق لائكية، مستقاة من قانون الطبيعة وصاغها العقل المجرد [أي دين عقلي وطبيعي] بينما أتباع ديانات عالمية كالمسيحية والإسلام والهندوسية والكونفوشيوسية والثقافات الأخرى يستندون على غير هذه المرجعية. وحقوق الإنسان علمانية تجعل الدين وحرية التدين مسألة شخصية، فليس لها دور سياسي اجتماعي كبير.

خامسا: حقوق الإنسان تستند على قيمة عليا هي الحرية وأولوية الحرية الفردية(24) وبما أنَّ قانون الطبيعةيقضي أنَّ الأقوى والأصلح والمتقدم والأفضل والأرقى هو الذي من حقِّه النصيب الأكبر من الحقوق؛ أي أنَّ التنافس مفتوح وفق قانون الطبيعة، مما يثير صراعات للتوفيق بين المصالح والحقوق الشخصية والمصالح والحقوق الاجتماعية [وطنية أو عالمية…] وبين حقوق الفرد وحقوق الدولة ومصلحتها. فإذا تعارضت إحداهما فكيف يتمُّ الترجيح؟ وقد كان هذا التناقض والإشكال مطروحا منذ الإعلان الفرنسي.(25)

كما أنَّ الدول الاشتراكية كانت تُقيم نظمها الاجتماعية على قيمة المساواة وصراع الطبقات فهناك صعوبة التسليم بحقوق إنسان تقوم على أساس الحريات البورجوازية والليبيرالية. فمثلا: "حاول أرنست بلوك أنَّ يُوَفِّق بين الماركسية والحقوق الطبيعية للإنسان ولكنه اضطر في النهاية إلى أنَّ يقول: "لا يمكن القبول بأنَّ الإنسان حر ومساو للآخرين بالميلاد، فلا يوجد حقوق إنسانية فطرية، ولكن الحقوق يتم الحصول عليها، أو يجب الحصول عليها من خلال الصراع".(26)

وِفقا لهذه النظرة: ليس التاريخ صراعا بين حقوق متعارضة ولكنه صراع بين مصالح متعارضة. وهذا معنى "الصراع الطبقي"؛ فالطبقة التي تخرج منتصرة في هذا الصراع تعلن مصالحها، أو إرادتها، قانونا. لذلك يقول الماركسيون: "القانون هو إرادة الطبقة الحاكمة تحولت إلى إجراءات قانونية" "(27)

لذلك عند التصديق على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس 10ديسمبر 1948م الدورة 183 للأمم المتحدة) صوتت (48 دولة) بـ "نعم"، و(00 دولة) بـ "لا"، و(08 دول) امتنعت؛ وهي: الاتحاد السوفياتي،(28) بيلوروسيا، أوكرانيا، بولونيا، تشيكوسلوفاكيا، بلغاريا، العربية السعودية، أفريقيا الجنوبية، في غياب ثلثي البشرية التي كانت مستعمرة.(29)

وقد دلَّت مثلا مناقشات مؤتمر حقوق الإنسان بفيينا سنة 1993م، والجدالات الحادة في مؤتمر بيكن العالمي للمرأة (15-14 سبتمبر 1995م)، وفي مؤتمر دربان بجنوب إفريقيا بداية سبتمبر 2001 حول مكافحة العنصرية واللاتسامح…) عن الاختلافات الكبيرة والحادَّة بين الخصوصيات الثقافية والدينية حول فكرة حقوق الإنسان. كما دلَّت على تحالف غير مسبوق بين الفاتيكان وبلدان ومنظمات بلدان إسلامية ومنظمات غير حكومية من مختلف الجنسيات والأديان حول مسائل محددة عن حقوق الأسرة والمرأة.

"إنَّ الروح الليبيرالية لسياسة حقوق الإنسان والديمقراطية وسياسة السوق الحر هي بعض الأفكار التي تثير أحيانا ردود فعل ناقدة من قبل الحضارات الإسلامية والكونفوشيوسية والإفريقية(30)(...) وهذه الليبيرالية هي جماع للفردانية والعلمانية اللتين خرجتا من رحم الفكر الأوروبي على عهد حقبة التنوير. إنَّ هذه الأفكار الليبيرالية من شأنها أن تثير حفيظة الثقافات الأخرى غير الأوروبية مثل الثقافة الإسلامية والآسيوية؛ إنَّ الحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية كلتيهما تنزعان نحو الجماعية وتعبران عن وعي بقيمة الدين.(31) كما أنَّ الحضارة الأولى توازن بين مكانة وحقوق الفرد والمجتمع، بينما تقدم الثانية المجتمع على الفرد، وبينما تُعلي الأخيرة من الشأن الأخلاقي والروحي، تسعى وتؤكد الأولى على التوازن بينها بشكل لا تكاد تعقله النظرة الغربية وبالذات التجربة العلمانية في المجتمعات الكاثوليكية حيث أن الصراع بين الكنيسة والمفكرين الأحرار البورجوازيين كان داميا على عكس تجارب المجتمعات البروتيستانتية المذهب الديني.

وتَصلح قضية حقوق الإنسان أن تكون مثالا تصويريا يبين تناقض الرؤى حيالها بين الموقف الليبيرالي والمواقف الأخرى. إنَّ السياسة الأمريكية -مثلا- لا تبدي اهتماما (مبدئيا) بقضية حقوق الإنسان فيما يتصل بالقتل والتعذيب وكفالة الإجراءات القانونية الصحيحة فحسب ولكنها تضيف إليها قضايا أخرى مثل الجنس -بمعنى النوع- والديمقراطية، وقد استمدت هذه الحقوق "عالميتها" من الثورتين الأمريكية والفرنسية.

وفي هذا المضمار يقول إدوارد سعيد: "إنَّ هناك مدرسة المؤمنين بسياسة خارجية تقوم على مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية. لكن هذا لا يحظى باقتناع كثيرين داخل الولايات المتحدة أو خارجها، باستثناء منظمات غير حكومية في العالم الثالث تسعى إلى الحصول على تمويل من الصندوق الوطني للديمقراطية (وهو جهاز للسياسة الخارجية الأمريكية غير جدير بالثقة إطلاقا ومثير للسخرية). وهذا مثال عن التناقضات والتقلبات الخرقاء والانتهاكات الصارخة..."(32)

ويعلق نعوم تشومسكي على استراتيجية أمريكا لـما بعد الحرب العالمية الثانية فيما سُمِّي بـ "فريق دراسات الحرب والسلم" عن سياسة حقوق الإنسان الأمريكية كما يلي:

1-"إنَّ الحديث عن الحرية والديمقراطية لا معنى له لأنّ الحرية هي حرية أنَّ تنهب، هي وحدها الحرية التي تعني شيئا، وما عداها فإنَّها في الغالب للعرض، وعلينا لكي نحتفظ بحرية النهب والاستغلال أن نعارض بانتظام تحقيق الديمقراطية ورفع مستوى المعيشة وحقوق الإنسان".

