المجتمع و  والتنمية  في الجزائرpdf

أولا : الشرائح الاجتماعية عند مشروع بناء الدولة الحديثة

د. بن عيسى محمد المهدي

جامعة قاصدي مرباح- ورقلة(الجزائر)

الملخص:

الكلمات المفتاحية:1- الفئات الإجتماعية ،2-الأستلانوميا،3-الإستراتيجيات الاجتماعية ،4-التفاعلات الإجتماعية ،5-أديولوجية الفئات الإجتماعية.

          سنحاول من خلال هذا المقال أن نبين ظروف ظهور و تشكل الفئات الإجتماعية التي كانت حاضرة عند نشؤ الدولة الجزائرية المعاصرة ،و تحديد طبيعة التفاعلات و الأديولوجيات و الاستراتيجيات و الثقافة التي حكمت سلوكاتهم في علاقتها ببعضها البعض من جهة و في علاقتها بالمجتمع و الدولة من جهة ثانية و تأثير كل ذلك على العملية التنموية في الجزائر. هذا المقال يتكون من جزائيين فالأول منه يطرح إشكالية ظهور هذه الفئات الإجتماعية و الثاني نريد أن نبين من خلاله كيف أن طبيعة هذه التفاعلات و ما ينتج عنها من أديولوجية و ثقافة تؤدي إلى إعادة إنتاج الدولة و المجتمع وفق إستراتيجيتها الخاصة و ما تأثير كل ذالك على التنمية في الجزائر.

 مقدمة :

عرفت الجزائر منذ استقلالها  إلى اليوم منهجيتين  أساسيتين في محاولتها لتحقيق التنمية, فالمنهجية الأولى تقوم أساسا على احتكار الدولة حديثة النشأة لمجال الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ,أي بالتدخل المباشر في توجيه و تنظيم و قيادة العملية التنموية, أما المنهجية الثانية كانت معاكسة للأولى ,حيث تتمثل في عمليات الانفتاح ثم الانسحاب من القيادة المباشرة و المطلقة لهذه العملية التنموية, استجابة لمتطلبات التوسع الليبرالي و اقتصاد السوق؛ لكن النتائج المحققة على أرض الواقع بقيت نفسها, بحيث أن نسبة النمو الاقتصادي في المرحلة الأخيرة لم تتعد 4.5%[1]  بعد أن كانت سلبية في فترة العشرية الأخيرة, و نسبة البطالة الكلية لم تقل عن 20% بل عكس ذلك, فالبطالة في أوساط الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15و 29 سنة وصلت إلى 75%[1]. هذا الإخفاق و العجز في تحقيق التنمية الاقتصادية و الرفاهية الاجتماعية كان و لا يزال محل تفسيرات و تحليلات علمية عديدة و متنوعة و لكل منها افتراضاتها و تبريراتها للسبب الجوهري و الأساس الذي يقف وراء هذا الإخفاق,فالمقاربة الاقتصادوية Economiciste [2]

    ترى أن  هذا الإخفاق مرده إلى العجز في التأثير بالفاعلية و الاستقلالية اللازمة على هذه المتغيرات و العوامل الاقتصادية المشكّلة لهذا النسق المضبوط ذاتيا, لكن هذه المقاربة لم تقدم لنا الإجابة على أي أساس تتم العملية الاقتصادية في ظل غياب قوة اقتصادية اجتماعية تقوم بالعملية الاستثمارية التي هي الركيزة الأساسية لكل نشاط أو نظام اقتصادي .؟ و بالتالي إن تدخل الدولة في قيادة و تنظيم العملية الاقتصادية في المجتمعات المفرغة من قواها الاقتصادية و الاجتماعية  تعتبر حتمية تاريخية من أجل تحقيق التنمية ذاتها, و لهذا ظهرت أطروحة أخرى ترجع سبب الإخفاق و الأزمة ليس لتدخل الدولة في المجال الاقتصادي فحسب, بل للطابع الشمولي لهذه الدولة في علاقتها بالمجتمع و ما يترتب عن ذلك من إنتاج للمجتمع و الدولة ذاتها.و من هنا سنقوم بدراسة و تفسير هذه الظاهرة بالنسبة لهذا الواقع الجزائري منطلقين من الإشكالية الآتية: إلى أي مدى يمكن اعتبار  طبيعة نظام الحكم و توجهاته (خياراته) هي التي تقف وراء الأداء الاقتصادي الحالي.ماهي طبيعة الشريحة الاجتماعية السابقة لظهور الدولة أولا, و الماسكة لها حاليا و التي تعمل على إنتاج و إعادة إنتاج نظام الحكم بتوجهاته الحالية؟الشريحة الاجتماعية السابقة لظهور الدولة                                                                                           

1-الاستعمار الفرنسي و آليات طحن و تفكيك البنية الاجتماعية:

     كان الأثر الذي تركه الوجود التركي على البنية الاجتماعية في الجزائر يتمثل, في إعاقة القوى الاجتماعية الاقتصادية على التطور و النمو سواء باستغلالها المباشر أو عن طريق منعها من استغلال الخيرات و الثروات الطبيعية التي كانت من الممكن أن تحقق لها فائضا إنتاجيا أوسع يمكّنها من تطوير ذاتها اجتماعيا و اقتصاديا و حتى ثقافيا و ذلك بسبب سياسة الاحتكار التي كان يتبعها النظام السياسي للبايات على النشاط الاقتصادي, التجاري و الصناعي بالخصوص, أما الاستعمار الفرنسي كانت علاقته بالمجتمع الجزائري و كياناته الاجتماعية أخطر و أشرس بحيث لم يكتف باستغلالها و استغلال خيراتها بل عمل على طحن و تفكيك هذه البنية الاجتماعية المتماسكة ليحولها إلى فتات و أشلاء متناثرة هنا و هناك, فالتفكيك  لم يكن عشوائيا بل كان مدروسا و ممنهجا, و لذا كان عميقا و بليغا و خاصة مع البنية الاجتماعية التي بقيت محافظة على استقلالها و على كامل مقومات قوتها و تماسكها أثناء الوجود التركي , فبعد دخول الاستعمار الفرنسي انهارت مباشرة؛ فمنها من اختار أفرادها الخروج و الهروب بأمواله من الجزائر, و منها من اختار الاندماج و التحالف مع السلطة الاستعمارية الجديدة و الخضوع لها.فبحكم عدم تجدرها الاجتماعي الذي جعل منها مجرد ظاهرة اجتماعية لنظام سياسي كان قائما؛ لأن برغماتيتها فرضت عليها أن تنقل ولاءها من سلطة آفلة إلى سلطة قادمة, حتى تحافظ على كيانها و وجودها الاجتماعي أو ما تبقى منه, و هذا ما يؤكده نور الدين زمام بالقول "... كان ذلك أيضا بداية اختفاء الطبقة الثرية التي كانت تستمد قوتها من القاعدة المادية للسلطة الحاكمة, فاختار بعضها الهجرة إلى الخارج, اختار بعض آخر التحالف مع الإدارة الاستعمارية"[3]. و بالتالي إن هذه الشرائح الاجتماعية التي كونت بنية المجتمع الحضري في الفترة التركية لم تكن قوى اجتماعية و اقتصادية حقيقية, أي بنيانا اجتماعيا يتضمن عناصر القوة و التماسك التي تمكنه من الوقوف كقوة طلائعية في وجه هذا الكيان الاستعماري, بل أن ذلك ينطبق على البنية الاجتماعية الريفية التي بقيت مستقلة عنه, و التي استعمل المستعمر معها كل الوسائل الممنهجة من أجل تفجيرها من الداخل, بضرب و تحطيم مقومات تماسكها و ذلك بواسطة:

1-           تفكيك الملكية الجماعية التي كانت تقوم  و تؤسس عليها وجودها الاجتماعي القبلي ؛

2-           استغلال العامل الديني الذي كان يشكل هوية و مقوم الأساس الذي كان يؤسس عليه زعيم القبيلة  حكمه؛

3-           التدخل في تشكيل و إعادة تشكيل الرابط الدموي و القرابي بإخضاعه لمراقبة السلطة الإستعمارية بواسطة إنشاء نظام الحالة المدنية ؛

4-           بالإضافة إلى العامل العسكري و استعمال القوة من مطاردة و تشريد و عزل الأسر و العائلات عن بعضها البعض  بأي حجة كانت.

