الديمقراطية في أفريقياpdf

تجربة التحول الديمقراطي في جمهورية جنوب أفريقيا

 

د. محمد عاشور مهدي

مدرس علوم سياسية بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية – جامعة القاهرة

 

مقدمة وتمهيد : حول الديموقراطية فى أفريقيا

شهدت قارة أفريقيا منذ أواخر الثمانينيات من القرن الماضي ، العديد من التحولات والأحداث السياسية، حيث اتجهت دول القارة في معظمها – وبخاصة طوال عقد التسعينيات من القرن العشرين – إلي الأخذ بشكل من أشكال الديمقراطية بالمضمون الليبرالي الغربي[1] ،المتمثل في عدة أسس أولها التعددية السياسية معبراً عنها بتعدد الأحزاب السياسية ، وتداول السلطة فيما بينها سلمياً ، وثانيها ، أن القرار السياسي هو ثمرة تفاعل بين كل القوي السياسية ذات العلاقة بالموضوع موضع النقاش ، ويقوم علي المساومة بين هذه القوي للوصول إلي حل وسط ، وثالثها احترام مبدأ الأغلبية كأسلوب لاتخاذ القرار والفصل بين وجهات النظر المختلفة ، ورابعها ، المساواة السياسية من خلال إعطاء صوت واحد لكل مواطن ، وخامس عناصر الديمقراطية الليبرالية ، هو تحقيق مفهوم الدولة القانونية وأهم سبل تحقيق ذلك وجود دستور ، وخضوع الحكام للقانون ، وانفصال الدولة عن شخص حكامها ، وتدرج القواعد القانونية وإقرار الحقوق الفردية للمواطنين ، وتنظيم الرقابة التشريعية والقضائية علي الهيئات الحاكمة[2] .

وتجدر الإشارة إلي إنه علي الرغم من اتجاه العديد من الدول الأفريقية إلي الأخذ بالديمقراطية الليبرالية ، والتخلي عن النظم القائمة علي الأحادية الحزبية التي سادت خلال الحقبة الممتدة من الستينيات حتى انتهاء الحرب الباردة في الثمانينيات من القرن الماضي[3]، فإن دوافع ذلك التحول الذي اصطلح علي تسمية التحول الديمقراطي ، وأساليبه ، ونتائجه وآثاره قد تباينت من مجتمع إلي آخر ، الأمر الذي أثار جدلاً فكرياً كبيراً حول قضية التحول الديمقراطي في القارة وما تثيره من إشكالات حيث يمكن رصد عدة محاور أساسية لذلك النقاش الفكري بشأن التحول الديمقراطي في القارة وذلك علي النحو التالي .

مضمون التحول الديمقراطي وأشكاله :-

تباينت الرؤى والمنطلقات فيما يتصل بمضمون التحول الديمقراطي ودلالته حيث انتقد البعض – بحق – الربط الدائم بين التحول من الحكم السلطوي وتحقق الديمقراطية؛ انطلاقاً من واقع أن التحول عن الحكم السلطوي لا يُعد بالضرورة تحولاً نحو الديمقراطية[4]، فإجراء انتخابات وتسليم السلطة لحكومة منتخبة لا يعتبر كافياً لتحقيق الديمقراطية وإنما الأهم هو عملية تدعيم وترسيخ الممارسات الديمقراطية بما يحول دون انتكاسها علي النحو الذي شهدته تجارب بعض دول القارة (بنين ، النيجر ، زامبيا، كوت ديفوار ...) ، فالتحول يحمل إمكانية تحقق الديمقراطية ، لكنه لا يضمن تحققها لتطلب ذلك ظروفاً موضوعية أخري[5].

وعلي ذات الصعيد يثور التساؤل حول أشكال انتقال السلطة التي تندرج في إطار التحول الديمقراطي ، استناداً إلي تعدد صور انتقال السلطة وأساليبها[6]، الأمر الذي ينبغي معه تحديد المعيار المستخدم في تمييز التحول الديمقراطي عن غيره من التحولات السلطوية والشكلية علي نحو ما تشير خبرة الانقلابات علي النظم السلطوية أو الانتخابات الشكلية ، وكذلك تمييز التحول الديمقراطي عن الممارسة الديمقراطية التي يمثلها الانتقال السلمي للسلطة داخل نظم ديمقراطية مستقرة[7].

 الجدل حول أسباب التحول الديمقراطي :-

علي الرغم من اتفاق معظم - إن لم يكن جميع - الباحثين على أن هناك مجموعتين من العوامل الداخلية والخارجية مسئولتين عن عملية التحول الديمقراطي في أفريقيا بصفة عامة ، فإن ثمة اختلافاً بين الباحثين حول أي من هذه العوامل كان هو الدافع الأساسي في عملية التحول وأيهما كان العامل المساعد . وإلي أي مدي يمكن التعميم فيما يتصل بخبرة التحول الديمقراطي في تلك المجتمعات .

فبالنسبة لأولوية العوامل وأهميتها في التحول الديمقراطي يمكن الحديث عن اتجاهين أساسيين في هذا الشأن يذهب أولهما – وهو الأكثر شيوعاً خاصة بين الكتاب الأفارقة – إلي أن الضغوط الداخلية كانت هي المحرك الأساسي الفاعل فيما يتصل بعملية التحول الديمقراطي في القارة[8]. حيث امتلك التحول الديمقراطي في أفريقيا منطقه الداخلي المستقل عن العلاقات بين الشرق الغرب[9]، فالعوامل الدولية – من وجهة نظر ذلك الفريق – ممثلة في انتهاء الحرب الباردة ، وسقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية ، وكذلك ظهور المشروطية السياسية في برامج الإصلاح المفروضة عبر المؤسسات الدولية والدول الكبرى[10]، كانت بمثابة محفز لعدم الرضاء الشعبي عن الأوضاع المتردية اقتصادياً وسياسياً والذي كان سائداً في كثير من دول القارة[11].

وفي المقابل يذهب فريق من الباحثين إلي أن العوامل الخارجية كان لها الثقل الأكبر في تبلور عملية التحول الديمقراطي في دول القارة ، وأنه بدون ذلك الدعم الخارجي ما كان للتحول الديمقراطي أن يتم في القارة ، ويستشهد أنصار هذا الرأي بسرعة التحولات التي جرت علي الساحة الأفريقية في أعقاب التحولات في هيكل النظام الدولي ، علي نحو لا يحتاج – من وجهة نظر ذلك الفريق – مزيد بيان علي الارتباط المباشر بين " عصر التحرر الثاني في القارة " والمتغيرات الدولية التي فتحت الباب وقدمت مساندة فعالة وحقيقية لعملية التحول[12].

 التحول الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي والتنمية :-

يعتبر ذلك المحور من اكثر محاور التحول الديمقراطي إثارة للجدل والنقاش، ويمتد بجذوره إلي حقبة الاستقلال والتحرر من الاستعمار ، حيث عمدت العديد من النظم السياسية في أفريقيا إلى التحول عن الصيغ الديمقراطية الليبرالية التي ورثتها عن الاستعمار ، لصالح نظام الحزب الوحيد ، انطلاقاً من مجموعة من الاعتبارات والأهداف كان في مقدمتها تحقيق الوحدة الوطنية والتنمية باعتبارها شروطاً مسبقة لقيام الديمقراطية الليبرالية ، وهو ما لم يتحقق طوال فترة حكم تلك النظم القائمة علي الأحادية الحزبية ، الأمر الذي جعل النضال من أجل التخلص من هذه النظم – في أحد جوانبه – نضالاً من أجل التنمية الاقتصادية ورفع مستوي المعيشة[13]، ساعد علي ذلك تصاعد الآراء المنادية بالعلاقة بين التنمية الاقتصادية والديمقراطية باعتبار أن الأخيرة شرط أساسي لتحقق التنمية فالحرية السياسية والمساءلة الشعبية للنظم الحاكمة ورقابتها شروط أساسية مسبقة ومساعدة علي النمو الاقتصادي[14].

وإلي جانب هذين الاتجاهين برز اتجاه ثالث يري أن ليس ثمة علاقة تراتبية بين التحول الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي والتنمية وأنه لابد من السعي إليهما بالتوازي[15] . وقد برز هذا الاتجاه ، كرد فعل للاتهامات التي وجهت إلي برامج التكيف الهيكلي بأنه يؤدي إلي القهر السياسي والتضحية بالديمقراطية من أجل قيام حكومة مركزية قادرة علي الوفاء بمقتضيات تطبيق برامج التكيف الهيكلي ومواجهة ما يثيره ذلك التطبيق من توترات وعدم استقرار[16] .

