التعليمية عند أبي حامد الغزالي(450-505 ﻫ)(1058-1111م) من خلال وظائف المعلم والمتعلم:pdf

د. حميدات ميلود

قسم علم النفس وعلوم التربية

جامعة الأغواط (الجزائر)

الملخص:

تميّز الفكر التربوي الإسلامي بالأصالة والسبق والتميز، وترك علماء التربية المسلمون تراثا تربويا هاما، ومن الذين اشتهروا بالتطرق إلى أهم موضوعات التربية أبو حامد  الغزالي، الذي تكلّم عن التعلم في المراحل الأولى، والتي تناسب  الطفل في مراحل التعليم الابتدائية والمتوسطة،  كما تناول المراحل العليا من التعليم، ويعني بها مراحل بلوغ المتعلم، فتتغير هنا أساليب التعلم، وتتطور وسائله، لذا خصصنا هذا البحث لقضايا المعلم والمتعلم في هذه المرحلة من التعليم، الذي  يعتني  بها الغزالي كثيرا، وتبرز عنايته من خلال تحديده لوظائف المعلم، والمتعلم، وهما أساس العملية التعليمية، ويبرز الغزالي مربيا ومعلما يمتلك أدوات تربوية دقيقة قد تصل إلى ما يصطلح عليه بالتعليمية، كما أن متابعة هذه الوظائف تظهر فلسفة التربية لدى الغزالي واضحة المعالم في الإشارات التربوية الواضحة، والكلام عن مجموعة من الأسس التربوية التي تناسب بمصطلحاتنا الحديثة:

1.       الكفاءات التربوية عند المعلم والمتعلم.

2.       طرق ووسائل التعلم.

3.       التخصص في علم من العلوم.

4.       التزام المنهاج والبرنامج التعليمي المناسب.

5.       تحديد الأهداف والغايات من وراء طلب العلم.

وستبرز هذه العناصر من خلال تحليلنا لوظائف المعلم والمتعلم، مدعومة بالنصوص الأصلية للغزالي. والتي تؤكد لنا كما سبق أن أشرنا أسبقية الغزالي وتميّز أفكاره التربوية التي مازالت حيوية إلى اليوم في التربية الحديثة.

المبحث الأول: وظائف المتعلم:

يتكلم الغزالي عن وظائف المتعلم، والتي هي الصفات التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم ليحقق غاياته، ويحددها في عشر وظائف وهي:

1.    طهارة النفس:

 تطهير النفس وتجنب رذائل الأخلاق، فطلب العلم يتطلب صفاء القلب والنفس، والتحلي بفضائل الأخلاق، والعمل على تجنب الرذائل،  »والصفات الرديئة مثل الغضب والشهوة، والحقد والحسد، والكبر والعجب، وأخواتها. « [i]

 فالعلم بدون أخلاق لا يساوي شيئا، إذ يتظاهر لصاحبه أنه يعلم، وهو لا يعلم، فالعلم سلوك، » فكم من طالب رديء الأخلاق حصّل العلوم، فهيهات ما أبعده عن العلم الحقيقي النافع. «[ii]

2.    التفرغ للعلم:

أن يتفرع طالب العلم له، ويبتعد عن كل ما يشغله، عن طلب العلم من أمور الحياة اليومية، كطلب المال، أو الانشغال بروابط الأهل، والعيال، أو مختلف الأعمال، إذ الجمع بين طلب العلم، وطلب المال أمر صعب، بحيث على طالب العلم أن » يقلّل علائقه من الاشتغال بالدنيا. «[iii]

فقد يضطر إلى السفر، ومفارقة الأهل والوطن لطلب العلم، والتفرغ له، حتى يناله، فقد » قيل العلم لا يعطيك بعضه، حتى تعطيه كلّك. «[iv]

3.    علاقة المتعلم بالمعلم:

ويتبع ذلك مجموعة صفات، ومطالب على طالب العلم أن يتحلى بها، ويطبقها إذا أراد الاستفادة من معلمه والتتلمذ على يديه، ومنها:

    ـ عدم التكبّر على العلم، وطاعة المعلم.

    ـ الإنصات، والإذعان لنصائح وإرشاد المعلم.

    ـ التواضع للمعلم، والعمل على خدمته، لنيل الثواب والشرف.[v]

    ـ الرغبة في العلم، وحسن الإصغاء، والفهم للمعلم، » فلا ينال العلم إلا بالتواضع، وإلقاء السمع. «[vi]

    ـ إتباع طريقة المعلم، ومنهجه، فتجربة المعلم مفيدة، لرسم الطريق الصحيح، وإن بدا عكس ذلك للمتعلم، فالخبرة والعلم أولى بالإتباع،  وقد دلّل(الغزالي) على ذلك بقصة الخضر وموسى عليهما السلام.[vii]

    ـ عدم الإلحاح بالسؤال على المعلم، والاكتفاء بما يأذن به، وذلك تدرجا في التعلم، وتجنبا لتجاوز مراحل التعلم. فالمعلم أدرى بما يحتاجه المتعلم، وبالأسئلة التي يحق له طرحها، والأسئلة التي تتجاوز ذلك المجال.  »فالسؤال مأمور به، ولكن فيما يأذن المعلم في السؤال عنه، فإن السؤال عما لم تبلغ مرتبتك إلى فهمه مذموم...فالمعلم أعلم بما أنت أهل له، وبأوان الكشف. «[viii]

4.    تجنب الاختلاف:

أن يتجنب المتعلم في بداية تعلمه الإصغاء إلى الاختلاف، وتصارع المذاهب لأن ذلك من شأنه أن يدهش ويخيف المتعلم، ويشعره بالحيرة، والارتباك، أي مذهب يتبع ؟ وأي رأي يتخذ ؟ وهو بعد في بداية الطريق، وما على المتعلم في هذه الحال إلا بإتباع معلمه، والتزام طريقته، أما إذا كان المعلم غير مستقر على رأي، وهو يتقلب في المواقف، وينقل كل المذاهب دون الاهتداء بمذهب فليتجنبه، وإلا فإن المتعلم نتيجته الضياع.[ix]

5.    التوسع في العلوم:

ضرورة التوسع في العلوم، ومعرفة كل ما كان مفيدا، وإذا واصل المتعلم فيمكنه أن يتخصص في علم مهم بعينه، مع إلمامه بالعلوم الأخرى.