-فتفكيك الملكية الجماعية تم تحقيقه بسيرورة من القوانين أصدرها المستعمر منها قانون 1851 الذي أراد من خلاله المستعمر الحد من حق ملكية القبيلة للأرض و تحويله بذلك إلى مجرد حق استثمار و قطف الثمار فقط.[4]

ثم بعده قانون 1856 الذي كرس و حصر الملكية في حق واحد لا غير هو حق قطف الثمار أما الملكية فهي احتياط عقاري تابع للسلطة الفرنسية ثم بعد ذلك قانون وارنييه Warnier و الذي كان من نتائجه كما يقول نور الدين زمام" ظهور نوع من المضاربة و التسابق بين الجزائريين للتخلص من الأراضي فأدى ذلك إلى ظهور بذور انشقاق و تصاعد الخصومات فيما بينهم, فساعد ذلك المحتل على عقد الكثير من الصفقات العقارية بأيسر الطرق ,و أرخص الأثمان, إذ بلغت الصفقات القضائية التي تمت خلال الفترة بين 1871-1895 عما يقارب 27 ألف صفقة أوقعت في حوزة المعمرين ما يربو عن 63 ألف هكتار من الأراضي[5],إلى غير ذلك من القوانين و الإجراءات الإدارية الأخرى التي لم يكن لها إلا هدف إستراتيجي  واحد هو فصل الملكية الجماعية كحاضنة عن البنية الاجتماعية للقبيلة. أما استعمال العامل الديني لهذا الغرض يتمثل كذلك في الترويج و الدعاية لأحقية الإمام أو من ينوبه في الاستيلاء على أراضي الأهالي بحجة أنها وقف وطني. لم تتوقف آلية المستعمر عند هذا الحد بل عملت على تطوير إستراتيجيها من نزع الملكية و الاستحواذ عليها إلى إستراتيجية استقطاب اليد العاملة للعمل في الأراضي الفلاحية التابعة للمعمرين و ذلك بواسطة:

1-                تطوير التقنيات الزراعية من أجل تكثيف المنتوج الزراعي حتى يصبح العمل في الزراعة بالطرق البدائية غير تنافسي و غير مجدي و بذلك تتحول إلى قاعدة طاردة .

2-                تطوير العمل الفلاحي المأجور أو على الأقل العمل  الذي يوفر امتيازات أحسن من تلك التي يوفرها العمل عند الأهالي أو عند القبيلة أي  تطوير آليات استقطاب .

     كل هذا أدى إلى تفتيت وفصل الفرد عن المجتمع القبلي وعلى البنية الاجتماعية القبلية و ظهور الأسرة النووية, أي أصبح الفرد كيان اجتماعي مستقلا اقتصاديا و اجتماعيا و حتى ثقافيا كما يقول نور الدين زمام " الفرد أصبح كائنا مستلبا من الناحية الاقتصادية و مجردا من الطابع الاجتماعي على المستوى الاجتماعي و التقافي الذي يعيش حالة أنوميا"[6] ففي اعتقادنا أن هذه العملية أدت إلى نتيجة أعمق من ذلك على المستوى الذهني و النفسي للفرد الجزائري بحيث أصبح هذا الفرد يعيش حالة استلاب و اغتراب كلي, ليس ناتج  عن مجرد عملية استغلال من طرف صاحب العمل أو الرأسمالي كما يرى ماركس, بل ناتج عن فقدان كلي للقاعدة الاقتصادية التي كانت تشكل هويته و ذاته, و يعيش كذلك حالة أنوميا أو فقدان لقيمة أو معايير ثقافية و اجتماعية لازمته طيلة حياته و المستمدة من الإرث التاريخي لسيرورة البنية الاجتماعية الكبرى التي كان ينتمي إليها, فهي حالة معقدة و مركبة و غريبة, إذ تجمع بين الاستلاب و الأنوميا, فهي بكل بساطة حالة "إستلانوميا" ناتجة من كون أن البنية الاجتماعية القبلية هي ظاهرة اجتماعية و اقتصادية و ثقافية تاريخية هذه الظاهرة الذهنية إستلانوميا التي أصبحت تميز الفرد الجزائري الذي طحنته هذه الآلية الاستعمارية الممنهجة و أفقدته بذلك كل القدرة على العمل و المقاومة أو حتى التفكير فيهما, بدليل أن أول ظهور للحركة الوطنية في الجزائر كان في المهجر و في أوساط العمال المهاجرين و تحت لواء نجم شمال إفريقيا, حيث كان برنامجها يتلخص في رفض الاستيطان و الاستعمار  و العمل على استرجاع الأراضي عن طريق تأميمها و التأكيد على الهوية الجزائرية العربية [7] فهو برنامج يتناقض  رأسا مع الآلية التي عمل عليها الاستعمار من أجل تحطيم البنية الاجتماعية القبلية و هي( استعمال القوة,نزع الملكية وطمس الهوية).

I.       2-الشرائح الاجتماعية السياسية و استراتيجياتها عند مشروع الدولة :  

     لا يمكن أن نتكلم على قوة اجتماعية سياسية أو اقتصادية غداة الاستقلال بقدر ما نتكلم على مجموعة من الشرائح الاجتماعية و السياسية التي أنتجتها سيرورة الآلة الاستعمارية من جراء عمليات التفكيك و التدمير التي عرفتها البنية الاجتماعية القبلية من جهة, و عمليات و أشكال مقاومتها من طرف بقايا هذه البنية من جهة ثانية, إذن هذه الشرائح هي وليدة عمليات مزدوجة و متعاكسة في نفس الوقت؛ عمليات التدمير و عمليات مقاومة هذا التدمير تحت عناوين و أشكال عديدة, فشكل المقاومة(سياسية, عسكرية, ثقافية) و درجتها(مواجهة أو انسحاب), هي التي أعطت لنا في نهاية الحقبة الاستعمارية اصطفافات اجتماعية أو معايير موضوعية إلى حد ما, صنف على أساسها الباحثون هذا الحطام الاجتماعي الذي تركه المستعمر؛ هذا يعني أن تلك الشرائح المختلفة لم يترك لها المستعمر أي مقوم موضوعي تستند إليه في لملمة أشلائها المتناثرة إلا شكل العلاقة معه أو به, فأصبحت كل الشرائح تنطلق من اصطفاف اجتماعي واحد و مشترك كون أن كل منها لا يحتكم على أي قدرة مادية اقتصادية أو تكنولوجية معرفية تؤهلها فعليا و موضوعيا إلى أن تكون القوة الطلائعية الحاملة لمشروع اجتماعي تاريخي للمجتمع الجزائري؛ و بالتالي لم يبق أمامنا إلا شرائح اجتماعية تنطلق من وعيها لذاتها في بناء إستراتيجية خاصة بها من أجل احتلال منطقة نفوذ معينة في منظومة نسق التفاعلات التي تحكم هذه الأطراف و مختلف الشرائح الأخرى.لأن منطق التفاعل و النفوذ الذي يحكم العلاقة التفاعلية بين الأطراف داخل كل شريحة اجتماعية من جهة, و بين شريحة اجتماعية و أخرى في النسق الكلي للتفاعلات و ما يترتب عنه من مخرجات- أي من قرارات و استراتيجيات و عمليات الخ – من جهة ثانية و هو الذي أعطى لنا فيما بعد نظام الحكم الذي يقود النظام السياسي في الجزائر, و لذا نجد أنه من الأهمية بما كان أن نقوم بتحديد مختلف الأطراف و الشرائح التي تشكل هذا النسق و أن نتعرف عن الاستراتيجيات التي انطلقت منها عند بداية لمشروع التنموي في الجزائر.فبعد الاستقلال مباشرة ورث المجتمع الجزائري شريحتين أساسيتين الأولى محكومة و يطلق عليها الشعب و الثانية قيادية حاكمة, تشكل القاعدة الاجتماعيةللسلطة.

I.       2-1.الشعب:

        مفهوم الشعب هو صفة لكيان اجتماعي بشري عريض غير محدد المعالم الداخلية. و هو وعاء بشري كبير يضم كل الأفراد و الفئات و الشرائح الاجتماعية, يجمعهم رابط وحيد هو انتماؤهم لدولة قومية واحدة, و يعتبر بذلك مجال لممارسة هذه الدولة سلطتها عليه, فمفهوم الشعب بهذا المعنى لا يمكن أبدا أن يشكل قوة اجتماعية فاعلة في تحديد مجرى الأمور و رسم السياسات و الإستراتيجيات؛ لأنه لم يرق حتى إلى درجة المجتمع المدني الفاعل, لأن المجتمع المدني بالمفهوم الأكاديمي هو قوة اجتماعية فاعلة متعددة المصالح و المشارب و معبرة عن خصوصية  كل فئة أو قوة اجتماعية سواء كانت  هذه الخصوصية ثقافية اقتصادية و أيديولوجية[8].

- فمن هذا المنطلق الذي هو مجال للصراع الطبقي كما يرى ماركس أو مجال للصراع الأيديولوجي كما هو الحال عند الغرامشي[9] هذا ما يميز الحالة التي كان عليها الشعب الجزائري غداة الاستقلال, بحيث بقي في حالة من  التريث و الانتظار لما سيقدمه له نظامه السياسي و قيادته الحاكمة هذا بالرغم من أنه كان يضم في أحشائه شرائح و فئات اجتماعية عديدة و متنوعة إلى درجة أن البعض منها كان يوجد بينها تناقض موضوعي يؤهلها إلى أن تكون قوة اجتماعية معبرة عن ذاتها اجتماعيا و اقتصاديا و حتى سياسيا, بحيث كان يضم"الجمعيات الخيرية, مرابطين قبائل و عائلات كثيرة برجوازيين تقليديين و متمدنين فلاحين تجار أغنياء و إصلاحيين,إسلاميين,جمهوريين,علمانيين,برابرة وعرب[10]  لكي يبقى مجرد مجال لممارسة السلطة عليه من طرف السلطة السياسية التي كانت تستمد وجودها من شريحة اجتماعية أنتجها حراكها السياسي و النضالي ضد الإستعمار الفرنسي.