 الخيارات الدستورية والنمط الأمثل للحكم في أفريقيا :-

لقد كان التحدي السياسي الأساسي للدول الأفريقية في مرحلة ما بعد الاستعمار هو كيفية الحفاظ علي الوحدة الوطنية في ظل الاختلافات الاثنية واللغوية والدينية واسعة الانتشار في القارة[17]. ولذا طرحت العديد من الاجتهادات والآراء في هذا الصدد ، أبرزها فيما يتصل بقضية التحول الديمقراطي هو تأكيد البعض علي عدم ملاءمة النموذج الغربي للديمقراطية للواقع الأفريقي[18]  وضرورة البحث عن نموذج خاص لأفريقيا يتسق وذلك الواقع ، ويعلل هذا الفريق من الباحثين رأيه بأن محاولة نقل وتطبيق الديمقراطية الغربية في بعض دول القارة قد أسفرت عن مشكلات عديدة للنظم والشعوب لافتقار الدول الأفريقية إلي التقاليد الديمقراطية والمؤسسات والهياكل اللازمة لتطبيقها[19] ،  وفي المقابل ذهب فريق آخر إلي رفض تلك الادعاءات والمبررات ؛ واستناداً إلي عالمية المبادئ الديمقراطية أكد أنصار هذا الاتجاه على أن القضية ليست في أفرقه الديمقراطية لأن التراث الأفريقي عرف الديمقراطية كمبادئ وكممارسة ولكن المشكلة في العودة إلي ذلك التراث لإضفاء الطابع الديمقراطي علي الواقع الأفريقي[20].

ويتعلق بهذا الجدل أيضاً النقاش حول الخيار الأمثل من الخيارات الدستورية المتعلقة بشكل الدولة ونظام الحكم . وهنا تتباين الاتجاهات بين النظريات والنظم التي تسعي إلي استيعاب الاختلافات دستورياً من خلال السماح بالانفصال أو الأخذ بشكل من الأشكال الديمقراطية التوافقية واقتسام السلطة ، والنظريات والنظم الساعية إلي إلغاء الاختلافات من خلال الدعوة إلي الوحدة المبنية علي آلية بوتقة الصهر أو الحزب الوحيد أو بعض صور الفيدرالية الإقليمية[21] .

مستقبل التحول الديمقراطي في القارة :-

يرتبط الجدل حول مستقبل التحول الديمقراطي في القارة بتحديات ذلك التحول والتي يري بعض الباحثين أن أهم تحدياته هو الواقع الاقتصادي الاجتماعي للقارة الأفريقية في ظل التخلف الاقتصادي والصراع الاجتماعي وانتشار ملامح الفقر وارتفاع معدلات الجريمة والعنف في بعض الدول وانتشار مرض الإيدز ، وما تؤدي إليه هذه العوامل من عدم استقرار سياسي[22] .لذا فإن هذا الفريق من الباحثين تسيطر علي كتاباته رؤية تشاؤمية فيما يتصل بمستقبل التحول الديمقراطي في القارة تؤكد علي أن عملية التحول سرعان ما تعود سيرتها الأولي نحو النظم السلطوية وسيطرتها علي مقاليد السلطة في البلاد ، في ظل العقبات سالفة البيان وغياب ثقافة التسامح وقبول الآخر وغياب الحريات بصفة عامة[23].

وفي المقابل يذهب نفر من الباحثين إلي أن عملية التحول الديمقراطي سوف تستمر وتستقر وإن طال الزمن ، وأن عمليات الردة التي شهدتها مسيرة التحول الديمقراطي في أفريقيا أمر متوقع ولا يجب اعتبارها معيارا وحيدا للحكم علي عملية التحول الديمقراطي بالفشل[24] .

حاصل القول أن التحول الديمقراطي في أفريقيا كان ومازال مثار جدل فكري متعدد الأبعاد والمستويات والاتجاهات ، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدي إمكانات تعميم خبرة مجتمع ما على غيره من المجتمعات وهو التساؤل الذي طرحه البعض في سعيه للتمييز بين العام والخاص في تجارب التحول الديمقراطي ورفضه البعض استنادا إلي أن كل تجربة من تجارب التحول لها سماتها وخصائصها المتفردة التي يصعب تكرارها في مجتمعات أخري[25]وعلي الرغم من اختلافنا جزئيا مع هذا الرأي ، إلا أن الواقع يشير إلي أن تجربه التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا تضفي قدرا من المصداقية علي ما ذهب هذا النفر من الباحثين من تفرد حالات التحول الديمقراطي في الدول المختلفة وذلك علي نحو ما يتبين حالا عند مناقشة أسباب التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا وطبيعته وأدواته وصولا إلي الحكم علي آثاره ونتائجه والاحتمالات المستقبلية للتجربة الديمقراطية في جمهورية جنوب أفريقيا ، وذلك علي التفصيل التالي .


المبحث الأول

أسباب التحول الديمقراطي في جمهورية جنوب أفريقيا

في تناولها لأسباب التحول الديمقراطي في جمهورية جنوب إفريقيا ، تميز الدراسات بين مجموعتين من الأسباب هما الداخلية ، والأسباب الخارجية ، وجريا علي تلك العادة فإنه سوف يتم التمييز بين المجموعتين من الأسباب ، مع بيان الأسباب الفاعلة في هذا الصدد . علي إنه قبل الخوض في تفاصيل تلك الأسباب ، يجدر بيان طبيعة التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا لما اتسم به ذلك التحول من ملامح تميزه عن جميع المحاولات الأخرى التي شهدتها قارة أفريقيا بعد انتهاء الحرب الباردة في العقد الأخير من القرن الماضي ، وتقترب به من ملامح مرحلة الاستقلال الأول الذي شهدته بعض دول القارة[26].

أولا : طبيعة التحول في جنوب أفريقيا :-

سلف الحديث عن أن التحول السياسي في العديد من الحالات الأفريقية اتخذ صورة انتقال السلطة من أنظمة سلطوية (مدنية أو عسكرية ) غير منتخبة إلي أنظمة مدنية منتخبة علي نحو ما تشهد خبرة كل من السودان ونيجريا وغيرها[27] ، وهى الصورة السائدة للتحول الديمقراطي في الكتابات ، سعيا للتمييز بينها وبين غيرها من صور التحول السياسي غير الديمقراطية  سواء تمثلت في انتقال السلطة من حكومات مدنية غير منتخبة إلي حكومات مدنية غير منتخبة وفق المعايير الليبرالية سالفة البيان ، أو انتقال السلطة من حكومات عسكرية إلي أخري عسكرية ، أو حالة التحول المنضبط من أعلي والذي يتم من خلال قيام النظام السلطوي بإجراء تعديلات شكلية وعمليه تغيير محكومة تضمن استمراره في السلطة علي نحو ما تشير خبرة كل من كينيا في عهد موي وغانا تحت حكم رولينجز والكميرون برئاسة بيا[28].

        وبالنظر إلي تلك النماذج المختلفة للتحول السياسي بصفة عامة والديمقراطي منها بصفة خاصة يمكن القول أن طبيعة التحول في جنوب أفريقيا تفردت بملمح خاص يميزها عن تلك النماذج ، هو تراث الممارسة الديمقراطية للجماعة البيضاء في جنوب أفريقيا علي النمط الليبرالي الغربي ، والممارسة الديمقراطية المحكومة لجماعتي الملونين والهنود بمقتضى دستور 1983 م[29]. فالممارسة الديمقراطية لم تكن غائبة كلية عن مجتمع جنوب أفريقيا ولكنها كانت مقصورة علي فئة بعينها وعلي حساب فئات أخري ( السود أساسا ) الأمر الذي جعل تجربة جنوب إفريقيا تجمع في جنباتها ملامح نموذج تصفية الاستعمار ، والانتقال إلي ديمقراطية الأغلبية بدلا من ديمقراطية القلة[30] .


ثانيا : الأسباب الداخلية للتحول في جمهورية جنوب أفريقيا :  

        يمكن إجمال أهم الأسباب الداخلية للتحول في جمهورية جنوب أفريقيا في فشل الصيغ البديلة التي طرحها النظام العنصري لحكم الأغلبية ، وتصاعد الثقل الديموجرافي والاقتصادي للسود ، وقوة المجتمع المدني في جمهورية جنوب أفريقيا وتعدد روافده ، علاوة علي التقارب المصلحي والواقعي بين القوي الرئيسية الفاعلة في جنوب أفريقيا . وفيما يلي بيان بإبعاد تلك الأسباب .

أ- فشل الصيغ البديلة لحكم الأغلبية في تحقيق الاستقرار[31]:-

شهد تاريخ جنوب أفريقيا عدة محاولات من جانب الجماعة البيضاء للهيمنة علي السلطة والحيلولة دون وصول السود إلي سدة الحكم في إطار دولة موحدة لجنوب أفريقيا ، وقد اتخذت تلك المحاولات عدة صيغ وأشكال منذ وصول المستوطنين الأوربيين إلي  البلاد وهيمنتهم علي مقاليد الأمور في مناطق عديدة من الإقليم منذ القرن السابع عشر ، وهي الصيغ والأشكال التي ترسخت عبر عدة قوانين مع قيام اتحاد جنوب أفريقيا عام 1910 م . كان من أبرزها قانون الأراضي لعام 1913 الذي سلب الأفارقة نحو 87 % من الأراضي التي كانوا يقطنونها وقانون المناطق الحضرية لعام 1923 م . الذي حظر علي الأفارقة الوجود في مناطق بعينها وحدد مناطق إقامتهم علي نحو أسفر عن ظهور أحياء فقيرة ومكتظة بالسود وقانون الحواجز العرقية 1926 م ؛ الذي حظر علي الأفارقة العمل في مهن معينة أو تعلم مهارات محددة ، ثم قانون إدارة شئون السكان الأصليين الصادر عام 1927 م والذي حرم المجتمعات الوطنية من اختيار زعاماتها وجعلها خاضعة للحاكم البريطاني في البلاد ، وقانون تمثيل السكان الأصليين لعام 1936 م[32]  .