2- "إنَّ هناك معادلة تتعلق بحقوق الإنسان تقوم على ما يلي: كلَّما ساء مناخ حقوق الإنسان(33) كلما ازدادت المساعدات الأمريكية" لأنظمة مُعيَّنة، ولذلك فإنَّ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية مبينة في الحقيقة على مبدأ أنَّ حقوق الإنسان غير واردة، ولكن تحسين مناخ العمليات الاقتصادية الخارجية واردة إلى أقصى الحدود.

وبعد نهاية الحرب الباردة "استُخدم -حسب بيلار إشوفيريا /Pilar Echeverrea- خطاب حقوق الإنسان، وسيلة إيديولوجية لتدخل القوى الكبرى"(35)، تحت غطاء حق التدخل الإنساني.

واحتجاجا على ربط عالمية حقوق الإنسان بالمرجعية الغربية (المركزية العرقية)؛ في حوار نشرته جريدة لوموند الفرنسية(36) مع المفكر الجزائري محمَّد أركون(37)،يرى هذا الأخير" أنَّ الغرب يقوم على مركزية عرقية، ويرفض سماع وجهة نظر الخصوصية الإسلامية"(38) قائلا. "لا تستطيعون أنَّ تطلبوا من كلّ الثقافات أنَّ تتبع نفس المسار الذي اتبعتموه منذ قرنين في فرنسا وأوروبا! إذا تمسكتم بهذا الخطاب فإنَّـَّكم تطلبون من الثقافات الأخرى أن تنغلق في النموذج الغربي للتطور التاريخي فقط، والذي أعطى الشرعية للهيمنة على الشعوب والثقافات الأخرى بتصدير الحضارة المنجزة في أوروبا (..) يبدو أنَّ الفكر الغربي غير قادر على التطور خارج النماذج التاريخية التي وضعت في أوروبا، مؤيدة بالغرب التكنولوجي".(39)

"إنَّ العالمي هو أحيانا مركزي عرقي؛ يجهل نفسه"؛ يقول أنيس لوبيون(40). "إذا، فكيف تكسب حقوق الإنسان شرعيتها العالمية،  إذا لم تصدر عن الثقافات كلها ولم تحترم من الجميع؟"(41)

وبالإضافة إلى صعوبة القبول بعالمية حقوق الإنسان بالمفهوم الموروث عن عصر النهضة الأوروبية؛ لأنها "عالمية" تفتقر إلى الشمولية والتكامل ومتأثرة بالمنظور التجزيئي للمعرفة الإنسانية وفق المنهج الديكارتي: فمنذ قرنين لا تزال تصدر تصاريح وإعلانات ومواثيق مختلفة أممية أو جهوية وقارية، لتغطية مجالات حقوقية منسية (!?) مثل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واللغوية و...كما أنَّ المنهج التجزيئي لعملية تحرير الوثائق الأولى لحقوق الإنسان أدى إلى الحاجة لصدور ميثاق عالمي لحقوق الطفل سنة 1989م، وحقوق المرأة وحقوق الأسرة و... لأنَّ قانون الطبيعة انطلق من الإنسان - الفرد وتجاهل بُعد الإنسان - الأسرة وبُعد الإنسان - المجتمع والإنسان - الإنسان.(42) وكذلك الإنسان – الطبيعة.

وقد اقترح الدكتور عبد الوهاب المسيري –مثلا- تصورا: "لإعلان حقوق الأسرة" كوحدة اجتماعية أساسية مركبة؛ مستندا إلى الحقائق الخاصة بالأطفال غير الشرعيين بعد الثورة الفرنسية (وفي كلّ أوروبا منذ ذلك التاريخ وفي كلّ العالم عما قريب) قد تعطي شيئا من الترجيح للمفهوم الذين يطرحه لأنَّه من الواضح –حسب المسيري- أنَّ البداية مع العلمانية الشاملة وعقلانية عصر الأنوار وعقلانيتها كانت إنتاج إعلان لحقوق الإنسان والمواطن لكنها لقصور فكر واضعيها لم تتضمن حقوق الأطفال الذين لم يولدوا بعدُ. مع العلم أن الأطفال غير الشرعيين هم نتاج ذكر وأنثى (راشدين) استمتعوا بحقوق الإنسان.

ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين تحاول المخابر الفكرية لفكرة حقوق الإنسان إصدار إعلان تكميلي بحقوق المرأة ثمَّ ثالث لحقوق الأطفال وهكذا. فهذه العملية غير علمية بالمرَّة لأنـَّها أهملت في البداية الوحدة التحليلية الحقيقية الواحدة، وهي الإنسان ككائن اجتماعي لا الإنسان كذرة منعزلة، لا وجود لها إلاَّ في ذهن جون جاك روسو وهولمباخ وفولتير وغيرهم من مفكري عصر العقل البورجوازي.(43)

لذا، يدعو المفكر جوزيف يعقوب إلى إعادة النظر في مفهوم حقوق الإنسان عن طريق "علاج شامل غير قابل للتجزئة؛ مع إقحام البعد الثقافي والهوية؛ وكذا البعد التنموي والبيئي في إطار النقاش العام حول المجتمعات البشرية ومصيرها. وربط كلّ ذلك مع نظرة عالمية تأخذ بعين الاعتبار كلّ الخصوصيات التي يمليها القرن الواحد والعشرون"(44)

وإزاء أزمة تصور وتحقيق فكرة حقوق الإنسان بعد قرنين من إعـلانها –بالشكل المتداول حاليا- منذ عصر التنوير الأوروبي؛ فإنَّ التجربة أكدت أنَّ تلك الحقوق لم تكن تعني في الغالب سوى حقوق الإنسان الغربي المسيحي واليهودي أي حقوق عنصرية، مادية(45) بدلا من حقوق عالمية للإنسان.

على حين أن الحضارة العالمية - يقول كلود ليفي- ستروس (Claude Lévi-Strauss) عـالم الأنتروبولوجيا(46) -: « لا يمكن أن تكون شيئا آخر غير تعايش الثقافات التي تعرف كيف تحافظ على خصوصياتها»(47) ؛ أي أنَّ العالمية هي مشترك الخصوصيات وبذلك تتخلص من النزوع نحو المركزية وهيمنة خصوصية حضارية أو قومية على أخرى بتحقيق التوازن بين الخصوصية والعالمية. ومن هنا دعوته إلى حصول نوع من التآلف بين الثقافات العالمية يضعها جميعا على قدم المساواة(48) ومن ثمَّ «معاودة النظر بالتصنيف المألوف للمجتمعات إلى متوحشة ومتحضرة، قديمة وحديثة، راكدة ومتحركة، تاريخية ولا تاريخية..»(49). بغير ذلك لا تتصور إمكانية لإعادة صياغة معرفية جديدة لفكرة حقوق الإنسان.