I.       2-2.القاعدة الاجتماعية للسلطة السياسية:

كانت للسلطة السياسية غداة الاستقلال قاعدة اجتماعية تتكون من ثلاث شرائح أساسية, و هم السياسيون, العسكريون و المثقفون. الرابط الأساسي الذي كان يجمعهم هو نضالهم السياسي و العسكري ضد العدو الاستعماري هذا ما أعطاهم صفة القوة الاجتماعية الفاعلة في المجتمع لكن الخلافات و الاختلافات التي كانت بينهم أثناء الثورة و بعدها مباشرة و الخلفيات التي كانت تنطلق منها في رسم أفعالها  و استراتيجياتها  إزاء بعضها البعض و إزاء العدو الاستعماري أفرز هذه الشرائح الاجتماعية السياسية الثلاثة, ففي البداية و أثناء الثورة بالخصوص إن الانتماء لهذه الشريحة و ذلك لم يكن بالصرامة و الدقة المطلوبتين لأن المؤسسة التي أنجبتهم كانت واحدة و هي الحركة الوطنية أولا ثم جبهة التحرير, لكن فيما بعد أصبحت لكل شريحة مؤسسات خاصة تعمل على إنتاجها و إعادة إنتاجها.

   أ- السياسيون:

هم شريحة اجتماعية احترفت النضال السياسي أثناء الحركة الوطنية ثم سرعان ما انتقلت للعمل المسلح و يتميز أغلبهم بالمستوى العلمي المعدوم أو الضعيف, فهم ينحدرون من أصول اجتماعية فقيرة [11] ريفية و حضرية, فهي شريحة فرضتها مقتضيات العمل النضالي ضد الوجود الاستعماري في الجزائر, ليس لها أي تجدر فكري و أيديولوجي محدد, فهي إسلامية لائكيه ,يسارية الخ, التي يمكن أن توصف و تصنف على أنها وطنية أي تعمل على استقلال البلاد من الاستعمار الفرنسي, و بالتالي هي تشتمل على جميع الأفراد و الفئات التي اقتنعت و عملت و ناضلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من خلال جميع الهيئات التنظيمية و الحزبية على مختلف مشاربها و توجهاتها إلى أن انصهرت كلها في بوثقة جبهة التحرير الوطني و تبنت الكفاح المسلح كحل للخلاص. غير أن هذا الإطار السياسي النضالي ماعدا الإجماع حول الهدف الاستراتيجي الذي أنشئ من أجله لم يخل من صراعات داخلية بين مناضليه و منتسبيه, فعند القيام الدراسة و بالتحليل للأسباب التي تقف وراء هذه الصراعات بين الكيانات و الأطراف  المكونة له نجد أنها صراعات زعامة و نفوذ و ليست صراعات حول مشاريع حضارية  لها جذور موضوعية في طبيعة البناء الاجتماعي للمجتمع الجزائري. فأول صراع حول النفوذ كان قبل الثورة بين المصاليين الكهول و المركزيين الشباب, و سبب الصراع كان حول التمسك بالقيادة الجماعية أو الانزلاق إلى الزعامة و القيادة الفردية. فطول مدة هذا الصراع و استفحاله هو الذي أدى في النهاية إلى تأسيس اللجنة الثورية للوحدة و العمل ثم جبهة التحرير الوطني و النداء لانطلاقة الكفاح المسلح.

و الصراع الثاني كان أثناء الثورة بين مناضلي الداخل بقيادة قادة الولايات العسكرية الستة,و مناضلي الخارج المرابطين على الحدود الشرقية و الغربية, كان يتمثل موضوع الصراع في أحقية قيادة الثورة و زعامتها بين هذين الطرفين, و كان يشتد و يتطور كلما اقتربنا من الاستقلال و كلما أصبحت أطرافه أكثر تحديدا و تشكيلا ككيانات اجتماعية و سياسية منفصلة عن بعضها البعض لكل منها هويته و إستراتيجيته الخاصة إزاء الطرف الآخر و إزاء العدو الاستعماري, و لذلك فإننا نعتقد أن الصراع عرف عدة مراحل و هي: مرحلة التشكل التي كانت في السنة الأخيرة من الخمسينات أو أثناء الحكومة المؤقتة الأولى في 19 سبتمبر سنة 1958, ثم مرحلة التسيس أي المرحلة التي أصبح فيها الصراع يستقطب التحالفات و الولاءات في أوساط المجاهدين و المناضلين بين الأطراف المتنازعة, و في هذا الصدد يقول الرئيس السابق الشاذلي بن جديد و هو أحد الضباط العسكريين أثناء الثورة ".... أما عن الخلاف فلم يكن في البداية سياسيا و إنما كان يتمثل في اختلاف الرؤية حول تسيير الحرب و تداخل الصلاحيات, و حين تفاقم الخلاف أصبح من الطبيعي  أن يسيس و يتخذ أبعادا تخص مستقبل البلاد و هذا ماحدث بالفعل"[12] و استمرت هذه المرحلة إلى بداية الستينات أي إلى بعد انعقاد  المجلس الوطني للثورة الجزائرية في الفترة الممتدة بين 16ديسمبر1959 و 18جانفي 1960 في طرابلس و ما تمخض عنه من النتائج التي نوجزها فيما يلي:

1- تشكيل الحكومة المؤقتة الثانية برئاسة فرحات عباس .

2- إلغاء وزارة القوة المسلحة من الحكومة و تشكيل لجنة وزارية للحرب بدلا منها تضم الباءات الثلاثة( بن طوبال, بلقاسم ,بوصوف) ؛

3- إنشاء هيئة أركان عامة بقيادة هواري بومدين و تضم منجلي قايد حمد و الرائد عز الدين.

    تبين لنا القراءة السوسيولوجية لهذه النتائج أن العلاقة التفاعلية بين أطراف الصراع أسفرت على تنازلات و توافقات, فالتنازلات تتمثل في تخلي الطرف السياسي نقصد به الحكومة المؤقتة على وزارة القوات المسلحة و القبول بلجنة وزارية بدلا منها تمارس السلطة السياسية الفعلية على العسكريين, و تنازل العسكريين يتمثل في قبولهم للوصاية السياسية و لو نظريا من طرف الحكومة و قلنا نظريا, لأن الشاذلي بن جديد يؤكد هذه القضية بالقول"... أريد أولا أن أوضح نقطة هامة, الحكومة المؤقتة كانت تعني بالنسبة إلينا نحن الضباط الباءات الثلاث"[13], أما التوافقات كانت حسب رأينا ذات أهمية سوسيولوجية كبيرة تتمثل في التشكل  لمؤسسة تمثل رسميا القطب الثاني  لأحد طرفي النزاع, و هي هيئة الأركان العامة , فلم يعودوا مجرد مجموعة من العسكريين متواجدين على الحدود, بل أصبحوا هيئة رسمية لها وجودها القانوني و الشرعي؛ و بالتالي نستطيع أن نقول أن الصراع انتقل من طور التسيس إلى طور التأسس أي أصبح بين مؤسستين رسميتين, الحكومة المؤقتة من جهة و هيئة الأركان العامة من جهة ثانية, كان هناك شكل آخر من الصراع بين الأطراف المتفاعلة في القوى السياسية أثناء الثورة التحريرية و الذي أفضى في النهاية إلى ثقافة تحكم سلوكاتهم السياسية في إنتاج القرارات الإستراتيجية و العملية, و التي تخص سير النظام السياسي في الجزائر, و هو الصراع بين السلطة الشرعية الرسمية و السلطة الفعلية, فحسب عدد كبير من المؤرخين الذين كتبوا عن الثورة و على رأسهم محمد الحربي, محمد بجاوي, عبد القادر يفصح.. .الخ, يؤكدون على أن اغتيال عبان رمضان في 27 ديسمبر 1957 كان بداية لتدشين مرحلة جديدة من العمل السياسي في الجزائر قوامها:

1-                تغليب السلطة الفعلية على السلطة الرسمية .

فابتداء من هذا التاريخ أسست الباءات الثلاثة للسلطة الفعلية [14]  في قيادة جبهة التحرير الوطني و الثورة, فبالرغم من وجود مؤسسات رسمية إلا أنه من المستحيل تنفيذ و تطبيق أي قرار دون موافقتهم. و استمر هذا الوضع إلى غاية الاستقلال لتتحول السلطة الفعلية بعد ذلك شيئا فشيئا إلى هيئة الأركان العامة.