وبعد فوز الحزب الوطني في انتخابات البيض عام 1948 م ووصوله إلي سدة الحكم بزعامة "دانيال مآلان" ، تبنت الحكومة رسميا سياسة الفصل العنصري وأصدرت سلسلة من القوانين المرسخة لهذه السياسة [33] التي قامت علي أسس فلسفية مؤداها اختلاف الجماعات المكونة لدولة جنوب أفريقيا ( البيض – الهنود – السود ) ثقافيا وحضاريا واقتصاديا وبالتالي حق كل جماعة في التطور الذاتي المستقل الذاتي يتفق ودرجة التقدم الذي تحرزه كل جماعة وذلك من خلال الاحتفاظ بالفواصل بين الأجناس المختلفة في دوله جنوب أفريقيا مع تنمية كل منها بشكل منفصل عن الأخر[34]  . وقد أكد القوميون الافريكانر علي أن أي اندماج بين البيض والأفارقة ( العناصر الأخرى غير البيض ) من شأنه طمس المعالم المميزة للجماعة البيضاء واستيعابها داخل الأغلبية بما يعني الانتحار القومي للبيض . وعلي الرغم من محاولات الحكومات المتعاقبة علي حكم البلاد منذ 1948 م لإضعاف وحدة السود عبر تنمية الوعي العرقي العنصري بين الجماعات المختلفة المكونة لهذه الجماعة الاثنية ، وإنشاء كيانات سياسية ممثله للعرقيات ( وهي ما عرفت بسياسة البانتوستانات ) والتي حظيت بعضها بالاستقلال الصوري من جانب جنوب أفريقيا ، ورغم محاولات الجماعة البيضاء توحيد صفوفها ونبذ الخلافات بين عنصريها ( الافريكانر والناطقين بالإنجليزية ) ، وكذا مواجهة التزايد الديموجرافي والثقل الاقتصادي المتزايد للسود ، من خلال دعم روابط التحالف مع الجماعات الاثنية الأخرى ( الملونين والهنود ) ، علي نحو ما تشهد خبرة الثمانينيات من القرن العشرين ودستور 1983 م الذي منح الملونين والهنود حق التمثيل والمشاركة مع البيض في صنع السياسات الخاصة بهم من خلال ثلاثة برلمانات عنصرية مستقلة وسياسات التنمية المتوازية[35]  .

ويشير الواقع إلي أن تلك الصيغ المختلفة قد أخفقت في تحقيق الاستقرار السياسي يدلل علي ذلك عدة شواهد أساسية أبرزها تصاعد حدة المواجهات بين النظام العنصري والقوي الوطنية المناوئة له والتي أتخذت أشكالا متفاوتة الحدة ( مظاهرات ، أضربات ، مقاطعة اقتصادية ، مقاطعة الانتخابات في الكيانات التي أنشأها النظام لتمثيل السود ، مقاطعة المدارس ، عدم دفع الضرائب ، العمليات المسلحة ضد مصالح البيض في كل من بريتوريا وجوها نسبرج . ، وفشل الحكومة في السيطرة علي القوي المناهضة للعنصرية علي الرغم من تكرار فرض حالة الطوارئ في البلاد في الثمانينيات من القرن الماضي[36]  . وكذلك بروز التناقضات داخل جبهة التحالف التي حاول النظام العنصري أقامتها بين البيض والعناصر غير السوداء من الهنود والملونين في مواجهة السود ، حيث أنه منذ منتصف الثمانينيات من القرن العشرين حدث تزايد نسبي في إحساس الجماعة الهندية أن لها مصلحة في إنهاء سياسة الفصل والمعازل التي حدت من فرصهم التجارية في مختلف المناطق ، كما شهدت نفس الفترة تحرك أعداد متزايدة من الملونين ناحية المعسكر المناؤي للعنصرية علي الرغم من الوضع النسبي المتميز لكل من الملونين والهنود في  إطاره[37] .

ب – تصاعد الثقل الديموجرافي والاقتصادي للسود :

شهدت جنوب أفريقيا خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين تناميا في الاختلال الديموجرافي بشكل كثيف بين الجماعة البيضاء والسود لصالح الآخرين[38]  ، الأمر الذي واكبه تزايد هجرة السود من البانتوستانات إلي المناطق الحضرية ، في ذات الوقت الذي رفض الكثيرون من السود فكرة النقل الجبري إلي البانتوستانات ، رغم كافة الوعود التي قدمتها الحكومة العنصرية بمزيد من الحكم المحلي والإقليمي وإنشاء برلمان للسود إلي جانب البرلمانات الثلاث سالفة الذكر[39]  .

وعلي ذات الصعيد أدت الأهمية المتزايدة للعمالة الأفريقية في القطاعات المهنية الدنيا والمتوسطة المختلفة في البلاد وصعوبة إحلالها في ظل المقاطعة الإقليمية والدولية ، علاوة علي القوة الشرائية المتنامية للسود في البلاد ، إلي زيادة فاعلية وتأثير سلاح المقاطعة من جانب المستهلكين السود علي رجال الأعمال البيض ، ساعد علي ذلك بروز النقابات العمالية وتوحدها في إطار مؤتمر نقابات العمال ( الكوساتو ) الذي انشئ عام 1985 م ولعب دورا بارزا فيما يتصل بتعبئة وتوجيه الحركة العمالية بصفة خاصة والوطنية بصفة عامة في ظل إيمان قادة الحركة بالارتباط بين المطالب العمالية والنضال الوطني[40]  .

ج – قوة المجتمع المدني وتعدد روافده :

    حيث زخرت ساحة جنوب أفريقيا بالعديد من التنظيمات والاتحادات الأهلية التي لا تخضع بصورة مباشرة أو رسمية لسلطات النظام العنصري ، فكانت هناك إلي جانب النقابات العمالية ، تنظيمات نسائية وطلابية ودينية مستقلة ، أو تابعة للحركات الوطنية علي اختلاف مذاهبها وأعراقها ،الأمر الذي وفر قاعدة وارضية ملائمة للتجنيد السياسي ، والحفاظ علي قوة الضغط في مواجهة النظام العنصري ، وأتاح كذلك القدرة علي إحلال تنظيمات بديلة وفي ذات الوقت موالية لتنظيمات الكفاح الوطني التي تعرضت للحظر . علي نحو ما تشير خبرة كل من التنظيمات العمالية والطلابية الموالية للمؤتمر الوطني الأفريقي وكذا خبرة الجبهة الديمقراطية المتحدة التي عمدت إلي مواصلة حركة النضال عام 1983 م انطلاقا من مبادئ "ميثاق الحرية الصادر عن المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1955 م والتي ضمت في صفوفها نقابات عمالية واتحادات طلابية ونسائية وتنظيمات مدنية أخري وكنائس،ويذكر أن رجال الدين كان لهم دور بارز في نشر ثقافة تحدي قوانين العنصرية ودعم تلك الثقافة،و لعب بعضهم دورا أساسيا في الحض علي فرض العقوبات الدولية ضد جنوب أفريقيا وتأييد ذلك[41]  .


د – التقارب المصلحي بين القوي الفاعلة علي الساحة الداخلية :

        شهد مجتمع جنوب أفريقيا منذ منتصف السبعينيات من القرن العشرين تغيرات هيكلية في تركيبة التحالفات الاقتصادية والسياسية في المجتمع فعلي صعيد الجماعة البيضاء ظهرت طبقة كبار الرأسماليين الافريكانرز التي تشابكت مصالحها مع كبار الرأسماليين متحدثي الإنجليزية حيث تمكنا معا من أقامه قاعدة تصنيعية حديثة في مجتمع جنوب أفريقيا ، إلا أن افتقار هذه القاعدة للعمالة الماهرة من البيض لقلة أعدادهم ، واستحالة توفيرها من السود لضعف كفاءتهم الناجمة عن النظام التعليمي الخاص بهم ، ولوجود نظام "حجز الوظائف" الذي يحظر تولي السود لوظائف معينة ، أدى إلي وجود مصلحة حالة وضرورية لكبار الرأسماليين في جنوب أفريقيا في تخفيف قيود النظام العنصري المتعلقة بالعمالة السوداء حتى تتوافر لهم الأيدي العاملة الماهرة ، وكذا تحسين الظروف المعيشية لتلك العمالية علي نحو يسمح بتوسيع نطاق السوق المحلي ويحول دون تنامي الاتجاهات الاشتراكية في صفوف هؤلاء العمال [42] .

        وقد تلاقت مصالح ورغبات كبار الرأسماليين في الجماعة البيضاء مع رغبات القاعدة العريضة من القوي العاملة السوداء التي عانت في تلك الآونة من البطالة التي تزايدت معدلاتها لتصل في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي إلي 25%. وبالتالي مطالبتهم بفتح أسواق العمل أمامهم وإلغاء نظام حجز الوظائف ، و مطالبتهم بتحسين أوضاعهم المعيشية والتعليمية للوفاء بمتطلبات الصناعات الحديثة من العمالة الماهرة[43].