ولكن يبدو أنَّ الفكر الغربي - الذي أنتج فكرة العالمية الحديثة - يبدو أنـَّه يجد صعوبة في عقل ديناميكية ”وحدة الأضداد“ أي ”الاثنان المتراكبان في الواحد“ ومن ثمَّ عدم قدرته على تجاوز الصراع بين الخصوصية والعالمية والمحلية والعولمة. إذ العالمي نفسه خصوصي والـمُعَولَم محلِّي.

وحتى لو سلمنا -حضاريا ودوليا- بوجود مركز وأطراف فمن الخطأ تهميش دور الأطراف وتعظيم دور المركز أو العكس. وهنا يتساءل وليد عبد الحي: «لو لم يقدر للمركز الفيضان عبر حدود نقطة الانطلاق، هل أصبح مركزا؟ بمعنى أنَّ مركز الدائرة يفقد خاصيته هذه لو لم ترسم محيطا من حوله، فخاصية المركز هذه ساهم في وجودها الأطراف والمحيط. ثمَّ هل يكن للمركز أن يتحرك دون حيوية جادة ومبدعة في الأطراف. ومن زاوية مقابلة نتساءل: ألا يمكن إرباك المساهمة الحضارية بتهويل دور الأطراف فيها؟ إنَّ المسألة في تقديري لا تعدو كونها توزيعا وظيفيا في إطار مساهمة حضارية واحدة»(50).

لكن «النسق الحضاري الغربي، منذ استمداده التاريخي للمرحلتين الهيلينية والرومانية، كوَّن ذاته على أساس الصراع والاستعلاء على الآخرين. فالنسق الحضاري الغربي تنابذي، يعتمد على سيطرة الأقوى والتحكم في كلّ شيء بمنطق القوة (..) ومن هنا استهدف النظام العالمي القديم ثمَّ الجديد تذويب خصوصيات الأمم والشعوب الأخرى»(51). لذلك فهو يعمد في ظل العولـمة إلى تشجيع الانقسام الاجتماعي لإيجاد أسواق و”مناطق نفوذ محررة“ - على حد تعبير أستاذنا المرحوم جيلالي اليابس - على حساب الدول الوطنية والاقتصاديات الوطنية التي نمت بعد الحرب العالمية الثانية خاصة جنوب الكرة الأرضية.

ويضيف إدغار موران «.. إنـَّنا نعيش في مرحلة ما قبل العقل البشري، فقدرتنا الذهنية ما زالت غير مستغلة بما فيه الكفاية. ففيما يتعلق بعلاقاتنا بالآخر، إنـَّنا برابرة في علاقاتنا بالآخر، ليس فقط في العلاقات بين الأديان والشعوب المختلفة ولكن حتَّى بين الأسرة الواحدة (..) إنـَّه يعوزنا التفاهم»(52).

ويرجع المفكر روجي غارودي أسباب هذه النزعة المركزية الصراعية في الفكر الغربي والعلاقات الدولية في ظلِّ سيطرة النموذج الغربي للتنمية إلى «نمو حضارة الكم والتفكير الذرائعي، والديكارتية(53) وديانة الثروة، والإيغال والتمركز حول الفردية، وفقدان التأمل في الغايات النهائية في الحياة ومعناها»(54). كما أنَّ «عدم مراقبة العولـمة الجارية قد جعلها مصحوبة بتراجعات عديدة، وبجوانب مدمِّرة جدًا، وتفتيتية، وساحقة للثقافات، ومنمطة للهويات..»(55).

ومن بين الأسباب في كلِّ ذلك - كما يـرى أو ثانـت (U. Thant)(56) - أنَّ الإطار المعرفي المفاهيمي الغربي ومنه المرجعية المعرفية لمفهوم حقوق الإنسان المهيمنة على دراسات القانون الإنساني الدولي والعلاقات الدولية(57) وظواهر التناقض فيها، عاجز عن الإحاطة بـ ”وحدة الأضداد“ أو بـ ”هوية المتناقضات“ (L’identité des Opposés) التي يتميز بها الفكر الفلسفي الكونفوشيوسي(58) كما أنـَّه عاجز عن عقل ”وحدة ثنائية القطب“ في منظور الفكر الإسلامي للكون، والحياة، والوجود، والإنسان. ومن ثمَّ الإقرار بمبدأ التنوع في الثقافات والحضارات والمنظورات المعرفية والفكرية التي تصاغ على ضوئها فكرة العالمية ومنها فكرة حقوق الإنسان.

خلاصة وتساؤلات مفتوحة:

لقد تبيَّن لنا مما سبق ضرورة عدم الاطمئنان المطلق بانتصار فكرة ومشروع ”العالمية“ كما صيغ منذ عصر النهضة الأوروبية، وأنَّ محاولة فرض نموذج معرفي موحَّد وعالمي للإنسانية - إذا استثنينا عالمية العلوم الدقيقة المكتسبة إلى حدٍّ بعيد - هو إمعان في محو تضاريس البشرية الواقعية لصالح نسق معرفي عقيدي، ثقافي، حضاري عام بعينه، وهو ما يفتأ يُثير اعتراضات ونقاشات بين مختلف الدول والقوى والثقافات والأطراف في بلدان آسيا المتطورة وفي بلدان الجنوب، بل وحتى داخل الغرب؛ داعية إلى مزيد من التقييم لمنجزات العالمية الغربية، وعدم الاستسلام لوهم الانتصار الذي عبَّرت عنه مقولات ”نهاية التاريخ“ ومقولة ”نهاية الأيديولوجيات“.

فبينما نجد فيما يتعلَّق بالحالتين الآسيوية والعربية الإسلامية أنَّ نسقمها المعرفي، العقيدي، الثقافي، الحضاري العام يقوم على ركائز مختلفة، بل حتى داخل النسق الغربي فإنَّ المسيحية تشترك مع الإسلام - المرتكز على مفهوم الإنسان المستخلَف - في ركيزة النصِّ المقدس؛ بينما يقوم النسق المعرفي الغربي الحديث على الإنسان كامل الحرية، ثمَّ العقل المطلق.

إننا في هذه اللحظات التاريخية - مع احتفال منظمة الأمم المتحدة - ومن خلالها الإنسانية المعاصرة - خلال في ديسمبر من هذا العام بمرور ستين (60) سنة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948- 2008م) - إننا مدعوون لنساهم في مواجهة فوضى المفاهيم وتضاربها والاختلاف حول تحديد مضامينها ومدلولاتها وخلفيات نشأتها ومسار تطوُّرها ويكشف الغطاء عن الحقائق التي تعبِّر عنها، وعن الأوهام التي تروِّجها، وبالتالي يحدد مدى التحيُّز المعرفي لدى صائغيها، حتى لا نقع في فخِّ المفاهيم المتداولة بدون تمحيص أو تدقيق علمي موضوعي لمدلولاتها.