لأن العلوم متعاونة، ومترابطة، وأن لا ينكر علما من العلوم لجهله به، فالعلوم على درجاتها منها ما هو علوم دينية توصل الفرد إلى معرفة ربه، أو علوم عملية معينة على تهذيب السلوك.[x]

6.    التدرج العلمي:

أن يراعي المتعلم التدرج في طلب العلوم، وفي الخوض في مجالاتها وميادينها المختلفة، إذ لا يستطيع أن يخوض في علم دفعة واحدة، فما عليه إلا أن يراعي الترتيب، حسب الأهمية والتدرج » فيبتدئ بالأهم فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا، فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه. «[xi]

وهي إشارة واضحة أيضا، إلى ضرورة التزام المتعلم لبرنامج تعليمي تربوي محدد، حتى لا يضيع وقته دون فائدة. 

7.    ترتيب العلوم، والتدرج في طلبها:

أن يحترم ترتيب العلوم وتدرجها وترابطها ببعضها. ولذلك لا يخوض في ميدان من العلم حتى يستوفي ويتعلم ما قبله، لأن بعض العلوم وسيلة وطريقة لعلوم أخرى، وهذا معلوم، إذ يرتبط نجاح المتعلم وتوفيقه في مراعاة ذلك الترتيب والتدريج.

ولا يجوز للمتعلم التقليد في ترك علم من العلوم، أو ميدان منه، لأن غيره لمس خطأ فيه، أو له حجة في رفضه، وهي دعوة إلى خوض كل ميادين العلم دون تردد، لقول شخص، أو لتشكيك آخر، ويدلل الغزالي على دعوته هذه بقوله:  »وترى طائفة يعتقدون بطلان الطب لخطإٍ شاهدوه من طبيب، وطائفة اعتقدوا صحة النجوم لصواب اتّفق لواحد، وطائفة اعتقدوا بطلانه لخطإٍ اتّفق لآخر، والكل خطأ، بل ينبغي أن يُعرف الشيء في نفسه. «[xii] أي على المتعلم أن يحكم على العلم ذاته، بالبحث، ولا يحكم على العلم لقول، أو موقف شخص آخر، فالعلم يتجاوز قدرة الأشخاص،  »فلا كل علم يستقل بالإحاطة به كل شخص. «[xiii]

ويمكن أن نستنتج من هذه الوظيفة -مع الوظيفة التي سبقتها- دعوة الغزالي الصريحة إلى ضرورة إتباع برنامج معين في التعلم، يأخذ بعين الاعتبار السلم الأفقي والعمودي في البرنامج، أي التسلسل أو الترتيب كما سماه بين العلوم، ثم التدرج في الصعوبة، وفي نفس الوقت نفهم من هذه الوظيفة الدعوة إلى التزام الموضوعية، وعدم إطلاق الأحكام السابقة، أو الحكم على العلوم من قول أو خطإ شخص واحد، وهي دلالة منهجية دقيقة.

8.    اختيار أفضل العلوم:

أن يعرف المتعلم كيف يختار أشرف، وأحسن العلوم، والأسباب التي تجعله يصل إلى أفضل، وأعظم الفنون والعلوم. ويحدد لذلك الغزالي طريقة لاختيار العلوم، أي أن العلم يطلب لسببين:

أولا: لثمرته: والمقصود بذلك نتائج العلم وفوائده وغاياته.وهو أمر في غاية الأهمية في اعتقادنا، لأنه يبحث في جانب معرفي، أو ابستمولوجي، وهو تقويم، وتقدير العلوم من ناحية نتائجها.

ثانيا: لقوة دليله(برهانه): أي ما يحتويه العلم من برهان وحجة، ودقة ويقين. وهو أمر في اعتقادي لا يقل أهمية، لأنه يتعلق بقيمة العلوم من الناحية المنهجية، أي النسق المنطقي، والبرهان الذي يميز علم من العلوم، وهو سبق ابستمولوجي للغزالي في تقويم ونقد أهمية العلوم من الناحية النفعية(البراغماتية)، ومن الناحية المنهجية المعرفية (الابستمولوجية).

والأقوى في ذلك أن الغزالي لا يكتفي بالإشارة، وإنما يقدم أمثلة للتدليل على ذلك، فيميز بين العلم الذي يطلب لقوة (برهانه) كالرياضيات أو علم الحساب، والعلم الذي يطلب (لثمرته) كالطب، ويرى تفضيل العلم لثمرته، أولى من قوة البرهان، لحاجة الإنسان للنتائج أكثر منالحاجة إلى الدليل.

وهو موقف عملي نفعي من الغزالي، كما يرى أن اختلاف وقيمة الثمرة أو النتائج، مجالا أيضا للتفضيل والتمييز بين العلوم، فيطلب في كل الحالات العلم الذي يحقق أفضل النتائج، والثمرات للإنسان.

 إذ يقول الغزالي: »كعلم الدين وعلم الطب، فإن ثمرة أحدهما  للحياة الأبدية، وثمرة الآخر للحياة الفانية، فيكون علم الدين أشرف، ومثل علم الحساب وعلم النجوم، فإن علم الحساب أشرف لوثاقة أدلته، وقوتها، وأن نسب الحساب إلى الطب، كان الطب أشرف باعتبار ثمرته، والحساب أشرف باعتبار أدلته، وملاحظة الثمرة أولى، ولذلك كان الطبأشرف. «[xiv]

9.    تقدير كل العلوم مع اختيار الموصلة إلى الحق:

أن يقصد التعلم العلم الذي يوصله إلى الله، ويجمّله بالفضائل، ويبعده عن الرذائل، وهو علم الآخرة، ومع تفضيل الغزالي لهذا العلم باعتباره العلم الذي يوصل إلى الحقيقة الإلهية، إلا أنه لا يغلق الباب أمام طلب العلوم على اختلافها، وبحسب رغبة وجهد طالبيها، فقط على طالب العلم أن يتجنب طلب العلوم » للمباهاة والجاه والمال. «[xv]        

فكل عالم يقصد الخير، وصالح الأعمال بعلمه فهو مأجور بحسب الغزالي، على الرغم من  تفاوت مراتب العلوم، ودرجاتها، حيث يقول:  »ومع هذا فلا ينبغي له أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم...ولا تفهمنّ من علوّنا في الثناء على علم الآخرة، تهجين هذه العلوم...فلا تظننّ أن ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر...وبالجملة من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، ومن قصد الله تعالي بالعلم، أي علم كان، نفَعه، ورفَعه، لا محالة. «[xvi]

10.اختيار الغاية من طلب العلم (تحديد الأهداف من العلم):

أن يعرف المتعلم غرضه وغايته من طلب تلك العلوم، ويحدد لذلك أهدافه، حتى يسير في علمه سيرا حسنا،  »فيؤثر الرفيع القريب على البعيد، والمهم على غيره. «[xvii]