        وعلي ذات الصعيد الاقتصادي ، أدت سياسات الفصل وإقامة كيانات سياسية مستقلة للسود (البانتوستانات) ، وخطط التنمية المستندة إلي تلك الكيانات إلي تبلور طبقة بورجوازية بيروقراطية سوداء من حكام هذه البانتوستانات ومسئوليها ، وطبقة ملاك أراضي وتجار  سوق سوداء أتيحت لها فرص الحصول علي منافذ ائتمانية وتسويقية ، علاوة علي ذلك عمدت حكومة جنوب أفريقيا العنصرية إلي بلورة طبقة وسطي للسود من خلال تشجيع مشروعات صغيرة لرجال أعمال سود ، وكذا برزت طبقة وسطي سوداء بين المشتغلين في القطاع الخدمي في البلاد ، وهي الطبقة التي ازدادت تبلوراً وبروزاً مع منتصف الثمانينيات من القرن العشرين حينما أزالت الحكومة القيود عن الائتمانات المقدمة لهم ، وتأسست لهم مؤسسات مالية وتنسيقية خاصة كالبنك الأفريقي والغرفة الأفريقية الوطنية للتجارة ، وقد أدي ذلك إلي تقارب نسبي بين رجال الأعمال السود مع نظرائهم من غير السود ، فيما يتصل بالموقف من بعض مظاهر النضال الوطني كالمظاهرات الطلابية والاضرابات العمالية ، وإن ظل لهؤلاء الرأسماليين السود مطالبهم ونضالهم الاقتصادي الخاص بإزالة العوائق التي تحول دون توسعهم الذاتي[44]  .

        وقد أسفرت تلك التحولات المجتمعية عن انشقاقات واختلافات داخل التنظيمات والقوي السياسية المعبرة عن مصالح كل فريق ، فعلي صعيد الجماعة البيضاء شهد الحزب الوطني الحاكم آنذاك انشقاقاً رئيسياً بين المطالبين بإدخال اصلاحات جوهرية علي النظام واحتواء مطالب الجماعات الاثنية وغيرها من جماعات المصالح في المجتمع وبين المحافظين الرافضين لهذا الاتجاه والمتمسكين باستمرار الوضع القائم ، والسعي إلي اصطناع جماعات يمكن عن طريقها تحقيق تلك الاستمرارية دونما حاجة إلي تقديم تنازلات جوهرية للجماعة السوداء[45]  والملاحظ أن الحزب الوطني الحاكم قد خطي خطوات في هذا الاتجاه الأخير من خلال محاولة التوصل إلي تسوية تتجاوز القوي الوطنية الرئيسية في البلاد ممثلة في المؤتمر الوطني الأفريقي والمنظمات المتحالفة معه وذلك بالتعاون مع تنظيمات بديلة للسور كحركة " انكاثاط ، إلا أنه سرعان ما تبين عدم إمكانية تحقيق مثل هذه التسوية ، وعدم جدواها حال التوصل إليها لعدم قدرتها علي تحقيق الاستقرار اللازم[46] 

        وعلي الجانب الآخر ، شهد المؤتمر الوطني الأفريقي جدلاً واسعاً حول القيادة والأسلوب الواجب اتباعه لمواجهة الوضع في البلاد ؛ حيث طالب البعض باستمرار المقاومة السلمية وقبول المفاوضات وتعديل استراتيجية المؤتمر وأدواته؛ بما يتفق وتطورات الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية ، في حين اتجه فريق آخر إلي ضرورة التمسك بمبادئ  وأسس المؤتمر التي قام عليها ومن أجلها ، وطالب بتصعيد الكفاح المسلح واعتبر أي تنازل في هذا الصدد خيانة للنضال الوطني وخروجاً عن مبادئ ، المؤتمر وأهدافه[47] ، في ظل ذلك ومع استمرار استبعاد قيادات المؤتمر الوطني من الساحة الداخلية وتعاظم دور قيادات التنظيمات الأخرى كالجبهة الوطنية – رغم كونها المتحدث العلني باسم المؤتمر – وسعي النظام العنصري إلي احتضان حركة " انكاثا ". وفي ظل التطورات الإقليمية والدولية الضاغطة عليه وجد المؤتمر الوطني الأفريقي نفسه مدفوعاً نحو التقارب مع مساعي الحزب الوطني للتوصل إلي تسوية للوضع السياسي في جمهورية جنوب أفريقيا . ووجد كل فريق نفسه مضطراً لتقديم بعض التنازلات من أجل التوصل إلي تسوية مقبولة من الطرفين وتحقق الاستقرار النسبي للبلاد[48]  .

ثالثاً : الأسباب النابعة من البيئة الخارجية :-

        شهد النظام الدولي منذ نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات تحولات جوهرية ؛ ألقت بظلالها علي مجمل الأوضاع الدولية ، ولم يكن الوضع في جنوب أفريقيا بعيداً عن تلك التأثيرات التي لعبت – من وجهة نظرنا– دور المسرع لعملية التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا .

        ويمكن تقسيم تلك الأسباب الخارجية إلي نوعين أساسيين هما : الأسباب الدولية والأسباب الإقليمية .

أ. الأسباب الدولية :

        شهدت مرحلة الثمانينيات من القرن العشرين تصاعد حدة المطالبة الدولية بفرض عقوبات شاملة ضد جمهورية جنوب أفريقيا، ونجح مجلس الأمن عام 1985م في إجازة قرار فرض عقوبات بشكل طوعي ضد جنوب أفريقيا ، وإن أخفقت مساعى توقيع عقوبات شاملة وإجبارية عليها بسبب استخدام القوي الغربية دائمة العضوية في مجلس الأمن حق الفيتو ، وعلي الرغم من ذلك فإن ذلك الاتجاه في المنظمة الدولية كان له انعكاساته علي مواقف المؤسسات التمويلية الدولية وحركة الاستثمار في جنوب أفريقيا حيث تزايد إحجام هذه المؤسسات عن تمويل مشروعات جنوب أفريقيا وشهدت الأخيرة حركة نزوح عكسي لرؤوس الأموال والاستثمارات[49]  كما شهدت مرحلة الثمانينيات كذلك الاعتراف الدولي . بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية – بأن المؤتمر الوطني الأفريقي هو المؤهل للتفاوض مع النظام العنصري للتوصل إلي تسوية للصراع ، كما تزايدت جدية الضغوط الغربية علي جمهورية جنوب أفريقيا فيما يتصل بتطبيق العقوبات المفروضة عليها ، وخاصة مع تراجع إدارة ريجان عن سياسة الارتباط البناء [50] ، وإقدامها علي تبني عدة قرارات عقابية ضد جنوب أفريقيا تضمنت حظر الاستثمارات الأمريكية في جنوب أفريقيا على استيراد المواد التجارية والصناعية وبعض المواد الخام من جنوب أفريقيا ، وكان لسحب الاستثمارات الأمريكية بصفة خاصة والغربية بصفة عامة أثر بالغ علي اقتصاديات جنوب أفريقيا وتزايد اعتمادها علي عنصر العمالة لافتقارها للاستثمارات في القطاعات كثيفة رأس المال المتقدمة تكنولوجيا ، حيث قدرت الاستثمارات النازحة من جنوب أفريقيا عام 1989م بنحو 30 بليون راند[51]  ، يضاف إلي ذلك تزايد الدين الخارجي ليصل في ذات العام إلي نحو 21 بليون دولار ورفض كثير من المؤسسات الدائنة إعادة جدولة الديون إلا بعد تحقيق إصلاح سياسي في البلاد [52] .

        وإذا كانت العوامل سالفة البيان في مجملها تصب في صالح القوي الوطنية في جنوب أفريقيا فيما يتصل بمسار التحول الديمقراطي ، فإن البيئة الدولية قد حملت من المتغيرات كذلك، ما مثل عوامل ضعف لقوي التحرير الوطنية وتمثلت أهم تلك المتغيرات في تراجع مكانة الاتحاد السوفيتي (قبل تفككه) علي الساحة الدولية منذ أواخر الثمانينيات ونزوعه للانكفاء الداخلي والانسحاب من مناطق الصراع التقليدية وخفض مساندته ودعمه لحركات الكفاح الوطني ، وذلك قبل تواريه تماماً من الساحة الدولية ؛ حيث افتقد المؤتمر الوطني الأفريقي سنده الأساسي علي الصعيد الدولي الذي كان يقدم العون المادي والمعنوي . علي أنه تجدر الإشارة أيضاً، إلي أن اختفاء الاتحاد السوفيتي قد حمل بدوره أثراً سلبياً لنظام الحكم  العنصري ممثلاً في سلب النظام العنصري أحد ركائزه الأساسية التي كان يروج لها في تعامله مع الغرب وهو دوره في مواجهة الشيوعية [53] .

ب. الأسباب الإقليمية :-

        تتعلق الأسباب الإقليمية بطبيعة نظرة الدول الأفريقية للصراع في جمهورية جنوب أفريقيا ، فعلي الرغم من إدانة جميع الدول الأفريقية الممارسات العنصرية لجمهورية جنوب أفريقيا فإن النظرة الغالبة للصراع كانت تري أنه صراع داخلي ؛ الأمر الذي دفع البعض إلي المطالبة بفتح قنوات حوار مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا ، خاصة مع تصاعد حدة المواجهة بين النظام العنصري ودول جواره الداعمة للنضال الوطني علي نحو كبد تلك الدول أعباء اقتصادية بالغة ، ودفع ببعض هذه النظم إلي توقيع اتفاقات سلام مع النظام العنصري (موزمبيق 1984م ، أنجولا 1989) ، أو اتفاقات أمنية (سوازيلاند 1982) ، استهدفت تضييق الخناق علي الكفاح المسلح للمؤتمر الوطني الأفريقي [54] ، وقد أدت تلك الأعباء بدول المواجهة إلي الامتناع عن دعم الكفاح المسلح ضد جنوب أفريقيا عبر أراضيها ، بل وإعلان معظم هذه الدول عدم قدرته علي الالتزام بتطبيق العقوبات الاقتصادية علي جنوب أفريقيا بل وعارضت ليسوتو وسوازيلاند فرض عقوبات دولية ضد جنوب أفريقيا [55] .