وحتى يتم لنا - تدريجيا - التحرُّر من ”التبعية المفهومية“، نرجو أن تساهم الجامعة الجزائرية بدورها في صياغة حقوق إنسان تتسم بخاصية العالمية التعددية معرفيًّا كما يدعو إلى ذلك المفكر الفرنسي ”فليب كيو“ (Philippe Quéau) من خلال دعوته إلى إنشاء (جامعة العالمية / L’université de L’universel) من خلال اعتماد فكر جديد عابر للتخصصات والثقافات متخلِّص من نزعته التفكيكية المفرطة لمواجهة التعقيدات التي تشهدها المعرفة والوقائع الإنسانية المعاصرة.

وما يمكن الخلوص إليه بعد هذا التحليل للمفهوم حقوق الإنسان كما هو متداول، نتاج نسق معرفي حضاري محدَّد ومعطيات محدَّدة في الزمان والمكان والأحوال؛ مع تنوُّع تلك المعطيات من تاريخية إلى جغرافيَّة إلى اجتماعية وقيمية إلى دينية وسياسية ودولية.. إذ أنَّ الكلمات ليس لها نفس المعنى في كلِّ مكان.. وأنَّه لأمرٌ أساسي أن نحدد العلاقة بين محتوى فكرة حقوق الإنسان والظروف التي قيلت فيها، لكن لا تعرف تلك الظروف التي يمكن القول عنها بأنَّها ”لكلِّ الناس“.

أي أنَّ فكرة حقوق الإنسان تفتقر إلى الصفة العالمية إذ هي في حقيقة الأمر نتاج الخصوصية الثقافية والتاريخية الغربية، ورؤيتها المعرفي للإنسان والمجتمع والعالم والحياة والوجود والتاريخ الحضاري، إذ لا عالمية بلا خصوصية وبلا أرض وتقاليد وثقافة نسبية. فكما أنَّ الخصوصية لا تكسب معناها إلاَّ من خلال العالمية فإنَّ العالمية لا تتجسَّد إلاَّ في نهاية خاصَّة.

واليوم في نهاية القرن العشرين، وفي أفق الألفية الثالثة تجري عملية نقد وتقييم وتمحيص لنتاج الألفية الثانية المحتضرة؛ وإعادة النظر في ”العالميات“ المزيفة التي ملأت فضاءات هذا القرن من ليبيرالية أو اشتراكية، لتلافي الردَّة العكسية للإنسانية المعاصرة والمستقبلية إلى حمأة التعصب القبلي والعروشي والقومي والمناطقي والديني والطبقي.. أو إعادة إنتاج أشكال من ”العالميات“ الأحادية الماحقة لإنسانية الإنسان...

واليوم أيضًا تجري عملية استشراف واكتشاف لحركية القيم الكبرى في الواقع الدولي للتعرُّف على المركزية القادمة؛ هل ستزحزح مكانها من المراكز الحالية إلى مراكز أخرى في ظل منطق التداول الحضاري؟ أم أنَّ العولمة الجارية التي أدخلت الإنسانية - اتصاليًّا واقتصاديًّا وتكنولوجيا على الأقل - في العصر الكوكبي ستجعل من ”الكوكب - الوطن“ مركزًا جديدًا لإنسانية متضامنة متشابكة مترابطة منفتحة على تنوُّعاتها وعلى الكون الخارجي ومتحمِّلة مسؤولياتها تجاه الأجيال اللاحقة.

وهل ستتخلَّص فكرة ”العالمية“ من ”عقدة المركزية“ خاصَّة إذا علمنا أنَّ كلَّ ثقافة وحضارة ودين وأيديولوجيا تتَّسم بمستوى معيَّن من ”مركَّب التفوُّق“ ومن ”النزعة المركزية“ عرقيًّا أو قوميًّا أو دينيًّا أو حضاريًّا.. إذ من الصعب كما لاحظنا في التجربة الحضارية الغربية الحديثة التخلُّص من ذلك الشعور الذي يحمل على التحيز إلى الذات الحضارية وعلى الانسياق وراء الأحكام المسبقة والأنماط التمييزية (Les stéréotypes discriminatoires) واجترار الأفكار المعلَّبة عن الآخرين، وتصنيف البشر إلى أجناس عُليا ودُنيا، مـمَّا يبرِّر ممارسة الأحادية والإقصاء، والهيمنة والاستعمار، والإبقاء على حالات اللاتكافؤ، وممارسة التنميط والعدوان والاستبداد الدولي، وفرض سلام عالمي على حساب الضعفاء.

حتى أنَّ المؤرخ البريطاني الموسوعي أرنولد توينبي يصف عصرنا بـ”العصر البربري الجديد“... كما أنَّ تعبير ”المجتمع العالمي“ نفسه - يقول صامويل هانتينغتون في دراسته عن ”صدام الحضارات“ - أصبح اسمًا جماعيًّا ملطَّفًا (يحلُّ محلَّ ”العالم الحر“) لإضفاء مشروعية عالمية على الأعمال التي تعكس مصالح الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى.

أي أنَّ العالمية الحديثة والتحديثية التي يبشِّر بها ويقودها الغرب المسيحي اليهودي لا تفكِّر سوى في غربنة أو تغريب أو ربَّما أمركة العالم بشتى الوسائل الإغرائية والإجرائية والقهرية.

لذلك، فإنَّ التحدي المعرفي والمنهجي والعلمي أمام صياغة تعريف وتجسيد جديد لفكرة حقوق إنسان عالمية تعدُّدية تشاركية (عالمية كلِّ الخصوصيات) كبير وصعب.. خاصَّة وأنَّ الذاكرات الجماعية للشعوب والثقافات المختلفة ما تزال تخزن في وعيها وفي لاوعيها عن بعضها البعض صورًا عن قرون من الإذلال والاستيطان والتجهيل وجروح غائرة من الجرائم الفظيعة ضدَّ البشرية والتراث الإنساني والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان باسم نشر قيم الحرية والدمقرطة وحقوق الإنسان. وما فضائع العراق (سجن أبو غريب)وفلسطين وأفغانستان (غوانتانامو) والشيشان ببعيدة.

وما نشهده خلال العولمة الجارية - خاصَّة بعد نهاية الحرب الباردة التي استعرت بين الأممية الشيوعية والعالمية الرأسمالية - هو صعوبة محو الآثار التي خلَّفتها ”العالمية“ الغربية بجميع أيديولوجياتها المثالية القسرية من بصمات لا تنمحي بسهولة من الذاكرة الإنسانية الحديثة والمعاصرة؛ خاصَّة وأنَّ العولمة الجديدة تكشف عن وجه ليبيرالي سافر يعيد إنتاج نمط الهيمنة القديمة، ولكن هذه المرَّة على مستوى كوكبي، ويذهب به بعيدًا ليمسَّ كل المجالات والمناطق. وهو ما يشهد به مفكِّرو المجتمعات الغربية نفسها؛ برغم التطور الكمي الذي أحدثته الحضارة الغربية المعاصرة والذي يشهد بمداه العام والخاص.