ولذلك فعليه » بتهيئة الأسباب...والثاني السلوك...والثالث الاشتغال. «[xviii]

وكلما قام بخطوة من هذه الخطوات، اقترب من هدفه ومقصده، ولذلك يجعل(الغزالي) العلوم مراتب، منها ما يدخل في إعداد الأسباب،( كالطب، والفقه)، ومنها ما يرتبط بالسلوك من خلال،(الرياضة،وتهذيب الأخلاق، لتطهير النفس)، ليصل في الأخير إلى(العلم بالله)، ويشبه ذلك بالمسافر لأداءالحج، فهو مطالب لتحقيق مطلبه، في الأول(بإعداد متطلبات السفر)، وفي الثاني(القيامبالسفر)،وفي الأخير(أداء متطلبات الحج، من أفعال وأقوال.)[xix]

والغاية من كل هذا عند (الغزالي) هي أن العلم الحقيقي، وهو العلم بالله لا يتَأتّى إلا بعد قطع مجالات، والترقي في الدرجات من خلال علوم كثيرة، تكون الوسيلة الموصلة إلى العلم الحق.

وينصح (الغزالي) المتعلم بقبول النصيحة منه، لأنها صادرة من تجربة ومكابدة، وليس مجرد تأمل وتفكير، لأنه جرب الطريق ووصل إلى أن الحقيقة تحتاج إلى مشقات، ودروب يجب طيها، وعلوم يجب خوضها، حيث يقول:  »فتأمل هذا أولا، وأقبل النصيحة مجانا ممن قامعليه ذلك غالبا، ولم يصل إليه، إلا بجهد جهيد، وجراءة تامة على مباينة الخلقعامة. «[xx]

المبحث الثاني: خصائص المتعلم الناجح:     

 وزيادة على الوظائف التي يحددها الغزالي للمتعلم، هناك سلوكات يدعو الغزالي إلى التحلي بها حتى يحقق المتعلم غايته، وهي خصائص المتعلم الناجح، أو هي شروط يضعها الغزالي للمتعلم حتى يحقق المتعلم أهدافه من التعلم، وقد عملنا على استنباطها من كتبه، لتكتمل صورة القواعد التربوية التي يرسمها للمتعلم، وتتضّح لدينا أهمية التعلم في فلسفته التربوية، وقد رأينا أن هذه الصفات مكمّلة للوظائف التي ذكرناها سابقا، ولذلك عملنا أن لا نكرّر الصفات التي جاءت في الوظائف، وإنما نضيف الأشياء الجديدة، التي منها: 

ü      توظيف العلم والعمل به:

وفي كل هذا لا ينسى (الغزالي) أن يذكر طالب العلم، أن يعمل بعلمه، إذ لا تكفي المعرفة دون تطبيق، فيقول:  »أيها الولد العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون. «[xxi]

فتوظيف ما يتعلمه الإنسان هو أسمى غايات العلم، وهي نظرة عملية تطبيقية، كما هي دعوة إلى التحلي بآداب العلم وأخلاقياته.

ü      آداب المتعلم أمام معلمه:

ومن الآداب التي يجب أن يتحلى بها المتعلم، احترام معلمه، وابتدائه بالسلام، والإقلال من الكلام، وعدم مجادلته، والعمل على تخطيئه، وتحدّيه بأقوال الآخرين أو الاستهزاء به أو أمامه، وعدم الإلحاح عليه بالسؤال إذا تعب.[xxii]

ü      طلب الحق من أي كان، ولو كان مخالفا في الدين، لأن الحق أولى بالإتباع:

الحق أولى بالإتباع، مهما كان مصدره، وهذا الكلام ينم عن موضوعية الغزالي، ودعوته المتعلم إلى التزامها، وقد التزم الغزالي نفسه بذلك، إذ قرأ للجميع، ولم يتحرّج من الأخذ من غيره، وخاصة ما كان يعتقده حقا، حتى ولو اختلف مع أصحابه، ويعلق على ذلك بقوله: » وهذه عادة ضعاف العقول يعرفون الحق بالرجال، لا الرجال بالحق...والعاقل يعرف الحق، ثم ينظر في نفس القول، فإذا كان حقا قبله سواء كان قائله مبطلا أو محقا، بل ربما يحرص على انتزاع الحق من أقاويل أهل الضلال. «[xxiii]

 ü      عدم التقليد الأعمى، ونبذ الأحكام الذاتية:

تجنب الإتباع دون علم، أي الأحكام الذاتية، والتأثر بالأهواء والميول والاعتقادات في قبول أو رفض الحقائق، والسقوط في الأحكام المسبقة، أشياء يرفضها الغزالي ويحذر منها المتعلم، ويدعوه إلى التزام جانب الحق، بخلاف جانب الأشخاص.

إذ جاء على لسان الغزالي: » فمهما نَسَبت الكلام، وإن أسندته إلى قائل حَسُن فيه اعتقادهم قبلوه، وإن كان باطلا، وإن أسندته إلى من ساء فيه اعتقادهم ردوه، وإن كان حقا، فأبدا يعرفون الحق بالرجال، ولا يعرفون الرجال بالحق، وهو غاية الضلال. «[xxiv]

ü      تجنب العزلة لأنها تحرم من التعلم:

رغم أن الغزالي رجل صوفية وتعبد، لكنه يرفض العزلة كمربٍ ومعلم، إذا كانت تحرم الشخص من العلم والتعلم، ومخالطة الآخرين، والأخذ منهم والاستفادة من تجاربهم، إذ يقول:  »من المقاصد الدينية والدنيوية، ما يستفاد بالاستعانة بالغير، ولا يحصل ذلك إلا بالمخالطة، فكل ما يستفاد من المخالطة يفوت بالعزلة، وفواته من آفات العزلة. «[xxv] وبعد أن يحذر من خطر العزلة على التعلم، والاستفادة من الناس، يدعو إلى مخالطة الناس للتعلم منهم.

 ü      (التعلم وظيفة اجتماعية) ومخالطة الناس ضرورة تربوية للتعلم:

يدعو الغزالي إلى الاجتماع الإنساني، وينبذ عزلة الفرد بدون علم وتعلم، لذلك يعتبر التعلم وظيفة اجتماعية، حيث يقول:  »أنظر إلى فوائد المخالطة، والدواعي إليها ماهي، وهي التعليم والتعلم، والنفع والانتفاع، والتأدب والتأديب، والاستئناس والإيناس، ونيل الثواب وإنالته، في القيام بالحقوق واعتياد التواضع، واستفادة التجارب، من مشاهدة الأحوال والاعتبار بها. «[xxvi]

ويعتبر العزلة قبل العلم تضييعا للوقت والجهد، وتعودا على الخمول والكسل، قائلا: » فمن اعتزل قبل التعلم فهو في الأكثر مضيع أوقاته بنوم، أو فكر في هوس، فالعلم أصل الدين، فلا خير في عزلة العوام والجهّال. «[xxvii]

ü      مخالطة الناس وسيلة لتدريب النفس:

يجعل الغزالي من المخالطة ضرورة اجتماعية للتعلم، وأداة للاستفادة من تجربة الآخرين.