   إن ما نستطيع أن نستخلصه من هذا كله أن القوى الاجتماعية و السياسية التي تشكلت أثناء الثورة كانت كلها فاقدة لأي قاعدة اقتصادية, و قدرة علمية تكنولوجية تؤهلها اجتماعيا لقيادة مشروع تاريخي حضاري, لكن الظروف التاريخية التي أنتجتها فرضت عليها بأن تقوم بهذا الدور, و لذا كان لزاما عليها  أولا و قبل كل شيء أن تؤسس لنفسها القوة و النفوذ في منظومة العلاقات الاجتماعية أي في نظام العلاقات الفاعلة المنتجة لقرارات سياسية و المسيرة  لنظام الحكم في الجزائر فشريحة السياسيين كأحد أطراف هذه العلاقة الاجتماعية في سعيها لبناء هذه القوة و النفوذ كان عليها أن تمر بمجموعة من الصراعات بينها و بين مختلف الفرقاء تحت عدة عناوين, صراع بين الداخل و الخارج, صراع بين السياسي و العسكري, صراع بين السلطة الرسمية و السلطة الفعلية.. الخ ؛هذه الصراعات أفضت كلها إلى تشكل شريحة اجتماعية سياسية  لها إستراتيجية خاصة بها, و أفضت كذلك إلى ترسخ ثقافة سياسية تقوم على تبعية السياسي للعسكري.

ب-العسكريون:

     عندما نتكلم عن العسكريين نقصد بذلك الشريحة الاجتماعية التي كانت بذرتها الأولى قبل الثورة و التي نمت و تطورت أثناءها و نضجت بعدها؛ و بالتالي نحن نتكلم على شريحة اجتماعية نشوؤها و  تطورها كان مرتبط بالحركة الوطنية و  بالثورة التحريرية, فهي ظاهرة اجتماعية تراكمية كانت انطلاقتها في نهاية الأربعينات تحت اسم المنظمة الخاصة (O.S) و بقرار من اللجنة المركزية لحزب الشعب الجزائري 1947 بهدف الإعداد للثورة المسلحة تحت إشراف الحزب و نظرا للأهمية الإستراتيجية لهذا الهدف الذي وجدت من أجله المنظمة السرية, ارتأى الحزب أن العضوية فيها تتطلب من المناضل أن يكون على قدر عالي من الالتزام بالنضال و التضحية في سبيل تحرير البلاد. فهذا الفرز للمناضلين المنتسبين إليها مع مرور الزمن أعطى لهم وضعية خاصة في وسط الحزب تحديدا. و وسط  مناضلي الحركة الوطنية بصفة عامة. هذا التصنيف و التمايز الذي وقع انعكس نفسيا على مناضلي الطرفين بصفة عامة, لكن بعد ثلاث سنوات من إنشائها اكتشف العدو الاستعماري هذه المنظمة فعمل على تفكيكها و اعتقال مناضليها.

لكن هذا لم يمر دون أن يترك أثرا معنويا و نفسيا بين سياسيّي الحزب و مناضلي هذه المنظمة الخاصة , و تطور ذلك إلى ريبة و توجس لدى مناضليها في النوايا السياسية لقادة الحزب, و خاصة بعد تردد هؤلاء القادة في إعادة تشكيل هذه المنظمة, و يقول عبد الحميد مهري في هذا الصدد" كان اكتشاف هذه المنظمة الخاصة كارثة سياسية و معنوية انعكست آثارها سنوات طويلة على الحزب و على الثورة الجزائرية بشكل عام ... و قد ارتكبت في هذه الفترة أخطاء تنظيمية و نفسية انعكست على مجمل العلاقة بين أعضاء المنظمة الخاصة و القيادة السياسية للحزب.... لكن القضية الأساسية في هذا الخلاف كانت0 تتمثل في المطالبة بإعادة تكوين المنظمة الخاصة على أسس جديدة, فاقترنت هذه المطالبة بالشك في نيات القيادة السياسية, و فسر هذا التردد بأنه يخفي توجها إصلاحيا يتنكر للخط الثوري للحزب"[15] ؛إذن إن شك مناضلي هذه المنظمة في تراجع القيادة السياسية للحزب عن الهدف الإستراتيجي الذي كان سببا في وجودها عمق الهوة بين الطرفين و أصبح كل طرف يعتقد أن له إستراتيجية خاصة به, أو على الأقل مخالفة لإستراتيجية الآخر و كأننا أصبحنا أمام كيانات و إستراتيجيات, إحداها إصلاحية للسياسيين و الأخرى ثورية للعسكريين. كان للخلاف السياسي بين مناضلي حزب الشعب أي بين المصاليين و المركزيين دور مهم في تعميق الاعتقاد أكثر فأكثر عند مناضلي المنظمة الخاصة, لأن هدفهم الإستراتيجي المتمثل في تحرير البلاد عن طريق العمل المسلح أصبح في خطر, و عليه انتقلوا إلى مرحلة أخرى من مراحل تطور هويتهم الاجتماعية السياسية, و هي أخذ زمام المبادرة و الانفصال الهيكلي عن الحزب بتشكيل حزب جبهة التحرير الوطني و إعلان انطلاق الثورة التحريرية, هذه النقلة النوعية و ما ترتب عليها من نتائج إيجابية على الهدف الإستراتيجي الثوري المعلن دشنت و كرست في أذهان المناضلين تصنيف و ترتيب اجتماعي آخر بين العسكري و السياسي محتواه أن العسكري حاسم و السياسي متردد, هذا ما يؤكده عبد الحميد مهري بالقول "أن الشروع في العمل المسلح كان يحمل معنى وضع  للأطراف السياسية كلها أمام الأمر الواقع, و كرس في نظر الكثير من المناضلين انتصار الحسم العسكري في مواجهة التردد السياسي "[16].       

رغم تأسيس جبهة التحرير الوطني كحركة جامعة و انطلاق الثورة التحريرية من طرف مناضلي المنظمة الخاصة إلا أنه بقيت قناعة لدى بعض مناضلي هذه المنظمة, بأن السياسي يبقى سياسيا و العسكري يبقى عسكريا و انطلاقا من ذلك عمدوا إلى تأسيس جيش التحرير الوطني إلى جانب الإطار السياسي الذي يضم السياسيين و المتمثل في جبهة التحرير الوطني. هذه الندّية غير المعلنة بين الهيئتين و عدم الحسم فيها منذ البداية أدت إلى أزمات و صراعات حادة بين المناضلين أثناء الثورة, هذا النزاع الخفي كان له مؤشرات كثيرة كما يقول عبد الحميد مهري  منها:

1-                إعلان أول نوفمبر من طرف قيادة الثورة كان في بيانين متكاملين, الأول باسم جبهة التحرير الوطني و هو البيان المعروف ببيان أول نوفمبر و بيان ثان باسم جيش التحرير الوطني الذي لم يعرف نفس الانتشار الذي عرفه البيان الأول.

2-                كان الخلاف بين مناضلي الهيئتين كذلك حول رأس الرسائل الرسمية هل يكتب عليها جبهة و جيش التحرير الوطني أو العكس يكتب الجيش أولا و الجبهة ثانيا[17] .

فطبيعة الخلاف كما نلاحظ بسيطة, لكن لها دلالة رمزية كبيرة تتمثل في الصراع عن السلطة و النفوذ في قيادة الثورة بين الطرفين و في تحديد تبعية إحداهما للآخر, لكن ما يمكن أن نستنتجه من ازدواجية المسعى في إصدار بيانين متكاملين كذلك هو أن الجرأة التي تحلى بها المناضلون الذين فجروا ثورة نوفمبر و خاصة أولئك الذين يعتبرون  أنفسهم بأنهم عسكريون أكثر من أنهم سياسيون, لم ترق بأن يقدموا بيان منفصل باسمهم كهيئة عسكرية مستقلة و هذا في اعتقادي يبين أنهم كانوا يبحثون على غطاء سياسي لسلوكهم و قرارهم هذا. 

حاول مؤتمر الصومام أن يقضي و يحسم في هذه الندية و الازدواجية في قيادة الثورة و من ضمن القرارات التي خرج بها في النهاية قرار إعطاء الأولوية للسلطة السياسية على السلطة العسكرية, و أولوية الهيئات الداخلية على الهيئات الموجودة في الخارج و أدى ذلك لأزمة كبيرة"... كان لهذه القرارات ردود أفعال شديدة من أغلبية المسؤولين الذين فجروا الثورة لأنهم رأوا فيها انحرافا عن الخط الذي رسموه للثورة و تبييضا لتاريخ بعض السياسيين"[18]. بقيت هذه الأزمة مستمرة إلى غاية أن تم التوصل إلى تسوية بين الطرفين تقضي:

1-                بالإبقاء على الهيئات المنبثقة عن مؤتمر الصومام كما هي.

2-                إعادة تشكيل الهيئات القيادية المنبثقة عنه بحيث تصبح تضم سياسيين و عسكريين.

3-                اللجوء إلى القيادة المشتركة دون أولوية.

لكن موازين القوى هي التي حسمت في النهاية هذه الأولوية, و التي أًصبحت لصالح العسكري على حساب السياسي, و لهذا تكرس و للأبد منطق و قاعدة ثقافية أساسية مفادها أن الحسم من الآن فصاعدا في نظام الحكم سيكون للقوة الفعلية, و ليس للقرارات السياسية الصادرة من الهيئات الرسمية. هذا ما تأكد فيما بعد من خلال عدد من الهزات و الأزمات التي عرفتها العلاقة بين الطرفين و التي أفضت كلها إلى التراجع السياسي أمام الإصرار العسكري و قوة نفوذه على أرض الواقع. و من ضمن هذه الأزمات :

1-                أزمة مقتل عبان رمضان التي كانت في ظروف غامضة بحيث اعتبر من طرف العسكريين أنه هو المسؤول عن جملة من الانحرافات من بينها قرارات مؤتمر الصومام [19]. و كانت من النتائج التي ترتبت عنه هو انحصار السلطة الفعلية في يد الباءات الثلاثة و سحبها من المؤسسات الرسمية للثورة التي كانت قائمة آنذاك.