وهكذا تبقى إشكالية كيف تتوصَّل الإنسانية إلى تحقيق التوازن والتوسُّط الحرج بين مختلف دوائر الانتماء من الخصوصي إلى العالمي، وبين مختلف مسارات العولمة من المحلي إلى الكوكبي، وكيف تُعاد صياغة الـ”نحن“ العالمي فكريًّا ومعرفيًّا ومؤسَّسيًا وسياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وتربويًّا واجتماعيًّا وإعلاميًّا ونفسيًّا..

بقى هذه الإشكالية مفتوحة عسى أن يتوصَّل يومًا ما إلى الإجابة عن أسئلتها المفتوحة التي لن تنتهي ربَّما إلاَّ بنهاية ما اصطلح عليه المفكر الجزائري مالك بن نبي بـ”مركَّبات النقص الموروثة عن الاستعمار“ لدى ”محور القوَّة“ من جهة، وعن ”القابلية للاستعمار“ لدى ”محور الروح“ من جهة أخرى.

ومن غير أن ننفي أبدًا إيجابيات العالمية الغربية وبالذات الأهمية الحضارية لفكرة حقوق الإنسان، وبدون أن نمارس سياسة تجريم الآخر وتبرئة الذات الحضارية لأمَّتنا؛ فإنَّه من الصعب مطالبة الخصوصيات غير الغربية بالقبول الكلِّي بالمقولات والمنطقيات فضلاً عن المسالك التي أنتجها الغرب خلال تجربته الحضارية منذ حوالي خمسة قرون، دون أن يلوح في الأفق المنظور بديل عالمي متكامل شامل وواضح، تعدُّدي لحقوق الإنسان، لأنَّ تلك التجربة قد بلغت اليوم في زمن العولمة الجديدة حدودًا قصوى في عملية إعادة إنتاج الأزمة التي لا تطال خصوصية بعينها، وإنَّما تنـزاح اليوم تداعياتها وآثارها على
 الهوامش و المراجع:


(1)- يذكر أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون صرح بشأن العولمة قائلا:" إننا قمنا بتحليل الأوضاع في الولايات المتحدة ولما شعرنا أن لدينا اقتصادا قويا قررنا  تسريع خطوات العولمة." مما يعني أن العولمة فعل إرادي.

(2)- مثل مقولات: نهاية التاريخ ونهاية السياسة ونهاية الخصوصية ونهاية النيوليبيرالية (بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية) ونهاية الأيديولوجيا ونهاية الفلسفة ونهاية الدولة الوطنية ونهاية المكان ونهاية الجغرافيا ونهاية المدرسة ونهاية المدرس ونهاية الكتاب نهاية الورق ونهاية الفيزياء ونهاية المكتبة ونهاية العمل نهاية الخطية ونهاية الوسطاء ونهاية الذاكرة نهاية المونولوج وبداية الديالوج... التي هي في الواقع بدايات لتحولات جديدة غير مسبوقة تاريخيا.

ومقولات: ما بعد الحداثة وما بعد الصناعة وما بعد القومية وما بعد التايلورية وما بعد الكينيزية وما بعد الكتابة وما بعد البترول وما بعد عصر المعلومات ما بعد الإنترنت وما بعد الفوردية...الخ

ومقولات مصانع بلا عمال وتعليم بلا معلمين وبرمجة بلا مبرمجين ومركبات بلا سائقين وطيارات بلا طيارين ومدرسة بلا أسوار واتصالات بلا خيوط وموظفون بلا مكاتب وسياسة بلا نواب وترحال بلا انتقال وجيرة بلا قرب..الخ من المقولات التي تبدأ ببادئة مثل متعدد اللغات متعدد الجنسيات ومتعدد الاختصاصات وعابر للحدود وعابر للقوميات وعابر للاختصاصات وعابر للقارات وعابر للأقاليم...الخ

للمزيد أنظر: نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، العدد 265 من سلسلة عالم المعرفة، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.يناير 2001م.ص 14- 19 .

(3)- أنظر مقالة لـ: شوقي رافع، "الخصوصية انتهت ... والفرد أصبح مكشوفا". مجلة العربي، عدد 491. أكتوبر 1999م. ص158-162.

(4) - Voir : Day-Robert Dufour, « La fabrique de l’enfant « post- moderne » ,Malaise dans l’éducation », in : Le Monde Diplomatique. N°572-48é année. Novembre 2001. p10-11.

(5)تعريف العولمة من صياغة الأمين العام للأمم المتحدة الحالي كوفي عنان ورد في  دراسة  فرنسية ينظر :

William D. Angel, »Les Jeunes et la Mondialisation : Acteurs  et     Victimes »,in :Agora.. N° 19. 1er trimestre 2000.pp17-29.  p18. 

(6)- in : CD - ROM , L’état du Monde, 1981-1997, éd. La Découverte. Paris.

 - راجع التقرير العربي حول التنمية الإنسانية، لسنة 2001م الصادر عن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية تحت إشراف الدكتور نادر الفرجاني. أنظر التقرير المنشور كاملا – بفصوله الثمانية وملاحقه الثرية- على موقع الإنترنت التالي:

http://www.undp.org/ rbas/ahdr/abychapter. htm

(7)-Voir  :Ignacio  Ramonet, ” La  mutation du monde”, in: Le monde diplomatique, n°d’octobre1997.p01

(8)- أنظر: ضياء رشوان، " الخطاب العربي الكوكبي الجديد وممارساته (3من3)، تحويل الوطن إلى " مشروع شركة" يدمر معنى الوطنية"، جريدة الحياة اليومية اللندنية. العدد 12585. 14 أوت 1997م.ص 07.

(9)- أنظر: د. نزار الزين،" إنماؤنا النفسي الوفاقي" محاضرة ضمن ندوة الدراسات الإنمائية بعنوان الإنماء والوفاق الوطني المؤتمر الوطني التاسع في 28-29/03/1980 ببيروت لبنان تحت إشراف د. رياض الصمد ط1. 1401هـ-1981م نشر المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت.ص 59-76. أنظر الصفحات 72-75.

(10)-  Hakim Ben Hammouda, « Perspectives structurelles sur la Mondialisation »,in : Bulletin du Cordesria. Dakar-Sénégal.N°01.2000.p30-39. surtout p31. Voir aussi : http://www.sas.upenn/african-studies/cordesria/codes-menu.html.

(11)- إيان كريب، تر: محمد حسين غلوم، النظرية الاجتماعية من بارسونز على هابرماس، العدد 244 من سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. ذو الحجة 1419هـ/ أفريل 1999م. ص357-359.             