كما يضيف أنه من فوائد التربية عن طريق مخالطة الناس، » الإرتياض بمقاساة الناس، والمجاهدة في تحمل آذاهم كسرا للنفس، وقهرا للشهوات، وهي من الفوائد التي تُستفاد بالمخالطة، وهي أفضل من العزلة في حق من لم تتهذب أخلاقه، ولم تذعن لحدود الشرع شهواته. «[xxviii]

شروط العلم عند الغزالي:

ـ لاعلم بدون عمل:  » العلم بلا عمل جنون، والعمل بدون علم لا يكون. «[xxix]

ـ العلم المجرد لا يكفي المتعلم: إذ العلم المجرد لا يحرك الجوارح، مثال رجل يملك عشر سيوف، وأسلحة أخرى، وهاجمه أسد عظيم، فهل تدفع الأسلحة عنه الشر، دون استخدامها، فأيضا، لو قرأ وتعلم مائة ألف مسألة علمية، وتعلمها، ولم يعمل بها، لا تفيده إلا بالعمل، وكذلك لو كان رجل مريض، ولم يستخدم الدواء لا يحصل الشفاء.[xxx]

ـ طلب العلم يتطلب سعي وجهد وسهر متواصل: » كم ليلة أحييتها بتكرار العلم ومطالعة الكتب، وحرمت على نفسك النوم. «[xxxi]

ـ الإخلاص في العلم لله، لا للأغراض الدنيوية: » إن كان نيل عرض الدنيا، وجذب حطامها، وتحصيل مناصبها، والمباهاة على الأقران والأمثال، فويل لك ثم ويل لك، وإن كان قصدك فيه إحياء شريعة النبي ص، وتهذيب أخلاقك، وكسر النفس الأمارة بالسوء، فطوبى لك ثم طوبى لك. «[xxxii]

ـ تكامل العلم والعمل: »أيها الولد العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون.«[xxxiii]

ـ موافقة العلم والعمل لمقتضيات الدين: » ينبغي لك أن يكون قولك وفعلك موافقا للشرع، إذ العلم والعمل بلا إقتداء الشرع ضلالة. «[xxxiv]

ـ التصوف مجاهدة ورياضة، وليس إدعاءا ومظاهر: » ينبغي ألا تغتر بالسطح وطامات الصوفية، لأن سلوك هذا الطريق، يكون بالمجاهدة، وقطع شهوة النفس، وقتل هواها بسيف الرياضة، لا بالطامات والترهات. «[xxxv] 

وهي دعوة صريحة إلى التصوف السني القائم على الزهد والتقشف، والالتزام بالشرع الإسلامي، و الابتعاد عن شطحات الصوفية، وتجاوزاتهم.

ـ طلب العلم يتطلب المعلم الكفء: ينبغي للمتعلم اختيار المعلم المرشد المربي، الذي تتوفر فيه شروط المعلم الصالح، لينجح في مهمته، بالتربية التي تبدل الأخلاق الحسنة بالأخلاق السيئة.[xxxvi]

ـ طاعة المعلم الصالح، واحترامه ظاهرا وباطنا: ليس من السهل إيجاد المعلم، أو المرشد الصالح، ولكن من وجده فعليه، بالتزامه، واحترامه، وطاعته، وذلك بعدم مجادلته، والتجاوز في مناقشته، والعمل بما يأمر به، وأن لا يظهر له أمرا، ويسرر العكس، فينافقه، وإنما يخلص له الطاعة، حتى يتعلم منه.[xxxvii]

ـ الاستقامة وحسن الخلق: إن نجاح المتعلم في طلب العلم، وسلوك طريق الصوفية، يتطلب منه أن يعامل الناس بالحسنى، والحلم، وتجنب الرياء، وذلك بعدم تعظيم الناس.[xxxviii]

لقد آمن الغزالي بالتصوف، وأعتقد أن أعلى درجات العلم هو التصوف، وسلك طريقه للوصول فيه إلى أعلى المراتب هو بمثابة الدرجة القصوى التي يبلغها العالم في علمه، لذا قربها من درجة الأنبياء والرسل، وبالتالي فهو ينقل إلينا تجربة ذاتية عاشها، كنصيحة لخبرة خبرها بعد معاناة طويلة في البحث، مع علمه أن:  »النصيحة سهل، والمشكلة في قبولها. «[xxxix]

المبحث الثالث:

صفات المعلم أو المرشد الناجح عند الغزالي:

ويمكن أن نقسم تلك الصفات حسب مراحل التعليم، إذ هناك صفات يجب أن يتحلى بها معلم المراحل الأولى من التعليم، كما يقدم الغزالي صفات أخرى للمعلم المتخصص في تعليم الكبار، أو العالِم إن شئنا الذي يكوّن المتعلمين المتخصصين، أو المتصوفة باعتبارهم يمثلون مرحلة عليا من التعليم عند الغزالي، ونلمس الاختلاف بين صفات كل نوع، نظرا إلى مهمة كل واحد، وعلو المكانة العلمية لمعلمي المراحل العليا من التعليم، وهي إشارة مهمة جدا لأنها تمكننا من معرفة المراتب العلمية المختلفة التي عرفها التعليم والمعلمون في عصر الغزالي، كما أن الغزالي يطلق على المشتغل بالتعليم عدة أسماء تدل في الحقيقة على اختلاف الدرجة التي نذكر منها:

مراتب أو درجات التعليم:

1. معلم الصبيان: وهو عادة معلم الكتّاب، الذي يعلم الصغار القرآن الكريم، والقراءة والكتابة، وبعض آداب السلوك.

2. المرشد: وهو عند الغزالي المعلم الذي نجح في تزكية نفسه، وتحليتها بالفضائل، ومنه تكون قدرته على إرشاد المتعلمين إلى السبل الموصلة إلى الفضائل بناءا على تجربته الشخصية. 