2-                أزمة الخلاف الذي كان بين أعضاء الحكومة المؤقتة التي تأسست في سبتمبر 1958, فاستفحال هذا الخلاف و طول مدته أدى بالعسكريين أن يتدخلوا لفض النزاع, و  كذا بالمطالبة بتخويلهم صلاحيات كبيرة تمكنهم من إصلاح أوضاع الثورة بصفة عامة. هذه الأزمة و تدخل العسكريين فيها و ما ترتب عن الدورة الثالثة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية المنعقد في طرابلس من نتائج صبّت كلها في صالح العسكريين كرس لدى القيادة العسكرية لجيش التحرير الوطني ثقافة مفادها أن تقويم السلطة السياسية عند اللزوم هي من المهام الأساسية للجيش و تتصل بالدفاع عن الخط الإستراتيجي للثورة و الذود عن المصلحة العامة[20].

3-                أزمة مفاوضات إفيان و ما ترتب من خلاف حاد بين الحكومة المؤقتة و هيئة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني بسبب مضمونها, بحيث كان الجيش يعتقد أن هذه المفاوضات ستكرس نظاما استعماريا جديدا, و استمرت هذه الأزمة حتى بعد الاستقلال و كانت أحد الأسباب الدافعة للجيش بالاستيلاء على السلطة تدريجيا بصورة غير مباشرة عن طريق التمهيد للرئيس بن بلة ثم التدخل المباشر بتصحيح هذل المصارعام 1965.

إن القراءة المتأنية لطبيعة الخلاف بين السياسيين و العسكريين و تطورها خلال الفترة الاستعمارية منذ البذرة الأولى للجيش , متمثلة في المنظمة الخاصة مرورا بجيش التحرير الوطني و هيئة الأركان العامة التي تأسست رسميا كما ذكرنا في الدورة الثالثة لجيش التحرير الوطني في طرابلس, تبين لنا جليا أن ذلك أفضى كله إلى مجموعة من الثوابت و القواعد السلوكية أصبحت تتحكم في شكل العلاقة التفاعلية التي تربطهم ببعضهم البعض في نظام الحكم الذي تأسس بعد الإستقلال, و حتى بعد ظهور مؤسسات عسكرية و مدنية جديدة كالجيش الوطني الشعبي من جهة و الحكومة المؤقتة من جهة أخرى. هذه الثقافة تتلخص في أن السياسي متردد و ذو إستراتيجية متسامحة و متساهلة في بعض الأحيان كما حدث في اتفاقيات إفيان, و العسكري حاسم ذو إستراتيجية صارمة, فالسياسي تابع و العسكري متبوع ,السياسي هو القوة الرسمية و العسكري هو القوة الفعلية, إن تقويم انحرافات السياسي من المهام الوظيفية للعسكري بحكم واجبه الثوري و الوطني. و باختصار إن السياسي ما هو إلا الواجهة الرسمية و الشرعية للعسكري, لأن  هذا الأخير هو ابن الثورة البار, الأكبر, الأنجب, الأنجح ,الأقوم و الأفضل. هذا عن العلاقة التفاعلية بين العسكريين و السياسيين كشريحتين أساسيتين لنظام الحكم في الجزائر بعد الاستقلال, أما عن الفئات الداخلية التي تكون الشريحة العسكرية :فعندما نتكلم عن العسكريين كشريحة مستقلة بذاتها عن الشرائح الأخرى المكونة لنظام الحكم في الجزائر في بداية بناء مشروع الدولة الحديثة,هذا لا  يعني إطلاقا أن هذه الشريحة مسطحة خالية من أي تصنيف فئوي داخلي بل بالعكس  فهي بدورها تحكمها تكتلات فئوية داخلية كانت وليدة النضال و الصراع مع الاستعمار الفرنسي.

نستطيع أن نصنف العسكريين انطلاقا من علاقتهم بالثورة إلى ثلاث فئات  هي  من صنعوا الثورة, و من شاركوا فيها و من التحقوا بها .

* من صنعوا الثورة :

      إن النواة الصلبة لهذه الفئة من العسكريين كانت من المناضلين الأوائل الذين كانوا منضوين تحت لواء المنظمة الخاصة قبل الثورة و عملوا على تجاوز الأزمة الداخلية لحزب الشعب بانطلاقهم في الكفاح المسلح دون انتظار أي قرار سياسي و هم يعتقدون أن الثورة عن طريق الكفاح المسلح هي الوسيلة الوحيدة للتحرير الوطني و التخلص من الاستعمار الفرنسي؛ و رصيدهم المعنوي و المادي هو الثورية كسلوك و الوطنية كعقيدة و أيديولوجيا لكن هذه الوطنية تتميز بالهجانة و عدم التـأهيل الفكري[21] أي ليس لها تجدرات نظرية و فكرية محددة و معروفة فهي فئة تضم بداخلها تيارات و اتجاهات موقفية عديدة و متنوعة و حتى متناقضة إسلامية, لائكية, اشتراكية... الخ, فهي فئات من أصول اجتماعية فقيرة سواء كانت ريفية أو حضرية أغلبها لها مستوى دراسي معدوم أو ضعيف أما على المستوى المهني فهم يتمتعون بمجرد إلمام بسيط بتقنيات العمل العسكري, أغلبهم حصلوا عليها أثناء احترافهم للعمل المسلح لأن الشرط الأساسي لالتحاقهم بالثورة كان الاستعداد للفداء و التضحية في سبيل الوطن من أجل استقلاله و حريته و ليست الكفاءة العسكرية؛ فعلى المستوى العقائدي كانت هي الفئة الأقرب معنويا للشريحة السياسية و الفرق الوحيد بينهما يكمن في شعور هذه الأخيرة بالانتماء العسكري, و بعد الثورة اختاروا احتراف الحياة العسكرية و نشاطها العسكري؛ أثناء الثورة كانوا بالداخل في مواجهة مباشرة و في الخطوط الأمامية مع قوات  الاستعمار الفرنسي بينما يعاب عليها بعد الاستقلال و تشكيل الجيش الوطني الشعبي اهتمامهم المفرط بالشؤون السياسية [22]و ذلك راجع إلى كون أنها التحقت بجيش التحرير  بهدف تحرير البلاد لا بهدف امتهان الحياة العسكرية. هذه الفئة بما لها وما عليها شكلت شريحة عريضة داخل جيش التحرير الوطني قبل الاستقلال, و بعده شكلت كذلك تيارا داخل الجيش الوطني الشعبي اعتبر ضميره المعنوي و منبع الوطنية فيه.

 * من شاركوا في الثورة:

 تشتمل هذه الفئة على مجموعة من الضباط و الجنود الذين كانوا مرابطين على الحدود الشرقية و الغربية للبلاد و قد بلغ قوامها حوالي 23 ألف جندي منها 8آلاف في المغرب و 15 ألف في تونس[23] معروف عليهم أنهم شاركوا في الثورة و لم يكونوا من صانعيها و لا في الخطوط الأمامية من الصراع مع جيش العدو كما كان الحال بالنسبة للفئة الأولى بل كانت مشاركتهم إمدادية لوجيستيكية, أما أصولهم الاجتماعية فهي مماثلة للفئة السابقة (أصول فقيرة ريفية وحضرية)؛ غير أن مستواهم الثقافي و الحرفي و التعليمي كان أكثر تطورا, فوجودهم على الحدود بعيدين عن خطوط التماس مباشر مع العدو مكنهم من أن يحققوا مستوى معين من التنظيم و الاحترافية في المجال العسكري بحيث كان لهم تكوينا عسكريا في مجالات عديدة منها التموين, الهندسة, الأمن العسكري, الاتصال و مراكز التدريب و المحافظة السياسية...الخ,[24] فهي تخصصات لها علاقة بمهمتهم و دورهم في جيش التحرير الوطني من إمداد و دعم, أما إيديولوجيتهم فهي وطنية تطلعية, حيث كانوا دائما أثناء الثورة يعملون و يخططون لتأطير الثورة و لقيادتها بعد الاستقلال الشيء الذي تحقق لهم بتأسيس و ترسيم إنشاء هيئة الأركان العامة التي أصبحت هي الطرف الفاعل الذي يتكلم باسم الجيش في التعاطي مع الأحداث و الأزمات التي عرفتها قيادة الثورة السياسية و العسكرية, و التي جعلت منها السلطة الأولى و الفعلية في البلاد فيما بعد.أما علاقته بفئة صانعي الثورة فكانت التقاطع معهم في عقيدتهم الوطنية. و عليه فبحكم هذا العامل و كذا بحكم كفاءتهم و اقتدارهم الثقافي و العسكري كانوا ينظرون لأنفسهم على أنهم الفئة الأكثر تأهيلا معنويا و مهنيا لقيادة الجيش و البلاد, و ما إن تيقنت قيادة هذه الفئة بأن الجزائر قاب قوسين أو أدنى من الاستقلال كثفت مجهوداتها العسكرية و السياسية من أجل السيطرة على الجيش أولا كما قلنا و جعله هو السلطة الفعلية الأولى و الأخيرة في البلاد؛ و هذا ما يؤكده الشاذلي بن جديد بصفته أحد الضباط الذين كانوا متحالفين مع بومدين بالرغم من أنه لم يكن ينتمي إلى نفس هذه الفئة بالقول"... الأصح أن تفاقم الصراع بين أعضاء الحكومة المؤقتة هو الذي فتح عينيه على هذه الإمكانية أي تولي السلطة السياسية, مع اقتراب الاستقلال بدأ بومدين البحث عن غطاء سياسي لسد الطريق أمام الحكومة المؤقتة,ليعرض على السجناء فكرة إنشاء مكتب سياسي و برنامج سياسي, لكن في الحقيقة كان يبحث عن رجله أي الرجل السياسي المناسب ليضعه في الواجهة في البداية راهن  على بوضياف لكن هذا الأخير رفض التعامل مع العسكر فاضطر بومدين إلى اختيار بن بلة الذي قبل بعد تردد"[25] كما نلاحظ من هذه الفقرة أنها تلخص الضوابط السلوكية التي تكلمنا عليها و التي أصبحت ثقافة تحكم العلاقة بين العسكري و السياسي فهو يتكلم على غطاء سياسي أي عن سلطة فعلية و أخرى رسمية في الواجهة.