(12) - جوزيف يعقوب مسيحي من مواليد سوريا سنة 1944م، خبير دولي في شؤون الأقليات، دكتوراه في التاريخ والآداب. ويدرس العلوم السياسية في الجامعة الكاثوليكية لمدينة "ليون" الفرنسية منذ عام 1975م.

(13) - أنظر جريدة " الخبر" الجزائرية. العدد 23 شعبان 1419هـ - 12/12/1998م. ص 21. مقال لـ: ع. قسطل. "الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان فكرة غربية".

 (14) - علي عزت بيغوفيتش، تر: محمد يوسف عدس، «الإسلام بين الشرق والغرب». نشر مؤسسة بافاريا ومجلَّة النور الكويتية. ط 1. رجب 1414هـ / يناير 1994م.. ص 330-329.

(16) Agnès Le Béon, "Les Droits de L’Homme, Un Concept Occidental". in:http//www.alphacom.net/- fraqb/vigib/idees/philo/lebeonDH.html

(15)- محمَّد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. ط1. نوفمبر 1994م.ص 146-169.

(18)  -  حسب الجابري فإنَّ مفهوم "حالة الطبيعة" متطابق مع مفهوم "حالة الفطرة" ونظام ودين الفطرة" [لا دين سلطة الكنيسة]. فنظام الطبيعة = نظام العقل = حالة الحرية والمساواة قبل وجود سلطة تحُدُّ منها. ويعتبر الجابري "الدين الطبيعي" هو نفسه "الدين الإلهي" فلم يكن معناه إحلال "الطبيعي" محل "الإلهي" ولا "العقل" محل "الدين". أنظر: محمَّد عابد الجابري. مرجع سابق. ص 146-169.

(19) -  محمَّد عابد الجابري. مرجع سابق. ص 146-169.

(20) - Agnés Le Béon..OP.CIT.

(21)- علي عزت بيغوفيتش. مرجع سابق. ص 329.

(22)- كتب ماركس عن "المسألة اليهودية" /"La Question Juive "سنة 1844م قائلا: "إنَّ ما يسمى بحقوق الإنسان تمييزا لها عن حقوق المواطنة، ليست سوى حقوق عضو في الطبقة الوسطى. أعني حقوق الرجل [البورجوازي] الأناني منفصلا عن غيره من الناس والمجتمع"، ويأتي مفكر آخر من المدرسة النفعية المادية هو "جيرمي بنتام" فيكتب قائلا: إنَّ "حقوق الإنسان هراء والحقوق الطبيعية للإنسان أكثر هراء" واعتبر الإعلان الفرنسي "عمل ميتافيزيقي". علي عزت بيغوفيتش، المرجع السابق. ص 329.

(23)- وتعرّف كلمة: "قانون"، تعريفا ماركسيا كما يلي: "هو مجموعة القواعد التي تعبر عن إرادة الطبقة الحاكمة... ويتم تطبيق هذه القواعد بقوَّة الدولة بغرض تعزيز وتقوية وتطوير العلاقات والظروف الاجتماعية لتتواءم مع إرادة ومصلحة الطبقة الحاكمة". وصاحب هذا التعريف هو المدعي العام الرئيسي للدولة أثناء حركة التطهير (1936-1939م) في الاتحاد السوفياتي. أنظر: علي عزت بيغوفيتش، المرجع السابق. ص 330.

(24)- يبقى النقد النيوليبيرالي للحقوق الاجتماعية التي أخذت بها دولة الرفاهية (L’état Providence) كما نراه لدى "ف. ف. هايك" (التعارض بين الحقوق الفردية والاجتماعية) فحواه أنَّ تزايد تدخل الدولة يتضمن ظهور وتطور الحقوق الاجتماعية، التي لا تكون إلاَّ على حساب الحريات العامَّة، وبالتالي على حساب الحقوق الشكلية التي تشكل أساس الليبيرالية، لذلك فلا فرق عند "هايك" أساسي بين دولة الرفاهية والدولة الشيوعية الشمولية، فكل محاولة لتطبيق الحقوق الاجتماعية يؤدي -حسب الموضوع الشديد الحضور لدى الليبيرالية الجديدة- وينتج "نظاما شموليا يستبعد الحريات الفردية". أنظر:

- Luc Ferry, Critique de La Critique Néo- Libérale Des "Droits Sociaux" ,in: Marrio Bittati, Bernard Couchner, Le Devoir D’ingérence, éd. Denoêl. Paris. 1987. P 67-72.

الكتاب الذين يضم هذه المحاضرة يضم مجموعة أخرى من المحاضرات حول حقوق الإنسان وحق وواجب التدخل عددها 52 مداخلة. ألقيت ونوقشت في: "المؤتمر الدولي للقانون والأخلاق الإنسانية." من تنظيم منظمة أطباء العالم المنظمة غير الحكومية الفرنسية.

(25)- يقول المفكر الفرنسي جون-ماري دوميناش: "منذ قرنين نعيش هذا الغموض، (..) إنـَّنا لم ننعتق أبدا من هذا التناقض، حقوق إنسان ممزقة بين اتجاهين: الفردية الأنانية المدمرة للحياة المدنية من جهة، ومن جهة أخرى اللجوء إلى الدولة التي أدرجت ضمن أهدافها، حقوق الإنسان نفسها… إنَّ حقوق الإنسان في الديمقراطيات قد أصبحت امتيازات مكتسبة ونوعا من الميراث، بدل أنَّ تكون وعيا وكفاحا يندرج ضمن التاريخ. (للمزيد أنظر: محاضرته المنشورة ضمن أعمال مهمة حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لها (1789-1989) في كتاب صادر عن:

La Commission Nationale Des Droits De L’homme 1989, "Les Droits De L’homme En Question", éd. La Documentation Française. Paris. 1989. Voir: "Interrogations" P 21-24.

الإصدار يحتوي على 42 موضوعا ودراسة مع النصوص العالمية لحقوق الإنسان الصادرة سنوات 1789 إلى 1948م.

(26)- علي عزت بيفوفيتش. مرجع سابق. ص 330.

(27)- آنذاك طالب الاتحاد السوفياتي أن يتضمن الإعلان موادا عن واجبات الفرد.