3. الواعظ: وهو الذي يقوم بوعظ الناس ونصحهم، وهو غير متخصص بتعليم فئة دون غيرها، وإنما تكون دروسه عادة في المساجد للجميع، وتتناول ما يحث الناس على الالتزام بأمور الدين، معتمدا أسلوب الترهيب والترغيب.

4. الفقيه: وهو العالم بالفقه المتخصص في إجابة الناس على كل ما يتعلق بأمور دينهم، من عبادات ومعاملات، وحلال وحرام، مباح ومكروه.

5. الأستاذ: وهو الشخص الذي اختص بالتعليم دون غيره، كما يختص في علم من العلوم، يقدمه لتلاميذه بعد مراحل التعليم الأولية، كأستاذ الفقه، أو التوحيد، أوالكلام، أو المنطق، أو الحساب، الخ. ويعيّن عادة الأستاذ من طرف السلطة الحاكمة للتدريس في المدارس، كما كان الحال في المدرسة النظامية مع حكم السلاجقة.

6. العالم: وهو الشخص الذي تفوق في علم أو مجموعة من العلوم، دون أن يكون بالضرورة معلما، وعادة يتخصص العالم بالتأليف، كما يتميز العلماء بالفكر الموسوعي، وهو البحث والتفوق في مباحث متنوعة.

7. الشيخ: وهو عالم الدين، أو المتصوف على الخصوص ممّن وصل إلى درجة العلم والورع، بحيث تكون له طريقته، أو مذهبه، وبالتالي يكون سيدا وقائدا لمن يتعلم عنه من المتعلمين، أو يتبعه من المريدين.

8. المعلم المرشد: وقد خصصها الغزالي لمعلم الكبار، وميزه بمجموعة من الوظائف.

9. المعيد: وعادة هو الطالب المعلم، الذي يرخّص له شيخه، بعد ملازمته، والأخذ عنه، أن يعيد إلقاء دروسه، وهي بمثابة تدريب وتهيئة للمعيد على ممارسة التعليم، ويختار المعيد من الطلبة المتميزين، الذين أثبتوا جدارة واستحقاق عند أساتذتهم.

وهناك مراتب تدرج اختص بها الصوفية دون غيرهم، وهي درجات تعلم وتعليم دون شك، نذكر منها على سبيل المثال: المريد، الحجة، الشيخ، القطب إلخ

كما أن هناك صفات أساسية يجب أن يتحلى بها، من أختار تعليم الناس وإرشادهم إلى طريق الحق، نذكر أهم هذه الصفات، وهي:

ـ المعرفة، الذكاء، البصيرة، النصح، الأخلاق والفضيلة، الإخلاص في العمل.

وهي كما هو ملاحظ صفات مهمة، تتعلق بالجوانب العقلية والنفسية والأخلاقية.

حيث يقول الغزالي:  »وهذا كله حال من فقد شيخا عارفا ذكيا، بصيرا بعيوب النفس، مشفقا ناصحا في الدين، فارغا من تأديب نفسه، مشتغلا بتهذيب عباد الله، ناصحا لهم فمن وجد ذلك فقد وجد الطبيب، فليلازمه فهو الذي يخلصه من مرضه، وينجيه من الهلاك الذي هو بصدده. «[xl]

ـ مخاطبة المتعلم حسب عقله ودرجة فهمه، النزول إلى مستوى المتعلم ليحصل الفهم. إدراك أهمية الفروق الفردية بين المتعلمين: » إن المعلم ينبغي أن يتنزل إلى مستوى من يعلم ويرشد، فلو صادفه مسترشد تركي، أو هندي، أو بليد الطبع، ولم يطق فهمه، أن الله تعالى ليس في مكان، وأنه ليس داخل العالم، ولا خارجه، ولا متصلا به، ولا منفصلا عنه، قيل له أن الله على العرش لئلا يكذب بالحقيقة، إن ذكرت له، وإن صادفه ذكي ذكر له الحقيقة كما هي. «[xli]

ـ و أيضا الصبر، والتواضع، وحسن الخلق.

» إذا جمع المعلم ثلاثا تمت النعمة بها على المتعلم، الصبر، والتواضع، وحسن الخلق، وإذا جمع المتعلم ثلاثا تمت النعمة بها على المعلم، العقل، والأدب، وحسن الفهم، ولذلك قيل عرفت الشر، لا للشر، لكن لتوقيه، ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه. «  [xlii]

ـ كما على المعلم العالم أن يلتزم بالعلم والعمل به، تجنب التكبر والأنفة، وترك التكلف والاصطناع، والرفق والتأني، وإدراك اختلاف طبائع المتعلمين، والتعامل بحكمة لإفهام البليد، ومسايسة ذو الطبع الحاد كالعنيف، أو المغرور، أو المتسرع، وقبول الرأي الآخر، والاعتراف بالحق ولو كان من الخصم.

» آداب العالم: لزوم العلم والعمل به، ودوام الوقار، ومنع التكبر، وترك الدعاء به، والرفق بالمتعلم، والتأني بالمتعجرف، وإصلاح المسألة للبليد، وترك التكلف، واستماع الحجة والقبول بها ولو كانت من الخصم. «[xliii]

ومن قواعد الغزالي للعالم الناجح: هناك أشياء يجب التحلي بها، والعمل بها وأخرى يجب تركها:

1. تجنب المناظرة لأجل المناظرة والمباهاة: لأنها تؤدي إلى ظهور الصفات السيئة كالرياء والحسد، والكبر والحقد، والعداوة والمباهاة.

أما المناظرة المباحة فيجب أن تكون لإظهار الحق، مع التزام شروطها:

ـ أن تقصد الحقيقة، فلا يضيرك إن ظهرت على لسانك، أو لسان خصمك.

ـ أن لا يكون قصدك المباهاة والخيلاء، وتفضل أن تكون بعيدا عن الملأ.[xliv]

2. أن تدرك الفروق بين المتعلمين، وتعرف أن العالم لا يستطيع أن يعلم كل مسترشد، فالعالم الناجح كالطبيب الحاذق يجب أن يعرف من يصلح للعلاج، ومن لا يمكن علاجه، إذ تجد من المتعلمين أصنافا كثيرة، منهم من لا يقبل التعلم وهم:

ـ من يمتلئ قلبه بالحسد والبغض، ومهما حاولت تعليمه، لا يقبل الجواب لعلة في نفسه من المكابرة، وعدم قبول الحق.

ـ ومن علته الحمق والغرور، فإذا تعلم شيئا ظن نفسه يستطيع مجادلة ومعارضة من أفنى عمره في طلب العلم، فلا يستمع لغيره، إذ مهما بذلت في تعليمه، فهو يعترض لجهله، وحمقه وبالتالي جوابه تعب، وتضييع للوقت، فلا فائدة معه.