        ولم تخل التطورات على هذا الصعيد من تأثيرات سلبية على النظام العنصرى فى جنوب أفريقيا تمثلت في التسليم باستقلال ناميبيا ، وانتكاسة اتفاقات السلام الموقعة مع كل من موزمبيق وأنجولا ، حيث أدي استقلال ناميبيا وتسليم النظام بانتهاء العنصرية في ناميبيا التي كان يعتبرها جزءاً لا يتجزأ من أراضي جنوب أفريقيا إلي طرح التساؤل عن أسباب الاستمرار في تكريس ذلك الوضع في جنوب أفريقيا علاوة علي تزايد نفقات الدفاع والأمن لمواجهة التحديات الداخلية والإقليمية، وتصاعد حدة الانتقادات الدولية والإقليمية لعمليات جنوب أفريقيا واعتداءاتها علي دول الجوار[56]  .

        وعلي الرغم من الجدل الفكري حول أولوية العوامل الداخلية والخارجية في الدفع ناحية التحول السياسي في جنوب أفريقيا ووجاهة الحجج المطروحة من أنصار كلا الاتجاهين والتي لا تخرج عن جوهر الحجج سالفة البيان عند الحديث عن التحول الديمقراطي في أفريقيا. ورغم الاقتناع الشخصي بأولوية العوامل الداخلية في عملية التحول في جنوب أفريقيا ، فإن الثابت هو أن تفاعل تلك العوامل قد أسفر عن اقتناع القوي الرئيسية في جنوب أفريقيا بعدم قدرة أي منها علي تجاهل مطالب غيرها من القوي الأخرى وإدراك كل منها أن المكاسب المتحققة من اعتبار مطالب القوي والجماعات الأخرى والتخلي عن صيغة المباراة الصفرية[57] ، تفوق التمسك بتلك الصيغة وما تسفر عنه من استمرار الصراع[58]  . ومثل التوصل إلي تلك القناعة بين القوي الرئيسية في جنوب أفريقيا شرطاً جوهرياً لازماً للانتقال إلي البحث عن نقاط الالتقاء فيما يتصل بتصور كل طرف لطبيعة التحول ومحتواه وأهدافه[59] ، وذلك عبر عدة مراحل أساسية تعرض لها النقطة التالية .

المبحث الثاني

مراحل التحول الديمقراطي

        مرت عملية التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا بعدة مراحل يمكن إيجازها في أربع  مراحل أساسية نعرض لها تباعاً فيما يلي :-

أولاً- مرحلة استكشاف النوايا والإعداد للمفاوضات .

        تؤرخ الدراسات لهذه المرحلة بمنتصف الثمانينيات من القرن العشرين باعتبارها الإرهاصات الأولي للتحول الديمقراطي حيث شهدت هذه المرحلة وتحت ضغط الأسباب الداخلية سالفة البيان إقدام النظام العنصري علي طرح عدة مبادرات جوهرها قبول الحزب الوطني بضرورة إيجاد نموذج دستوري قابل للتفاوض يقوم علي أساس " أمه واحدة " داخل جنوب أفريقيا غير المجزأة ، الأمر الذي يعني في جانب منه تخلي النظام عن المفهوم العنصري كمحدد دستوري للبلاد ، وإن ظل متمسكاً بضرورة مراعاة " حقوق الجماعات " و " الاقليات " في إطار دولة جنوب أفريقيا الموحدة [60] .

        وتشير الدراسات أنه في عام 1987م وفي ذروة حالة الطوارئ في البلاد عقدت جلسة مباحثات بين نيلسون مانديلا – زعيم المؤتمر الوطني الأفريقي والمسجون آنذاك – ووزير العدل في حكومة جنوب أفريقيا بمنزل الوزير في كيب تاون ، وتكررت هذه اللقاءات بين الطرفين طوال حقبة الثمانينات من القرن الماضي واستهدفت بالأساس إقناع المؤتمر الوطني الأفريقي بالتخلي عن بعض مبادئه الأساسية لاسيما فيما يتصل بالكفاح المسلح ، وتحالفه مع الحزب الشيوعي والمقاطعة الدولية ، والتعبئة والإثارة الجماهيرية . باعتبار ذلك شرط مسبق للإفراج عن نلسون مانديلا والدخول في مفاوضات معه . إلا أن هذه المطالب قوبلت بالرفض من جانب مانديلا[61]  وفي خطاب سري له أرسله إلي حكومة " بوتا " في مارس 1989م أوضح نلسون مانديلا ، رؤيته لحل الصراع في جنوب أفريقيا ، وركز مانديلا علي أهمية عدم الانطلاق من أي شروط مسبقة من الجانبين فيما يتصل بإجراء المفاوضات؛ وطالب أن يتناول الطرفان قضيتين أساسيتين هما حكم الأغلبية في إطار دولة موحدة ، وموقف البيض من ذلك المطلب والضمانات اللازمة لطمأنتهم بأن حكم الأغلبية لن يعني بحال سيطرة السود عليهم . واقترح مانديلا أن يتم ذلك عبر مرحلتين أساسيتين الأولي تهيئة المناخ للمفاوضات من خلال اتفاق الطرفين علي شروطها ، والثانية المفاوضات الفعلية للوصول إلي تسوية للصراع [62]  .

        وقد تواكب مع تلك المباحثات وسبقها لقاءات مماثلة بين أكاديميين ورجال صناعة من البيض وقادة المؤتمر الوطني الأفريقي في المنفي للتشاور حول مستقبل البلاد لاسيما اقتصادياً في مرحلة ما بعد " الابارتهيد " [63] .

        وقد مثلت تلك المباحثات غير الرسمية بين الجانبين أداه أساسية وهامة في إطار عملية التحول الديمقراطي في جنوب أفريقيا ، لما أتاحته من فرصة لكل طرف للتعرف علي إمكانات وخيارات التفاوض مع الطرف الآخر ، بعيداً عن ضغوط الجماهير وأعينها ، واحتمالات فشل المباحثات .

        وتشير الشواهد إلي أن الرئيس ديكليرك مع توليه السلطة في سبتمبر 1989م خلفاً لـ "بيك بوتا" ، قد عمد إلي كسر حالة الجمود السياسي في البلاد آخذاً في الاعتبار دعوة الزعيم مانديلا سالفة البيان ؛حيث أتخذ سلسلة من الإجراءات الهادفة إلي تمهيد السبيل للمفاوضات منها السعي إلي السيطرة علي الأجهزة الأمنية وممارساتها القمعية ضد السود ، والسماح بالمظاهرات السياسية السلمية ، وإلغاء بعض القوانين العنصرية ، علاوة علي إجراء بعض التغييرات الوزارية اتجهت في معظمها نحو تصعيد القيادات الإصلاحية في الحزب الوطني الحاكم ، وصاحب ذلك أيضاً الإفراج عن قيادات حزب المؤتمر ورفع الحظر المفروض علي الحركات والتنظيمات الوطنية للسود وفي مقدمتها المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الشيوعي ومؤتمر الوحدة الأفريقية ، كما ألغيت حالة الطوارئ في البلاد (باستثناء إقليم ناتال) في يونيو 1990م . وأعلن ديكليرك أن هذه الإجراءات تستهدف فتح الطريق أمام المفاوضات من أجل إقامة نظام سياسي جديد يقوم علي المساواة بين المواطنين[64]  .

        ويمكن القول أن تلك الإجراءات مثلت استجابة مباشرة لشروط المؤتمر الوطني الأفريقي التي وضعها للدخول في مفاوضات حول مستقبل البلاد[65]  .

        ومن جانب آخر أسفرت المباحثات سالفة البيان بين الجماعات البيضاء بقواها وعناصرها المختلفة (رسمية – غير رسمية) (متحدثي الإنجليزية – الافريكانر) (ساسة – رجال اقتصاد وصناعة) . مع قادة المؤتمر الوطني الأفريقي ، عن بعض التحولات الظاهرة في الخطاب السياسي للمؤتمر والمنظمات المتحالفة معه فإلي جانب تأكيد مانديلا علي ضرورة مراعاة مخاوف البيض فيما يتصل بحكم الأغلبية في مرحلة ما بعد الابارتهيد ، تراجع المؤتمر الوطني الأفريقي عن الحديث عن البناء الاشتراكي والالتزام بسياسات تأميم البنوك ، والمناجم والصناعات الاحتكارية وهو ما مثل تجاوباً مع مخاوف رجال الصناعة والبنوك من البيض وإن ظل الحديث عن اقتصاد مختلط تتعاون الدولة والقطاع الخاص في تنفيذه ، وكذا الالتزام بإعداد برنامج للإصلاح فيما يتصل بقضية الأرض[66]  .