(28)-  Agnès Le Béon, op.cit. /in : http//www.alphacom.net

(29)- إلى حين تحقيق تلك العالمية: يمكن الإشارة إلى دراسة مهمة للمفكر الصيني لاوتسي بعنوان: "نعم للعولمة.. لا للغربنة" يتحدث فيها عن انتفاء كلمة "الحقوق" في القاموس الصيني. إذ الفرد جزء من المجموع لدى الكونفوشيوسية، وكلمة "الحقوق" لها تاريخ غربي علماني.. إنَّ الصين يجب أن تحكم بالبشر، لا بالقوانين، ولا شيء عندنا أبعد عن أذهاننا ممَّا تدعونه "قاعدة القانون". ويرى فرونسوا جوليان المتخصص في الثقافات الشرقية، أنَّه لا يوجد في الفكر الصيني التقليدي، لشيء مكافئ لما يسميه الغربيون (حقوق الإنسان) "لسبب بسيط -يقول فرونسوا جوليان- لأنَّ كلمة "حق" نفسها لا وجود لمكافئ لها عند الصينيين. فالحق يترجم بـ"Quan" الذي يعني "السلطة" وبالتالي "حقوق الإنسان" تساوي بالصينية "سلطات الإنسان"." ويقول "إنَّ ممَّا يلفت الإنتباه أنَّ ترجمة أعمال روسو "العقد الاجتماعي" مثلا إلى الصينية كان له عدَّة معان معاكسة" (أنظر:

"La Culture Est La Partie Prenante Dans L’art De Négocier", Entretien Avec François Jullien, Propos Recueillis Par: Roger-pol Droit./in: site web: Institut de Management d’EDF et de GDF. France. 1997. in: http:// www.im.edfgdf.fr/im/html/

(30)- البروفيسور لويس ج. كانتوري، " أنماط التفكير المحافظ والليبيرالي حول قضية حوار الثقافات". مجلة الديبلوماسي. العدد الأوَّل. 26 رمضان 1416هـ/ 15 فبراير 1996م. ص 08.

(31) – إدوارد سعيد، " مادلين أولبرايت، وليام كوهن: خل قديم في زجاجات جديدة" جريدة الخليج. عدد 6423. 08 شعبان 1417هـ/ 18 ديسمبر 1996م. ص 13.

(32)- يورد  الدكتور وليد عبد الحي مجموعة من الإحصائيات عن الأمين العام للأمم المتحدة السابق: بطرس بطرس غالي فيما يتعلق بخروقات حقوق الإنسان فيقول: "إنَّ 108 دولة ترفض التوقيع على اتفاق يمنع التعذيب، وأنَّ 165 دولة ترفض التوقيع على وقف عمليات الإعدام، وأنَّ 182 دولة ترفض التوقيع على اتفاق يحمي حقوق العمال المهاجرين". أنظر: د. وليد عبد الحي، "بطرس غالي: والديبلوماسية الوقائية". الشروق الثقافي. العدد 20. من 9 إلى 16/12/1993م. ص 10.

ملاحظة: عرفت أوروبا سنة 1992م وصول حوالي 15 مليون عامل مهاجر ولا يزال تدفقهم مستمرا مع مآسي فضاء شينغن.

(33)- يراجع: ناجي علوش. "احتفالات الذكرى الخمسين لانتهاء الحرب العالمية الثانية والقضايا الغائبة". قضايا دولية. العدد 283. السنة السادسة. 6 محرم 1416هـ/ 5 يونيو 1995م. ص 22-23.

(35)أنظر: محاضرة. ج.م. برايس قيريرو (J.M. Brice Guerrero) بعنوان:

- Le Discours Des Droits Universels et Les Pratiques De Domination " In: Rencontres Philosophiques De L’UNESCO. 1996. in: htpp://www.unesco.org/

(36)-  Le Monde N° du 15 Mars 1989.

(37)- هو مفكر جزائري الأصل، يدرِّس تاريخ الفكر الإسلامي بجامعة السربون الجديدة (باريس الثالثة) وهو أستاذ زائر في جامعات أوروبية مثل أمستردام.. وله مؤلفات نقدية عديدة مثيرة للجدل في العالم الإسلامي والعربي مثل:

            - L’humanisme Arabe au 4éme /10éme Siècle, 1982.

            - Pour Une Critique de La Raison Islamique, 1984.

            - La Pensée Arabe, 1996.

(38)- يتميز التصور الإسلامي لحقوق الإنسان بالرجوع إلى مرجعية الشريعة الإسلامية وإلى الكليات الخمس: حفظ الدين، النفس، العقل، المال، العرض (النسل). على التوالي. ويمكن الإشارة إلى كتاب د. علي جريشة، بعنوان: حرمات لا حقوق، حقوق الإنسان في ظلِّ الإسلام - دراسة مقارنة. دار الاعتصام. القاهرة. 1987م. وإلى كتاب د. فهمي هويدي، مواطنون لا ذميون، موقع غير المسلمين في مجتمع المسلمين. دار الشروق. بيروت. القاهرة. ط 1. 1405هـ/1985م. وإلى رسالة دكتوراه للأستاذ حمود حمبلي، حقوق الإنسان بين النظم الوضعية والشريعة الإسلامية. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1995م.

(39)- in : Agnés Le Béon, op. cit. in : http//www. Alphacom..net

(40) - in :Agnés Le Béon, op. cit. in : http//www. Alphacom..net

(41)-in : Agnés Le Béon, op. cit. in : http//www. Alphacom..net

(42)- وهذه قائمة نموذجية للصيغ المختلفة لحقوق الإنسان والتي يقال أنـَّها تزيد عن الخمسين وثيقة إلى حد اليوم:

- " العهد الأعظم" البريطاني المعروف بـ: Magna Carta صدر في 15/6/1215م.

- " وثيقة الحقوق" Bill of Rights البريطانية سنة 1628م.

- الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن (26 أوت 1789م) والإعلانات التكميلية لسنوات 1791م، و1793م، و1814م، و1830م، و1852م، ودساتير فرنسا إلى دستور 1958م.

- الإعلان الأمريكي للاستقلال سنة 1776م. "تضمَّن مادة تصف الهنود الحمر السكان الأصليون الذين تعرضوا للإبادة الجماعية من طرف المستوطنين البيض تصفهم بـ "المتوحشين الذين لا يعرفون الرحمة، والمعروفين بحبهم لإشعال الحروب وارتكاب المجازر"! وهو إعلان مرتبط باسم طوماس جيفرسون".

- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن منظمة الأمم المتحدة 10 ديسمبر 1948م.

- الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان سنة 1950م.

- الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان سنة 1969م.

- إعلان حقوق الإنسان وواجباته في الإسلام الصادر عن رابطة العالم الإسلامي سنة 1979م.

- البيان الإسلامي العالمي الصادر عن المجلس الإسلامي الأوروبي في لندن عام 1980 و1981م.

- الميثاق الكندي للحقوق والحريات سنة 1982م.

- مشروع وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام: قدم إلى مؤتمر القمة لمنظمة المؤتمر الإسلامي. الطائف: جانفي 1989م.

- الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان 1981م. دخل حيز التطبيق في 21/10/1986م.

- الإعلان الدولي الأوَّل عن التسامح. الصادر عن اليونيسكو في 16/11/1995م.

وهناك مبادرات عربية وإفريقية وآسيوية: أخرى كثيرة.

(43)- عبد الوهاب المسيري، "الفكر الغربي: نظرة تقدمية مختلفة، اليهود: "مسلمون" في أفران الغاز". جريدة القبس الدولي الكويتية. العدد 1301. 22-23/4/1989م. ص 15.