* من التحقوا بالثورة :

تشكل مجموعة الضباط و العسكريين الذين اشتغلوا في الجيش الفرنسي قبل الثورة و أثناءها من شريحة العسكريين, و هي الفئة التي انضم أعضاؤها إلى جيش التحير الوطني و خاصة بعد مؤتمر الصومام و هم من وصفناهم بفئة من التحقوا بالثورة؛ فعلاقة هذه الفئة بالجيش الفرنسي تنقسم إلى قسمين منهم من التحق به بصورة إجبارية كون أن الجزائريين كانوا خاضعين قانونيا للخدمة الإلزامية في الجيش الفرنسي [26] و منهم من التحقوا به للاحتراف كهيئة عمل كغيره من الهيئات الإدارية و الاستعمارية الأخرى لأن أداء هذه الخدمة أو العمل فيه لم يكن له نظرة سلبية قبل الثورة لكن اكتسبها من بعد[27] و بالتالي نجد أن الأصول الاجتماعية لهذه الفئة هجينة و متنوعة, منها من ينتمي إلى أصول ريفية و حضرية معدومة و فقيرة و منها من ينتمي إلى أصول ريفية و حضرية تنتمي إلى الطبقة الوسطى, لكن بعد انضمامهم إلى الجيش الفرنسي خضعوا كلهم إلى دورات تكوينية و تدريبية أكسبتهم كفاءة تقنية تكنولوجية عسكرية أصبحوا يتميزون بها عن باقي أفراد الفئات العسكرية الأخرى, كما أن خضوعهم لهذه الدورات التدريبية منحهم المستوى الثقافي و الفكري المطلوب باللغة الفرنسية, خاصة الذين كانوا ضمن فئة الضباط بحيث وصل عددهم مباشرة بعد الاستقلال إلى حوالي 200 ضابط[28] ؛ أما عن أيديولوجيتهم و عقيدتهم فنستطيع أن نقول عنها بأنها لم تكن فكرية و عقائدية بل مهنية و تقنية لأن خدمتهم في الجيش الفرنسي من جهة و الالتحاق المتأخر بالثورة و جيش التحرير الوطني شكل عائقا معنويا كبيرا لهم  في نظرتهم لأنفسهم و نظرة الفئات الأخرى لهم على أنهم من الوطنيين الثوريين أي الفئة الأولى و لا من الوطنيين المتطلعين الفئة الثانية, بل كانوا ينطلقون في سلوكاتهم و أفعالهم إزاء الثورة و الآخرين على أنهم هم الذين يشكلون التقنية و التكنولوجية في الجيش و بالتالي لم تكن لهم طموحات سياسية أثناء الثورة أو تطلعات قيادة و سيطرة و نفوذ بعدها, بل طموحات تقنية و تكنولوجية مهنية محضة و بالتالي وجد فيهم هواري بومدين بعد الاستقلال و عند تأسيس الجيش الوطني الشعبي في سبتمبر 1962 الفئة المناسبة مهنيا بحكم كفاءتهم و سياسيا كونهم غير متطلعين و لا منافسين فعمل الجيش مبررا سلوكه هذا بالقول"... فالعقيد الذي خاض أشرس الحروب في الجبال و المغاور ضد القوات الاستعمارية الفرنسية منتهجا أسلوب حرب العصابات, لا يمكنه الآن مثلا إدارة قاعدة جوية أو حربا تكنولوجية في إطار الجيش التقليدي"[29]. أقام هواري بومدين تقسيما اجتماعيا للعمل بين الفئات لداخل الجيش حيث خصص لهذه الفئة مسائل العمل التقني و الفئة الثورية الوطنية القيادة السياسية و المعنوية و الفئة الثالثة التي ينتمي إليها القيادة الفعلية و الهرمية في الجيش.و برزت مشكلة ضباط الجيش الفرنسي لأول مرة أثناء مؤتمر جبهة التحرير الوطني في أفريل 1964 بحيث تعرض هواري بومدين بصفته وزير الدفاع آنذاك لانتقادات كبيرة من طرف المناضلين الثوريين بسبب اعتماده على هذه الفئة و تهميش أعضاء الفئة الأولى؛ و دافع عن خياراته بالقول"إنني لا أرى فارقا بين موزع بريد أو موظف أو ضابط فقبل 1954 كان الجميع يحتاج إلى العمل و لست أدري لماذا يجب الآن أن نتخلى عن مساهمة الذين يتمتعون بالكفاءة العسكرية في تدريب جنودنا,و أضاف المهم أن هؤلاء الضباط قرروا ذات يوم أن يقوموا بواجبهم و تساءل هل تملك الجزائر إطارات حتى نتجاهل أولئك الذين يمتلكون الخبرة؟ هل  لدينا أكاديميات عسكرية تجعلنا لا نلجأ إليهم"[30] 

على العموم نستطيع أن نخلص إلى نتيجة نهائية مفادها أن العسكريين كشريحة اجتماعية أساسية في البنية الاجتماعية المكونة لقاعدة نظام الحكم في الجزائر عند انطلاق مشروع بناء الدولة الجزائرية الحديثة كانت تتكون من ثلاث فئات كما رأينا و لها ثلاثة أشكال من الوعي بالانتماء إلى مجموعات و فئات اجتماعية وهي :

1-                الأيديولوجية الوطنية الثورية.

2-                الأيديولوجية الوطنية التطلعية.

3-                الأيديولوجية التكنولوجية و التقنية.

تشكل هذه الفئات الحاملة لهذه الأيديولوجيات لما يسميه ألان توران [31] بالوعي المؤسس  La conscience constituante  ؛ أين يكون فيه  الأفراد الحاملين لهذا النوع من الوعي يعملون على تكوين انتماءاتهم و الدفاع على  كياناتهم و ليس على أفعالهم الهادفة إلى تحقيق مشاريعهم التاريخية الحضارية. إذن فالتفاعل بين هذه الأطراف يكون على أساس الصراع و النزاع من أجل تحقيق الذات و النفوذ و السيطرة و ليس من أجل تحقيق مشروع تاريخي تحمله موضوعيا هذه الذات و بالتالي نكون أمام أفراد يوصفون على أنهم فاعلين اجتماعيين تحكمهم إستراتيجاتهم الخاصة بهم.

ج/المثقفون و فئاتهم:

      يتطلب دراسة الفئة و النخبة المثقفة في الجزائر عناية خاصة من طرف الباحثين و ذلك حتى نتمكن من وضع المنهجية الموضوعية المناسبة التي نستطيع أن نحكم من خلالها على الدور الاجتماعي الذي لعبته هذه الفئة أو المطلوب منها أن تلعبه تاريخيا, لأنها كانت دائما محل انتقادات و تجاذبات و انقسامات عبر المراحل التاريخية التي عرفتها الجزائر, و حتى بين مختلف الشرائح الاجتماعية المتفاعلة و المتواجدة داخل كل مرحلة. فحسب علي الكنز[32] إن دراسة لنخبة المثقفة في الجزائر تتم وفق لمنهجية تركيبية تتضمن أربعة عناصر أساسية و هي :

أ/ تحديد المؤشرات السوسيولوجية التي تميز هذه النخبة المثقفة عن غيرها و تميز الفئات المتواجدة بداخلها عن بعضها البعض؛

ب/ تحديد طبيعة العلاقة التفاعلية التي تربطها ببعضها البعض (نزاع,صراع, تضامن, تحالف ) من جهة ثم بالشرائح الأخرى المكونة للبنية الاجتماعية الكلية من جهة ثانية؛

ّج/ تحديد طبيعة العلاقة التي تربطها بالنظام السياسي و السلطة السياسية القائمة (معارضة,تبعية,اندماج)؛

د/ تحديد طبيعة العلاقة بينها وبين المجتمع المدني و دورها فيه.   