ثانياً - مرحلة المباحثات الثنائية وبناء الثقة :-

        تمثل هذه المرحلة امتداداً للمرحلة السابقة وتتقاطع معها زمنياً ، حيث عقدت لقاءات ومباحثات ثنائية بين ممثلي حكومة جنوب أفريقيا والمؤتمر الوطني الأفريقي استهدفت في مجملها الاتفاق علي إجراءات معالجة بعض القضايا الشائكة في العلاقة بين الطرفين . وتمثلت أهم تلك القضايا في الإفراج عن المعتقلين السياسيين واللاجئين في دول الجوار والخارج وعودتهم إلي البلاد الأمر الذي كان مثار خلاف بين الحكومة والمؤتمر الوطني سواء فيما يتعلق بإعادة المعتقلين واللاجئين أو في مستقبلهم كمواطنين في البلاد وتكاليف عودتهم من الخارج[67]  .

        ومثل العنف والقمع الحكومي من ناحية والكفاح المسلح من ناحية أخري أحد محاور الخلافات والمباحثات بين الجانبين حيث أسفرت المباحثات عن إعلان المؤتمر الوطني الأفريقي وقف أشكال العمل العسكري من جانبه وتعهد في 12 فبراير 1991م بوقف عمليات التسلل وتهريب السلاح إلي جنوب أفريقيا ، الأمر الذي مثل تحولاً في استراتيجية المؤتمر الوطني ومبادئه القائمة علي الربط بين وقف الكفاح المسلح وبدء المفاوضات الانتقالية.[68] 

        وعلي الرغم من محاولات التقارب بين الحكومة القائمة بقيادة الحزب الوطني والمؤتمر الوطني من خلال التنازلات المتبادلة ، فإن تلك المرحلة من مراحل التحول شهدت مجموعة من التحديات والانتكاسات ، تمثلت في الانشقاقات التي حدثت داخل كل من الحزب الوطني والمؤتمر الوطني الأفريقي وتصاعد حدة العنف في البلاد بفعل التيارات اليمينية المعارضة لمسار التحول في جمهورية جنوب أفريقيا وفي مقدمتها قوي الافريكانر المتطرفة وكذا حركة " انكاثا " المعبرة عن قطاعات عريضة من الزولو فضلاً عن بعض قيادات البانتوستانات ، والقاسم المشترك بين هؤلاء هو مساس التحول السياسي بمصالحهم ومراكزهم في البلاد علي نحو سلبي .

        وأدت عمليات العنف الموجهة إلي أنصار المؤتمر الوطني الأفريقي من جانب حركة انكاثا وأنصارها إلي موجه عنف متبادلة بين الطرفين ، ومع الكشف عن التعاون السري بين قوي الأمن التابعة لحكومة بريتوريا وحركة " انكاثا " لقمع أنصار المؤتمر الوطني؛ شهدت عملية بناء الثقة انتكاسة كبيرة ، خلال عام 1991م الذي شهد انسحاب المؤتمر الوطني من المفاوضات احتجاجاً علي عمليات العنف في مايو 1991م [69] ، إلا أنه سرعان ما عادت المفاوضات من جديد بعد الإجراءات التي اتخذتها حكومة ديكليرك في مواجهة المتورطين في أعمال العنف من أعضاء الحكومة والتي تضمنت إقالة وزيري الدفاع والشرطة من منصبيهما علي نحو هيأ المناخ للعودة من جديد إلي مائدة المفاوضات[70]  ، وإن لم يسفر ذلك عن جديد بفعل استمرار الخلاف بين الطرفين حول بعض القضايا ، ومن ذلك الخلاف حول دمج قوات المؤتمر الوطني وحركات التحرير في جيش جنوب أفريقيا ، وتسليم تلك القوات أسلحتها للحكومة انطلاقاً من عدم منطقية استمرار وضع هذه القوات في ظل تحول منظماتها إلي أحزاب سياسية مسئولة ، الأمر الذي لم يتقبله المؤتمر الوطني الأفريقي تحسباً لفشل المفاوضات وتدهور مركزه التفاوضي [71] .

        والواقع أن مرحلة المباحثات الثنائية قد ولدت بآثارها سالفة البيان قوة دفع وضغط في ذات الوقت علي كل من الحزب الوطني والمؤتمر الوطني الأفريقي للاستمرار في عملية التفاوض من اجل إنهاء الصراع السياسي في جنوب أفريقيا من خلال التوصل إلي صيغة ملائمة لحكم الأغلبية تضمن مصالح الأقلية البيضاء وهي الصيغة التي بات البحث عنها هو القاسم المشترك بين القوي السياسية علي ساحة جنوب أفريقيا علي اختلاف تصور كل طرف لمقتضيات تحقيق تلك الصيغة علي نحو ما سيرد البيان .

ثالثاً - مرحلة التفاوض علي آليات المرحلة الانتقالية :-

        تبدأ هذه المرحلة رسمياً بمفاوضات " كوديسا " الأولي في ديسمبر 1991م . وقد شهدت هذه المفاوضات التي شارك فيها 19 حزباً يمثلون مختلف التوجهات السياسية والأصول الاجتماعية في جنوب أفريقيا ، خلافات حادة بشأن الآليات الواجب اتباعها خلال المرحلة الانتقالية بل وحول سبل الوصول إلي تلك المرحلة الانتقالية أي حول الإجراءات اللازمة لضمان بلوغ هذه المرحلة الانتقالية[72].

        ورغم تعدد القوي والرؤى السياسية بشأن الآليات إلا أن رؤية كل من الحزب الوطني الحاكم من ناحية في مواجهة رؤية المؤتمر الوطني الأفريقي من الناحية الأخرى كان لهما الأثر البالغ في صياغة آليات ومؤسسات المرحلة الانتقالية ، وإن لم ينف أهمية رؤى وتصورات الجماعات والقوي السياسية الأخرى اليمينية (الافريكانر من اليمين الأبيض – وحزب الحرية انكاثا) واليسارية كالحزب الشيوعي وجماعات الوعي الأسود ، التي مثلت الأطر الحدية لرؤى كل من الحزب الوطني والمؤتمر الوطني الأفريقي .

أ- رؤية المؤتمر الوطني الأفريقي لآليات المرحلة الانتقالية :-

        تأثرت رؤية المؤتمر الوطني الأفريقي لآليات التحول في المرحلة الانتقالية بالتغيرات التي طرأت علي التصور الاستراتيجي لقادة المؤتمر بشأن مسار عملية التحول ونموذجه المحتمل في جمهورية جنوب أفريقيا ؛ حيث آمن قادة المؤتمر الوطني لأمد طويل بأنه لا سبيل إلي أحداث التحول إلا من خلال القضاء التام علي النظام العنصري باعتباره شكل من أشكال الاستعمار [73] ، وقد ظلت تلك الرؤية سائدة رغم بدء المباحثات مع حكومة ديكليرك حيث لم ير قادة المؤتمر الوطني تعارضاً بين المفاوضات والتحول الثوري عن الحكم العنصري وعليه فقد تركزت مطالب المؤتمر الوطني علي الدعوة إلي انتخاب جمعية تأسيسه يناط بها وضع دستور جديد للبلاد ، وتشكيل حكومة انتقالية تتولى إدارة البلاد خلال هذه المرحلة وصولاً إلي تحقيق حكم الأغلبية القائم علي صيغة شخص واحد صوت واحد[74]  .

        ويمكن القول أن جوهر هذه الرؤية يقوم علي عدم اعتراف المؤتمر الوطني بشرعية النظام العنصري القائم ومؤسساته ، وبالتالي عدم مشروعية إشراف هذه المؤسسات علي مباشرة آليات المرحلة الانتقالية وإقرارها . ومن ناحية أخري ، فإن الدافع الأساسي لتمسك المؤتمر الوطني بصيغة الجمعية الوطنية المنتخبة كآلية لصياغة الدستور الجديد ، وإدارة المرحلة الانتقالية يعود إلي قناعة قادة المؤتمر بقدرتهم علي الفوز بغالبية أصوات تلك الجمعية التأسيسية وبالتالي وضع الدستور وتشكيل الحكومة الجديدة[75]  .

        وقد طرأت عدة تطورت هامة علي تصور المؤتمر الوطني لآليات إدارة المرحلة الانتقالية تمثلت في قبول المؤتمر الوطني الأفريقي بعقد مؤتمر وطني تمثل فيه كافة الأحزاب والقوي السياسية الفاعلة في البلاد بالاختيار وعلي قدم المساواة ، وموافقته كذلك علي تشكيل حكومة انتقالية تتولى إدارة البلاد خلال مرحلة التحول الديمقراطي والإشراف علي وضع دستور جديد[76]  . الأكثر من ذلك موافقة الحزب علي أن تتشكل الحكومة الانتقالية من مجلس انتقالي حاكم يُختار أعضاؤه من ممثلي الأحزاب الكبرى ، وعلي صعيد آخر وافق المؤتمر الوطني في فبراير 1992م علي ضرورة اتفاق الأحزاب علي المبادئ الدستورية قبل إجراء انتخابات الجمعية التأسيسية وأشار بضرورة موافقة البرلمان القائم آنذاك علي هذه المبادئ وتعهد الحكومة العنصرية بإنفاذها ، كما وافق علي أداء الحكومات الإقليمية لدور في النظام السياسي[77].