ـ وأخيرا من علته الغباء، والبلادة، ولو طلب الاستفادة، فهو لا يدرك الحقائق لعلة طبيعية فيه، فهذا يجب أن يخاطب على مقدار فهمه، وقدرة عقله لا أكثر.

أمّا الذي يمكن أن يتعلم، وتُرجى استفادته:

ـ فهو الذي يكون عاقلا ذكيا مسترشدا، لا يسيطر عليه الحسد، والغضب وحب الجاه والمال، ويسأل ليتعلم، لا للتعنت والاعتراض، ويسعى إلى الطريق المستقيم، فهذا من تتوجب إجابته وتعليمه.[xlv]

3. الحذر من أن تنصب نفسك واعظا ومذكرا للناس، إلا إذا عملت أولا بما تقول، فلا تدعو الناس لشيء أنت لا تقوم به، أو تنهاهم عن أفعال وأنت تقوم بها.

وإذا تحتم عليك الاشتغال بوعظ الناس، فعليك بصفتين:

الأولى: أن لا تصطنع في الكلام، بالتنميق والتقعر، والتكلف، والمبالغة. لأن عملك هو تحذير الناس من غضب الله، ودعوتهم إلى طاعته، » فلو رأيت السيل يهجم على دار، فتقول: الحذر فروا من السيل!! وهل تخبر صاحب الدار خبرك بتكلف العبارات، والنكت والإشارات؟ فلا تشتهي البتّة؛ فكذلك حال الواعظ فينبغي أن يجتنبها. «[xlvi]

الثانية: أن لا يكون همك المظاهر، بحيث يغلب على مجلسك إدّعاء التقوى والورع، فيظهر المستمعين لك التأثر، والوجد، ليتحدث الناس عن مجلسك، بل تخلص في وعظك، فتدعو الناس إلى الزهد في الدنيا، والسخاء، والتقوى وحب الآخرة، وتنهاهم عن البخل، والغرور، وتعلمهم علم العبادة، والزهد.[xlvii]

المطلب الثاني:وظائف المرشد أو المعلم:

استخدام الغزالي لمصطلح مرشد ذو دلالة تربوية صوفية، وهو مصطلح بات مستخدما جدا اليوم لحاجة المتعلمين إلى أكثر من مجرد التعليم، الذي يفهم منه مجرد نقل المعارف العلمية، وإنما أيضا التوجيه والإرشاد التربوي، الذي هو تدريب وتكوين سلوكي للمتعلم.

يشبّه الغزالي طلب العلم كاقتناء المال، وبالتالي يصبح للمال كما هو للعلم أربعة أحوال وهي:

ـ  طلب المال واكتسابه.   

ـ ادخار المال والاغتناء به.

ـ الإنفاق على نفسه وبالتالي الانتفاع. 

ـ بذله على الغير ومساعدتهم، وبالتالي السخاء، وهو أشرف الأحوال والفضائل. فكذلك العلم له حالة اقتناء وطلب، وحال تحصيل، وحال استبصار وتمتع، وأخيرا حال تبصير، أي تعليم وإرشاد للآخرين، وهو أسمى الأحوال وأشرفها عند الغزالي.[xlviii]

وقبل أن يتكلم الغزالي عن وظائف المعلم تجاه المتعلم، يعتبر أن التعليم في حد ذاته أعظم وأشرف وظيفة على الإطلاق، مؤكدا حكمه هذا بمجموعة من التشبيهات، للدلالة على قيمة وعظمة المعلم العامل المرشد لغيره بعلمه، في مقابل عدم قيمة العالم الذي لا يعمل لإرشاد وتعليم الناس، حيث يقول:  »فمن عَلِم وعمل وعلَّم فهو الذي يدعى عظيما...فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيّب غيره وهو طيب. والذي يعلم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره، وهو خال من العلم، وكالمِسنّ الذي يشحذ غيره ولا يقطع، والإبرة التي تكسو غيرها وهي عارية، وذبالة المصباح تضيء لغيرها وهي تحترق. «[xlix]

وعلى المعلم عند الغزالي أن يحترم آداب التعليم ووظائفه، لأنه يتقلد أمرا عظيما، وصعبا وخطيرا في نفس الوقت.[l]

ثم يقدم الغزالي الوظائف التي على المعلم القيام بها:

الوظيفة الأولى: في العلاقة ومعاملة المتعلم: أن يعامل تلاميذه كأبنائه، فيحبهم ويخلص في تعليمهم، فحقه أعظم من حق الوالد الذي أنجب، أما هو فينجي تلاميذه بعلمه ويوصلهم إلى رضا الله، وعليه أن يحثهم على المودة والمحبة والتعاون بينهم، ويجنبهم التحاسد والتباغض، ولا يكون ذلك إلا إذا أخلصوا للعلم ولله، ولم يطلبوا العلم لنيل الأغراض الدنيوية، وتجنبوا التصارع من أجل ذلك.[li]

الوظيفة الثانية: في الغرض من التعليم، وعدم طلب المقابل: أن لا يطلب أجرا، ويعمل لوجه الله، ويقتدي في ذلك بالنبي، ولا يدعي فضلا على تلاميذه، وأن:

يتجنب تسييس العلم: يستقل العالم بعلمه، ولا يبيع نفسه وعلمه للحكام، وهي دعوة إلى حرية التفكير والتنظير بعيدا عن تسلط الحكام، وكأن الغزالي يرفض ما يطلق عليه علماء السلطان، أو مثقفي السلطة، وينكر على العلماء تنافسهم على إرضاء الحكام لنيل المغانم والمراكز والمكاسب المادية.[lii]

تجنب تسييس المتعلم: بل ينكر الغزالي على المعلم اشتغاله بتسييس تلاميذه ودعوتهم إلى نصرة من ينصر ومعاداة من يعادي، وإلا عاداهم ، قائلا بعبارته:  »ثم يتوقع المعلم من المتعلم أن يقوم له في كل نائبة وينصر وليه ويعادي عدوه...فإن قصّر في حقّه ثار عليه، وصار من أعدى أعدائه، فأخسس بعالم يرضى لنفسه بهذه المنزلة، ثم يفرح بها، ثم لا يستحي من أن يقول غرضي من التدريس نشر العلم تقربا إلى الله تعالى ونصرة إلى دينه. «[liii]

ولعلّ الغزالي يقصد أن لا يبيع العالم علمه، بأن يبدل مبادئه، ويخدم ويعلم لمن يدفع أكثر، ويجعل هدفه من التدريس جمع المال، وخدمة الحكام ومجاراتهم في الباطل، وأن يحافظ العالم على استقلاله العلمي، وأن يلتزم الدعوة إلى الحق دون وجل، أما ما تقدمه الدولة للمعلم من أجر ليفي بمعاشه، فهو أمر لا يرفضه، وقد درّس هو نفسه في المدرسة النظامية، واستفاد من عطاءات نظام الملك الذي عينه. وقد ذكرنا أن نظام هذه المدارس كان يضمن معاش وإقامة طلبته، فكيف بأساتذته، الذين كانوا يختارون من أفضل العلماء ويعينهم الحاكم، بل كان العلماء يتنافسون للحصول على التدريس في هذه المدارس.