     إن دراسة المثقف في بداية المرحلة الاستعمارية في الجزائر من مؤشر عدد الأفراد الحاملين للشهادات الجامعية لم يكن ممكنا لعدة أسباب منها عدم توفر المؤسسات المنتجة لها, و لم يكن ممكنا التحدث عن المثقف كذلك من منطلق طبيعة و نسق المعاني التي ينتجها أو الأفكار و الأيديولوجيات التي يدافع عنها و يروج لها ذلك لكون الظروف الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية التي فرضها المستعمر لم تسمح بظهور شريحة اجتماعية لها مستوى ثقافي و لا إمكانية التواصل المطلوبتان لذلك و بالتالي لم يبق أمام الباحثين إلا بعض المؤشرات البسيطة التي كان يصنف على أساسها مجموعة الأفراد الذين يتميزون بها على أنهم مثقفون و هذه المؤشرات هي:

- معرفة القراءة و الكتابة من عدمها.

- طبيعة لغة هذه القراءة و الكتابة (عربية كلاسيكية,فرنسية)

- التواصل من عدمه مع الشعب.

 بعد حوالي 70 سنة من دخول الاستعمار الفرنسي كانت توجد إلا فئة قليلة يعرفون القراءة و الكتابة[33], و هذه الفئة القليلة منقسمة بدورها إلى قسمين:فئة تعرف القراءة و الكتابة باللغة العربية الكلاسيكية و هي من منتوج المجتمع التقليدي و مؤسساته من زوايا, و مساجد الخ و الموضوعات المعرفية التي كانت تتناولها تخص مجالات عتيقة(أدبية, فقهية,و علمية ماضية) و فئة أخرى تقرأ و تكتب باللغة الفرنسية كوّنهم المستعمر في مؤسساته التبشيرية على وجه الخصوص ليكونوا وسطاء بينه و بين الأهالي. لكن الميزة الأساسية التي ميزت هذه الفئة من المثقفين الأوائل هي انقطاعهم و انفصالهم عن بنيتهم الاجتماعية, هذه القطيعة ازدادت عمقا مع مرور الزمن لينفصلوا كلية عنها و يصبحوا مرتبطين إما  بالمشرق فيما يخص المثقف باللغة العربية أو بالغرب فيما يخص المثقف باللغة الفرنسية فالكل ينهل أفكاره و أدواته الفكرية من بيئة أخرى خارجية, الشيء الذي أعطى في النهاية منتوجا فكريا لم يرق إلى أن يتحول إلى ثقافة المجتمع أو الأمة لأنه ليس له امتداد اجتماعي و لم يأت ليعبر عن طموح و آلام هذا الشعب و لم تعل كذلك على إنتاج معاني و قيم حضارية تنير له الطريق, ففي ظل هذه العلاقة المعدومة بينهما لم يجد هذا المجتمع بدا إلا أن ينطوي على ذاته و موروثه الثقافي الذي لم يطمسه المستعمر, و ينتج منه ثقافة خاصة به تعبر عن آلامه و أحلامه و تطلعاته سميت بالثقافة الشعبية, فهذه الثقافة الشعبية لها أدواتها و قيمها و أبطالها, فكما يقول عمّار بلّحسن  " فهي ثقافة شعبية شفوية التي لم تصل بعد إلى مرحلة الكتابة و التي غذت جماهير الأرياف و المدن و تنشط معيشهم اليومي و الزمني و تقدم لهم مؤلفات و إبداعات غنية تستهلك على أوسع نطاق".

ففي نهاية الأربعينيات من القرن الماضي و مع تطور الحركة الوطنية تغيرت النظرة للمثقف و المثقفين بحيث لم يعد ينظر إليه فقط انطلاقا من المعايير الثلاثة التي ذكرناها, بل انطلاقا من المشروع الاجتماعي الذي يحمله لمجتمعه, و انطلاقا كذلك من نظرته لطبيعة و شكل علاقة هذا المجتمع مع المستعمر و من هنا أصبح هناك مؤشرات أخرى تستعمل كمقاييس و معايير تصنيف النخب المنضوية تحت هذه الشريحة هي:

1- الفئة الأولى: نستطيع أن نطلق عليها بالفئة الإصلاحية الوطنية و هي الفئة المتأثرة بالحركة النهضوية التي عرفها المشرق العربي بقيادة محمد عبدو فهي ذات ثقافة شرقية عربية إسلامية, فهي إصلاحية كون أنها تبنت إسلاما مغايرا أي مناهضا للبدع  و الخرافات و عملت من خلال منتوجها الثقافي و الفكري على تحرير المجتمع الجزائري منها, فالإصلاح هو حركة نقد و تنقية للبنى الفكرية و العقائدية للمجتمع, و وطنية كون أنها نادت بعلاقة منفصلة و متحررة من السيطرة و الهيمنة الاستعمارية على المجتمع الجزائري.
2-الفئة الثانية: نستطيع أن نطلق عليها بالفئة الإصلاحية الاندماجية. فهي نخبة مفرنسة نادت بدورها بإصلاح البنى الفكرية و العقائدية للمجتمع لكن انطلاقا من ثقافة غربية, أما عن علاقتها بالمستعمر فتبنت أطروحة المساواة و الاندماج في البداية ثم تراجعت عنها لتطالب بالشخصية الوطنية المستقلة[34].

3- الفئة الثالثة: التي نادت بالتغيير الجذري للبنى الاجتماعية و الثقافية للمجتمع الجزائري و ناهضت لأيديولوجية اندماجية  هي فئة القطيعة مع المجتمع التقليدي , و الاستعمار الفرنسي, و مع البنى الاجتماعية الاقتصادية البالية فهي  فئة القطيعة بامتياز لأن مشروعها الفكري أخذ المجتمع الجزائري كهدف من أجل تغييره كلية.هذا عن المشروع الفكري الذي كان يميز كل فئة داخل هذه الشريحة الاجتماعية المثقفة أما عن علاقتها التفاعلية بالشرائح المحورية المكونة للبنية الاجتماعية (السياسيون و العسكريون) كان المثقف بجميع فئاته و حسب عدد من المؤرخين و علماء الاجتماع و على رأسهم علي الكنز[35] محاطا بحالة من الريبة و الشك من جميع الأطراف, فالمستعمر كان ينظر إليه على أنه شريحة تحريضية يجب مراقبتها و مضايقتها, أما العلاقة مع الشرائح الاجتماعية الأخرى بها عرفت عدة مواقف و تطورات, من حالة عدم الاهتمام و الاعتراف بمكانتهم و دورهم قبل الثورة إلى حالة من الشك و التوجس منهم أثناء الثورة بسبب  تأخرهم في الالتحاق بها و الذي اعتبرته الشريحة العسكرية على وجه الخصوص أنه خيانة وطنية و بالتالي يمكن القول أن المثقفين لم يحرضوا على الثورة و لم يصنعوها, و لم يشرفوا عليها و لم يعملوا على تطويرها و إنارة الطريق لها و لم يشكلوا قوة طلائعية لها لا قبل الثورة و لا أثناءها بل كانوا مجرد مشاركين تابعين لفئة ثورية عسكرية لا تقرأ ولا تكتب, الشيء الذي جعل من هذه الثورة التحريرية تنمو وتتطور على هامش الاتجاهات الفكرية و الأيديولوجية التي عرفها العالم من اشتراكية أممية,قومية عربية, مذهبية إسلامية[36] .

الفئات الاجتماعية للمثقفين عند بناء مشروع الثورة:
      كان للانقسام الاجتماعي و عدم التأصيل الفكري للفئات المشكلة لشريحة المثقفين أثر كبير على المجتمع و على المشروع الذي اختصت به كل فئة, فظروف الاستقلال  و مقتضيات مشروع البناء فرضت عليهم التوافق و إنتاج مشروع ثقافي واحد و موحد لكن ما تم إنتاجه هو مشروع ثقافي ثلاثي الأوجه كل وجه يشكل مرآة عاكسة و امتدادا للوعاء الاجتماعي المنطلق منه فالتسوية الاجتماعية بين هذه الفئات أنتجت في النهاية مشروعا ثقافيا يوصف بالوطنية و الثورية و العلمية[37].

1- الثقافة الوطنية : لم تعد تعني الاستقلال عن الآخر فقط, بل تعني الاختلاف عن هويته و مقوماته و ذلك بإرساء أسس ثقافية أصيلة قوامها اللغة العربية و الدين الإسلامي. فالهوية الوطنية بهذا المعني هي تراث ثقافي يجب الانطلاق منه لبناء أيديولوجية مقاومة و محاربة الاستعمار الجديد, كما هو ملاحظ فإن هذا البعد الوطني للثقافة ما هو إلا امتداد للمقومات التي حملتها الفئة الاجتماعية التي كانت تنادي بالإصلاح و التمسك بالهوية العربية الإسلامية أثناء الثورة

1-                الثقافة الثورية: أصبحت تعني بعد الاستقلال الترويج لثقافة جزائرية قوامها نقد البنية الذهنية التقليدية القائمة على الخرافات و الخضوع و الولاءات للبنى الاجتماعية التقليدية, الطائفية, القبلية, العروشية و الإقطاعية فكما نلاحظ أن هذا الوجه الثاني للمشروع الثقافي لما بعد الاستقلال يعبر عن تطلعات الفئة التي نادت بالقطيعة مع المجتمع التقليدي.