        وقد مثلت التطورات سالفة البيان، تغيراً كلياً في رؤية المؤتمر الوطني الأفريقي بشأن طبيعة مرحلة التحول وآلياته ، حيث عبرت تلك المواقف عن اعتراف صريح بمشروعية البرلمان العنصري (الثلاثي) ودوره في اقرار آليات التحول وإقرارها وهو الأمر الذي أحدث خلافاً وجدلاً كبيراً داخل المؤتمر الوطني وبينه وحلفائه من القوي الوطنية الأخرى ،  في ظل تمسك البعض من قادة النضال الوطني بصيغة واستراتيجية التحرر من الاستعمار بما تقتضيه من عدم التعاون مع مؤسسات النظام والعمل علي تقويضها ، وبين المنادين بالموافقة علي التفاوض وضرورة الاعتراف بعدم القدرة علي إسقاط النظام العنصري بالقوة ، وهي الرؤية التي قدر لها أن تحكم موقف المؤتمر الوطني الأفريقي خلال مرحلة التحول[78]  .

ب. رؤية الحزب الوطني للتحول وآلياته :-

        انطلقت رؤية الحزب الوطني للتحول من فكرة التحول المحكوم من أعلي ، التي تقوم علي مبادرة النظام الحاكم بإدخال تغييرات سياسية محددة ومحكومة من خلاله ودفع الخصوم إلي الاقتناع بعدم جدوي السعي لإسقاط النظام أو إجباره علي الانتحار السياسي والاختفاء كلية من الساحة ، وإقناع تلك القوي المعارضة بالعمل من خلال الحدود المفروضة من جانب النظام الحاكم. علي نحو يسفر في غايته النهائية عن إضفاء الشرعية علي النظام القائم باعتباره هو المسئول عن النظام " الديمقراطي الوليد " ، وإضفاء المشروعية علي النظام الأخير باعتباره وليد النظام السابق عليه ؛ وهو ما يطلق عليه الشرعية الدائرية : Bakward Legitimacy .

        وقد عبرت قيادات الحزب الوطني عن التمسك بهذا التصور لعملية التحول مؤكدة على أن " القطيعة الكاملة مع التاريخ لن تكون مقبولة ، وان الغاية من التحول ليست بحال وضع البيض كأمة في خطر ، وإنما الهدف هو مد نطاق الديمقراطية علي الرغم مما يحمله ذلك من مخاطر[79] .

        وأن التحول لن يتم علي حساب القيم والإنجازات التي تم تحقيقها للجماعات والأفراد في الماضي أو تطلعاتهم إلي المستقبل[80]  .

        وقد انعكست هذه الرؤية لمسار التحول علي ممارسات الحزب الوطني الحاكم حيث يلاحظ ذلك في الانتقال التدريجي للخطوات التي اتبعتها حكومة الحزب الوطني في التحول، ابتداء من رفع الحظر عن الأحزاب والقوي السياسية الوطنية ، وإلغاء القوانين العنصرية؛ وصولاً إلي طرح تصورها للمرحلة الانتقالية والذي طرأت عليه تطورات ملحوظة خلال تلك المرحلة ؛ حيث تراجعت حكومة الحزب الوطني عن الحديث عن حماية حقوق الجماعات بما في ذلك الجماعات العرقية الأفريقية علاوة علي الجماعات الإثنية (البيضاء ، الملونين ، الهنود ...) وقبلت الأخذ بنظام حكم الأغلبية و " الفيدرالية " ومنح الأقليات حق الفيتو كضمان ضد هيمنة الأغلبية ، ومراعاة التمثيل النسبي للجماعات بما يعني رفض صيغة الفائز يحصل علي كل شئ [81] ، وأصر الحزب الوطني علي ضرورة الاتفاق علي المبادئ الدستورية في المفاوضات الجارية بين الأحزاب قبل إجراء انتخابات الجمعية التأسيسية وأن يكون ذلك الاتفاق هو الأساس للدستور النهائي في البلاد ، وأكد الحزب الوطني كذلك علي ضرورة وجود مرحلة انتقالية تتراوح مدتها بين 5-10 سنوات لتهيئة البلاد للمرحلة النهائية من التحول ، تكون رئاستها مشتركة (ثلاثية) بين رؤساء القوي السياسية الكبرى في البلاد التي تملك الأغلبية داخل البرلمان فإذا لم تمتلك الأحزاب الثلاث الكبرى الأغلبية داخل البرلمان يتم توسيع التحالف لتحقيق تلك الغاية ، وتمسك كذلك بأن تتم الإجراءات الانتقالية في ظل دستور 1984م وعبر تمثيل كافة الفاعلين السياسيين في السلطة السياسية من خلال التمثيل النسبي من ناحية ، ونظام المجلسين من ناحية أخري ، علاوة علي منح قدر من الاختصاصات والاستقلال للوحدات الإقليمية والجماعات الإثنية المكونة لمجتمع جنوب أفريقيا ، وهو الأمر الذي شهد تطوراً ملحوظاً حينما تراجع الحديث عن تقسيم الدولة إلي أقاليم علي أسس إثنية ولغوية إلي الحديث عن تقسيمها علي أسس اقتصادية ، الأمر الذي مثل بدورة نقله في اتجاه التقارب مع مطالب المؤتمر الأفريقي[82]  .

ج- رؤى الأحزاب السياسية الأخرى تجاه التحول وآلياته :-

انقسمت رؤى الأحزاب السياسية الأخرى بشأن الأسس اللازمة لإجراء عملية التحول إلى رؤيتين أساسيتين الأولي تأخذ بالانتخابات وتشكيل جمعية وطنية، ومثلتها قوى التحرر الوطني بالأساس ، والثانية تري ضرورة إجراء مباحثات متعددة الأحزاب تمثل فيها كافة القوى السياسية قبل الحديث عن الانتخابات وهو ما مثله موقف اليمين الأبيض وحزب الحرية انكاثا .

أما فيما يتعلق بمسار التحول ومؤسساته فقد تباينت الرؤى بين الأحزاب السياسية بدرجة كبيرة لاختلاف الأوزان النسبية لكل منها ولطبيعة تصور كل منها لموقعه في دولة جنوب أفريقيا الموحدة ؟ ولذا فقد تراوحت مطالب الأحزاب السياسية ما بين مطالب الأحزاب اليمينية البيضاء (للافريكانر تحديدا) بالانفصال المباشر وإقامة دولة للبيض [83] ، انطلاقا من إحساسهم بأنهم سيظلون دائما في وضع الأقلية في البلاد حال وصول السود إلي السلطة ، وفي الطرف الأخر من ذلك ، طالبت جماعات الوعي الأسود ممثلة في منظمة شعب ازانيا AZAPO بسيطرة السود علي السلطة والأهم علي الثروة والمناصب الاقتصادية الهامة لأن التحول دونما توزيع حقيقي للثروة لا يعدو خطاباً بلاغياً زائفاً [84] .

        وبين هذين الموقفين تراوحت مواقف الأحزاب السياسية الأخرى بين تأييد موقف المؤتمر الوطني الأفريقي فيما يتصل بالشكل اللازم للتحول ممثلاً في الجمعية الدستورية ومعارضة تنازلاته فيما يتصل بحكم الأغلبية ؛ وهو الموقف الذي عبر عنه حزب حركة الوحدة الأفريقيةPAC  ، وبين تأييد موقف الحزب الوطني فيما يتصل بالمطالبة بمؤتمر متعدد الأحزاب لوضع الصيغة الدستورية مع المطالبة بمزيد من الاستقلالية الإقليمية علي أسس أثنية ؛ علي نحو ما عبر حزب الحرية " أنكاثا " بزعامة بوتهليزي[85]  . وقد تراوح موقف الحزب الديمقراطي بين تأييد موقف الحزب الوطني فيما يتصل بالمباحثات متعددة الأحزاب للتوصل إلي اتفاقات دستورية قبل إجراء الانتخابات الممهدة لوضع الدستور النهائي وبين اعتبار تلك الهيئة المشكلة من الأحزاب بمثابة جمعية تأسيسية (مؤتمر وطني) ، وبصفة عامة طالب الحزب الديمقراطي بالفيدرالية وبسلطة تنفيذية وبرلمان من مجلسين ينتخب عبر قواعد التمثيل النسبي ومراعاة تمثيل المقاطعات في البرلمان ، وطالب بحكومة انتقالية وترتيبات توافقية لاقتسام السلطة واحتواء كافة اللاعبين السياسيين الرئيسيين في عملية صنع السياسة علي كافة المستويات [86] .

         واستناداً إلي الرؤى سالفة البيان يمكن القول انه عبر تفاعل تلك الرؤى والتصورات ، وتطور رؤية المؤتمر الوطني الأفريقي والحزب الوطني تبلورت ملامح تقارب بين الحزبين الرئيسيين علي الساحة السياسية وهو التقارب الذي مثل النواة الصلبة للتوصل إلي اتفاق بشأن الدستور الانتقالي للبلاد وإقرار النظام الجديد[87]  ، رغم المواقف الحدية للأحزاب اليمينية وتصعيدها حدة العنف ؛ حيث دفعت تلك المواقف لمزيد من التماسك بين القوي الرئيسية أكثر منها ناحية مزيد من الاستقطاب .