الوظيفة الثالثة: طريقة المعلم مع المتعلم أو منهاج التعليم: أن يخلص في نصح طلبته، وأن لا يبخل عليه بشيء، وأن يعلمهم احترام تسلسل العلوم، والتدرج في التعلم، من البسيط إلى المركب، ومن الحسي إلى المجرد، ويبين لهم أن غرض العلم القرب من الله، وأن لا يطلبوا العلم لغرض المنافسة والمباهاة والسلطة، مع اعتراف الغزالي أن هذه الأمور تؤثر أيضا على الناس في طلب العلوم، في قوله » وخلِق أيضا حب الجاه ليكون سببا لإحياء العلوم...وقد فعل الله ذلك بعباده، إذ جعل الشهوة ليصل الخلق بها إلى بقاء النسل. «[liv]

وهو اعتراف يدل على معرفة الغزالي بالطبيعة البشرية، ودعوته إلى التهذيب والتنظيم والتحكم في هذه الرغبات والغرائز، حتى يسيرها الإنسان، لا أن تسيّره.

الوظيفة الرابعة: أساليب التهذيب الأخلاقية الواجب استخدامها:  يعتبرها الغزالي من الخصائص الدقيقة لمهنة التعليم، وهي أن يزجر المعلم المتعلم عن سوء الخلق، تعريضا لا تصريحا، رحيما مشفقا على المتعلم، لا موبخا ومعاتبا أمام الملأ، مما قد يؤدي بالمتعلم إلى الغضب والتجرؤ على خلاف ما يدعو إليه معلمه، والإصرار على إتيان ما نهي عنه، كما أن التلميح يفيد الفطنة والذكاء، وهو طريقة تعليمية في حد ذاتها تدفع بالمتعلم إلى إعمال ذهنه، لاكتشاف إشارات معلمه، واستنباط المعاني التي يقصدها في نهيه عن عمل أو فعل ما.[lv]

الوظيفة الخامسة: المعلم والعلوم المختلفة: أن يحترم المعلم العلوم المختلفة، ولا ينتصر لمادته أو علمه، ويذم المواد والعلوم الأخرى، لأن ذلك تقليد فاسد، ومنافي للعقل، بل على المعلم أن يشجع طالبه على التوسع في العلوم، وفي نفس الوقت عليه أن يراعي التدرج في تعليم طلبته، وهي نظرة علمية ومنهجية، ترتبط بالمنهاج بحيث يشمل علوم مختلفة، ويراعي التدرج والترتيب في تعلمها، مع التزام المعلم باحترام كل العلوم، وعدم سبها للمتعلم، لأن تلك » أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب، بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعلم في غيره، وإن كان متكفلا بعلوم فينبغي أن يراعي التدريج في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة. «[lvi]

الوظيفة السادسة: مراعاة المعلم لقدرت المتعلمين، والفروق الفردية بينهم: أن يراعي قدرات المتعلم وفهمه للأمور، ويجعل تعليمه في متناول المتلقي، فلا يعقّد ويصعّب المسائل، كي لا ينفّر المتعلم، ويشوّش تفكيره، فإن لم يجد المعلم من يقدر العلم ويفهمه، فمن باب أولى أن يحفظ العلم عن السفهاء، ويؤكد الغزالي على ضرورة احترام تفاوت المتعلمين في استعداداتهم، أي الفروق الفردية، مع احترام العلم وعدم إلقائه هباءا لمن لا يستحقه، وفي نفس الوقت لا يجب كتمه عن مستحقه.

فما على المعلم إلا » أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه...ولذلك قيل كِل لكل عبد بمعيار عقله، وزِن له بميزان فهمه حتى تسلم منه، وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار...على أن حفظ العلم ممن يفسده ويضره أولى، وليس الظلم في إعطاء غير المستحق بأقل من الظلم في منع المستحق. «[lvii]

الوظيفة السابعة: التدرج في تلقين العلوم: أن يعتمد في تعليمه للمتعلم المبتدئ أبسط الطرق، وأيسر المسائل للفهم، والواضح المناسب للمتعلم من العلوم، وأن لا يفهم متعلميه أنه يعطيهم أبسط العلوم، ويخبئ عنه أدقها، فإن ذلك يشعرهم أنّ معلّمهم يبخل عليهم بعلمه، ولا يفهمون أنّ ذلك إشفاقا على عقولهم، وتيسيرا لهم، بل إن ذلك مما يكدّر العلاقة بين المعلم وطلبته، ولو كان من طلبته من هم أقل عقلا وفهما، فلا أحد يعترف بنقص فهمه، أو قلة عقله، أو كما يقول الغزالي:  »إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق، فما من أحد إلا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله، وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله. «[lviii]

الوظيفة الثامنة: المعلم قدوة للمتعلم: أن يكون المعلم عاملا بعلمه، قدوة لطلبته، لا يدعو لشيء ويأتي عكسه، أي التزام المعلم بآداب التعليم وقواعده، وخاصة أنه بخطئه يهلك معه الكثير لأنهم يتبعونه، ويقلدونه لعلمه، وأساس إرشاد المتعلم أن يتوافق علم وعمل المعلم، » فإذا خالف العمل العلم منع الرشد...ومتى استوى الظل والعود أعوج...ولذلك كان وزر العالم في معاصيه أكبر من وزر الجاهل، إذ يزل بزلّته عالم كثير. «[lix]

وهذه الوظيفة غاية في الأهمية من الناحية المنهجية لأنها تعني وسيلة مهمة في التعليم وهي القدوة والإقتداء عند المتعلم بمعلمه، ومتى فقدت هذه الوسيلة وجودها في العملية التعليمية فقد التعليم قيمته في إرشاد المتعلم وخاصة في الجانب السلوكي على الأقل.