(44) - وفي محاورة عنونتها صحيفة (واشنطـن بوسـط/Washington post : 30/10/97) بـ: "حوار الطرشان" بين الرئيسين الأمريكي السابق كلينتون والصيني السابق زهاوزيانغ. قال الأوَّل : "حرية التعبير ليست حقا طبيعيا للأمريكيين أو الغربيين فقط، بل حقا طبيعيا لكلِّ كائن بشري أينما وجد". وأجاب الثاني: "الصين والولايات المتحدة لهما تقاليد ثقافية وتاريخية مختلفة، ومفاهيم الديمقراطية والحقوق الأساسية والحرية نسبية" أنظر:

            - "Universalité Des Droits Humains Fondamentaux" in: http://www. Washington post.com

(45)- تجدر الإشارة إلى "إعلان عالمي للواجبات" صاغه العالم الفرنسي روجي غارودي لوضع حد لاستبداد "وحدانية السوق" باسم حقوق الإنسان التي تمنح السيطرة لأصحاب الامتيازات المالية. داعيا من خلاله إلى إيجاد تيار رئيسي عالمي لأنسنة الإنسان. منطلقا من التفريق بين الإنسان والكائنات الأخرى ومن خلال ثقافات كلّ عائلات الأرض، خدمة لعالمية جديدة، وإلغاء لمقولة "الشعب المختار" لدى أي أمة، لأنـَّها تتضمن رفضا قبليا للوحدة الإنسانية.

ويتضمن الإعلان مجموعة من الواجبات حول الملكية، الطبيعة، الحرية الفردية والأمن الجماعي. قائلا: في ديباجته:" إن واجبنا الفرد الذي تتولد منه كل الواجبات، يأخذ صيغته الأساسية الواعية والإنسانية أبدا من مبدأ أن أكون " واحدا" مع " الكل"" انظر : روجي غارودي، تر: مروان حموي، «الولايات المتحدة طليعة الانحطاط، كيف نُحضِّر للقرن الواحد والعشرين». دار الكاتب. دمشق. ط 1. 1418هـ/1998م. ص 215-219. خاصة ص 219.

(46)- عالم فرنسي من مواليد 1908م مختص بارز في دراسة الأجناس البشرية، أدخل التحليل البنيوي في الدراسة الأنثروبولوجية، له كتب منها: «الفكر الهمجي» و«الإنسان العادي».

(47)- راجع، مارسيل غوشيه، وبيار كلاستر، تر: علي حرب، «أصل العنف والدولة». دار الحداثة. بيروت. 1985م.

(48)- انظر في: مارسيل غوشيه وبيار كلاستر، تر: علي حرب. مرجع سابق. ص17.

(49)- مارسيل غوشيه، وبيار كلاستر، تر: علي حرب. مرجع سابق. ص 17.

(50)- د. وليد عبد الحي، «الحضارة بين السياسة والتاريخ». جريدة" الشعب" الجزائرية. العدد 7179. 12-13 ربيع الثاني 1407هـ/14-15 نوفمبر 1986م. ص 12.

(51)- د. طه جابر العلواني، «أبعاد غائبة عن فكر وممارسات الحركات الإسلامية المعاصرة». المعهد العالمي للفكر الإسلامي. فرجينيا. و.م.أ. ط 1. 1417هـ/1996م. ص 78.

(52)-Edgar Morin, interview, accordé à Label France par Anne Rapin.

 In: http: //www.france-diplomatie.fr/label.france/france/idees/morin/.

(53)- ينتقد المفكر الفرنسي إدغار موران الاتجاه التفكيكي والتجزيئي في التفكير العلمي والمناهج الدراسية الغربية منذ عصر النهضة. فيقول: «إنَّ نظامنا التعليمي من الابتدائي إلى الجامعة، يفتت الواقع ويجعل العقول غير قادرة على الجمع بين المعارف المجزأة إلى مواد. هذه التخصصية الفائقة للمعارف، تؤدي إلى تفكيك الحقائق حتَّى انعكس ذلك على سلوكنا. فوجدنا سياسات إقامة الهياكل القاعدية للمدن مثلا تهمل غالبا البيئة الاجتماعية والإنسانية. وتصادر القرار السياسي من المواطن لصالح الخبراء. لذلك لا بدَّ من إصلاح معرفي بيداغوجي لنظام التعليم والتربية ليواجه التعقد بواسطة مفاهيم قادرة على الربط بين مختلف المعارف المتوفرة لدينا في نهاية القرن العشرين. إنـَّه من الحيوي جدا في زمن العصر الكوكبي، حيث من غير الممكن، ومن المصطنع عزل مشكلة هامة على مستوى وطني.

ففي القرن السابع عشر الميلادي فهم باسكال (1623-1662م) أنَّ كلّ شيء مترابط إذ اعترف أنَّ (كلَّ شيء مساعَد ومساعِد، سبب ومسبِّب). وكما قال: (كيف أعرف الكل إذا لم أعرف الجزء)، ولكن مع الأسف -يقول موران- اتبعنا نموذج التفكير الديكارتي معاصره الذي يدعو إلى تقطيع الواقع والمشاكل. بينما الحقيقة أنَّ الكل ينتج كمية لا توجد في الأجزاء المجزأة، إنَّ الكل ليس أبدا هو عملية جمع للأجزاء فقط، إنَّـَّه شيء أكبر منها». انظر:

- Edgar Morin. op. cit.

(54)- رجيه غارودي. مرجع سابق. ص 27. (بتصرف).

(55)- Edgar Morin. op. cit.

(56)- هو ديبلوماسي برماني (1909-1974م) كان أمينا عاما للأمم المتحدة بين 1961-1971م.

(57)- النظريات الدولية تشهد منذ ظهور نموذج التحليل الوظيفي لدافيد إيستون، وكذلك نظريات الكوارث والكوانتا والمنظور الكلاني مراجعة لمسلماتها السكونية التجزيئية المسرفة في الوضعية والعلمنة والحتمية والديكارتية، والاختزالية.

(58)- يرى بيدرو هونريكيز (Pedro Henriquez) أنَّ تناقضات النظام السياسي الدولي تعكس المصالح المتعارضة للأمم والطبقات المسيطرة داخل الدول وبين الدول المشاركة في النظام. هذه التناقضات ليس لها نفس الشدة في مختلف مراحل المسار السياسي. إنـَّها تأخذ في الاعتبار ميزان القوى داخل الدولة. وكذلك تناقضات النظام السياسي الدولي. وقد اقترح صنفين من التناقضات: تناقضات صراعية وغير صراعية. وتتغير تلك الصفة حسب الزمان والسياق التاريخي للقوى الاجتماعية الموجودة. انظر:

Pedro Henriquez, «La Crise Mondiale et Le Système des Nations Unies» in: L’avenir des Organisations Internationales. Institut International D’études Diplomatiques à Paris. éd. Economica. Paris. 1984. P 96.