2-                الثقافة العلمية:و هي ثقافة تروج لأيديولوجية بناء مشروع يقوم على التحديث العلمي و التكنولوجي فهو مشروع الفئة الثقافية التي انبهرت بحضارة المستعمر و ثقافته و جعلت منها نموذجا مستقبليا و قالبا لابد على المجتمع الجزائري أن ينصهر فيه حتى يلتحق بركب الدول المتقدمة و المتطورة و أيديولوجيتها التي عملت على ترويجها تتلخص في المقولة التالية: لابد أن نكون مثلك[38].

      فمشروع الثقافة الوطنية لما بعد الاستقلال و التي كانت عبارة عن أيديولوجيات روجت لها  كل واحدة من هذه النخب الثلاثة كانت عربية إسلامية على مستوى الهوية , ثورية تقدمية إزاء البنى الاجتماعية التقليدية العتيقة, علمية تكنولوجية فيما يخص العملية الاقتصادية لإنتاج ظروف الحياة الاقتصادية و لهذا نستطيع أن نقول أن هذا المشروع الثقافي أصبح موضوعا لتقسيم اجتماعي بين فئات هذه الشريحة المثقفة كل منها اختص بإنتاج  و إعادة إنتاج الأيديولوجية الثقافية للمجال المحدد له ضمن أسلوب و علاقات إنتاجية تحكمها التبعية الفكرية و السياسية للشريحة المركزية المسيطرة على النظام السياسي الجنيني, و بالتالي أصبح المجتمع موضوعا لتجاذبات مشاريع ثقافية روجت لها أيديولوجية كل من الرجل الاقتصادي الخالص, و الرجل الاجتماعي المسلوب, و الرجل الثقافي المنغلق على هويته الثقافية.

 خلاصة

         - عرفت المرحلة الاستعمارية نظاما استدماريا عمل على تفكيك و طحن البنية الاجتماعية التي كانت قائمة و جردها من كل مقوماتها الاجتماعية  و السياسية و الاقتصادية, الشيء الذي ترتب عنه آثار  سلبية عميقة على القدرة الذهنية و النفسية للفرد الجزائري الذي أصبح يعيش "حالة إستلانوميا" كما قلنا. أما عن الشرائح الاجتماعية التي بدأت تتشكل إبتداءا من الحركة الوطنية فكانت وليدة حركتين متعاكستين: حركة التدمير و حركة مقاومة هذا التدمير أعطى لنا في النهاية شرائح اجتماعية جديدة أصبحت هي قوام البناء الاجتماعي لما بعد الاستقلال مباشرة, و التي قادت أو شاركت أو عايشت انطلاقة المشروع التنموي و بناء الدولة الجزائرية المعاصرة,و الميزة الأساسية التي تميز هذه الشرائح أنها مفرغة من كل قوة اقتصادية أو مهارة تكنولوجية, فهي شرائح تشكلت و تحددت كياناتها على خلفية مقاومة الاستعمار و التحالفات و النزاعات و الصراعات على مناطق السلطة و النفوذ في قيادة الثورة التحريرية و تحضيرا لما بعد الاستقلال بهدف إنتاج دولة حديثة و قيادة مشروع تنموي, فهذه العلاقة التفاعلية أفرزت في النهاية ثلاث شرائح اجتماعية مثلت قاعدة النظام السياسي في الجزائر, بالإضافة لقاعدة اجتماعية عريضة يطلق عليها بالشعب, هذه الشرائح هي العسكريون السياسيون و المثقفون؛ فالصراع حول مناطق السلطة و النفوذ أنتج في النهاية علاقات سلطة و تبعية بين هذه الشرائح بالترتيب الذي ذكرناه.و في ظل هذا الترتيب و التمايز الاجتماعي الذي تأسس بينهم  هناك شيء أساسي وحّد سلوكاتهم وأفعالهم إزاء الشعب و المجتمع و هو المشروع التطلعي الذي قوامه بناء دولة حديثة أولا و القيام  بتنمية اقتصادية بها ثانيا ،لأنه في اعتقادنا  لا يمكن أن ندرس التنمية و أن نفهمها بمعزل عن فهم و تحليل الدولة كسلطة تحكمها لتفاعلات خاصة و نوعية بين الشرائح الاجتماعية التي أنتجتها, و التي تعمل على إعادة إنتاجها من خلال تجسيدها للمشروع الاجتماعي و التنموي الذي اختارته لذلك, هذا ما نريد أن سنحلله لاحقا.

 الهوامش:

(1)Nations unies commission économique pour l'Afrique du nord, conditions économiques et sociales en Afrique du nord 2èmme parties, analyse préliminaires de l'évolution des structures économiques 2000-2004.Tanger –Maroc 2005 p5.

(2) Abdelmagid Bouzidi, emploi et chômage. La situation s'est elle vraiment améliorée,le quotidien d'Oran , du Jeudi 29/12/2005.p10.

(3) سمير أمين, المجتمع و الدولة في الوطن العربي  في ظل السياسات الرأسمالية, مكتبة مدبولي, القاهرة 1998, ص.ص16-17 .

(4) نور الدين زمام, السلطة الحاكمة و خيارات التنمية بالمجتمع الجزائري, دار الكتاب العربي, الجزائر 2002, ص .ص36-37.

(5) Laddi Lahaouari. De  l'Algérie  précoloniale à l'Algérie coloniale,  ed ENAL .Alger 1985 p.p53-54.

(6) هواري العدي, نقلا عن نور الدين زمام, السلطة الحاكمة و خيارات التنمية بالمجتمع الجزائري . المرجع سبق ذكره ص49.

(7)IDEM p51.

(8) Wiliam B Quand. Société et pouvoir en Algérie, ed  Casbah. Alger.1999  p.24.

(9) آلان توران , ما هي الديمقراطية؟ حكم الأكثرية أم ضمان الأقلية, ترجمة حسن قبسي. الطبعة الثانية, دار الساقي بيروت   2000 ص.ص60-64.

(10) نفس المرجع السابق ص.64.

(11) Jean Leca     نقلا عن نور الدين زمام , المرجع سبق ذكره ص80-81.

(12) Wiliam B Quand. Op cit p.28.

(13) الشاذلي بن جديد. جريدة الخبر الجزائرية بتاريخ 2007.12.31 .

(14) نفس المرجع السابق.

(15) نفس المرجع السابق.

(16)Abdelkader yafsah  .processus de légitimations des pouvoirs militaire et la constitution de l'état Algerien . ed  Enthropos. Paris 1982 p.p 38-39.

(17) عبد الحميد مهري, الجيش و السياسة و السلطة في الوطن العربي. مركز الدراسات , الوحدة العربية, بيروت 2002, ص63.

(18)نفس المرجع السابق ص 64.

(19) نفس المرجع السابق ص 65.

(20) نفس المرجع السابق ص 66.

(21) نفس المرجع السابق ص67.

(22) نفس المرجع السابق ص68.

(26)Ali El kenz  .Au fil de la crise, ed  Bouchene. Alger 1989  p.p39-40.

(24)بابا عربي مسلم, المؤسسة العسكرية و مسار التحول الديمقراطي في الجزائر, مجلة العلوم الإنسانية , العدد 35, 2005 ص04.

(25)Mohamed Harbi. Le F.L.N mirage et réalité des origines à la prise du pouvoir 1945-1962. ed  Naqd/ENAL. Alger 1993 p.197.

(26) نفس المرجع السابق ص 259.

(27)الشاذلي بن جديد, جريدة الخبر الجزائرية 2007.12.31.

(28)عبد الحميد مهري , المرجع سبق ذكره ص 63.

(29)نفس المرجع السابق ص 63.

(30)رياض الصبداوي,  هل يتمرد جيل الشباب على قيادة ضباط الجيش الفرنسي, مجلة الزمان  ص05. الموقع:

www.Azzaman.com/a33/articles 2002.01/01/2007a99508.

(31)نفس المرجع السابق ص5.

(32) نفس المرجع السابق.

(33)Alain  Touraine,   sociologie de l'action. Ed  du seuil .Paris 1965 p.p 285-287.

(34)Ali El Kenz,  Opcit p.p 15-16

(35)Idem.p30.

(36)عمار بلحسن   , غرامشي  و قضايا المجتمع المدني, المشروعية و الفوارق الثقافية, الدولة و المجتمع و الثقافة في الجزائر,  مركز البحوث العربية ,  القاهرة 1990 ص380.

(37) نفس المرجع السابق ص380.

(38-39-40)Ali El Kenz,  OPCIT p.p37-39.

(41)Ali  El Kenz, prométhé et hermès les sciences hors d occident au 20èmme siècle séries S/D de Roland waast.volume 06,les sciences au sud. Etat des lieux, ed  ORTOM paris 1996 p.265.