رابعا: مرحلة وضع الدستور المؤقت والملامح العامة له :-

        أدي الاتفاق الذي تم التوصل إليه عبر تفاهم مشترك بين الحزب الوطني والمؤتمر الوطني الأفريقي في فبراير 1993م ، بشأن الملامح الأساسية لدستور البلاد إلي سرعة التوصل إلي صيغة نهائية من خلال المفاوضات متعددة الأحزاب لم تخرج في جوهرها عن البنود الرئيسية لاتفاق الفاعلين الرئيسيين وإن شهدت بعض الإضافات والتعديلات التي أخذت في الاعتبار مطالب بعض القوي والأحزاب السياسية المؤثرة محلياً وفي مقدمتها حزب الحرية " انكاثا " ، وجبهة اليمين الأبيض .

وقد تمثلت أهم الملامح دستور 1993م فيما يلي :

أ. فيما يتصل بشكل الدولة والنظام السياسي :-

        نصت المادة الأولي من إطار المبادئ الدستورية الوارد في الجدول الرابع من دستور 1993م علي ضرورة أن يتضمن دستور أفريقيا الدائم النص علي إقامة دولة واحدة ذات سيادة ومواطنة عامة ، ونظام حكم ديمقراطي يلتزم بتحقيق المساواة بين الرجال والنساء والبشر من كافة الأجناس [88] .

        ونصت المادة الثالثة علي أن الدستور يدعم المساواة والوحدة الوطنية وذهبت المادة السادسة إلي أهمية أن يكون هناك فصل بين السلطات الثلاث في البلاد مع وجود رقابة وتوازن يضمن تحقيق المساءلة والتجاوب والانفتاح بينها .

        وأكدت المادة الثامنة علي ضرورة أن يكون هناك حكم نيابي قائم علي تعدد الأحزاب والانتخابات الدورية عبر الاقتراع العام والقوائم ، والتمثيل النسبي .

        وعلي صعيد آخر نصت المادة 16 من الجدول الرابع من الدستور المؤقت علي ثلاث مستويات من الحكم هي المستوي الوطني ، ومستوي المقاطعات ، المستوي المحلي ونظمت المواد 17-27 من إطار المبادئ ، القواعد الواجب اتباعها في تعيين حدود وصلاحيات كل مستوي من هذه المستويات مع تحصين هذه الاختصاصات والصلاحيات عبر اشتراط أغلبية وإجراءات خاصة لتعديل حدود وسلطات تلك المستويات ، علي نحو يضمن لها حسن أداء مهامها ، في إطار الإقرار بضرورة الوحدة في ظل التنوع الثقافي ومشروعية الحكم الذاتي للمقاطعات التسع التي قسمت إليها البلاد والتي تمتع كل منها بدستور خاص وسلطات تشريعية وتنفيذية خاصة .

ب. المشاركة السياسية وتقاسم السلطة :-

        علي الرغم من إقراره صيغة الاقتراع العام وفق قاعدة " شخص واحد ، صوت واحد " ، أكد دستور 1993م علي مبدأ التمثيل النسبي في المؤسسات السياسية في البلاد بمستوياتها الثلاث سالفة البيان ؛حيث نصت المادة 88/1 من دستور 1993م علي انه :

" يتكون مجلس الوزراء من الرئيس والنواب التنفيذيين للرئيس وما لا يزيد عن 27 وزيراً يعينهم الرئيس بمقتضى الدستور " .

        ونصت المادة 84/1 علي أن الحزب الذي يحصل علي ثمانين مقعداً في الجمعية الوطنية أو أكثر من مقاعد البرلمان يحق له أن يعين نائباً للرئيس ، وإذا لم يحرز أي حزب أو حقق حزب واحد فقط العدد المطلوب من المقاعد فإنه يحق للحزب الذي يليه مباشرة أن يعين نائباً للرئيس من بين أعضاءه في البرلمان .

        وتضمنت المادة 88/2 حق الحزب الذي يحصل علي عشرين مقعداً (5%) من مقاعد الجمعية الوطنية أن يشارك – إذا رغب – في حكومة الوحدة الوطنية بحقيبة وزارية أو أكثر حسب عدد المقاعد التي فاز بها .

        وتجدر الإشارة إلي أن الدستور المؤقت قد تضمن تأكيداً علي أن المواد الخاصة بالمبادئ الدستورية للصياغة النهائية للدستور الدائم وما يرتبط بها من مواد وبنود دستورية أخري غير قابلة للإلغاء . واشترط لإلغاء وتعديل أي مادة أخري من الدستور ضرورة موافقة أغلبية الثلثين من أعضاء الجمعية الدستورية.

ج- الهوية الثقافية والدينية :-

تكشف مطالعة النصوص الدستورية الخاصة بأبعاد الهوية (اللغة ، الدين ، الرموز المحلية ، .......) عن تأكيد الدستور علي التعددية الثقافية والدينية لدولة جنوب أفريقيا ، فمن ناحية نصت المادة 3/1 من الدستور الانتقالي علي أن لغات البلاد الرسمية هي الأحد عشر لغة المعبرة عن الجماعات المختلفة في المجتمع و أضفي الدستور عليها جميعا صفة الرسمية مساويا بينها في القوة والحجية علي المستوي الوطني ، وأكد البند الثاني من المادة 3 من الدستور علي أن الحقوق اللغوية وأوضاعها المكتسبة عند سريان الدستور لن تمس ، وتوافرت النصوص الواردة في بنود المادة الثالثة من الدستور الانتقالي علي تأكيد التزام المؤسسات الرسمية في الدولة بقواعد عدم التمييز بين اللغات أو المساس بأي من اللغات الوطنية القائمة عند سريان الدستور ، وحظر أي مساعي لفرض هيمنة لغة جماعة بعينها علي غيرها من الجماعات ، بل ودعي الدستور إلي دعم استخدام اللغات الأخرى غير الرسمية – المتحدث بها في جنوب أفريقيا في المناسبات الملائمة .

وعلي الرغم من ذلك الإطلاق للمساواة بين اللغات لم يخل الدستور من قواعد مقيدة لهذا الإطلاق ارتبطت في مجملها بمراعاة الأعراف والجدوى والتكاليف .

وعلي صعيد الهوية الثقافية والدينية نصت المادة 13 من الدستور الانتقالي علي أن المعتقدات مكفولة للأفراد ، وكذلك حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية داخل المؤسسات الحكومية علي ألا تنطوي تلك الممارسات علي أي مساس بالمساواة ، وان تكون متاحة للجميع ، وأكدت المادة 14/3 علي أنه ليس ما يمنع من صدور تشريعات تعترف بنظم وقوانين الأحوال الشخصية والعائلية التي تتبناها جماعة دينية ما " وأكد الدستور علي إمكانية إنشاء مؤسسات تعليمية علي أساس الثقافة المشتركة أو اللغة أو الدين ، علي ألا يصاحب ذلك أي تمييز علي أساس العرق " .

وفيما يتصل بالرموز والزعامات التقليدية ، أعترف دستور 1993 م بوضع  الزعامات ودورها في المجتمع من خلال منح الزعامات التقليدية العضوية بحكم وضعهم في الحكومة المحلية التي تقع جماعتهم في نطاقها ، كما نص الدستور في مادته 183/1/أ علي إنشاء مجالس للزعماء التقليديين علي مستوى المقاطعات التي بها مثل هذه الزعامات ، ونصت المادة 184/1 علي إنشاء مجلس وطني للزعامات التقليدية يكون من اختصاصه إبداء الرأي والمشورة فيما يتعلق بالقوانين والأعراف المحلية وكذا ما يتعلق بتلك الزعامات من موضوعات[89]  .

د- الحقوق الأساسية وحق تقرير المصير :-

تضمن دستور 1993 تأكيدا علي الحريات والحقوق الأساسية وأنها متاحة لجميع المواطنين حيث يتمتع الجميع بحقوق الإنسان والحريات العامة والحريات الدينية والسياسية كحرية المعتقد والتعبير والتجمع وتكوين الجمعيات والاشتراك فيها وحرية الانتقال ....واعتبر الدستور الموارد الخاصة بالحقوق والحريات من المواد التي لا يمكن إلغاؤها.

أما فيما يتعلق بحق تقرير المصير فقد نصت المادة 34 من الدستور علي أنه :

لا يمنع الجدول الخاص بالمبادئ الدستورية ، وما فيه من اعتراف بحق تقرير المصير لشعب جنوب أفريقيا ككل ، من النص علي حق تقرير المصير لأية جماعة ذات تراث ثقافي ولغوي مشترك في ظل نطاق إقليم جنوب أفريقيا ، أو بأي طريقة أخرى معترف بها.

والملاحظ علي المضامين والنصوص السابقة الواردة في دستور 1993 ، أنها عند مقارنتها برؤى ومطالب الأحزاب والقوى السياسية بشأن مرحلة التحول وآلياتها ، تفصح عن نوع من التسوية والمواءمة بين مطالب الجماعات والقوي السياسية الفاعلة علي الساحة في جمهورية جنوب أفريقيا في محاولة لتحقيق أكبر قدر من التوافق الوطني في المرحلة الانتقالية التي تلي الدستور .

وتتجلى شواهد تلك المرحلة أو ما يسميه نفر من الباحثين نموذج الصفقة المتكاملة[90] . Package Deal  في أنه علي حين مثل الإقرار بحق الاقتراع العام استجابة لمطالب القوي الوطنية وحرك