هذه القواعد بمثابة دليل عملي للمعلم، تبين له الطرق الفنية، والوظيفية، والمنهجية، ليتحلى بالصفات العملية المناسبة، التي تجعل منه معلما ناجحا في تأدية رسالته العلمية والعملية، في تعليم وتربية المتعلمين، وهي كما هو واضح لا تعتني بالعوامل المعرفية فحسب، وإنما تناولت الصفات والعوامل السلوكية، والعقلية، والاجتماعية للمعلم، وهي بمثابة صورة دقيقة يرسمها الغزالي للصفات التي يجب أن نركز عليها، في تكوين المعلمين والأساتذة، ليكونوا قدوة في العلم والسلوك لطلبتهم، وهو سبق منهجي ومعرفي يحسب للغزالي دون شك.

الخلاصة:

ما نستنتجه بعد استعراضنا لوظائف المعلم عند الغزالي، هو أنه يتكلم عن الكفايات التي يجب أن تتوفر في المعلم الكفء، والمتأمل للوظائف والصفات التي وصف بها الغزالي المعلم، يجعلنا نؤكد أن الغزالي حدّد بدقة أهم الكفايات التي تميز المعلم الناجح، وأن هذه الكفايات تتناول تقريبا جميع النواحي، فهي تشير إلى الكفايات العلمية والعملية والنفسية والجسدية والأخلاقية:

ويقصد بها إلمام المعلم بتخصصه العلمي ومادته التدريسية، فاهما لمعانيه، ليس مدعيا لذلك بل متحققا من ذلك، فإذا تم له الإلمام بمادته حيث محتواها من تفاصيل و فروع، مستوعبا لها متفهما لأمورها، يمكنه ممارسة مهنة التعليم.

ولم يكتف الغزالي وعلماء التربية القدامى بذلك،بل طالبوا المعلم أن يكون ذا ثقافة واسعة في غير تخصصه أيضا، وربما كانت هذه شائعة في العصور الإسلامية الأولى، حيث كانت الموسوعية سمة العلماء والمفكرين ، فنصحوا المعلم أن يكون مبدعا في تعليمه، لتحقيق المطلوب منه.

    وأن يكون غزيرالمادة العلمية، يعرف ما يعلمه أتم معرفة وأعمقها. وأن لا ينقطع عن التعليم، وأن يداوم على البحث والدراسة وتحصيل المعرفة.والحرصعلى الازدياد من العلوم، بملازمة العمل والاجتهاد، والاشتغال بالقراءة والمطالعة، والتصنيف والبحث.

وهي كلها كما نلاحظ صفات المعلم الناجح حتى حديثا، وخاصة بتركيز التربية الحديثة على المعلم الباحث، والمبدع والمنتج للفكر والمؤثر في المتعلمين، ولذلك يحسب دون شك لأبي حامد الغزالي السبق التاريخي، في البحث في كفايات المعلم وخصائص المعلم الناجح.

 الإحــالات



[i]) الغزالي: الإحياء، ج1، عالم الكتب، دمشق، ب ت. ص 43.

[ii]) المصدر نفسه، ص 44.

[iii])  المصدر والموضع نفسه.

[iv]) المصدر والموضع نفسه.

[v]) راجع المصدر والموضع نفسه.

[vi])  المصدر نفسه ، ص45.

[vii]) المصدر والموضع نفسه.

[viii]) المصدر والموضع نفسه.

[ix]) راجع المصدر والموضع نفسه.

[x]) راجع المصدر نفسه، ص46.

[xi]) المصدر والموضع نفسه.

[xii]) المصدر والموضع نفسه.

[xiii]) المصدر نفسه، ص 47.

[xiv]) المصدر والموضع نفسه.

[xv]) المصدر والموضع نفسه.

[xvi]) المصدر والموضع نفسه.

[xvii]) المصدر والموضع نفسه.

[xviii]) المصدر والموضع نفسه.

[xix]) راجع المصدر والموضع نفسه.

[xx]) المصدر نفسه، ص49.

[xxi]) الغزالي: رسالة أيها الولد، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، ط1، لبنان، 2003، ص 162.

[xxii]) راجع الغزالي: الأدب في الدين، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، ط1، لبنان، 2003، ص 133.

[xxiii]) الغزالي: المنقذ من الضلال، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، ط1، لبنان، 2003. ص 52.

[xxiv]) المصدر نفسه، ص 54.

[xxv]) الغزالي: الإحياء، ج2، مصدر مذكور سابقا، ص 236.

[xxvi]) المصدر والموضع نفسه.

[xxvii])   المصدر نفسه، ص 238.

[xxviii]) المصدر والموضع نفسه.

[xxix]) الغزالي: رسالة أيها الولد، مصدر مذكور سابقا، ص 162.

[xxx]) راجع المصدر نفسه،  ص 159.

[xxxi]) المصدر والموضع نفسه.

[xxxii]) المصدر نفسه، ص 161.

[xxxiii]) المصدر نفسه، ص 162.

[xxxiv]) المصدر نفسه، ص165.

[xxxv]) المصدر والموضع نفسه.

[xxxvi]) راجع المصدر نفسه، ص 169.

[xxxvii]) راجع المصدر نفسه، ص 170.

[xxxviii]) راجع المصدر نفسه، ص 170، 171.

[xxxix]) المصدر نفسه، ص 158.

[xl]) الغزالي: الإحياء، ج 3، مصدر مذكور سابقا، ص 56.

[xli]) الغزالي: ميزان العمل، تحقيق وتقديم: سليمان دنيا، دار المعارف، ط 1، القاهرة، 1964، ص 407.

[xlii]) الغزالي: الإحياء، ج 3، مصدر مذكور سابقا، ص 68.

[xliii]) الغزالي: الأدب في الدين، مصدر مذكور سابقا، ص 132، 133.

[xliv]) راجع الغزالي: رسالة أيها الولد، مصدر مذكور سابقا، ص 172.

[xlv]) راجع المصدر نفسه، ص 173، 174.

[xlvi])  المصدر نفسه، ص 175.

[xlvii]) راجع المصدر نفسه، ص 175، 176.

[xlviii]) راجع الغزالي: الإحياء، ج 1، مصدر مذكور سابقا، ص 49.

[xlix]) المصدر والموضع نفسه.

[l]) راجع المصدر والموضع نفسه.

[li]) راجع المصدر والموضع نفسه.

[lii]) راجع المصدر نفسه، ص 49، 50.

[liii]) المصدر نفسه، ص 50.

[liv]) المصدر والموضع نفسه.

[lv]) راجع المصدر والموضع نفسه.

[lvi]) المصدر والموضع نفسه.

[lvii]) المصدر والموضع نفسه.

[lviii]) المصدر نفسه، ص 51.

[lix]) المصدر والموضع نف